المستشار شارلز بلجريف
المتسلط النزيه
تقي محمد البحارنة * - 2 / 2 / 2011م - 11:30 ص - العدد (52)

لم أكن أعرف السيد شارلس بلجريف، مستشار حكومة البحرين (1926-1957)، معرفةً شخصية، ولا أظنه كان يعرفني كذلك، لكنه كان يعرف والدي، (رحمه الله)، وكان - عند مروره في الصباح الباكر، ممتطيا صهوة جواده - على منزلنا في طريقه الى (القلعة) - يقف قليلا ليستمع الى والدي وهو يقرأ القران، ثم يحدث أخي الأكبر صادق قائلا: «إن الوالد يقرأ القران بصوت جميل»، ولعل أول معرفة له بوالدي منذ أن كان أمينا لصندوق المدرسة الجعفرية بالمنامة (1927-1932)، وقرار المستشار إدماج المدرسة ضمن إدارة التعليم الرسمي، وقد بادر الوالد، حينذاك، بتسليم أموال المدرسة إلى الحكومة بعد خصم رواتب المعلمين، ودفع المستحقات، ومن واقع تقدير الذمة المالية، وهي الهاجس الأكبر لدى المستشار تجاه إدارات المؤسسات الأهلية التي كان يشك فيها دائما – عبَّر المستشار للوالد عن تقديره وأثنى عليه.

وكان المستشار يعرف، أيضًا، أخي الدكتور حسين، منذ أن سافر الى بريطانيا بمساندة المعهد البريطاني لإكمال دراسته الجامعية، ثم قطع عنه المعونة المالية بعد سنة من الدراسة، ونصحه بالعودة الى البحرين، وصرْف النظر عن إكمال دراسته لنيل الدكتوراه قائلا: «إن البحرين سوف لن تحتاج الى خريج دكتوراه في القانون خلال المائة سنة القادمة».

فإذا أضفنا هذه الحادثة - عن تصرفات بلجريف باسترجاع البعثات الطلابية التعليمية، بعد سنة أو سنتين من الدراسة في الخارج، كما حصل في بعثة الجامعة الأمريكية أوائل الثلاثينات، ثم بعثات الدراسة الى مصر في منتصف الأربعينات – أدركنا نظرة المستشار الضيقة التي تحصر التعليم المناسب للبحرانيين في المرحلتين الابتدائية والثانوية فقط، وتنظر - بعين الريبة والشك - إلى التعليم الجامعي الذي يهيء الطلاب لممارسة السياسة، خشية من إثارة المتاعب للحكومة - حسب اعتقاده - ونتبين ذلك من بعض كتاباته، وتقاريره السنوية.

وفيما عدا نظرته للتعليم، ولمساندة المتعلمين والطلاب لمطالب أهالي البحرين التي يعتبرها من قبيل الشغب وتعكير الأمن – فقد كان بلجريف، في غير ذلك، رجل إدارة حازم، وضبط مالي وإداري نزيه، ولعله لم يحدث في تاريخ عمله في البحرين ذلك النوع من التسيب المالي والإداري الذي شهدته السنوات اللاحقة لعهده.

وتدل تقاريره السنوية لوزارة الخارجية البريطانية، أو إلى الحاكم العام البريطاني في الهند، بعد أن تم الإفراج عن نشر تلك التقارير - على تذمّره ومعارضته للتبذير في أموال الحكومة، ومصادر دخلها لدرجة جعلته غير محبوب حتى لدى أفراد العائلة الحاكمة بسبب التقتير والاقتصاد. وهو الذي أقنع شيخ البحرين بتغيير حصة الحاكم من نصف الدخل - كجاري العادة في عهد الميجر ديلي، وفي السنوات الأولى من قدومه الى البحرين - إلى الثلث، واستثمار الثلث الآخر في صندوق المستقبل للمشاريع والأجيال، وكان هذا المبلغ يودع في بنك للويدز في بمبي قبل نقله الى موقع آخر، بينما باقي الثلث خصص للموازنة العامة، وذلك ابتداء من العام 1934، وقد استنجد المستشار - لإقرار هذه السياسة - بالحكومة البريطانية، وبالحاكم العام في الهند، وقد أبدى أسفه في كتاب مذكراته بعد تقاعده؛ بأن هذا الصندوق المخصص للمستقبل لم يعد له وجود.

وقد تجلى اقتصاد بلجريف في النفقات خلال سنوات الحرب الثانية (1938-1945) في ترشيد الإنفاق الحكومي، وكان من عادته إرسال أجوبته على الرسائل المرفوعة اليه على نفس الورقة، كما فرض على جميع الدوائر استعمال أغلفة الرسائل لعدة مرات توفيرا للمغلفات والورق الذي شحَّ في الأسواق أيام الحرب.

