علي بن المقرب العيوني الأحسائي
الشاعر - المؤرخ
تغريد علوي الهواشم * - 2 / 2 / 2011م - 12:39 م - العدد (52)

هو ذلك الشاعر الأحسائي الذي عاش في الحقبة الأخيرة لعصر بني العباس، ويُعدُّ - أدبيًّا وفنِّيًّا - من كبار شعراء عصره، إلا أنه لم يأخذ حقَّه من التقدير وذيوع الصيت، وربما كان التفسير المنطقي الوحيد لذلك، هو أنه عاش في الطرف الشرقي لجزيرة العرب، ولم يُعرف عبر العواصم والحواضر العربية والإسلامية الكبرى، إضافة إلى أن حياته قد شهدت فترة تاريخيَّة مضطربة الأحداث، كثيرة القلاقل والاضطرابات، فلم يعطها المؤرخون حقها من الاهتمام والبحث.

وشاعرنا ابن المقرب هو: جمال الدين أبو الحسن علي بن المقرب، ولد حوالي سنة 572هـ، في بلدة «العيون[1] » الشهيرة بالأحساء، وفيها تلقى علومه، وتَحصّل على مبادئ ثقافته الدينية والأدبية.

وابن المقرب ينتمي إلى الأمير عبد الله بن علي العيوني، الذي انتزع الأحساء من حكم القرامطة، فحكم الأحساء والقطيف والبحرين مؤسِّساً الإمارة العيونية التي امتدت من العام 466هـ إلى عام 636هـ[2] .

وعلى الرغم من أن الدولة العيونية قد انفصلت عن كيان الدولة العباسية، واستقلت بشؤونها إلا أنها لم تكن على صِدام مع مركز الخلافة في بغداد، بل إن الخلافة العباسية قد مدَّت يد العون للأمراء العيونيين في محاربتهم للقرامطة، ومن ذلك أن الأمير عبد الله بن علي العيوني: «قد كاتَبَ أبا الفتح جلال الدين السلجوقي ببغداد شارحاً له أحوال البلاد، وطالباً منه العون، فأرسل إليه القائد “اكسك سالار بك حبوان” في جيش كبير، فتم لعبد الله بذلك تخليص الأحساء من براثن القرامطة بعد حروب طاحنة انتهت سنة 468هـ»[3] .

 ولم يخل شعر ابن المقرب من شواهدَ تدل على حميمية العلاقة بين العيونيين والخلافة العباسية. من ذلك قصيدته في مدح المستنصر بالله أبي جعفر ومطلعها[4] :

اليوم سرُّ العلى واستبشر الأدب

وأحمدت سَيْرها المُهريَّة النجب

ومما جاء فيها:

حسبي أبو جعفرٍ مما يدبُّ على

وجه البسيطة أو يعترُّ، أو يثب

حسبي إمام الهدى لا فرعُ دوحته

عشٌّ، ولا ريش سهمٍ راشه لعب

حسبي إمام الهدى المنصور فامتلأت

رعبًا، فضاقت بها الغيطان والجيب

صنو النبي، إذا يعزى، ومُشبِهه

خلقًا وخُلقًا، وباب الله، والسبب

وهَّاب ما لا رأت عين ولا سمعت

بمثله هيبةً عجمٌ ولا عرب

وفي مدح الناصر لدين الله العباسي يقول[5] :

هو البحر والناس الذين ترونهم

سَواقٍ طمَت من فيضه وهو طافح

يجود ذوو الإفضال من فيض جوده

فيعلو لهم شأنٌ، ويكثر مادح

هو الناصر ابن المستضيء وقِدحه

معلَّى، وما في عوده الصُّلبِ قادح

سميُّ النبي المصطفى وابن عمه

وأكرم من ضَمَّت منى والأباطح

محيَّاه صبحٌ للهدى وبنانُه

بحارٌ غزارٌ للندى لا ضحاضح

ومن الجدير ذكره أن ابن المقرب قد تعرض لنكبة كبرى في حياته جعلته يعاني آلام الغربة والحرمان وضيق الحال، دافعاً بذلك ضريبة الصراع المستفحل بين أبناء عمومته من العيونيين حكام الأحساء من جهة، وحكام القطيف من جهة أخرى؛ فحينما تولى الأمير محمد بن أحمد بن أبي الحسين حُكم القطيف وقف ابن المقرب إلى جانبه، ومدحه عبر قصائد وأبيات شعرية كثيرة منها قوله[6] :

