لمحة من تاريخ القطيف
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 2 / 2 / 2011م - 11:25 ص - العدد (52)

إنَّ التاريخَ وثيقة من الوثائق التي تحتاج إلى أمانة في عنق المؤرخ حتى يكتب التاريخ، وأن تكون هذه الوثيقة تكتب بحقيقة التاريخ لا لميولٍ مذهبية أو طائفية أو بيئية أو عرقية أو لوهج الذهب الذي يعمي القلوب، ويعشي الأبصار، أو لهوى سلطانٍ يكتب المؤرخ ما يمليه عليه ذلك السلطان؛ فيكون ذلك التاريخ تاريخاً مزيَّفاً تتحكم فيه السياسة، لا يمس الواقع من قريب أو بعيد، إنما يحرِف التاريخ عن مساره الصحيح، فالتاريخ يكون تاريخاً عندما يكتب للواقع المجسد الذي لا تشوبه شائبة من تلك العواطف، أو تلك الأغراض التي أشرنا إليها؛ ففي إحدى الأمسيات طلب مني بعض الأدباء، وفي طليعتهم الأستاذ محمد باقر النمر، رئيس تحرير مجلة الواحة، أن أكتب عن معالم تاريخ القطيف، ولو إلمامة كإيماءة الشاطئ، وقد سبق لي، وأفخر بذلك، أن كتبت بعض اللماحات التاريخية عن هذا الوطن الحبيب في كتابي (خيوط من الشمس)، وفي الكتابة عن تاريخ القطيف يلاقي الباحث جهداً وعنتًا؛ لأن الكاتب يسير في منعطفات مظلمة لا يكاد يعثر على معالم من هذا التاريخ إلا على ندرة، وأقولها، ويا للأسف! فمنذ فجر تاريخ هذه الربوع أُصيبت بالإهمال، والإهمال جاء ويا للأسف! من أهلها حيث الظاهرة التي تأصلت في نفوسهم، وهو الحسد بعضهم لبعض؛ فكل منهم لا يريد أن يظهر مجد الأخر على صفحات التاريخ[1] ، فضاعت هذه الحلقات، وتقطعت على ممر السنين، وغابت وراء جدار الزمن؛ فالكاتب لتاريخ هذا الوطن يعاني من قلَّة المصادر، فالبحث طويلٌ طويل ومضنٍ، فإذا ظفرت بعالمٍ أو شاعر إنما تظفر باسمه، وإذا كان سعيداً تحصلتَ على يوم مولده، ولم تتحصل على يوم موته، ولم تتحصل على ما بينهما من حياة كيف قضاها ذلك العالم، أو ذلك المفكر، وإذا تحصلت على وفاته لم تتحصل على يوم مولده، وقد يتوهم من قولي هذا أنَّ القطيف لم يكن لها دورٌ، علميًّا أو سياسيًّا، بل العكس من ذلك، كان للقطيف دور خطيرٌ في السياسة والاجتماع والعلم والشعر، فالقطيف لعب دوراً في التاريخ، وقبل الإسلام، وعندما بزغ فجر الإسلام، فكان أول وفد من هذه البلاد هم عبد القيس ذهبوا إلى الرسول وآله، وبايعوه، وكانت قولته في بني عبد القيس القولة العظيمة المشهورة في التاريخ، وعاد بنو عبد القيس إلى هذه الربوع، فكان منهم الداعية إلى قومه، والمبشر بالدعوة الإسلامية، فأسلم على يده كثيرٌ من سكان هذه الجزيرة، ودور القطيف في الحياة السياسية، فقد لعب أهلها دوراً واسعاً منذ العصر الجاهلي حتى عصر الإسلام، وبعد الإسلام وعلى مر العصور، إلا أنَّ الشعب المغمور لا يسطع بمجده أقمارٌ تلوح في سماء الحياة، وقد عالج بنو عبد القيس وقبيلة تغلب وبكر القبائل التي هي لها دور في شبه الجزيرة العربية، قضايا اجتماعية وسياسية لها حلقات في صفحات التاريخ، وإن كانت لمحات باهتة لم يحتفظ التاريخ لها بكل أعمالها أما دورها في الفكر، فكان منها المفكرون، والشعراء الذين ملأوا الدنيا بأنغامهم، وبأشعارهم، فما عليك إلا أن ترجع إلى كتاب الدكتور محمد عثمان الملا، فقد خصص هذا الدكتور كتاباً دراسيًّا عن شعراء عبد القيس وأسماه (الحكمة في شعر بني عبد القيس) بقراءتك لهذا الكتاب تتحصل على دور تاريخي عالج فيه شعراء عبد القيس في شعرهم الحياة الاجتماعية في صورة حكمية، ولا تنسى طرفة بن العبد الذي له إحدى المعلقات، وكانت معلقته من الشعر الذي يتميز بديباجة اللفظ، والبلاغة والحكمة، ولا ننسى دور علمائها الذين أسهموا وأثروا الحياة العلمية، وتركوا بصماتهم على صفحات التاريخ في أسفار فُقِد أكثرها، وبرغم ذلك تحصلنا على حصيلة من تلك الأسفار.

