الأحسائيون في الكاظمية
أواسط القرن العشرين
أحمد البقشي * - 2 / 2 / 2011م - 11:13 ص - العدد (52)

الأحسائيون والكاظمية[1] 

كانت الكاظمية مقصدًا من أهمِّ المقاصد التي تَوجَّه إليها الأحسائيون؛ منذ أن دُفن فيها الإمامان الكاظميَّان؛ الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) عام 183هـ، وكذا حفيده الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) سنة 220هـ، شأنُهم شأن غيرهم من المسلمين في سائر الأقطار، إلا أن الفترة التي عاشها العراق إبَّان الحكم الملكي الهاشمي، تعدُّ أكثر الفترات الزمنية التي شهدت إقبالاً كبيرًا من الأحسائيين للتوجه إلى الكاظمية، لا لمجرد الزيارة فحسب؛ بل للاستقرار والإقامة فيها؛ من أجل العمل والحياة، ويمكن أن نلخص عوامل الإقامة فيها تحت العناوين التالية:

1- مجاورة الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)

فالعديد من الناس يرغبون بالمجاورة في المدن المقدسة كالمدينة المنورة، ومكة المكرمة، والقدس الشريف، والنجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، والكاظمية، وغيرها من المدن التي فيها مساجد معينة، أو دفن فيها أئمة، والمدن الدينية حافلة بالعديد من الناس الذين جذبهم مغناطيس القرب من المحبوب، والاستقرار بجانبه.

2- العمل وممارسة المهنة فيها

تعتبر الكاظمية -في تلك الفترة- مركزًا تجاريًّا كبيرًا نظرًا لقربها من بغداد (فهي جزء من جانبها الغربي)، ومن جهة أخرى يكثر زوارها الذين يأتون من أرجاء العالم الإسلامي؛ لذا قصدها الأحسائيون للعمل؛ خاصة من يحترف خياطة «البشوت»، وقليل من صاغة الذهب.

وجدير بالذكر أن صناعة “البشت الحساوي” المطرَّز بخيوط «الزري» كانت -حتى تلك الفترة- حكرًا على الأحسائيين فقط، وفي الوقت نفسه كان هذا اللباس مستخدمًا من قِبل الوجهاء ورؤساء العشائر، أضف إلى ذلك أن الكاظمية وبعض أسواق بغداد كسوق «هرج» (من أسواق بغداد القديمة) كانت مركزًا لإعادة تصدير «البشت الحساوي» إلى مناطق أخرى داخل العراق؛ مثل الموصل، والدول المجاورة خارج العراق، أيضًا، كسوريا ولبنان، والتي كان يقوم بها تجار البشوت الكبار، ومعلمو الصنعة، وهؤلاء كانوا يعرفون بـ(المعازيب)، ومن أولئك (المعازيب) الحاج حسن المحسن، الذي يقوم بتصدير البشت الأحسائي إلى تلك البلدان.

3- الاستقرار السياسي والأمني

من أهم الأسباب التي ساعدت على نماء الاقتصاد هو الاستقرار السياسي والأمني الذي عم العراق في تلك الحقبة الزمنية، والتي انعكس على شكل نماء اقتصادي جعل العراق، بشكل عام، منطقة جاذبة للعمل والمهنيين، وكان في طليعتهم الأحسائيون.

4- زيادة الدخل

كان الكثير من الأحسائيين يعاني من الشظف، وصعوبة المعيشة في تلك الفترة، خاصة أن كثيرًا منهم لا تقتصر نفقته على نفسه وعائلته، بل على أقارب آخرين، والبعض يولد مدينًا ويطالب بسداد ديون والده منذ نعومة أظفاره.

5- المعاملة الحسنة من أرباب العمل

كان الخياط الأحسائي يلاقي معاملة لطيفة جدًّا في الكاظمية من (المعازيب)، فإذا كان غير متزوج فإنه يؤمّن له السكن والمأكل، والمشرب بل إن (المعازيب) كانوا يتبارون في اجتذابه من خلال تحسين مثل هذه الخدمات، حتى كان الخياط يشترط طعامًا معيَّنا، وسكنًا معيًّنا في بعض الحالات، ويتم إعطاؤه الأجر مباشرة بعد تسليمه العمل الذي أدَّاه، وقد يُدفع له الأجر مقدمًا، وهذه مغريات لا تتوفَّر لهم في الأحساء.

