بداياتهم مع الكتابة
محمد عبدالرزاق القشعمي * - 2 / 2 / 2011م - 12:42 م - العدد (52)

لفت انتباهي ما نُشِر في العدد الممتاز من جريدة البلاد السعودية رقم 790 لسنتها الرابعة عشرة الصادر يوم الأحد 1/ 4/1368هـ، الموافق 30/1/1949م تحت عنوان (أول مقال، وأول قصيدة)، وقد اشترك في هذا الموضوع أربعة فرسان من عمالقة الأدب العربي في بلادنا وهم: هاشم يوسف الزواوي، وأحمد عبد الغفور عطار، ومحمد عمر عرب، وطاهر زمخشري، وكان كل منهم يصف مشاعره وما وصلت إليه فرحته وغبطته عندما شاهد -ولأول مرة- اسمه ينشر في الصحيفة تحت مقال أو قصيدة. وبعد ذلك حرصت على تتبع بدايات ما ينشره الرواد في الصحف القديمة والمتوفرة هنا أو هناك، ولكن موجودات مكتبة الملك فهد الوطنية هي الأساس، وقبل أن أستعرض مشاعر وذكريات كل واحد ممن وقع بيدي من مقالته أو قصيدته الأولى، أو بهما معًا، يجمل أن أشير إلى أن أيًّا من هؤلاء الرواد لم يولد وبيده قلم، أو (بفمه معلقة من ذهب)، كما يقال، ولكن الرغبة والمران والتحصيل والتصميم يخلقان لدى الواحد الخبرة والسلاح المعرفي، وإذا وفِّق أحد بوجود من يأخذ بيده ويرشده ويشجعه تخطى الحواجز بسهولة، واقتحم بلاط صاحبة الجلالة دون خوف أو وجل، فكثيرٌ من روادنا بدأوا بمقالات بسيطة هزيلة قد يكون من أهمها تعداد محاسن ومزايا بلدته، أو نظمه لقصيدة سجعية عندما يذكرها صاحبها بعد حين يخجل أن تنسب له مثل ما كان لدى العلامة حمد الجاسر وسيذكر فيما بعد.

أقول؛ إن الإنسان -أيًّا كان- لا بدَّ أن يفرح ويستبشر ويزهو بين أقرانه ومعارفه عندما يرى اسمه لأول مرة ينشر سواء في صحيفة أو في محفل ومنتدى، كما يفرح عندما يطل عليه مولوده الأول.

نعود للعدد المذكور لجريدة (البلاد السعودية) قبل ستين عامًا فنجدها تقدم للموضوع بقولها: «للمقال الأول أو القصيدة البكر ذكرياتها الحلوة الرفافة في نفوس الشعراء والكتاب، لأن أول هاجس في النفس بنظم الشعر، وأول خاطر بمزاولة الأدب لا تراود الإنسان إلا في زمن الصبا وربيع الحياة، في تلك الفترة من العمر التي يتفتح فيها القلب للحياة، ويتلقى أول رسالات الجمال.

وقد تقدمنا إلى شاعرين من أبرز شعرائنا، وكاتبين من خيرة كتابنا بأن يذكروا لنا أول محاولاتهم في الأدب والشعر... ».

ولنبدأ بالأستاذ هاشم يوسف الزواوي:

«كنت فخورًا بما كتبت حتى أنني اشتريت نسخًا عديدة من العدد الذي نشر فيه المقال، وكنت أنشره وأطويه مرات عديدة في اليوم، وقد أبليت ثلاث أو أربع نسخ من العدد المذكور غير أني مع الأسف الشديد فقدت هذا المقال العزيز والحبيب إلى نفسي...»، وقال: «كنت أتهيب النشر، لكني تجرأت يومًا وكتبت مقالاً عن (اليتيم)، ولست أذكر عنوان المقال تمامًا، وأظنه (إنسانية معذبة)، أو ما يشبه هذا العنوان. سودت المقال، ثم بيضته، ثم نقحته وعرضته على أستاذي في الأدب، وأذكر تمامًا أنه أقره، وبعدئذ توجهت به إلى رئيس تحرير (صوت الحجاز) فسلمته المظروف وبه المقال وأنا أتصبب عرقًا من الخجل وشدة الانطواء، وما كاد الأستاذ محمد علي رضا (رحمه الله) يتسلم مني المقال وينشره أمامه حتى أستأذنت وانصرفت وأنا أنحى على نفسي باللائمة لتسرعي واقتحام ميدان النشر ثم الشهرة، ولم أتجاوز بعد جدار المدرسة... ».

