في مسرح الذكرى
محمد سعيد الجشي * - 2 / 2 / 2011م - 11:45 ص - العدد (52)

إن التاريخَ حركةٌ دائبةٌ، وهو قطعةٌ من الحياة، أو الحياةُ قطعةٌ من التاريخِ فهذه الحركةٌ ترتبطُ بهذه الحياة ما دامت هناك حركةٌ فهناك حياة، إن النهار والليل حركتان من تلك الحركات التي ترم مرورَ الخيال، أو مرورَ رؤيةِ حالمٍ يتعاقبان على هذه البشرية، ويجدان، وفي طياتهما العمل الدءوب للإنسان ونهاية الشوط وانطفاء السراج، وانطواء العمر، وآخر خفاقات السراج إنها حركة تمر في تلك الساعات التي تتألف من الأرض والشمس، إنها قدرة من صانع خلاق لا يتوقفان هذان الجديدان عن حركاتهما أو يعجزان أو يسبق أحدهما الآخر فهما في جدتهما تتجدد معهما الحياة في كل إشراقة شمس وغروب شمس.

إنهما يدلان على قدرة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي في كل آية له آية تدل على أنه واحد لا شريك له في ملكه ولا ظهير، فهو يدبر الليل والنهار، ويدبر كل ما يدّب على هذا الكوكب منذ خلقه، وتكفل برزق من عليه، فالحياة حركة دائبة تسير سيراً دقيقاً لا نصل إلى ما وراء أسرارها وما تدر فيه من بروج أفلاك، ودنيا مليئة بغرائب وعجائب، وبأفكار وعقول صنعها خالقها، ومنحها الموهبة لتزرع في هذه الحياة ما ينفع البشرية وقد تزرع ما يضرها كاختراعات الأسلحة الفتاكة، وهذا بفضل العقل الذي خلقه فاطر السموات والأرض في الإنسان، وجعل له التميز على الحيوان بهذا التفكير الذي أعطاه شعلة من ضوء التفكير تهديه في مدلهمات الحياة، وليلها ونهارها.

والعقل قد يخرج من أزمات الحياة إلى مستقر آمن مطمن، ويرشده لعبادة الرحمن، ومعصية الشيطان فالعقل هو المحور الذي يتمحور عليه كل إنسان يعيش على هذا الكوكب، وكل يأخذ حسب طاقته العقلية التي منحها الله له. فالعقل يفلسف الحياة، ولكن فلسفته قد تتبخر كما تبخر الريح الغيم، فلولا العقول لكان الحيوان أدنى شرفاً من الإنسان فالعقل هو الذي رفع الإنسان إلى أوج بعيد المدى، وتصرف في هذه الدنيا في بحرها وبرها وجوها كل هذا السباق بفضل العقل، فالعقل نعمة من نعم الله على الإنسان، ولكن الإنسان جحود لا يتصور هذه النعمة، وهو في لهفة عارمة إلى المادة في ميدان الشهوات والرغبات المحمومة إذاً فالعقل حركة كما إن الحياة حركة.

والجديدان حركتانِ دائبتانِ بين طياتهما ميلادٌ للبشر ومصارع لآخرين ففي كلِ غروب شمس يومٍ يودع الحياة، وينسكبُ شفقاً دامياً على عرائس النخيل، وأمواجِ البحر يشير إلى البشر لقد قرب غروُبكم كما غرب اليوم فهل هناك عبرة لهذه الحركة، وهذه الإشارة وهذا السكون الذي يعقب حركةَ الحياةِ يعقبها سكون وهو الموت. الحياة حركة، والموت سكون، وقد عرَّف الموتَ والحياةَ شاعر كان دقيقَ العبارةِ أبدع في التصوير:

هو برد يطفي حرارة طبع

وسكون يأتي على الحركات

إن هذه الصورة في حرفها الفني على بساطتها يفسر أن الحياة حركة، وأنَّ الموتَ سكونٌ، ولم نأتي بجديدٍ لتعريف الحياة، أو ما يجدُّ عليها، وما يغفو على آفاقها فقد أشار كتاب الله المجيد إلى تلك الحركة في آيات بيناتٍ تعرف الكونَ ما بعده تعريفٌ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ. صدق الله العلي العظيم.

أشارت الآيةُ الكريمةُ إلى أن الحياةَ حركةٌ دائبةٌ لا تنطفئ، وفيها عبرةٌ وموعظةٌ لذوي العقول الذين يتفكرون في آيات الله، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد لا شريك له فمنذ خلقَ اللهُ هذا الكوكب والسمواتِ وما فيها من آياتٍ تتحرك بأذنه ولا تسكنُ إلا بأمرهِ عندما تقوم الساعة عندما يشاء الله ذلك فما الحياة لإفرادِ الإنسانية إلا كحلم، أو ظل ينسخه دلوك الشمس، فالإنسان كالطيف يمر بآفاق هذه الحياة، وكثيرون الذين يمرون فتصرعُهم دنياً بكلكِها، وتحيهم دنياً، فكأنهم ما مروا بهذه الحياة، ولم يشغلوا منها مركزاً يطلون من علٍ عل هذه البشرية فنسوا، وأصبحوا كالطلول البائدة، وقليلٌ من يمر بهذه الحياة فيترك بصماته على صفحات التاريخ يتألق مصباحاً ينير الأجيال، ويهدي السالكين حتى يشاء الله أن يطوي الأرض. قليلون جداً هذه الفئةُ الخيرةُ والخيرون قليلون.