6- الرخاء والرفاه الاقتصادي

على الرغم من وفرة الخيرات في الأحساء في تلك الفترة، مقارنة بمناطق أخرى من المملكة إلا أن الوضع الغالب في المعيشة هو وضع الكفاف، بينما يتمكن الأحسائي -المهاجر للعراق في تلك الفترة- من التمتع بقدر أفضل؛ نظرًا لتوفر الأطعمة، وتنوعها، ورخصها الشديد؛ فمثلا كان الرجل يزود بيته بالأطعمة يوميًّا بربع دينار، بالإضافة لتوفر وسائل المواصلات، والكهرباء والملابس وغيرها، مما جعلهم محل غبطة وحسد من بعض العراقيين.

8- التعليم الديني

نظرًا لكون الكاظمية من المراكز الدينية المهمة؛ فقد وُجدت فيها مدارسُ دينية عريقة، بل لقد خرج منها عدد من البيوتات العراقية العلمية الشهيرة؛ كالسادة آل الصدر، وآل ياسين، وآل الخالصي، وآل الحيدري، فخرج منها العديد من مراجع الدين؛ مثل مرجع الكاظمية الشهير السيد حسن الصدر، والد السيد محمد الصدر الذي تقلد منصب رئيس الوزارة في العهد الملكي، وكذا الشيخ محمد مهدي الخالصي، وابنه الشيخ محمد الخالصي. والمرجع الديني الكبير الشيخ محمد رضا آل ياسين، فكان ذلك محفزًا لعدد من الطلبة والعلماء الأحسائيين -في تلك الفترة- على الدراسة بمدارس الكاظمية؛ مثل المدرسة الخالصية، ومعهد منتدى النشر، وكان ممن درس ودرّس في الخالصية المرحوم الشيخ أحمد بن حسن الوايل، المتوفى عام 1405هـ[2] ، وعليه تتلمذ الحاج حسن بن علي البقشي[3] .

ومن علماء الأحساء الذين اتخذوا الكاظمية مسكنًا الشيخ حسين بن الحاج عبد الله الشّوّاف، المتوفى عام 1403هـ، ومنهم من قصد الكاظمية، أيضًا، شطرُا من حياته العلمية؛ كالمرحوم الشيخ باقر بن الشيخ موسى بوخمسين[4] ، وكان بعض العلماء الأحسائيين -كالعلامة الشيخ حسين الخليفة- يقضون فترة الصيف بطوله فيها للطف جوّها مقارنة بالنجف الأشرف.

المهن التي عمل بها الأحسائيون في الكاظمية

 تعتبر خياطة وتطريز البشوت العمل الأهم والأكثر بروزًا في مهن الأحسائيين، في تلك الفترة، لتفردهم بتلك الصنعة فيها، وربما اشتغل أفراد قلائل بتجارة «الزري»[5] ، كالحاج محسن بن عايش «آل أبو صالح» من المبرز، ولم يعمل بالصياغة غير الحاج علي بن حسن بن عبد الله البقشي حيث عمل صائغًا في متجر السيد محمد رضا الوردي، واشتهر بتدريب الصواغ الجدد لما تميز به من مهارة عالية في هذه الصنعة، حيث درَّب مجموعة من العراقيين امتلكوا محلات للصياغة في شارع (باب المراد) في الكاظمية.

الرعيل الأول

هناك مجموعة من الأحسائيين وصلوا إلى الكاظمية قبل الحرب العالمية الثانية، ولسنا، هنا، بصدد حصر جميع من سكن الكاظمية، وعمل بها من الأحسائيين، نظرًا لكثرتهم بل سنقتصر على أهم المعلمين (المعازيب)، وهم:

1- الحاج عبد الوهاب آل أبوخمسين.