ويعرف عن بلجريف أنه كان بسيطا في مسكنه وملبسه وحياته العادية، وكان باب مكتبه مفتوحا دائما للمراجعين، ويتجول في كل مكان راجلاً، أو على الحصان بدون حراسة، ما عدا مرافقة سائس الحصان، وحين قفز به حصانه عند إحدى الحفر، وحدث له كسر في رجله؛ انتظر طويلا وهو يتألم ويلوّح للسيارات لنقله، حتى جاء اليه سائق شاحنة نقل وأخذه الى المستشفى، وكان ينام على سطح منزله في أيام الصيف رغم وجود أجهزة التكييف في البحرين.

وعلى الجانب الآخر؛ فإنَّ نظرته إلى شعب البحرين تتصف بعدم الثقة والشك والحذر في تعامله مع الأفراد أو المؤسسات؛ مثل الأندية والتجمعات العمالية والطلابية، ويرى في قادتها مجرَّد أشخاص يسعون للزعامة والمركز، أو الكسب المادي، ولا يتورَّع عن وصف أفراد الشعب بالرعاع، وعدم الوفاء، مثل قوله في كتاب مذكراته المترجم للعربية[1] ، وذلك بمناسبة عدم حضور جمهور كبير لوداع الميجر «ديلي» عند مغادرته البحرين: «إن الشعور بالعرفان صفة نادرة بينهم، فهم، بطبيعتهم، غير عاطفيين، وهم ماديون، وكثيروا السخرية، وإعابة الآخرين[2] ».

وكان عليه أن يسأل عن السبب في عدم حضور أهالي البحرين لوداع الميجر ديلي ليعرف أنهم لا يحبونه.

ويبدو لي أن بلجريف ألِف التهرب من المطالب المحرجة بالتركيز على الأشخاص، والتشكيك في نواياهم، أو اتهامهم بأنهم مضللين، أو على صلة بالحركات الحزبية والسياسية في الوطن العربي، ولاسيما العراق وسوريا ومصر، ويَعتبِر ما يُكتب في صحف تلك الدول عن الأوضاع الاستعمارية في البحرين مجرد اضاليل لتشجيع الإخلال بالأمن.

وكان المستشار لا يخفي اعتقادَه بأن أفراد الشعب العاديين لا يفهمون في السياسة شيئًا، ولا يعلمون ماذا يريد قادتهم، وحتى القادة المتزعمون فإنهم لا يدرون ماذا يريدون، وأن أفراد الشعب همهم الوحيد كسب العيش، وتأمين أقواتهم، وممارسة عاداتهم وتقاليدهم الدينية المألوفة. أما القادة والزعماء الذين سافروا للخارج فهم، وحدهم، الذين يثيرون الشغب، ويحرِّضون الناس العاديين على الحكومة، وأنهم، وحدهم، سبب تلك المشاكل الأمنية، ومعاقبة هؤلاء القادة بالسجن أو التسفير للخارج هو الحل الأمثل.

ومن الجدير بالملاحظة أن معظم المطالب الوطنية التي كانت ترفع للحكومة، كان موقف المستشار منها الاهتمام بالشكل المتمثل بالأشخاص والظروف، وتجاهل الموضوع، وهو المطالب ذاتها، وقد ورد في كتاب مذكراته الشخصية ما يفيد أنه في قرارة نفسه كان يتعاطف مع مطالب الهيئة التنفيذية العليا (هيئة الأتحاد الوطني لاحقا)، لكنه كما ورد في ترجمتها العربية صفحة (344) يقول عن الهيئة: «لم أثق في ا لرجال الذين يقودونها لأنني أعرف أنهم لم يتحركوا بدوافع المصلحة العامة و حب الغير...»[(3]).

ومن المعروف، كذلك، عن بلجريف عدم ميله للجلوس مع أصحاب المطالب الوطنية، والإصلاحات السياسة، والتوصل إلى حلول مُرْضية، فهو يفضل أن يتخذ قراره منفردا، وقد يختار من تلك المطالب أهونها وأقلها شأنًا، ويصدر أعلانا حكوميًّا لا يرضى عنه الجمهور، بل يثير حفيظتهم، وذلك كما فعل في رده على مطالب الهيئة التي وقع عليها - كما يُعتقد - ما يقارب التسعين ألفا من المواطنين، حين نشر إعلانًا حكوميًّا يقول فيه: «تقدم إلى الحكومة “بعض أناس” بمطالب، وأن الحكومة ماضية في القيام ببعض الإصلاحات..الخ».