ويذكر أنه قد انتابته فترة قلق طيلة أيام، وأصبح يتحاشى المرور من أمام دار الجريدة رغم أنها في طريقه إلى المدرسة. وقال: «ولقد وقعت الواقعة فنشر المقال في أول عدد صدر من الجريدة، ولتصوير الحقيقة أسجل للقارئ أنني ما كدت ألمح عنوان المقال حتى استقبلت بائع الصحيفة بلهفة حاولت إخفاءها -طبعًا- ولكنها كانت بحيث أنها أخذت علي مشاعري، واشتريت منه نسخًا كثيرة نسيت عددها، ولكن لم أنسَ الفرحة التي بدت على محيا البائع فقد ظنني، مغفلاً -وهي الحقيقة- غير أني تداركًا للموقف أفهمته بأنني سأبعث بها لبعض من أصدقائي الحجاج، فتمتم بكلمات، ثم هرول مبتعدًا خوفًا من أن أغير رأي في آخر لحظة».

2- أحمد عبد الغفور عطار:

يقول: «إن من حسن حظه أن مدرِّس الإنشاء بالمعهد السعودي في سنته الأولى لم يكن مثل مدرسي الإنشاء الذين يملأون الأذهان بالقوالب القديمة، والجمل التي ينقلونها من كتاب (الألفاظ الكتابية) للهمذاني، ولم يكن من المدرسين الذين يقيدون الطلاب بما يسمى عناصر الموضوع بل كان يمنح كل طالب الحرية في التعبير عن شعوره، والاستقلال فيما يريد أن يقول.

ويذكر أنه قد سأل الأستاذ: «لماذا لا تعطينا عناصر الموضوع فتسهل علينا الكتابة كما كان يصنع معنا مدرسو الإنشاء من قبل؟ ولماذا لا تعطينا جملاً نحفظها حتى نستطيع أن نسلكها في موضوعاتنا، ونستعملها كلما افتقرنا إلى جملة عذبة مشرقة؟ فأجابه جوابًا محكمًا: إذا أعطيتكم عناصر الموضوع قيدتكم، وعطلت فيكم ملكاتكم، وكأني أمليت عليكم ما أريد أن أقول لا ما تريدون أنتم وتعبرون عن إحساسي لا إحساسكم، وإذا حملتكم على حفظ جمل فقد جعلتكم تعبرون قبل أن تشعروا، وفي هذا ما يؤذي المواهب، ويضعف آفاق الذهن».

وقال: «إن من حسنات هذا المدرس أن طريقته في تصحيح موضوعات الإنشاء ما كانت لتعدو إصلاح الأخطاء اللغوية والنحوية، أما الأسلوب فكان يتركه على حاله ينم على صاحبه».

وقال: «أما أول مقال كتبته وأعجبني فهو مقال إنشائي لا يعد أدبًا وإن كان يشير إلى وجود الموهبة، وقد وقفته على الكتابة في (تأخر المسلمين والتألم لحالهم)، ثم قدمته إلى الأستاذ محمد حلمي ليرى فيه رأيه فشجعني على نشره، وقد نشر بهذه الجريدة عندما كانت تصدر باسم (صوت الحجاز). أما شعوري عندما نشر فلا أستطيع أن أصفه لمضي زمن طويل عليه وإن كنت أذكر أنني شعرت بسرور لا مزيد عليه، وفرحة وثبت بي في عالم الخيال، وحملتني على أن اشتري أكثر من خمسين نسخة، وأقدمها إلى أصدقائي بدون ثمن».

3- طاهر زمخشري:

«لقد كان يسهل على نفسي الأمارة بالسوء أن أتحدث عن أول جريمة أرتكبتها أكثر مما يسهل الحديث عن أول قصيدة نظمتها؛ لأني عندما نشأت ما كنت أظن أن شيطانًا ماردًا يندس في خلجاتي، وينكمش في تضاعيفي ليغرر بي حتى يقذف بي في هاوية سحيقة... أحيا مشتت الفكر في قرار سحيق ساهمًا مطرق الرأس، وكلما لوّح لي الشيطان بعصاه السحرية أو كلما دعاني إليه ليسخر مني تجدني ذاهلاً شارد اللب في سهوم، فويل له من أثيم يستحق الرجم بقنابل ذرية تمحو أثره؛ إذ لا يكفي أن نمحوه هو ليبقى أثرًا بعد عين..».

واستمر يحاور ويداور ويراوغ شيطانه هذا الذي غرر به وركم له أشباحًا تزيده خبالاً... فقال: «إن جميع ما نظمه فهو من أباطيله وشعوذاته، وإن كان أغلبه صادرًا من شعوري الصادق وإحساسي الملتهب...».