2- الحاج عبد المحسن السبتي.

3- الحاج حسن بن محمد بن حسن البقشي.

4- الحاج عبد الرسول آل ابن سليمان، وكان يمتلك مجلسًّا للخياطة يعمل فيه (الصبيان[6] ) الخياطون يقع في أحد خانات الكاظمية، وكان مشتهرًا بالسخاء، لذا كان محل احترام العراقيين والأحسائيين على حد سواء.

5- الحاج حسين أبو حليقة (أبو عبد الوهاب).

ثم جاء «معازيب» آخرون بعد الحرب منهم:

صادق بن ملا موسى الرمضان، أحمد بن محمد بن علي أبو خمسين (انتقل، بعد ذلك، إلى الكويت)، محمد بن حسن بن عبدالله البقشي، الحاج ياسين الأمير، الحاج محمد الحمد الأمير، الحاج علي الأمير وأولاده عبد الله وعلي والحاج إبراهيم الياسين أبو خمسين.

الأحياء التي سكنها الأحسائيون في الكاظمية

سكن الأحسائيون عدة أحياء في الكاظمية منها «الأنباريين»، «أم النومي»، «العقيلات»، «باب الدروازة»، «الشيوخ»، «البحيّة» وغيرها.

أوضاعهم المعيشية فيها

في بدايات توطنهم عانى الأحسائيون أوضاعًا معيشية سيئة جدًّا؛ فقد أقاموا في خانات سيئة التجهيز، فقد يقيم الأحسائي مع زوجته وأطفاله في غرفة واحدة، بدورات مياه مشتركة قذرة، لكن بعد سنوات من الإقامة والعمل المضني تمكنت شريحة غير قليلة منهم من تملك بيوت؛ مما أدى إلى تحسن الوضع المعيشي العام لهم، وكان أهم العوائل والأسر الأحسائية التي سكنت الكاظمية في تلك الفترة هي: «آل الأمير»، «آل أبو خمسين»، «آل البقشي»، «آل السليمان»، «آل الرمضان»، «آل الخرس»، «آل المؤمن»، وغيرها.

منطلق هجرة الأحسائيين

الغالبية الساحقة ممن توطنوا الكاظمية من الأحسائيين هم من الهفوف، والأغلبية الساحقة من أهل الهفوف هم من فريق الرفاعة، ويندر أن تجد من أهل «الكوت»، مثلاً، أو أهل «الرفعة الشمالية» ممن عمل فيها، أمَّا أهالي المبرز فمع تتبعي لم أحصل إلا على أسماء قليلة؛ كالحاج محمد بن عايش آل أبو صالح الآنف الذكر، ويعمل بتجارة الزري، وأحد أبناء عمومته، وهو الحاج صالح بن أحمد الحاجي آل أبو صالح، وبعض أفراد عائلة، وهم عبد الكريم وعبد الأمير، وعبد الوهاب المحيسن، والمؤمن، وكلهم عملوا لدى الحاج حسن البقشي.

بعض من قابلتهم من الصاغة قال: عندما كنت أتجوّل في أحياء الكاظمية لم أكن أشعر بغربة أبدًا، حتى كأني أتجول في الرفاعة من كثرة من أجدهم هناك من أهل هذا الحي، أما أهالي القرى فلم أرصد لهم وجودًا واضحًا بين من سكن الكاظمية من الأحسائيين.

وبالسؤال والتقصي عن سبب قلة أهالي المبرز والقرى في الكاظمية؛ لاحظت أن لهم وجهات أخرى، فقد كانت لأهالي المبرز -من الصاغة بالذات- وجهات مختلفة، وهي دبي، وساحل عمان حيث عمل أغلبهم بالصياغة، وخياطة البشوت، أما أهالي القرى والفلاحون من الأحساء فقد كانوا يقصدون البحرين والقطيف حيث يجتذبهم العمل هناك في الفلاحة.