وفي فقرات من كتاب مذكراته يتهكم بلجريف على مستوى وعي الجمهور بمطالب (الهيئة) حين يسأل بعض الفلاحين والعمال عنها، ويصفهم بالغباء، وقد سبق أن قرأت لبلجريف في مذكراته (إن لم تخنِّي الذاكرة) أنه أورد مثلا (في غير محله) للاستشهاد بسذاجة شعب البحرين حيث ذكر أنه لما تم إنشاء القاعدة البحرية في الجفير طلبت منه وزارة الخارجية البريطانية معرفة رأي الجمهور في موضوع القاعدة البحرية، ويقول إنه استدعى من عمداء القرى نفرين أو ثلاثة، وسألهم عن رأيهم في إنشاء القاعدة البحرية في الجفير فأجابوا بألاَّ مانع لديهم، لكن أكثر ما يخافونه، في هذا الأمر، هو «أن ترتفع أسعار بيض الدجاج على الناس».

ومن المعروف عن المستشار بلجريف أيضا تدخله المباشر في جميع شؤون الإدارة والمؤسسات في البلاد، بما فيها المحاكم العدلية والبلديات ومجالس الأوقاف والقاصرين وغيرها حيث كانت رئاسته لها أو حضوره فيها لازما في جميع الأوقات ما لم يعتذر بنفسه عن حضورها. وحتى المدارس والمستشفيات ومدراء الأمن والجمارك وغيرها تقع تحت اشرافه رغم وجود مدراء لها.

وكان المستشار (وهذه تضاف الى حسناته) يتدخل في معالجة المشاكل الأسرية، وحفظ حقوق القاصرين في منازعات المواريث، كما يقوم شخصيًّا بمداهمة المنازل وتفتيشها عند اللزوم للتحقيق في الجرائم والممنوعات وما شابه ذلك.

وفي ذلك فقد لصقت صفة الدكتاتور والمتسلط بالمستشار طيلة عمله في البحرين.

كما يؤخذ على المستشار بلجريف، أيضا، محاباته للشركات الإنجليزية دون غيرها، وعدم إحكام الرقابة على أعمالها.

ومع كل ما سبق ذكره عن سيرة بلجريف فإن من الأنصاف الاعتراف بالخطوات الإصلاحية التدريجية التي قام بها وفرض فيها شخصيته القوية ضد معارضة عنيدة من قبل أصحاب المصالح نقتصر فيها على ما يلي:

1- مشاكل الغوص والسخرة، وأصحاب سفن الغوص، وقروض الغواصين (التسقام)، وما يتفرع عنها.

2- التطوير التدريجي بالتعليم الابتدائي ثم الثانوي للبنين وللبنات رغم أن ما كان يخصصه لموازنة التعليم أقل من الشرطة والأمن وأحياناً أقل من مخصص الصحة العامة.

3- النزاهة والشفَّافية في الشؤون المالية للحكومة، حيث دأب على نشر موازنة الحكومة، ومصروفاتها، ومواردها المالية على لوحة الإعلانات في الأسواق ثم في جريدة البحرين عند صدورها كذلك.

4- إنشاء دائرة الأوقاف الجعفرية في وجه معارضة من رجال الدين، بل إنه أضاف الى ذلك مبدأ انتخاب الجمهور لأعضاء مجالس الأوقاف عن طريق الإنتخاب السري الحر والمباشر بالبطاقات ابتداءً من عام 1933 ثم تلا ذلك، فيما بعد، إنشاء دائرة الأوقاف السنية.

5- إنشاء دائرة أموال القاصرين في وجه معارضة مشتركة.

6-الاهتمام التدريجي بالصحة العامة، وبناء المستشفى، والمستوصفات، والمراكز، الصحية، ومكافحة أمراض الملاريا، والجدري، والتراخوما والأمراض التناسلية.

7- استلام زمام الأمور بنفسه لفرض نظام التموين بالبطاقات خلال أزمة نقص الأغذية ومواد التموين أثناء الحرب العالمية الثانية (1938 -1945)، وحين امتنع التجار عن استيراد المواد الغذائية وجه الحكومة لاستيراد تلك المواد ولاسيما الرز والسكرّ والشاي والقمح، وبيعها بسعر التموين تفاديًا لحدوث مجاعة في البلاد كما سمح للسفن الأيرانية بالمجيء الى البحرين، وشراء الشاي والسكر مقابل جلب الأغنام والخضر والبصل والبطاطة للبحرين، وحين امتنع القصابون عن ذبح المواشي وبيعها، وأغلقوا دكاكينهم تولت البلدية والشرطة بيع اللحوم للجمهور بأسعار التموين، ومع كل ذلك يعترف المستشار في تقاريره أسفا، أن عددا من الأشخاص الفقراء في بعض القرى ماتوا بسبب الجوع في أيام الحرب.