وقال: «والآن، وإلى ما بعد سنوات أيضًا، لا أستطيع الحديث عن أول قصيدة نظمتها، وإن كنت -حتى هذه اللحظة- أعيش مخمورًا بنشوتها وذكرياتها السعيدة العذبة التي لا تزال مرائيها مجسمة أمامي ملء السمع والبصر...»، وذكر بعضًا منها:

إن جحدتَ الودادَ أو خنتَ عهدي

وتغاضيت عن أنيني وسهدي

وتناسيت أو تجاهلت جهدي

وتركت الجفا يضاعف وجدي

بك ما زلت في حياتي مغرم

وفي ظلال هذه الأشباح وحدها كان شيطان شعري متفيِّئًا، إذ أصبح أن للشعر شيطانًا، وكل ما نظمته إذ ذاك فعن صبوات وبدوات غزيرة مائعة.

ولقد كان قرائي في تلك الآونة ثلاثة فقط: زوجتي (رحمها الله) وصديقي (عفا الله عنه)، وشيطاني (لعنه الله) لأن لعنة الشيطان طاعة نتقرب بها إلى الله...».

وعلى ذكر من سيوفق للأخذ بيد الناشئ المبتدئ الذي قد يفتح الباب أو يكتشف موهبة أحدهم فيشجعه، وينمي موهبته، ويضع قدمه على الطريق الصحيح، فنجد مثلاً طاهر الزمخشري الذي بدأ شيطان شعره يستولي على مداركه، ويظهر له على شكل شبح مخيف، فيروي عبد الله أحمد القرعاوي في كتابه (ذكريات نصف قرن) أن الزمخشري كان يذهب مع والده إلى المحكمة في مكة المكرمة حيث يعمل موظفًا هناك -أثناء الإجازات- وأنه كان يجلس في إحدى أركان المحكمة ينتظر والده حتى ينتهي عمله لمرافقته للمنزل، وكان يتسلى بديوان شعر أو صحيفة أو مجلة، وأن الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي كثير التردد على المحكمة فلفت نظره هذا الغلام المكب على القراءة، ففي إحدى المرات وقف عنده يناقشه فيما يقرأ، وحينما علم أن الشاب طاهر له ولع بالشعر، وأنه يحفظ بعضًا منه، أراد أن يشجعه فطلب منه اطلاعه على ما كتب من شعر أو نثر.

وبدأ يصحح له شعره، ويقوِّم ما اعوجَّ منه، ويصلح له بعض القوافي والأوزان، وينصحه بقراءة الشعر وحفظه، ودله على كتاب العروض، وبالذات (ميزان الذهب) لأحمد الهاشمي، وقد اعترف طاهر الزمخشري –فيما بعد – بأن توجيهات أستاذه أحمد الغزاوي كانت لبنة قوية، وأساسًا متينًا له الأثر الأكبر في تكوين حبه للشعر، وشغفه في أن يصبح شاعرًا كبيرًا مثل الغزاوي.

4 - عبد الفتاح أبو مدين:

يذكر في (حكاية الفتى مفتاح) قصة بدايته مع الدراسة في مدرسة العلوم الشرعية في المدينة المنورة، ثم انقطاعه عنها للبحث عن عمل، كما تعرف على الأستاذ محمود عارف عام 1368هـ بجدة حيث أبدى له رغبته للاستزادة من العلم والمعرفة، فنصحه بأن يشتري (نظرات) المنفلوطي، وبدأ قراءة فصول الكتاب على الأستاذ عارف، وكان يقوِّم له نطق الكلمات التي كان يخطئ فيها، وكان يلخِّص ما يقرؤه في كراس في اليوم التالي، وقال إنه حصل على نسخة من مجلة (الرسالة) لأحمد حسن الزيات من الأستاذ محمود عارف أيضًا، ثم تعرف على وكيل توزيع الصحف المصرية محمد حسين أصفهاني، فكان ينتظر وصول (الرسالة) فيسهر ليله فرحًا بالغنيمة، فيقول أنه لا يفهم بعض ما يقرأ، بل لا يفهم الكثير مما تحفل به هذه المجلة، ويقول: «وعطشي إلى المعرفة، وشعوري بما أحس من نقص كان يدفعني إلى التقتير على نفسي في مأكلي وملبسي لأقتني كتابًا، فقد كنت أعتبر اقتناء كتاب – يومئذ – غنيمة»، ثم بدأ يستعير الكتب التي لا يستطيع شراءها؛ فمرتَّبه لا يحتمل ميزانية الكتب، ثم تعرف على الأستاذ حمزة السعداوي، المدرس في مدارس الفلاح بجدة، فبدأ يعينه بدروس في النحو والصرف -بلا مقابل- كما هي الحال مع الأستاذ محمود عارف، ثم تعرف على أبي تراب الظاهري فقرأ عليه بعض المتون في المنطق والنحو كألفية ابن مالك، وشرح المغني - وهو مازال موظفًا صغيرًا بالجمارك، وقال إنه عمل في أحد مواسم الحج كاتبًا لدى الوكيل الشيخ أبو بكر بخش، وعرف الشيخ الطيب الساسي يوم كان رئيسًا لتحرير أم القرى، وفي إحدى زياراته يعطيه بعض تجارب مواد الجريدة لتصحيحها، وهكذا بلغ به الطموح مداه؛ فنراه يبدأ بالكتابة شعرًا ونثرًا، وينقد بعض الكتب، ثم تبلغ به الجرأة إلى الإبراق للمسؤولين مع زميله بالجمارك محمد سعيد باعشن لإصدار جريدة (الأضواء)، وبعد احتجابها نراه يطلب بمفرده تأسيس مجلة (الرائد) التي استمرت حتى صدور نظام المؤسسات الصحفية نهاية عام 1383هـ.