عمل الأحسائيين في الكاظمية

يمكن أن نقسم الأحسائيين في الكاظمية إلى مقيمين وزائرين، والمقيمون هم من توطنوها لسنوات، وعملوا بها، أمَّا الزائرون فكانوا يقصدون الزيارة؛ ولأن الزيارة، في تلك الفترة، كانت تستمر لشهور؛ فهم ربما عملوا في الخياطة لتوفير نفقات معاشهم، ولتطويل الزيارة بأخذ الأعمال من بعض «معازيب» الكاظمية، وقد قال لي الحاج (محمد الدوخي): (أن رأس مال المخيّط هو الميبر، وإذا انتهى منه فإنه يضعه في طاقيته)، كناية عن أنه يمكن أن يمارس هذا العمل أينما كان، ومتى ما شاء، بل ربما استغل بعض «المعازيب» وجود بعض المهرة منهم أثناء الزيارة فأغراه، بالإقامة في الكاظمية أطول وقت ممكن.

صناعات الأحسائيين في الكاظمية

يعمل الأحسائيون في الكاظمية في صناعة «البشوت» علاوة على أنواع التطريز، وهي تصنف إلى نوعين، حسب الخامات المستخدمة، وجودة مهارة المصنّعين.

النوع الأول - الأصناف الراقية، ويعبر عنها بـ(اللبّاس)، وتستخدم فيها خامات راقية من النسيج، والزري، ويستعان -في تطريزها- بالمهرة من الخياطين، وبالطبع ينعكس ذلك على سعرها، والسوق الذي تباع فيه.

الأصناف العادية، ويعبر عنها بـ(الخرّكان)، وتستخدم فيها خامات عادية، وزري من النحاس (الصفر)، ويستعان في تطريزه بالخياطين العاديين الأقل مهارة، أو المبتدئين منهم.

وقد أقام أحد «المعازيب» العراقيين، ويدعى حجي خضيّر، خانًا سمّي بخان حجِّي خضيّر يصنع فيه هذا النوع من البشوت ذات السعر المتدني، والتي تفصَّل لتباع جاهزةً، غالبًا، في السوق، وقد ضمّ هذا الخان أحسائيين وعراقيين، ويسوَّق إنتاجه في السوق المحلية بالعراق.

تجدر الإشارة إلى أن نتاج الأحسائيين المقيمين في الكاظمية يتجه، بشكل رئيسي، إلى سوق الكويت، وهم في هذه الحالة إما يقصدون الكويت مباشرة بأنفسهم لبيعها، أو عن طريق إرسالها إلى الحاج علي آل أبو خمسين المقيم في البصرة؛ ليقوم ببيعها، بدوره، في الكويت، أو يقوم بإرسالها إلى الحاج عبد الله بن محمد الجعفر البقشي، في الكويت، وفي أيام الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم كان الحاج سلمان الأمير هو الذي يقوم بتلك المهمة، كما يتم تصريف جزء من الإنتاج في سوريا عبر تداوله بين تجار عراقيين كالحاج حسن المحسن، آنف الذكر، وآخرين سوريين أمثال الحاج نبيه حمد الله.

آثار الإقامة في الكاظمية على الأحسائيين

لا بد لمن ينتقل من بلد إلى بلد آخر أن يتأثّر ويؤثّر في البلد التي يستوطنها؛ خاصة إذا كان إنسانًا فاعلاً متحرِّكًا، والأحسائيون -أيضًا- تأثروا، في تلك الحقبة، بالعديد من العادات العراقية، كما كان لهم تأثير في بعض الجوانب على المحيطين بهم من العراقيين ممن اقتبس بعض العادات الأحسائية، وهذه الجوانب يمكن تلخيصها في الجوانب التالية:

الناحية الاقتصادية

كان العامل الاقتصادي من أهم أسباب الانتقال إلى الكاظمية، وقد تحقق ذلك لبعضهم، فأغلب «المعازيب» يبدأ، في الأصل، خياطًا أجيرًا عند بعض التجار العراقيين، ثم ما يلبث أن يستقل ويكون مجلسه الخاص في خان من خانات الكاظمية، ثم يتمكن بعدها من جلب عائلته بعد تيسر شؤونه المالية. وقد اهتموا بالتوسيع على عوائلهم، والتركيز على تعليم الأبناء، فكان لذلك دور في إبعاد شريحة من الأبناء في أجيال تالية عن مهنة الآباء.