أما دورها الزراعي فكانت القطيف ربيعاً خصباً استغل أهلها أرضها الخيِّرة فزرعوا فيها النخل والحبوب والأرز والبصل والفواكه كالتين والرمان والسفرجل وألوان من الفواكه، وكانت العيون تتفجر ينابيعَ لتسقي هذه الأرض فترويها، فكانت القطيف تصدِّر ما تنتجه أرضها إلى مدن الخليج كأوال التي تعرف اليوم بالبحرين، وقطر، وأبو ظبي ودبي والشارقة، وغيرها التي تعرف اليوم بالإمارات العربية المتحدة، واليمن، وفي الحرب العالمية الثانية زودت العراق بالتمور، فكانت القطيف والإحساء يضرب بهما مثلا كناقل التمر إلى هجر، كما كان للقطيف مرفأ تاريخي (دارين) هو جزء من القطيف لا يتجزأ، وكان هذا المرفأ قبل عصر الإسلام يزود شبه الجزيرة العربية، وله مواسم أدبية وشعرية كما أنه يزدحم بالتجارة اللاهثة، وبالتجار الذين يأتون من نواحي هذه الأرض ليجتمعون في هذا المرفأ ولعظم ازدحام الموسم التجاري بحيث يغطي على هذه الرقعة ويشغل التجار بما يتجرون به فيكونون في غفلة فينتهز اللصوص هذه الغفلة فيسرقون ما يشاءون، ويملأون حقائبهم حتى قال شاعر جاهلي[2] :

يمرون بالدهناء خـفافاً عـيابهم

ويخرجن من دارين بُجر الحقائبِ

على حين ألهى الناس جل أمورهم

فنذلاً زريق المال نـذل الثعالبِ

فهنا الشاعر يسجل حقيقة تاريخية في مرفأ دارين حيث يأتي اللصوص فاضيةً حقائبهم ويملأونها من ميناء دارين في خلسةٍ وغفلةٍ كما تعمل الثعالب في مكرها وحيلها، ولا أعرف في أي عامٍ تحرك هذا الميناء، ومتى سكنت هذه الحركة وهمدت، ولكن حتى القرن الرابع الهجري كان الشعراء يتغنون بطيب دارين كالشاعر الشريف الرضي، والشاعر أبي نواس، ويشبّه الشعراء عطر حبيبتهم كعطرٍ داري نسبة إلى دارين، وأما العيون السياحية التي انتشرت بمنطقة القطيف فهي كثر، ويرجع تاريخها إلى عهد قديم إلى عهد الفينيقيين حيث ملكوا هذه البلاد، وتركوا فيها حضارة استمرت على مرِّ الدهور، ومن آثارهم هذه العيون العجيبة التي يعجز العصر الحديث بما رزق من تطور وتكنولوجيا أن يحفر ولو واحدة كتلك العيون، وهي التي حولت القطيف إلى واحة خضراء على ضفاف الخليج تموج بعطورها، وفواكهها، وترى نخيلها كأعلامٍ أو كأشباح جن تسير على الأرض، وقد أشرت لتاريخ هذه العيون وصورتها وجسدتها كأنك تبصرها، وتراها ماثلة أما عينيك في كتابي (خيوط من الشمس) وكيف مرت عليها يد الزمان لتعفّيها، وتميتها، ويا للأسف يخربون بيوتهم بأيديهم، ولعل يد الطمع والتجارة كان له الدور الأكبر في تعفية هذه العيون، وطمسها في طمع مخطط عمراني لنخل يحوله إلى قصور، وتميت نخيله وشجره، وهي حية قائمة على أقدامها، إنّ طمع الإنسان الشره يؤدي به إلى أن يُخرِّب بيته ليربح ريالاً أو أكثر، وبإماتة هذه العيون ونضوبها ماتت الزراعة التي يحلم بها كل عامل أو فقير قطيفي، فهي تحيل الصيف ربيعاً مخصوصباً للفقير حيث يدَّرُّ عليه في حياته المعيشية، أما اليوم لا فرق بين الشتاء والصيف إلا بما تبقى من بعض النخيل أو كبعض الأشجار فيا للخسارة! والأسف! وإن كان لا يجدي الأسف لتضيع ثروة قومية وطنية تفخر بها الأجيال تسلمناها من أسلافنا كانت نعيماً لهذه المنطقة وظلالاً وارفة تحنو على أهلها، فالزراعة هي شريانٌ من شرايين الحياة حتى روي عن الرسول قوله: (ويل لأمةٍ تأكل ما لا تزرع وتلبس ما لا تصنع).

