الحاج منصور حسن نصر الله
التحرير - 2 / 2 / 2011م - 11:40 ص - العدد (52)

مدخل

حينما بدأ الأديب المرحوم السيد علي العوامي كتاباته المتميزة في الواحة تحت عنوان رجال عاصرتهم؛ كتب فيما كتب: «وسوف لن أتعرض لفئة «علماء الدين»، أو «الشعراء»؛ لأن هؤلاء قد تعرَّض لهم آخرون، وكتبوا عنهم، وسوف يقتصر حديثي على “رجال السياسة» -إن صحت التسمية- أي الشخصيات الذين مارسوا نشاطاً اجتماعيًّا، وتصدوا لمشاكل البلاد دون أن يكون لهم طابع يميزهم»[1] .

انتهى كلام السيد العوامي، وكأنه يريد أن يقول: «إن مجتمعنا العربي عموماً يجل ويمجد علماء الدين لمكانتهم ومكانة الدين الحنيف لدى المجتمعات، ومع ما لعلماء الدين من أهمية ومكانة توجب حفظ مقاماتهم، إلا أنه لا ينبغي إغفال سواهم، ممن كان لهم دورٌ ومكانة؛ لما لهم من خدمات إنسانية، ومواقف نبيلة، ومناقب لا تقل عن علماء الدين حفظهم الله.

والحقيقة أن مجتمعنا القطيفي، كما أنجب علماء الدين؛ أنجب الكثير من الأدباء والشخصيات والكفاءات الفذة التي أعطت في فنون إنسانية مختلفة.

وتحت أي مبرر؛ من غير الإنصاف تجاهلهم وتجاوزهم؛ لأهمية عطاءاتهم الإنسانية، بل ينبغي أن نجلهم ونكرمهم بفنونهم وعلومهم وعطائهم، سواء كان ذلك العطاء دينيًّا أو دورًا وطنيًّا، أو أدبيًّا، أو ثقافيًّا، أو اجتماعيًّا، أو....الخ

نحن هنا أمام شخصية نجزم -بكل تأكيد- أن لو مُدَّ في عمر السيد العوامي (رحمه الله) لما فاتته الكتابة عنه؛ لكونه يدخل في صنف المميزين الذين اختارهم؛ إنه الحاج منصور بن حسن نصر الله المولود في القطيف في 22/1/1344هـ والمتوفَّى فيها في 22/ 11/ 1426هـ..

لماذا نصر اللَّـه؟

أولاً- لأنه شخصية عامة مهتمة بالشأن العام، من خلال المشاركة في الوفود المهتمة بالشأن العام والعرائض المطلبية المعتادة، منذ وقت مبكر من شبابه.

ثانيًا- تميز، دائماً، بالمسالمة في زمن الصدامات الحادة التي تفرزها الخصومات التي تعصف بالمجتمع بين الحين والآخر.

ثالثًا- بقي (رحمه الله) إلى ما قبل وفاته - وصولاً، محبًّا لمحيطه، يلتمس العذر لهذا وذاك بمن فيهم أولئك الهمازون، ولطالما تسمعه يتسلَّى بترديد الأمثال والحكم العربية شعرًا ونثرًا، يتخذ منها ضمادًا من جراحات الصراعات البيوتاتية الشائعة، وقد توفي وفي جعبته المعلومات والتحاليل الكثيرة؛ لكنه نأى بنفسه أن يكون طرفاً مباشراً فيها، واحتفظ لنفسه بمواقف أقرب للتوافقية، فتراه يثني على هذا، ويذكر بالخير ذاك، ويتوقف أمام أحداث كثيرة كان شاهداً عليها، أو هو على دراية بها وبخباياها، فيلتزم الصمت إزاءها حفاظاً على ما هو أولى، ولو قال الحقيقة لغضب زيد، وصفق عمر.

ولقد كانت الصراعات - خصوصًا السابقة منها - تزكم أنفه على الدوام، هكذا هي شخصيته عند من عرفه[2] .

رابعًا- كونه رجلاً يحمل علمًا وثقافة لا تقلان عن علم وثقافة الكثير من طلاب العلوم الدينية، ولقد سار، يوماً، في ذلك الركب، لولا ظروف الحياة، وضنك المعيشة، والبحث عن الكسب من عرق الجبين، هكذا عرفناه.

