والد ومن ولد
محمد رضي الشماسي * - 2 / 2 / 2011م - 11:50 ص - العدد (52)

 قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا

خلق الله الإنسان من الأرض وطلب منه أن يعمرها ويبنيها، وتتعدد أوجه البناء تعدداً واسعاً كتعدد أقوام البشر؛ وكل في ميدانه ودائرة عرفانه. وكما يبني الإنسان الحياة، يبني نفسه في ذاته، ويبني نفسه في بنيه، يتعلم الإنسان أو يتثقف أو يمتهن لكي يكون عضواً فاعلاً في عملية البناء الحضاري، وقد يبني الإنسان نفسه أخلاقياً وسلوكياً فيكون كريماً مثلاً، أو مجتمعياً؛ يسعى لخير مجتمعه ومصلحة مواطنيه.

أقول هذا وأنا أمام منبر ذكرى شخصية عزيزة غالية لدى أبناء هذا البلد الذي يرى في شخصياته المثل البارز، والقائد الفذ، والزعيم المحنك، والإمام العالم.

منبر ذكرى الرجل الصالح المؤمن المثقف الحاج منصور بن الحاج حسن آل نصر الله. وفقيرنا العزيز (طيب الله ثراه) يذكرنا في هذه الليلة بوجاهة وريادة هذه الأسرة الكريمة التي أنجبت مثل الحاج عبدالله آل نصر الله وأخيه الحاج حسن فقد سمعنا عنهما الكثير من زعامة وطنية ووجهات مشرقة لدى المسؤولية، وكرم ونبل في الأخلاق.

إذاً فلا عجب أن يسير الابن على خطى أبيهن سلوكاً وأخلاقاً وكرماً، وإيماناً. نعرفه في الكرم ونعرفه في الإيمان، ونعرفه في الثقافة، مكتبته العامرة بكتب الدين والأدب والتاريخ هي سلوته حين الجلوس في بيته، فكم استفاد منها وأفاد أصحابه وجلاسه من حصيلة ما قرأ، وهو في هذا السياق يتمتع (رحمه الله) بروح مرحة، ونكات مملوحة، يضفي بذلك جو المرح والأنس على جلسائه ومريديه.

وهو إذ يجالس العلماء والأدباء والمثقفين فهو من هذا السنخ وهذا التجانس الذي يشكل وحدة عضوية تامة من عالم وأديب ومثقف ومتطلع وولوع بالعلم أو الأدب أو الثقافة.

مجالس هي ديوانيات علمية وصالونات أدبية، عشنا بعضها في مثل مجلس المرحوم الشيخ ميرزا البريكي والشيخ فرج العمران، والشيخ عبد الحميد الخطي، وكما حدثونا عن مجالس الزعيم علي أبو السعود (رحمة الله عليهم جميعاً).

والد ومن ولد. الفقيد السعيد ترك الذرية الصالحة، الثمرة الطيبة عاشت ونمت في أرض طيبة، في بيت زكي، وفي أجواء إيمانية تربوية تسمع فيها الكلمة الطيبة من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وروايات وآثار من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). الأستاذ ممد رضا في أدبه ووطنيته، وعبدالله في بره وكرمه حسنتان من محاسن الفقيد (طيب الله ثران).

ولو لم يكن للمرحوم إلا هذان النجلان لكفاه فخراً وعزاً. وكل في مجاله رجل خير وبركة، ولكن الأستاذ أبو فراس أخذ بجدارة ريادة الأسرة الكريمة، حتى أصبح نجماً لامعاً خرج من حدوده المحلية إلى الفضاء الواسع المشرق بصحافته وتلفزته. فهو كما يعرف الجميع: علم في الإعلام.

وأضاف إلى هذا وطنية ملحوظة لدى جميع مواطنيه، فهو في مقر عمله في الرياض، وجه مشرق لهذا البلد، يحظى بمكانة مرموقة، ومنزلة رفيعة عند المسؤولين، يستطيع من خلالها أن يسعى لحل الكثير من قضاياها دون منة، بل وبنكران ذات، وبتواضع يغطي مساعيه وكأنه لم يسعَن ولم يتوسط، ولم يقم بخدمة أحد. يعمل بصمت وهو المتكلم والمفوه والأديب الأريب، والصحفي اللوذعي.

وما مات من أبقى سليلاً كمحمد رضا.

رحم الله الفقيد العزيز السعيد بعفو ربه ورضوانه ونعمه في دار الخلد مع النبي محمد وأهل بيته الطاهرين (عليهم جميعاً سلام الله). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

16/1/1426هـ

أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
370314