لئن طلبتْ أهل الممالك حقـها

وسـار بهم قلبٌ إلى المجد حرَّانُ

فلا عجب أن يطلب الحق أهله

فللدَّوح أوراق نشأن وأغصــان

فليس لقوم غيرهم أن يعرضوا

نفوسهم لليث، والليث غضــبان

ولما تولى محمد بن ماجد إمارة الأحساء حنق عليه، وقام بمصادرة أملاكه وبساتينه وأمواله، ولم يكتف بذلك، بل قام بسجنه واضطهاده وإذلاله. يقول شاعرنا ذاكراً سجنه وآلامه[7] :

ولم يكفهم قيدٌ ثقيل وخشبة

برجليَ في دهماء تنسي المصائبا

وبعد قضائه فترة ليست بالقصيرة في السجن، أفرج عنه فهاجر إلى العراق، فأقام ببغداد يعاني عذابات الغربة والحنين، يقول[8] :

أقول لركب من عُقيل لقيتهم

وأعناقها للقريتين[9]  تُمـال

أيا ركب حييتم وجادت بلادَكم

غمائم أدنى سحِّهنَّ سجال

ويصور ابن المقرب نكبته فيقول[10] :

وقد كنت ذا مال حلال وثروة

يُضاعَف إكرامي وتُرجى مكارمي

فأعراني الوالي المشوم وفاتني

بما حزته من ضيعةٍ ودراهم

فمالَ على مالي وحالي وثروتي

وجاهي وأصغى لاختلاق النمائم

ومع أن شارح ديوانه لم يورد أيَّة إشارة لنفيه قسرًا فإن شعره يزودنا بهذه الإشارة؛ إذ نراه يعاتب أبناء عمه فيقول[11] :

أيجمل أن أجفى وأنفى وعندكم

لمن ليس مثلي عيشةٌ ومقام

ويقبل قول الخصم فيَّ تحامـلاً

وأسهر خوفاً منكم وينـام

وتقطع أرحامي وتُلغى مودتي

ويقعد بي ما بينكم ويقـام

وتذنب أقوام فتعزى ذنوبُهـا

إليّ وأُلحـى عندكم وألام

نعم، قد تكون هذه الإشارة مجرد تعبير عن الشكوى والتظلم، وقد لا يكون ذكره النفي حقيقة، لكن ما من شك في أن ما لحق به من أذى أجبره على النزوح من بلده إلى بغداد.

وحين تصله، من هناك، أنباء تبشره بقرب انفراج أزمته، يخاطب ابن عمه الأمير مستعطفاً[12] :

أتاني من الأنــباء عنه غرائبُ

فَلَذَّتْ بها الأسماع واستبشر القلب

بعطف على ودِّ العشيرة صادقٍ

ورفض عـداها لا محالٌ ولا كذب

ولقد تكررت استعطافات ابن المقرب، وتضرعاته لابن عمه، حتى وعده الأخير وعداً جميلاً بأن يعفو عنه، ويردَّ عليه ما استلبه من أموال وبساتين، فلما عاد أدراجه من المنفى إلى دياره «الأحساء» أعرض الأمير عن إنجاز ما وعده به، فخاف ابن المقرب على نفسه، وخرج إلى القطيف، فأقام بها مدة، وامتدح أميرها «الفضل بن محمد»، وكان ذلك في عام 606هـ[13] .

وبالإجمال، فإن نكبة ابن المقرب هي نكبة سياسية، تعكس مدى إحساسه بالمسؤولية تجاه عشيرته، ومدى حرصه ورغبته في الوحدة والاتحاد بين أبناء عمومته. يقول:

إلامَ، بني الأعمام، نغضي على القذى

ونكثر لَيَّـان[14]  العلى ونماطله

وبالرجوع إلى سيرته، فإن شاعرنا، وبعد أن قضى فترة من الزمن في منطقة القطيف، عـاد إلى موطنـه الأول الأحساء، ولاذ بالصمت، ومال إلى الهدوء، إلى أن قُتل الأمير محمد بن ماجد، وتولى الحكم من بعده الأمير مسعود بن محمد مبتدئاً فترة من الضعف والانحلال السياسي، وربما الاجتماعي، فانبرى ابن المقرب ينصح، وينذر، ويحذِّر من الأخطار المحدقة بالإمارة وحكمها؛ إلا أن صرخاته وتحذيراته ذهبت أدراج الرياح، واستمر به الحال على هذا المنوال حتى وافته المنية سنة 630هـ[15] .

