حوار مع الفنّان والكاتب: سعدي صالح
(العراق/الإمارات العربيّة)
زينب البحراني * - 2 / 2 / 2011م - 12:34 م - العدد (52)

حين تخترق أعماله، بروحها النادرة، الحواس؛ لتثير الانقلابات في الذهن، قبل أن يستوطن أثرُها الذاكرة، تتنفس أعماق القارئ الحقيقي اطمئنانها وهي تهتف بصمت: (مازال للأدب الأصيل من العافية ما يبقيه على قيد الحياة حتى اليوم).

هكذا هو قلم الأستاذ الفنان والأديب العراقي المبدع (سعدي صالح أحمد)، الذي تترجم سطور أعماله عن شخصيته المنفردة بإنسانية باذخة الإحساس، ومحبته الخارقة؛ للكون والإنسان.

فاز قلمه بنخبة من الجوائز الأدبية. عمل كاتبًا دراميًّا ومخرجًا في العديد من المحطات الإذاعية والقنوات التلفازية العربية، ومع كل هذا، مازال سلوكه لا يعرف وجه الغرور، أو التعالي على المواهب الشابة، والأقلام الجديدة التي لا يبخل على أحدها بسخاء الدعم المخلص، والمعونة الصادقة في ما يستطيع تقديمه.

ولأن قلمي كان من بين أقلام ترعرعت بين يدي إرشاداته التي لم تكن تقدر بثمن؛ اخترت أن أجري معه الحوار التالي؛ لعل المزيد من الأقلام الجديدة تجد بين سطوره ما يضيء لها طريق عالم الفن المكتوب.

* بداية؛ من هو الأستاذ (سعدي صالح) كما يبدو لنفسه؟

* أنا ابن بيئة الحروب والجوع.. والحب.

* وكيف أنجبتك تلك البيئة على هذه التركيبة؟

* لم تنجبني، بل صنعتني؛ لأن الذي أنجبني هو الحب وحده، ثم اختلطت بتركيبتي الحروب والجوع والمعاناة، فصرت كائنًا مليئًا بفصيلة دم جديدة.

* حدِّثنا، قليلاً، عن مطلع رحلة قلمك في عالم الأدب والفن المكتوب.

* بدايتي كانت مع فن الكاريكاتير، أحببته لقسوته ومقدرته الجبارة على الإضحاك والإبكاء في الوقت ذاته، ثم كانت البداية الثانية في المسرح الجامعي؛ كتبت وأخرجت المسرحيّات، ومثّلت كذلك، ولكنني لم أجد في نفسي ما يدفعني لعشق التمثيل، ومن ثم احترافه، ويمكنني اعتبار تلك المرحلة مرحلة صعلكة في ميدان الأدب والفن؛ لأنك تعمل لإثبات شيء ما، أو تبرهن على أنك موهوب، إلى أن تنتزع الاعتراف ممن هم حولك بعبقريتك، حينها تتغير الأوضاع.

* تقول إنَّ أحد أسباب اعتبارك تلك المرحلة إحدى مراحل الصعلكة في ميدان الأدب والفن؛ هو أنك تعمل لإثبات شيء. ماذا تقصد بالشيء المطلوب إثباته تحديدًا؟؟

* أولاً؛ لأنها مرحلة العمل دون مقابل مادي، وثانيًا؛ مرحلة تحدٍّ؛ لأن كثيرا من العاملين في المجال لا يحترمون الموهوبين من المحلّقين حول المجال ذاته، ويعتبرونهم من العوالق، أو الهوائم التي يستحيل عليها الوصول إلى المرحلة التي بلغوها هم مهما نزفوا دمًا أو أتوا بما يشبه أكبر المعجزات، فلا بد من العمل الشاق في هذه المرحلة كي نثبت أننا، حقًّا، قادمون، لكوننا أهلاً للمجال وحمل مسؤوليته، وإن كنت أؤكد لك ما يشبه استحالة سماع مثل هذا الاعتراف من أولئك بالذات شفهيًّا؛ بل لابد من انتزاعه انتزاعًا.

* وكيف يكون انتزاع مثل ذاك الاعتراف الثمين برأيك؟

* عندما يحاربك شخص، دون اذِّخار جُهدٍ بوسعه؛ لفرش طريق سيرك، حافيًا، على الشوك، ثم يأتي يومًا من أيام نجاحك كي يقول لك كلمة مبروك بعينين تتعمد نظراتهما الهرب من مواجهة عينيك، مع مصافحة سريعة، وكفٍّ يسحبها خطفًا، حينها تتدفق في أعماقنا سعادة لا توصف، بانتزاعنا ذاك الاعتراف المعنوي الصارخ بنجاحنا رغم صمته.

* أي سر يكمن في حماسك المتأجج لرعاية المواهب الشابة، ومساعدتها معنويًّا بخبراتك المتميزة في مجال الكتابة الإبداعية؟

* لا سر في الموضوع، كل ما أحب الوصول إليه هو أن لا يواجه الشباب ما واجهته، أنا، من قبل؛ لكوني أحسُّ بحاجاتهم، ومعاناتهم. أنا أؤمن بأنه لا توجد موهبة شابة وموهبة كبيرة السن، الاختلاف يكمن في توفير الفرصة؛ ولذا فإنني أحاول مساعدة الذين يدخلون، جديدًا، في المجال بتقديم نسخة عن الأدوات التي نحتت بها إنجازاتي السريعة، إضافة إلى وصفة علنية، أو خريطة ملونة، لكيفية نحت الإنجاز بتميّز.