لعل من المناسب أن أختم حديثي عن أبي وديع عبد الفتاح أبو مدين، بنموذج من بداياته مع الكتابة والنشر في الصحف، فنجده -كغيره من الرواد- أول ما يبدأ بالشعر؛ فقد عثرت له على قصيدة أعتقد أنها أول ما نشر، ففي الصفحة الرابعة من العدد 1769 من جريدة (البلاد السعودية) الصادر في 15 جمادى الثانية 1374هـ الموافق 8 فبراير 1955م نجد قصيدة بعنوان: (بين) بتوقيع (أبو مدين)، ويقدم لها بقوله: «هذه النفثات أوجهها إلى من سيشغل تفكيري حينما أزج أنا ويبقى هو»، وفيما يلي نص القصيدة:

تعللت قبل البين، والبين موجِع

وأردى بي التفكير، والقلب مولَع

وليت الذي أشكو له الوجد عنده

نصيب من البلوى فيشكو ويجزع

أرى الدهر يبدي كل يوم عجائبًا

لها النفس تشقى كل حين وتفزع

وما هذه الأوهام تجتاح خاطري؟

وما بال هذا القلب يدمى ويفجع؟

وما أمر هذا الحب شب ضرامه؟

وما ذنب هذي النفس تصلى وتلذع؟

وعين ترى الأطياف في الحلم هيكلاً

فترتاع طورًا ثم تصحو فتدمع

أو اني كـ «البلشون»[1]  تناءى أليفه

فأمسى صريعًا والصبابات تصرع

ولحظ أصاب القلب منه بأسهم

فأضحى عليلاً في هواه مُضيَّع

فويل لهذي الروح من لوعة الجوى

وويل لهذا الفكر كم هو يقرع؟

وعبء ثقيل أحمل اليوم همه

وقد راعني هذا الفراق المزعزع

وشوق كوقد النار يغلي بمهجتي

تنوء به الأضلاع، فظٌّ مروع

وتلكم أحاسيس تعج بخاطري

تنادت بها الأرجاء حيرى، تَرجَّع

ونجوى أثيرت من صداها عواطفي

فويل لقلب للهناء يودع

أما بدايات كل من أحمد السباعي وحسين سرحان وحمد الجاسر وعبد القدوس الأنصاري فالذي يهمنا في هذا الاستعراض هو الإبداع من العمل الخالد الذي تركه روادنا الأوائل، فكما قال مكسيم جوركي: «إن تاريخ الإبداع والعمل الإنسانيين أهم، بكثيرٍ، من تاريخ الإنسان ذاته؛ فالإنسان يعيش حتى المائة، ثم يموت، بينما تعيش أعماله قروناً...».

ولهذا فقد خلد هؤلاء الرواد أنفسهم بما خلَّفوه من أعمال فكرية إبداعية – كل في مجاله - والذي نتحدث عنه هنا هو معرفة الشرارة الأولى، أو المقال أو القصيدة الأولى التي بدأ بها هذا الكاتب -الرائد- فقد يكون مستواها هزيلاً بسيطاً ساذجاً، وسريعاً ما يتطور هذا أو ذاك، ومع كثرة القراءة والكتابة حتى يصل إلى الريادة فيخلد ذكره بمؤلفات تزيد أو تنقص، ولكنها تبقى منهلاً للكثير.

ولنتذكر ما قاله طه حسين عند حديثه عن نفسه في (الأيام): «وأعرض عن الشعر كل الإعراض بعد أن استبان له أنه لم يقل الشعر قط، وإنما قال سخفاً كثيراً...».