أما حينما نخص شعر ابن المقرب بالحديث، فإننا سنرى أن هذا الشعر قد اكتسب أهميته وتميزه من كونه شعراً حافظ على قيمته الفنية والإنسانية العالية، فكان ابن المقرب في شعره علماً بارزاً، بين شعراء عصره، شعره جزل، رصين، غير متكلف، بعيد عن الهجاء المقذع، والتكسب المذل، يحمل صدقاً في العاطفة، وسموَّا في الدعوة إلى الفضائل، والحث على المكرمات، والتغني بصفات الشجاعة، وعلوِّ الهمة.

وتكمن أهمية شعر ابن المقرب في أهمية الأحداث التي أُرخت بين ثناياه، إذ لم يجد الباحثون مصدراً لاقتفاء أثر الدولة العيونية وسيرة أمرائها مثل ديوان ابن المقرب، ولربما كان هو المصدر الأوحد لتاريخ هذه الدولة الأحسائية الشهيرة، حيث استطاع أن يُلم بكافة الظروف التاريخية التي أحاطت بها مصوراً الكثير من المعارك والوقائع والأحداث التفصيلية بأماكنها وشخوصها ووقائعها، كما صور علاقة الدولة العيونية بالخلافة العباسية، والتي سبق ووصفناها بالطيبة، بل والحميمة.

وكذا، فإن شاعرنا لم يغفل تصوير الصراع بين أمراء هذه الدولة وبين رموز حركة القرامطة، آخذاً على عاتقه تبيان حقيقة القرامطة، ونسبتهم التاريخية والجغرافية والقومية ومدى تأثير عاداتهم وتقاليدهم وتراثهم في واقع الحياة الاجتماعية لسكان الجزيرة العربية، يقول[16] :

سل (القرامط) من شظّى جماجمهم

فلقاً، وغادرهم، بعد العلا، خـدما

من بعد أن جلّ بالبحرين شــأنهم

وأرجفوا «الشام» بالغارات والحرما

وحرقوا «عبد قيس» في منازلــها

وصيروا الغـرَّ من سـاداتها حُمـما

وأبطلوا الصلوات الخمس وانتهكوا

شهر الصيام ونصوا منهمُ صــنما

ومــا بنوا مسجداً لله نعـــرفه

بل كل ما أدركوه قائماً هــدما

والحق أن قصيدته الميمية هذه تعد

من أبرز القصائد التي وثقت تاريخ الدولة العيونية بكل تفاصيلها، وهي تصل إلى نحو مائة وخمسين بيتاً، يقول في بعض أبياتها[17] :

قم فاشدد العيس للترحال معتزما

وارم الفجاج بها فالخطب قد فقما

كم رحلة وهبت عزّاً تدين له شوس

الرجال، وكم قد أورثَت نعما

واسمع، ولا تلغ ما أنشأت من حِكَم

فذو الحجا لم يزل يستنبط الحكما

لا يضبط الأمر من في عوده خَورٌ

ليس البغاث يساوي أجدلاً قطماً

ما كل ساعٍ إلى العلياء يدركها

من حكّم السيف في أعدائه حكما

من أرعف السيف في هام العدا غَضَباَ

للمجد حُق له أن يُرعف القلما

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]  ديوانه، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، مكتبة التعاون الثقافي، الأحساء، الطبعة الثانية، 1408هـ 1998م، مقدمة المحقق ص: 7.

[2]  ساحل الذهب الأسود، محمد سعيد المسلم، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الثانية، 1962م، ص: 158 - 167.

[3]   ابن مقرب، حياته وشعره،  عمران محمد العمران، مطابع الرياض، الرياض، الطبعة الأولى، 1388هـ، ص:41.

[4]  ديوانه، مصدر سبق ذكره، ص: 92 - 93.

[5]   ديوانه، مصدر سبق ذكره، ص: 126 - 127.

[6]  ديوانه، مصدر سبق ذكره، ص: 591 - 592.

[7]  نفسه، ص: 36.

[8]  ديوانه، ص: 435.

[9]  القريتين: قصد بهما القطيف والإحساء.

[10]  ديوانه، مصدر سبق ذكره، ص: 496.

[11]  نفسه، ص: 480.

[12]  نفسه، ص: 33.

[13]   نفسه، ص: 594.

[14]  الليان، واوية العين واللام: المطل؛ من لوى فلانًا حقه مطله، وبحقه جحده، محيط المحيط، بطرس البستاني، مكتبة لبنان، مطابع مؤسسة جواد، للطباعة، بيروت، 1983، ص: 832.

[15]  ديوانه، مصدر سبق ذكره، ص: 6.

[16]  ابن مقرب حياته وشعره، مصدر سبق ذكره، ص: 41

[17]  ديوانه، سبق ذكره، ص: 526.

كاتبة - السعودية.
203365