وكان هدفي من هذه التوطئة لأشير إلى صديقٍ غَرُبَ طيفُه يوم السبت الموافق اثنين وعشرين من ذي القعدة عام ستة وعشرين بعد الأربعمائة والألف هجرياً الموافق الرابع والعشرين من ديسمبر عام ستة بعد الألفين ميلادياً، وهو الشيخ منصور بن الحاج حسن نصر الله،ومن الصدف أن يكون هذا الغروب قريباً من رحيل الإمام أبي الحسن الخنيزي حيث رحل الإمام يوم واحد وعشرين من ذي القعدة عام ثلاثة وستين بعد الثلاثمائة والألف هجرياً، فكأنه معه على موعد في هذا التاريخ لما يكنه الشيخ منصور من حب وتفان في حب الإمام أبي الحسن الخنيزي، بل يعشقه ومتأثر بحياته كما يتبع الظل الشخص.

ولهذا التأثير الممض في نفس الشيخ منصور كاد أن يقضي عليه لتأثره برحيله، فالعلاقة المنسجمة بين الشيخ منصور، والإمام الخنيزي علاقة روحية، والعلاقة الروحية تسمو بالأرواحِ وترتفعُ بها عن الحياة الماديةِ.

يا أبا محمد رضا أنا لا أنسى تلك العشرةَ، وتلك الأخوةَ التي نمت بيني وبينك منذ عصر الصغر ففي كل مساءٍ عندما تتناولُ وجبةَ الغداء لا تهدأُ ولا ترتاحُ حتى تكونَ في ذلك النادي المتواضع البسيط تقرأ بين الأسفارِ، وتشرح تلك المعاني في انسجام أخوي دام ردحاً طويلاً من الزمن لم يفصله إلا العوائقُ المرضيةُ، والظروفُ الزمنية، وبرغم ذلك لم تنقطع تلك الصلة الروحية، فكان لهما أجنحةٌ ترفرفُ على تموجاتٍ روحيةٍ تربطني بك روحياً وجسمياً فكنت مثالَ الودِ الإخلاص أنعكس هذا الحبُ في قلبك وتبرعم فيه حبك لأبي إلى أبناءه وكنت الصريح في حياتك لا تجامل ولا تداهنُ حتى من هو أعزُ عليك كما سمعت منك مقولة تجأرُ بها في الحق وتذيعُ إلى كامنَ أسرارك. فاليوم قد رحلت عنا وهذا طريقٌ عامر، ويخفف عنا هذه الويلات في مصابك أن لا باقي أحد إلا الله.

أبا محمد رضا غرب طيفُك صباحاً لتودعَ الحياةَ وتنفضَ هذه الأتعابَ وهذا السيرَ الطويلَ الذي كدحت فيه، وماذا أقولُ فيك وأنا درستُك درساً طويلاً في عشرة طويلة، ولكن أقول كلمةً مختصرة >إنك مؤمنٌ< وكفى بالإيمان لباساً فإن رحلت فإن لنا العزاء في ابنِك الأستاذِ محمد رضا وأخيه عبدالله، وماذا نصنع إن لك فراغاً سأشهده كل ما زرتُ بيتَك لم أرَ ذلك الرجلَ الذي يحبُ الحرف ويعشقُه حتى التخمة فأنت نهمٌ للحرف لا تمل ولا تسأمُ من مسامرةِ الكتب، وحتى بعدما أصبت بالسكتةِ الدماغيةِ تطلب من يقرأُ لك فأنت والحرف عاشقٌ ومعشوقٌ، ولكن ليس لنا إلا التفويضَ والصبرَ وما علينا إلا نستظل بوارف ظلا الإسلام لنخفف لوعة وحرارة المصاب وتسكن الألم، وإن كان الألم على فورة ممضة ونفزع إلى الآية الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ.

صدق الله العلي العظيم

وإن هذه الحياة كشريط تتمثل ثم تغيب:

ما أنت يا دنيا أرؤيا حالم

أم ليل عرس أم بساط سلافي

نعمائك الريحان إلا أنه

مست حواشيه نقيع زعافي

فصبراً يا أستاذ محمد رضا ويا عبدالله على ما أصابكما كما أني أتقدم بتعازي الحارة إليكما وآل نصر الله وإلى أبو السعود وآل بيات وأخص صنوه الحاج أحمد حسن نصر الله ربط الله على قلوبكم بالصبر وخلف عليكم والله مجزي الصابرين.

27/11/1426هـ

29/12/2005م.

القطيف
370314