وأثناء الإقامة في الكاظمية اكتسب العديد منهم بعض المهارات، كالتصوير؛ لذا نجد أول مصور في الأحساء هو رجل الأعمال المعروف الحاج ياسين الغدير الذي تعلمها في الكاظمية. مضافا إلى ذلك اكتسب بعض العراقيين مهنة خياطة البشوت من الأحسائيين، وعملوا لديهم، بل أن بعض “المعازيب” مضافا إلى تشغيله للرجال كان يوزع بعض الأعمال لنساء عراقيات تكريتيات يسكنَّ بغداد في حي “الجعيفر”؛ كالحاج حسن بن محمد البقشي عن طريق معلمة تكريتية تدعى «خمّاسة الآشتشية»، وقد خلفت الانتقال إلى الكاظمية خبرات تجارية كبيرة لدى بعض “المعازيب”، وصبيانهم، وبعضهم لم يكتف بالعمل في الخياطة بل في صرْف العملة للزوار، ونقل البضائع -كالحنطة العراقية والدخان وغيرها- إلى الوطن وجلب بضائع من السعودية إلى العراق.

مشروع الحسينية

كان في كربلاء حسينية للأحسائيين يرعاها الميرزا علي الحائري، ويرتادها الأحسائيون من مريديه، وفي الخمسينات -عندما عزم الأحسائيون في الكاظمية على تسيير موكب عزائي إلى كربلاء- تم جمع مبالغ للإنفاق على الموكب لكنهم وجدوا أن المبلغ كبير فاقترح الحاج محمد الحمد الأمير أن تنشأ باسمهم حسينية في كربلاء، وفعلا اشتريت قطعة أرض في أطراف كربلاء، وتم تسويرها بداية، ودعي المرجع الديني الأعلى السيد محسن الحكيم للصلاة فيها لثلاثة أيام، وهي فترة وجوده لزيارة عاشوراء، وقد ضُمن البناء دكاكين تؤجر للإنفاق على مصارف هذه الحسينية، وسجلت باسم الحاج عبد الرسول المازني، وهو أحسائي يحمل الجنسية العراقية، وفي عهد عبد الكريم قاسم أزيلت هذه الحسينية، وعوض عنها بمبلغ 17 ألف دينار عراقي، وبقي المبلغ فترة طويلة دون أن يعين بديل للحسينية لسنوات حتى توفي مستلمه، ثم اشتري بجزء منه أرض في منطقة خان الدبس بكربلاء مساحتها 600م بجهود الحاج علي بوخمسين المقيم في البصرة، إلا أن البناء بقي يتعثر، ويقف فترة وأخرى خاصة مع بروز حزب البعث إبَّان حكم عبد السلام عارف، حيث استولى عليه لسنوات ثم ترك ولم يكمل.

آثار تعليمية ثقافية

إن وجود عوائل الأحسائيين وفرت لأبنائهم فرصة سانحة للدراسة في المدارس العراقية، ومن أهم المدارس التي التحق بها الأحسائيون هي مدارس الأنباريين، والفرزدق، والعباسية، والبحّية، والمفيد الابتدائية، وأبو العلاء المعري المتوسطة، وثانوية الشعب، وكان لالتحاقهم أثر كبير في تأهيلهم للدخول في المدارس الحكومية، أو العمل في السعودية بعد رجوعهم إلى الوطن.

كما وفرت الإقامة في الكاظمية فرصة لاقتناء الكتب ومتابعة الجرائد التي كانت تصدر في بغداد؛ كالساعة، واليقظة، أو البيان النجفية، أو التي كانت ترد من مصر؛ كالرسالة: والمصور وآخر ساعة، أو التي تصدر في لبنان مثل العرفان، وكانت الشريحة الأكبر تقبِل على المجلات السياسية المصورة، وقلة كانت تهوى المجلات الأدبية كالرسالة مثلا.