* من الملاحظ -بكل أسف- أن بعض الشخصيات ذات الأقلام المحسوبة على الأدب تتعامل بفوقية تجرُّ أذيال الغرور أمام الأقلام الشابة، فتحاول التقليل من شأنها، وتسفيهها، أو تتعمد تجاهلها - على أدنى تقدير - بدلاً من إرشادها إلى ما تحتاجه بالفعل. ماذا تقول عن هذه الظاهرة؟

* أنا أرى أن الأديب المغرور أو المتكبر هو أشبه بمخلوق مصاب بهشاشة عظام حادة، يخشى أن يقترب من أحد أو يلمسه أحد؛ خشية أن يتهشَّم، وأعني بذلك أن موهبته هشَِّة إلى الحد الذي يجعله يخشى أن يبتلعه القادم الغامض، رغم أن القادم لا يحمل بداخله ما يتخيَّله السيد الهشُّ.

* كيف باستطاعة الموهوب - من ذوي الأقلام الجديدة - تجاوز المصاعب التي تعترض خطواته الأولى في المضمار الأدبي؟

* يجب، أوَّلا، أن يتذكر أن الأصابع لا تتماثل، وإن كان عددٌ منها قيدَ الشلل، أو التحجُّر، فلابد أن يجد بينها، كذلك، واحدًا أو أكثر بعافية تؤهله لمساعدته، وأعني بذلك أن ليس الكل يتخوفون من الجديد، وإنما منهم من يحب مساعدة المواهب البازغة، وإبرازها. المهم أن يتواصل الشاب، ويقرأ ويكتب، دون أن يسمح للإحباط باستعمار أعماقه أبدًا.

* برأيك، ما هي الصفات النفسية التي يجب توفرها في شخصية الكاتب ذي الروح الأدبية الحقيقية؟

* حبُّ الناس، حبُّ الاطلاع، أُذُنٌ تسمع، ولسان لا ينطق إلا قليلا، ولكن التجربة هي التي تكون فارق إنضاج الروح الأدبية التي تتكلمين عنها، بمعنى أن الأديب لابد أن يكون ابن بيئته؛ فالأديب ابن البيئة الديناميكية والمتحولة، تنضج روحه وأدواته أكثر من الأديب ابن البيئة المستقرة الراكدة.

* ما رأيك في مجمل الأعمال الأدبية العربية المنشورة في يومنا الحاضر؟

* كما أن الأديب ابن بيئته، فالأدب، أيضًا، ابن بيئته وزمنه، فالموضوع مشترك في الأدب والفن والإعلام، الكل مصاب بنفس الأعراض المرضية، ومقولة واحدة تحكي واقع حالهم: «كلٌّ يغني على ليلاه». كلٌّ يبحث عن مبتغاه، ولا احد يحترم المشاهد أو القارئ المتأثر.

* لكن لا بد من حل يحمي حاضر الأدب والفن العربي، الذي سيتحوّل إلى جزء من تاريخ أمّة ذات يوم.

* لن يتحول أدب الفترة الحالية إلى مرحلة مخلّدة، لأن الرصين وحده ما يبقى، ولا وجود للرصين إلا في الأدب العربي القديم، فلنقل الذي تنتهي حدوده عند بداية التسعينيات من القرن الماضي.

* وهل ثمّة تفاؤل بأدب حقيقي مقبل؟

* بالتأكيد، فالصحوة قادمة في كل مجالات حياتنا، وليس الأدب وحسب.

* ساهم تدفق النشر عبر الشبكة العنكبوتية الالكترونية - بخلوّه من الشروط والرقابة والنقد الكافي - في انتشار أكداس من الثرثرة المكتوبة التي يتمُّ حشرها تحت اسم الأدب، رغم عدم تقصيرها الظاهر في إفساد الذوق العام؛ برأيك ما هو الحل للحد من تأثير هذه الظاهرة التي بدأت مخاطرها تتسع مهددة نمو أذواق تستطيع التفريق بين الأدب الحقيقي الأصيل والشخبطة المتنكرة في ثوب عمل أدبي مهلهل؟

* تحدّثنا، قبل قليل، عن الرصين والهش. ومن هنا يمكننا القول: فليتكلّم الكل، وصاحب الكلام الموزون هو من سيُسمع. فليحاول كلُّ من يحاول النشر على صفحات مواقع الشبكة العنكبوتية الالكترونية (الانترنت)، تلك ظاهرة صحيّة؛ لكن في النهاية، المخلص هو من سيستمر، وصاحب الموهبة الرصينة وحده من سيبلغ هدفه بالوصول، أمّا الزّبَد فلا يدوم طويلا.

* ما هي النصيحة التي تقدمها لذوي الأقلام الجديدة من المبدعين والمبدعات في المجال الأدبي، والفني؟؟

* أولا، أقول لهم: قلبي معكم في كل خطوة تخطونها نحو مشوار تحقيق الأهداف، ونصيحتي هي: (الكلمة الصحيحة لبِنة من لبنات المجتمع السليم؛ فلا تبيعوها بالدراهم)، و وفقكم الله.

* هل ثمّة سؤال أخير تحبُّ أن تسأله ثم تجيب عنه أنت نفسك؟

* دعيني أسأل نفسي، أولا، قبل أن أجيبك: «إذًا.....................................................................»

أخيرًا. بعد دقيقة صمت قصيرة أجاب بثقته المعتادة: سألتها: لم اختارت هذا المجال على صعوبة السير في طريقه؟ كان ردُّها هو: «لأنه هو الذي اختارك، وليس العكس».

قاصة وكاتبة - السعودية.
218064