ونستطيع أن نصنِّفه على قائمة العلماء غير المعممين، ولدينا وثائق عدة لمراسلات تدعوه بالشيخ، ومنها رسائل شيوخ منهم الشيخ عبد الحميد الخطي، والشيخ علي بن يحيى، والسيد محمد العلي من الأحساء، وغيرهم (رحمهم الله)، تؤيد هذا.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه (رحمه الله) درس العلوم الدينية والخطابة واللغة العربية على يد فضلاء القطيف، ومنهم الخطيبان الشيخ محمد صالح البريكي وأخوه ميرزا حسين، والخطيب عيسى بن صالح العمران، وذكر أنه درس العربية على يد الحاج أحمد الجشي.

خامسًا- كونه أديبًا شاعرًا، ووجيهًا مؤرِّخًا، كما أن ليراعه ذائقةَ خطٍّ فني رائع وجميل، وهو إلى ذلك شاعر له من الشعر الكثير لكنه لم ينشر، ولم ينبرِ أحدٌ لإظهاره للنور، ولو سألته عن أسباب عدم نشر قصائده رغم جمالها، ورقة معانيها، لأجابك ببيت الشعر، ذي الحكمة القائل:

وكم في الخدر أبهى من عروسٍ

ولكن ساعد الزمن العروسا

سادسًا- كونه شخصية جنى عليها التواضع ونكران الذات فلم تعط حقَّها من الصدارة والحضور، وهو ما لا ينبغي أن يكون، وقد كان، وليسمح لنا آل نصر الله وآل أبو السعود والبيات والناجي وأرحامهم من هذه الدوحة الكريمة أن نقول: كان حقًّا عليهم أن لا يقبلوا تواضعه، بل كان واجبًا أن يرفعوه ويقدموه رمزاً وطنِيًّا إلى جانب رموز البلد الأخرى من هذه الأسرة النبيلة وغيرها.

نحن في الواحة، وللأسباب المذكورة، ولعلاقتنا، وودنا لهذه الشخصية وتقديرنا لما تحمله من العلم والأدب والتاريخ؛ ارتأينا إعداد هذا الملف المتواضع في حجمه الكبير في معناه.

هذا الملف كان ينبغي أن يكون بحجم مناسبة رحيل الفقيد، وكنا تمنينا ذلك، ولكن حالت ظروف بعض المعنيين، ومشاغلهم، ووعودهم المتكررة، دون تحقيق الرغبة وإنجاز الملف في حينه، حتى عزمنا على إظهاره للنور، كما هو، في هذا العدد، وإذا كان من نواقص وهي موجودة فمبرره القول المأثور: (ما لا يدرك كله لا يترك قُلُّه)، ولا سيما أنه يأتي في الذكرى الثالثة لوفاته في 22 ذي القعدة 1429هـ بعد معاناة مريرة مع المرض، حيث دفن في مقبرة «الخباقة» بالقطيف، وشيعته الحشود من رجال وشخصيات المجتمع القطيفي وغيره، توافدت لتقديم العزاء لأسرة آل نصر الله، وكان أول المعزين خادم الحرمين الشريفين في مكالمته مع ابنه الأستاذ الأديب محمد رضا نصر الله عضو مجلس الشورى.

نقدم الصفحات التالية عن المرحوم نصر الله لعلنا نستطيع لاحقاً إبراز شيء من تراثه ومتروكاته، ووثائقه التي لدى وحدة (وثائق الواحة) يسيرٌ منها، لما تحوي تلك الوثائق من توثيق لحقب هامة من تاريخ القطيف.

وكثير من تلك الوثائق لها علاقة بشخصية فذة هي عمه الزعيم الحاج عبد الله بن نصر الله التي لطالما تغنى به الحاج منصور معتبراً إياه مثالاً وقدوة، ونتمنى أن نتمكن في الواحة من إعداد ملف عنه أسوة بسائر الوطنيين الذين أعدت الواحة ملفات عنهم.

هذا الملف، أخي القارئ الكريم، يتضمن كلمات التأبين التي ألقيت في حفل تأبينه في القطيف بعد وفاته رحمه الله.

[1]  الواحة العدد 8 شوال 1417-مارس 1997

[2]  راجع لقاء معه في ملف القضاء في مجلة الواحة العدد 20 ربيع 2003م.
370314