1- حمد الجاسر (1327-1421هـ)

العلامة فيما بعد - نجده يقول عن بداياته: «وكل شاب يتطلع إلى الظهور والبروز بمختلف الوسائل الممكنة، فلا بدع أن يحسَّ بميل قويٍّ للمشاركة في الكتابة كبعض زملائي الذين بدت أسماؤهم تبرز في بعض الصحف، وهذا الإحساس من طبيعة كل شاد من شداة الأدب إبَّان نشأته الأدبية، وقبل أن يبلغ من النضج الفكري والاستعداد التام لمستلزمات الكتابة ما يمكنه من أن يقدم للقراء ما هو مفيد؛ ولهذا فما أكثر ما يحرص هؤلاء الشداة - بدافع الرغبة في الظهور - على نشر ما هو أولى بالستر مما قد يثير السخرية والازدراء، وكم تمنيت حين أطلع على ما كنت أطلب من المشرفين على تحرير بعض الصحف في تلك الفترة نشر ما كتبته، بل كنت ألح في ذلك، وأتهم بعضهم حين يصارحني بأنه ليس صالحاً للنشر بأن له دوافع أخرى، وأكاد الآن أن أتوارى خجلاً حين يبرزه أحد (العابثين) من أدبائنا، متمنِّياً أن يبقى لسخفه وتفاهته (مؤوداً)... »[2] ، ثم ذكر أن أول مقال له نشر في صحيفة (صوت الحجاز) ففي العدد 37 وبتاريخ 21/شعبان/1351هـ الموافق 19/ديسمبر/1932م تنشر مقالاً يرد فيه على رئيس تحرير الصحيفة الأستاذ محمد حسن فقي بعنوان: (قل الحق ولو كان مراً)، وهو يعلق على مقال له عن روح التشاؤم وسب الدهر.. والذي رد عليه الأستاذ عبد الله عبد الغني خياط بكلمة تقول: (لا تسبوا الدهر)، فكتب -حمد الجاسر- مناصراً ومؤيداً له فنشرت الكلمة فنجده يقول: «ولا تسل عما غمرني من السرور حين رأيت اسمي بارزاً في إحدى الصفحات، مما زادني استرسالاً في هذا المجال غير مفكر بما للتسرع من مساوئ».

وقد ذكر -بعد ذلك- أنه نشر رباعيات بعنوان: (ولا تحتجز إلا لحج وعمرة)، قال عنها: «ولا أجد غضاضة في نفسي عندما أقول: إنني أتمنى لو لم ينشر لي ما نشر من هذيان دعوته قصيدة نشرت بعنوان: (ولا تحتجز إلا لحج وعمرة) لقد كنت أضحك عندما أطالع هذا الكلام المنظوم الذي كان إخوتي وغيرهم من أساتذتي في المعهد وغيره يثنون علي، وأنا لا أتَّهم ثناءهم، ولكن أقرر حقيقة حينما أتمنى أن ذلك لا ينسب إليّ».

وقد عدت للصحيفة فوجدت المقال منشورًا فيها بعنوان: (قل الحق ولو كان مرًّا)، وموقَّعًا بتوقيع (ح-ح الجاسر)، وقال في مقدمته: «نشر صوت الحجاز الأغر في عدده الصادر في 1 رجب سنة 1351هـ مقالة لأحد الأدباء موضوعها (سب الدهر)، وحيث إن هذا الموضوع ديني، والدين مداره على النقل لا مجال للعقل فيه، فكل مسلم لا يسعه السكوت حتى يبديَ ما عنده في تلك المقالة، لذلك تطفلت على حضرة الأديب الذي أجزم أن قصده الحق، بإبداء هذه الكلمات قياماً بواجبي، وخدمة للحق فأقول... إلخ».

وبعد هذه الكلمة بشهر ونصف نجد صحيفة (أم القرى) بعددها 425 الصادر يوم الجمعة 8 شوال 1351هـ الموافق 3 فبراير 1933م تنشر له قصيدة طويلة تتجاوز الخمسين بيتاً بعنوان (شمل الرعية عدله ونواله) تهنئة لصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن السعود ألقاها بين يديه في القصر الأميري العالي يوم العيد المبارك، ووقعها باسمه الكامل هذه المرة وهو (حمد بن محمد آل جاسر، من أهالي البرود)، وقد ذكر الجاسر في (المجلة العربية) وهو يروي ذكرياته (من سوانح الذكريات حلقة 52) أن عبد الله السليمان المزروع من ألمع من عَرَف أيام وصوله إلى مكة وقبيل التحاقه بالمعهد السعودي -عام 1348هـ- وقد استمرت علاقتهم والتواصل فيما بينهم حتى وفاته عام 1385هـ، وقال عنه: «إنه قلَّ أن يقرأ أو يسمع بخبر صدور كتاب أو نشر مقال ذي إثارة في صحيفة إلا وكان من أوائل من يقتني ذلك الكتاب، أو يطَّلِع على ذلك المقال، ويشرك إخوانه بإطلاعهم على ذلك، وما وفد أديب أو شاعر أو صحفي أو سياسي معروف إلا ورأيت الشيخ عبد الله المزروع ملتفًّا بذلك الوافد، التفاف المساعد المعروف به، وقال عنه: «ومن هنا نشأت بيننا صداقة كنت أحوَجَ منه إلى اتصالها وتقويتها؛ فقد فتح لي نافذة أطِلُّ منها على آفاق رحبة من عالم كنت أجهله، إنه عالم المعرفة الذي يتغذى بروافد من الثقافة الحديثة».