8- المصالح الحكومية الأخرى كالشرطة والجمارك والهجرة والكهرباء والتلفون والماء حظيت باهتمام كبير من المستشار وله فضل المبادرة بإنشائها، منذ البداية، حيث عمد الى تخصيص مبالغ احتياطية لإنشائها قبل سنوات عديدة من تنفيذها. (كانت موازنة البحرين أوائل الثلاثينات قبل النفط تقارب المليون روبية هندية أي حوالى مائة ألف دينار).

9- تصدى للفساد المالي، ونقص الذمة المالية، والتلاعب بنصيب اليتامى في التركات، والاستيلاء على أملاك الأوقاف، والتسلط على أملاك الغير، ونهب الأراضي من أصحابها، كما تشير إلى ذلك تقاريره السنوية.

لقد ورث بلجريف تركة الميجر ديلي من قبله الذي تضاربت حوله الآراء، كما عاصر المستشار بلجريف ثلاثة من حكام البحرين، وهم الشيخ عيسى بن علي الخليفة والشيخ حمد بن عيسى الخليفة والشيخ سلمان بن حمد الخليفة، وقد حصل من الأخيرين على المساندة اللازمة لتكوين الجهاز الإداري الحكومي، وإنشاء الخدمات العامة، واستفاد من مباركة حكام البحرين لخطواته في التغلب على معارضيه، أو من يعتبرهم خصومَه، ويرى بلجريف، كذلك، أن رئاسة الشيخ عبد الله بن عيسى الخليفة للتعليم كانت عونا له في تنظيم دائرة المعارف بالشكل الذي رآه مناسبا، بما في ذلك تعيين حرم بلكريف المديرة العامة لتعليم البنات.

وبعد - فأن أول لقاء شخصي بيني وبين السيد شارلس بلجريف حدث صدفة، وذلك خلال زيارتي لمدينة لندن بعد منتصف الستينات قبل وفاته في عام 1970، وقد كنت على صلة بولده جيمس بلجريف - المعروف بـ(حمد ) - فزارني في فندق ريجنت، ودعوته للحديث، وتناول الغذاء، وبعد يومين اتصل بي تلفونيًّا، وأخبرني أن والده يود رؤيتي، ووصف لي منزل والده، فذهبت لزيارته في بيته حيث استقبلني بالترحاب وأجلسني بقربه في حجرة صغيرة، وقدم لي من الكعك الأسود (فروت كيك)، وقد ذهب منه الكثير، وبقي القليل، وبادرني بالقول معتذرا: (إن المدام ليدي بلجريف ذهبت لشراء بعض الحليب، وأرجو انتظار عودتها لتصب لك الشاي بالحليب، لكن على طريقة الإنجليز وليس العرب، ولما وجد علامة الاستغراب على وجهي أكمل كلامه قائلا: (نحن، الإنجليز، نقول: (هل يمكن أن آخذ قليلاً من الحليب في كوب الشاي؟).

أما أهل البحرين فيقولون: (هل يمكن أن آخذ قليلا من الشاي في كوب الحليب؟). ثم أضاف ضاحكا: لقد جاءنا زوار من البحرين هذا الأسبوع وقضوا على ما في البيت من حليب، وفي هذه الأثناء وصلت الليدي بلجريف ومعها شيءٌ من الحليب فبادرتها قائلا: هل يمكن أن آخذ قليلا من الحليب في هذا الكوب الكبير من الشاي؟ ثم ضحكنا معًا.

سألني بلجريف عن البحرين وأهلها، وعن إخواني، وخص بالسؤال عن معارفه من تجار البحرين واحدا واحدا، ولم يتطرق ألى شأني الخاص أو الشأن العام بشيء، ثم قال ما معناه إنه يعيش حياة هادئة، ويقضي وقته في النهار يصلح في حديقة كنيسته التي ينتمي اليها ثم في القراءة الخ... وعند استئذاني بالانصراف تجول معي في منزله المتواضع، وأراني ما جلب معه من البحرين من تحف مثل الصندوق (المبَوَّت)، والأبواب التقليدية، والفخار، والسجاد، والصور التي رسمها، أو اللتي أهديت اليه، وغيرها من المقتنيات المتواضعة.

ثم ودعته وأنا أقول لنفسي: لو أن غيره على ما كان عليه من سلطان ونفوذ خلال 31 عاما في البحرين لاستطاع أن يجمع ثروة هائلة، ولما طلب مساعدة الحاكم لشراء هذا المنزل المتواضع بعد تقاعده.

[1]  مذكرات بلجريف مستشار حكومة البحرين سابقًا، تأليف السير تشالز بلجريف، ترجمة مهدي عبد الله، الناشر مكتبة الريف الثقافية بالبحرين، ودار البلاغة ببيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ 1991م.

[2]  مذكرات بلجريف، سبق ذكره، ص: 49.

[3]  مذكرات بلجريف، سبق ذكره، ص: 344.
أديب
319910