وبرز في تلك الفترة من اهتم بالقراءة واقتناء الكتب كاللغوي الحاج موسى الموسى، ومؤرخ الأحساء الحاج جواد بن حسين الرمضان، والحاج عباس الشيخ ياسين أبو خمسين، والوالد الحاج حسن بن علي البقشي، ويذكر الوالد أنه أحضر معه - عند رجوعه من الكاظمية - ستة صناديق مليئة بالكتب، وطبعا أشاعت تلك الحالة من التعلم والمطالعة نوعًا من الطفرة في مستويات الوعي لدى شريحة ليست بالبسيطة من الجالية الأحسائية في الكاظمية، وكان لتعلم هؤلاء شديد الأثر في تشجيع الأهل في إلحاق أبنائهم وبناتهم بالمدارس في الهفوف خاصة حيث كان إلحاق الأبناء في المدارس عند بداية إنشائها محل تجاذب بين محجم ومبادر، كما لاقى إلحاق البنات بالمدارس معارضة من المتشددين أيضا.

الآثار الاجتماعية

من أهم الآثار الاجتماعية التي خلفتها إقامة الأحسائيين في الكاظمية هي المصاهرة؛ فقد اقترن عدد ليس بالقليل منهم بعراقيات، وبالتالي انتقلن معهم إلى الوطن، ولم أحص، بتلك الفترة، إلا حاله واحدة لاقتران امرأة أحسائية برجل عراقي، وكذلك مظاهر الاختلاط بالعراقيين هي تلك المجالس التي تعقد للخياطة كانت تضم عراقيين وأحسائيين، والجلسات التي تعقد في الصحن الكاظمي الشريف بعد صلاة المغرب، وكذلك في المدارس، وكوَّنوا صداقات قوية تواصلت حتى بعد رجوع الأحسائيين إلى الوطن، كسب الأحسائيون، من خلال اختلاطهم بالعراقيين، اللهجة العراقية الكاظمية، وخاصة أبناء الخياطين الذين ولدوا هناك، ولا تزال هذه اللهجة محببة للأهالي هناك، وكانت مسألة اللهجة موضع تندر كبير خاصة بين الأحسائيين المقيمين في الكاظمية، وبين بعض الزوار الذين يأخذون بالحديث باللهجة العراقية من بداية تحرك سياراتهم من دروازة الخميس (أم خريسان) في الهفوف. أما اللباس فعلى رغم تشابه الزيّ العربي لسكان العراق بذلك المستخدم في الأحساء إلا أن هناك أزياء اشتهرت أكثر كالشماغ الأزرق، أو الأسود والطقم، وهو عبارة عن «صاية» بدون أكمام يلبس عليها حزام جلدي، أو من القماش، ويلبس عليه جاكيت، وفوق الجاكيت بشت، وصار بعض الأحسائيين يلبس مثل هذا الزي، ومما يتندر به أن أحد الأحسائيين -عند رجوعه من العراق- طالب بالجنسية، وتوجه بذلك الزي إلى الأحوال المدنية، فقابل أحد المحققين هناك، ولم يقتنع بدعواه، وطالبه بمزكّين، فخرج ممتعضًا، وقابل أحد أبناء عمومته في الطريق فأخبره بما جرى، فضحك ابن عمه، وقال له: أنا لو كنت محققا لما أعطيتك الجنسية لهذا الزي، وأنت تتحدث بهذه اللهجة العراقية. وأما الأبناء فبسبب إلزامية لبس السترة، والقميص كانوا يلبسون السترة والبنطلون في المدارس وأيضا لكونه لبس الأفندية فقد كان لباسهم الأغلب السترة والقميص.