وقد واصل الأستاذ حمد الجاسر، بعد ذلك، مطالعاته، وتعمق في بحوثه ودراساته رغم عمله في القضاء ثم التدريس ثم البعثة الدراسية العليا لمصر؛ ولهذا نجد الأستاذ عبد الله عريف رئيس تحرير جريدة (البلاد السعودية) يقول عنه في العدد (675) ليوم الاثنين 28 ذي القعدة 1366هـ، الموافق 13 أكتوبر 1947م، ضمن زاوية (شخصيات وأدباء): «حمد الجاسر؛ لا تبالغُ فيه، إن قلت إنه يشتم رائحة الخطأ في أي بحث تاريخي فيعدو إلى المراجع بقوة عجيبة، يراجع، ويراجع حتى يصل إلى الصواب فيه. إنه من الندرة الأفذاذ اطلاعاً، ومعرفة، وطول المران، جعله كبير الثقة في نفسه من هذه الناحية، ما أحسنه مدرساً في مسجد، ومعلقاً في صحيفة، ومطالعاً في مكتبة».

2- أحمد السباعي (1323-1404هـ)

بدأ يتعشَّق القراءة؛ فبدأ بقراءة قصة الحسن البصري، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس، وبدائع الزهور، ولقلة الكتب صار يكرر قراءة ما سبق أن قرأه، ولأكثرَ من خمس مرات إعجاباً بحوادثها أو سروراً بسهولة أسلوبها.

بعد أن استقر الأمر في الحجاز للملك عبد العزيز -رحمه الله- وصدرت جريدة (أم القرى)، وتبعتها جريدة (صوت الحجاز) يقول: «بدأ بعض الشباب – كخطوة أولى - يجدون متنفَّسَهم في جريدة صوت الحجاز، وبدأت بعض أسمائهم تظهر بين صفحاتها في صور شعرية، أو نثرية في مجالات تكاد تكون مقتصرة على الأدب، أو نقد الشؤون العامة في المجتمع، أو بعض الدوائر الرسمية ذات الاختصاص الشعبي».

كانت أولى محاولات أحمد السباعي في الكتابة بالصحف في جريدة (أم القرى) رغم أنه لم يذكر هذا في كتابه (أيامي)، بل ركز على بداياته مع النشر في (صوت الحجاز).

لقد عدت لجريدة (أم القرى) فوجدت مقالته الأولى (هل تكون الرفاهية عذاباً؟) في الصفحة الرابعة -الأخيرة- من العدد 378 ليوم الجمعة 3 ذي القعدة 1350هـ الموافق 11 مارس 1932م قال في مطلعها: «ذلل الله للإنسان البخار»، واختتم الكلمة بقولـه: «... أجل فقد تسابقت الأمم إلى إنشاء المصانع والمعامل فقتلت الأيادي العاملة، وكظت الأسواق بالمنتوجات، فانتشرت العطلة قبل كل شيء في العمال وزاد انتشارها حتى أصبح العاطلون في أوربا وأمريكا بالملايين، وعقب ذلك كساد المنتوجات؛ لأن المعامل والمصانع في كثرتها وسعة انتشارها أصبحت تنتج - في يوم واحد - ما لا يستهلكه العالم في أسبوع، فكان من ذلك أن تراكمت المنتوجات، واعتورها الكساد، ومن ثم امتد الكساد إلى الأوليات فضاع الفلاح؛ لأن أهم منتوجاته لا يجد لها سوى البوار، أما أرباب المصانع والمعامل الذين كسدت بضائعهم وخسرت أعمالهم، فوقع العالم من جراء ذلك في أزمة بين البضائع الكاسدة والعمال العاطلين...».

والمقال الثاني (خواطر.. العادات) نشرته له الجريدة في عددها 385 ليوم الجمعة 23 ذي الحجة 1350هـ الموافق 29 أبريل 1932م، وابتدأه بقوله: «العادة؛ مَيلٌ يتأصل فيك من تكريرك فعل الشيء كلما تهيأت ظروفه، وهي كثيراً ما تتخذ شكلاً واحداً في كل بيئة فتكون كالطابع الخاص بأهلها، وهي من هذه الجهة لها فائدتها من حيث إنها تحفظ الوحدة في كل مجتمع، فالصيني عندما يلتهم طعامه في مكة بواسطة خشبتين تحكمُ لأول -وهلة تراه- بأنه صيني، والجاوي عندما يمر بجانبك فينحني جامعاً يديه أمامه استئذاناً بالمرور لا تشك في جاويته؛ لأن كلاًّ من هذا وذاك يحمل طابع قوميته في عاداته التي ألفها.