إنّ هذا البيان هو من أعظم التخطيط للأمة في طريق حياتها، ولو أخذت الأمة بهذا الضوء الكاشف لكل حياةٍ اقتصادية لما احتجنا أن نعيش عالة على الغرب أو الشرق في حياتنا المعيشية والصناعية، وإنهم - إذا نظرت الواقع - هم المحتاجون إلى ثروتنا الذهبية، وخيراتنا الكنزية التي هي في باطن أرضنا فينهبون كنوزنا، ويضحكون علينا، ثم يستعبدوننا في حريتنا، وينفّقون علينا ما ينتجونه فيستغلوننا مرتين لا مرة. فكان هذا البيان لنبي الرحمة دستوراً ومنهجاً لا دستورَ مثله في الحياة، ولا منهجية كمنهجيته، ولكنّ هذه الزراعة وهذه العيون الثرة عندما تدفق الذهب الأسود قضى على هذه العيون، وعلى اليد العاملة؛ لأن آبارهم - آبار البترول - تحقن بالماء من تلك العيون، فضعف الأكسجين، وتسرب الماء تحت طبقات الأرض وضاعف ذلك المخططات المعمارية التي حولت البساتين إلى بيوت، وسدت التصريف، وسواقي الشرب، فغيرت المعالم الزراعية، وبالتالي قضت على الزراعة هذه العوامل، أما حياة القطيف الجغرافية الطبيعية التي تمتد رقعتها من حدود نجد إلى سواحل البصرة فهي “الخط” كما هي في المعاجم كمعجم البلدان لياقوت الحموي، أما عند الشاعر ابن المقرب فيحدد الخط بحدود الذين استولوا على هذه الرقعة فقط لا على حدودها الطبيعية، ويقصد بذلك الحاكم الذي بسط حكمه على هذه الحدود في بيت من الشعر:

والخط من صفواء حازوها فما

أبقوا بها شبرا إلى الظهرانِ

فالخط في مفهوم هذا الشاعر يحددها في حدود ملك من استولى عليها لا حدودها الجغرافيا الطبيعية، وكانت حاضرتها قبل الإسلام مدينة الزارة، وكان البحر يصل إليها، ومقر الحكم في الزارة، وفيها السجن، وتدار القطيف من هذه المدينة، أما متى انقرضت هذه المدينة وتحولت حاضرة القطيف إلى القلعة، فإنّ تاريخ تمصير القلعة وتسويرها فتاريخهما قد أشرت لهما في كتابي خيوط من الشمس، ففصلت عن تاريخ هذه الحاضرة، وقد امتدت النخيل من القلعة حاضرة القطيف إلى الزارة التي انقرضت، وطمست أثارها ولم يبق لها أثرٌ على وجه أرضها الظاهري غير أنه يؤكد هذا المفهوم التاريخي عندما قام بحفر هذه المدينة الزارة وجدوا بيوتاً تحت الأرض وآثاراً تدل على قدمها في التاريخ وتشير لما نذهب إليه من رأي[3] ، ولكنَّ بعد الحفر نبع الماء فصار مستنقعاً فأخذ ينشر الحشرات المضرة مما اضطر بلدية القطيف إلى دفنها.

[1]  نقدر بكل اعتزاز رأي الأستاذ الكاتب، وإن كنا نرى أن السبب في ضآلة المعلومات المتاحة هو قلة العناية بالمخطوطات، والوثائق، وهي كثيرة، موزعة بين المكتبات الخاصة، أو دور التراث، وما قدر له أن يحقق وينشر منها لا يفي بالغرض. الواحة

[2]  ينسب هذان البيتان لأعشى همدان، عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث بن نظام بن جشم الهمداني، توفي سنة 83هـ، وأيضًا للأحوص، عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم الأنصاري، ت 105هـ، وكلاهما في العصر الأموي. الواحة

[3]  الزارة، وإن لم تعد العاصمة، إلا أنها موجودة، وهي قرية مأهولة، تقع على يمين الذاهب من القطيف الى بلدة العوامية، إلى الجنوب الشرقي منها، وفيها عثر على الآثار التي يشير إليها الأستاذ. (الواحة)
شاعر وأديب
328237