الأطعمة

انتقل كثير من الأكلات والطبخات العراقية للأحسائيين خاصة من اقترن منهم بعراقيات كالقيمة، والشلّة، والدولمة، وورق العنب، والكبة، وغيرها، بل لقد اقترنت بعض الأكلات بمناسبات معينة، كما كانت الأكلات الأحسائية كالكبسة، مثلاً، محل إعجاب شديد من أصدقائهم العراقيين حيث كانت تطبخ بنكهة خاصة تعرف في الأحساء بـ(مكبوس الصاغة)، ولم يقتصر الأمر على الأكلات بل حتى على طريقتها، فمن المعروف، مثلاً، أن تناول الطعام بالملاعق لم يكن متداولا كثيرًا في الأحساء في السبعينيات والثمانينيات الهجرية، بل إلى عهد قريب؛ لذا يذكر أحد إخوتي الكبار أنه وأصحابه كانوا يرددون أن بيت السبتي (جيراننا في المنزل) متمدنون؛ لأنهم يتناولون الطعام بالملاعق.كما كانت الفتيات الأحسائيات اللآئي ولدن في العراق محل تنافس من أبناء عمومتهن، أولاً؛ لأن غالبيتهن قد تعلمن، فهن أكثر أناقةً وتزينًا من نظيراتهن في الأحساء في تلك الفترة.

آثار سياسية

لم يرصد لأحد ممن عمل أو سكن في الكاظمية انخراطه في أي من الحركات السياسية التي كانت نشيطة جدًّا في تلك الحقبة في العراق، بل كانت ترحب بمثل أبناء هؤلاء لإمكانية أن يكوّنوا أجنحة لتلك التيارات في أوطانهم، إلا أن بعض الأحسائيين هناك كان يظهر ميلاً لبعض تلك التيارات، مثل القوميين العرب، والشيوعية التي كان يروج لها بقوة في الخفاء، إلا أن الملحوظ أن هناك علاقة واضحة بين تعاطف هذه الشريحة وبين ظاهر ضعف التدين لديهم، الأمر الذي فُسّر في تلك الفترة أنه محاولة فقط للتفلت من قيود الالتزام الديني فحسب، أكثر منه مسألة إيمان بأدبيات تلك الحركات السياسية.

ولقد كان الحكم الملكي في العراق يحارب تلك الحركات السياسية محاربة قوية، حتى أن لبس اللون الأحمر كان شبه محظور أيام الحكم الملكي، بل أن من يخرج بقميص أحمر، مثلا، كان ربما يتعرض لملاحقة من الشرطة السرية، ولكن المد الناصري كان جارفًا في تلك الفترة خاصة بعد انفصال الوحدة بين مصر وسوريا، فكان التعاطف واضحًا وبارزًا جدا تجاه مصر.

زيارة الملك سعود بن عبد العزيز

احتفل العراق بتتويج الملك فيصل الثاني ملكا للمملكة العراقية، ودعي عدد من الزعماء العرب لحضور حفل التتويج، وكان المغفور له الملك سعود بن عبد العزيز ممن حضر هذا الحفل.

عندها دعت السفارة السعودية في بغداد عددا من وجوه الجالية السعودية في بغداد والكاظمية، لاستقبال جلالته في المطار، وشكل وفد منهم مكون من عشرين شخصًا بزي موحد (الغترة البيضاء، والثوب الأبيض والبشت الأسود)، وتم استقبال جلالته في مطار بغداد من قبل ولي العهد العراقي، الوصي عبد الإله، ورئيس الوزراء نوري السعيد باشا، ثم انتقل الوفد إلى البلاط في الأعظمية، وتم تعيين القصر الأبيض في الكرَّادة الشرقية مقرًّا لضيافة جلالته، وأقيمت مأدبة على شرفه برعاية الملك العراقي فيصل الثاني، كما دعي في الليلة الأخرى من رئيس الوزراء نوري السعيد، وفي الليلة الثالثة أقام جلالته مأدبة دعا إليها كلاًّ من الملك، ورئيس الوزراء، والوزراء، كالباججي، ومحمد فاضل الجمالي، وغيرهم، وحضرها أعيان الجالية السعودية في بغداد، ألقي خلالها قصيدتان أحداهما للسيد محمد حسن الشخص، وللسيد عبد الله بن السيد علي الصالح (أبو رسول)، كما بعث آخرون، ممن لم يحضروا، قصائد، وقد أجازهم عليها جلالته، كما وزع خلالها جلالته هبات جزيلة على أفراد الجالية السعودية هناك، بل وشملت الكثير من العراقيين ممن حضروا الحفل بل حتى من كان بالجوار.