والعادة -من جهة أخرى- تكاد تجعل الشخص (آلة) من حيث إنه إذا ألفها يقوم بها من حيث لا يعيرها شيئاً من جهوده، فالكاتب أمام الآلة الكاتبة -إذا ألفها- يشعر أن يده تمرُّ على الحروف من غير التكلف الذي يستدعيه غير التمرن، وقل مثل ذلك في الصراف والمحاسب والكاتب إذا طال تمرنهم فيما يباشرونه، وهي كذلك لها فائدة من هذه الجهة من حيث إنها توفر للإنسان شيئاً كبيراً من جهده».ثم قال: «... إن ترك هذه العادات سيسبب لك المقت من الآخرين؛ فأنت تتمرد على التقاليد؛ فآكل لحوم البشر إذا تمرد أحدهم على هذه العادة بما فيها من سوء احتقره أهل بيئته، أو الصيني إذا أكل بلا أخشاب ازدراه أهل بيئته، وأنت في بلادك إذا حدثتك نفسك باستبدال (الطاقية) بـ(طربوش) أو غيره، مشيت في قومك بين السخرية والضحك... ». وخلص إلى أن العادات قد سنت أنظمة ودساتير لا مفرَّ منها رغم ما فيها من مضار، وقال: «... لا مراء في أن الانعتاق من مثل هذه القيود ليس بالشيء السهل؛ لكن المحاولة المتواصلة في فك هذه القيود ستؤدي -يوماً ما- إلى الانفلات منها إذا وجدت قلوباً صبورة على احتمال ما يصادفها من لوم، وما تجده من ألم...».

ثم تحدث -في الجزء الثاني من المقال- عن (إضافيات الزواج) والتي تحمل الزوج أعباء مالية باهظة: «... ينغص بعدها على نفسه حياته، ويهدم هناءها وأفراحها، فلماذا لا نحطم هذه القيود؛ فيقيم الواحد منا فرحه على قاعدة البساطة لا يتكلف شيئاً فيوفر الغني لنفسه ذهبات ينثرها في غير جدوى؟ ويضن الفقير بوجهه أن يبذله، وكرامته أن يمتهنها للدائنين في سبيل العادة الظالمة الغشوم؟». مكة المكرمة - أحمد سباعي.

لم يذكر -السباعي- هذين المقالين في كتابه (أيامي) بل ذكر بدايته مع صوت الحجاز، فيقول: إنه بعث بمقال إلى أول رئيس تحرير لها عبد الوهاب آشي، فأهمله، وبعد تولي محمد حسن فقي رئاسة التحرير بعده قال: «كان فيما يبدو محتاجاً لما يملأ به الجريدة في أول يوم من أيام عمله؛ فالتجأ إلى درج المهملات ليعثر على مقالي المهمل وينشره... وكان يوماً مشهوداً أقفلت فيه الباب على نفسي ورحت أرقص على نغمات المقال، وأنا أقرأ، وأردد بترنيم نشوان».

وورد في كتابه (أيامي) ضمن سياق حديثه في فصل (بين الصحافة والأدب): «ولعل في قصة إلحاقي في ركاب الرعيل الأول ما يثير الضحك؛ فقد تسامعت بخبر هذا النفر... (يقصد الشباب الذين ظهروا مع ظهور صحيفة (صوت الحجاز) في سنة 1350هـ/ 1931م، ومن بينهم، محمد سرور الصبان، وعبد الوهاب آشي، ومحمد سعيد العمودي، وجميل مقادمي، وعمر عرب، وحسين نظيف) يتحلقون حول الشيخ محمد سرور الصبان؛ فقد كانت له مكتبة في الشارع اليوسفي لبيع الكتب الأدبية، وكان السباعي، يومها، شابًّا اشتغل بالتدريس وليس من بين الرعيل إياه، فبدأ يجرب قلمه خفية، وجمع ما كتبه في كراس، وبلغت به الجرأة أن تقدم بهذه المحاولة المبكرة إلى الشيخ محمد سرور الصبان طالباً طبعه ككتاب، بل قال إنه يريد منه مشاركته في تكاليف الطبع، فاتفق معه على أنه سيكلف عشرين جنيهاً، فقدم له الكتاب مع عشرة جنيهات حتى أنه أخذ رأيه في الاسم المناسب لهذا الكتاب فاقترح عليه الصبان أن يسميه (حبر على ورق).