ترك الأحسائيين للكاظمية

أدت التجاذبات التي حدثت عام 1961م، وتهديدات قاسم بغزو الكويت إلى إغلاق الحدود معها، مما أدى إلى إغلاق أهم سوق أمام «البشوت الحساوية» التي تصنع في الكاظمية، مضافًا إلى ظهور بوادر عدم الاستقرار السياسي التي عمت العراق، وكذلك نمو سوق البشوت في سوريا ولبنان؛ مما شجع الأحسائيين على الرجوع إلى الوطن، أو النزوح نحو أسواق أخرى كالكويت، والبحرين، وأخرى نامية كقطر، والإمارات، وفي الوقت نفسه حدث إغراق للسوق بالبشوت، بسبب وجود عمالة ماهرة، ورخيصة تتمثل في العراقيين من أصل أحسائي من سكان سوق الشيوخ حيث كان هذا السبب، مضافًا للأسباب السابقة، من العوامل التي جعلت الأحسائيين ينزحون عن الكاظمية.

* * *

[1]  لقد استفدت في تكوين مادة البحث على عدد من أبناء المنطقة وهم: الحاج محمد بن محمد الحمد الأمير، والأستاذ جعفر بن عبد الله الأمير، والحاج جمعة بن محمد الحمد الأمير، والمؤرخ الحاج جواد بن حسين آل الشيخ علي الرمضان، والحاج حسن بن علي بن حسن (بو منير) البقشي، والأستاذ حسن بن علي بن حسن البقشي (بو نايف)، والأستاذ عبد الجليل بن حسن بن محمد البقشي، والأستاذ سلمان بن حسن بن محمد البقشي، والحاجة أم الخير بنت علي البقشي، والحاجة فاطمة بنت محمد بن محمد حسن الموسى، والحاج عبد الله بن علي الدوخي، وحسن بن عبد اللطيف العبد الله، والحاج محمد الحداد.


[2]  الوايل: الشيخ أحمد بن حسن من علماء الأحساء، تتلمذ على الشيخ موسى أبو خمسين، وعلى الميرزا علي الحائري، في الكويت، وانتقل إلى الكاظمية ودرّس في المدرسة الخالصية.


[3]  البقشي: حسن بن علي بن حسن، والد كاتب السطور، من مواليد الأحساء عام 1352هـ، أرسله والده إلى الكاظمية وهو شاب، والتحق بالمدرسة الخالصية، ولازم الشيخ أحمد بن حسن الوايل طوال إقامته في الكاظمية، وعليه تلقى المقدمات، كما التحق بمدرسة منتدى النشر المتوسطة مساءً، إلا أن وفاة والده المفاجئة في الكويت، وانقطاع المدد المالي عنه، ألجأه إلى ترك الدراسة الدينية، والرجوع إلى الأحساء حيث احترف التجارة في الأقمشة، والعقارات، وهو من أرباب المجالس الأسبوعية في الهفوف.


[4]  أبو خمسين: الشيخ محمد باقر بن الشيخ موسى بن الحاج عبد الله، من علماء وأدباء الأحساء المرموقين، تلقى علومه الدينية في النجف الأشرف، وفي الكاظمية، ثم رجع إلى الأحساء، وتولى القضاء بعد أستاذه السيد محمد بن السيد حسين العلي السلمان، حتى وفاته عام 1413هـ، ودفن في البقيع.


[5]  الزري: ذهبي، أو مصنوع من الذهب، فارسية، وهنا: أشرطة بلون الذهب تحلى بها الملابس.


[6]  جمع صبي، وهو في اصطلاح أهل اللهجة: عامل مستأجر.
كاتب
319910