ولكون المحاولة لا ترقى إلى مستوى كتاب فقد أخفاه محمد سرور الصبان مع العشرة جنيهات، وكلما جاء السباعي يسأله عنه قال له: «والله ما وصل... »، وتكرر السؤال والإجابة هي نفسها؛ مما حمله على أن يسافر إلى مصر لمتابعة طبع الكتاب، ويأخذ من الصبان خطاب توجيه وتعقيب، ويذهب إلى المطبعة ويقابل مديرها الشاعر خير الدين الزركلي وكان جوابه -بلهجته الشامية-: «شو يا ولدي؟ هذا كتاب ما شفته، ما وصل إلي»، فعاد من مصر، وعند مقابلته للصبان أخبره بالموضوع، ففكر طويلاً ثم قال: «عادت أصول الكتاب وعادت الفلوس...» ففهم أن المحاولة لا ترقى إلى ما كان يطمح إليه فاستعاد الكتاب والفلوس.

3- عبد القدوس الأنصاري (1324-1403هـ):

يذكر الدكتور نبيل المحيش في كتابه (عبد القدوس الأنصاري - حياته وشعره) أن أول مقال نشر له في مجلة (الشرق الأدنى) بمصر عام 1346هـ/1927م، وهي السنة الأخيرة له بمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة؛ فقد نشر مقالاً بعنوان (بماذا ينهض العرب)، وأنه أبدى رأيه في أن نهضة العرب مرتبطة بوحدتهم، ووحدتهم مرتبطة بوجود زعيم عربي يوقظ النائمين، ويتقدم سير القافلة إلى قمم الوحدة المنشودة، وقال إن هذا المقال قد أحدث دويًّا، كما يصف شعوره فيقول: «وقد أعجبت بالمقال كما يعجب المرء بأول وليد».

4- حسين سرحان (1332-1413هـ):

أول مقال نشر له في صحيفة (أم القرى، في عددها (297)، السنة السادسة، الصادر يوم الجمعة 21 ربيع الأول سنة 1349هـ الموافق 15 أغسطس1930م.

في الصفحة الرابعة بعنوان (المعمرون) وقسَّم المقال إلى قسمين؛ كل قسم يتحدث عن شخصية، الأول: سماه (بتال بن ركيبين)، وقد كتبت بالجريدة خطأ (تبادل بن ركيبين) ولكن عند إعادة نشره في كتاب (آثار حسين سرحان النثرية) جمع وتصنيف ودراسة الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري صحح الخطأ المطبعي، هو يتحدث عن شخص يزيد عمره عن 135سنة، وما زال محتفظاً بنشاطه وحيويته، فهو: «يسكن في أقصى «المعابدة» بمكة، ويذهب على قدميه ليصلي بالحرم، ويبيع ويشتري الغنم، ويتقوت مما يكسبه، يأكل الرز والشحم أي إليات الخراف، ويأكل -تقريباً خمسة- عشر رطلاً من الشحم الفتيت، ثم يصعد الجبل مؤقتاً ويهضم الشحم بأكل ورق الحرمل المر.. يؤدي فروضه قائماً على أتمها؛ يعقل ما يقول، ويفهم ما يقال له بدون تكلف أو تردد، ويبتسم تبسم المجرب العارف بالأمور ولا يسهر طويلاً».

والثاني: «“سعيد عبده” لم يمت إلا قريباً، عمره - كما فاه به - مائة وخمس عشرة سنة، أسنانه لم يسقط منها إلا القليل، كان مستوطناً دارنا... قاسى من الظروف والمحن ما يشيب لها الطفل الرضيع...». إلخ، وقد وقع المقال باسم (حسين بن سرحان).

أما أول قصيدة نشرها فقد كانت في الصحيفة نفسها (أم القرى) في عددها (325) الصادر يوم الجمعة 16 شوال سنة 1349هـ الموافق 6 مارس 1931م ص 3 بعنوان (شعر المناظر الجميلة - اللعبة النجدية القومية)، وقد وقعها باسمه المستعار (الفتى النجدي) يقول في مطلع قصيدته:

ألعبت يا فخر الملو

ك ويا وشاح العالمين

جذلاً لتبعث في النفو

س طوالع العمل المكين

أم ذاك من ذكرى الفخا

ر لكي تعيد لنا الحياة؟

وتدرب النشء الجد يـ

ـد على مجاراة الأباة

واختتمها بقوله:

ما زلت يا عبد العزيـ

ـز مجدد العرب الوحيد

لك في الخلائف قدوة

مثلي كذلك في الجدود

ما زلت تدأب جاعلاً

من صدق عزمك مسلكا

فالنصر يشهد أنه

في كل عاقبة لكا

فاسلم فديتك من إما

م عادل بطل رشيد

مرماه إصلاح المنا

هج والتلاعب بالجمود

ليعيد للعرب الحيا

ة وللديانة فخرها

أبقاك ربي كي تجـ

ـددها وتصلح أمرها

* * *

[1]  البلشون طائر يعرف بمالك الحزين.

[2]  من سوانح الذكريات ط1 . ج1 ص 343.
* باحث
216906