قراءة في كتاب
الحوار والانفتاح على الآخر
أديب أبوالمكارم * - 13 / 10 / 2007م - 5:00 م - العدد (46)
المؤلف: الشيخ حسن الصفار الناشر: دار الهادي، بيروت، لبنان. الطبعة الأولى عام 1425هـ - 2004م، في 192صفحة من القطع الكبير. الطبعة الثانية مطبعة دار التآخي، دمشق، عام 1427هـ ـ 2006م، في 248صفحة من القطع المتوسط. مدخل تشهد الأمة الإسلامية تذبذباً في علاقات أبنائها، فمرحلة لقاء، ومرحلة جفاء، ومجتمع متآخٍ، وآخر متناحر، والأعوام التي سبقت عام 1400هـ مثلاً، كانت المنطقة تعيش حالة من الانفتاح، وتقبل الآخر، لم يكن اختلاف المذاهب والأفكار مانعاً من التلاقي والتواصل، وهناك شواهد كثيرة على ذلك كما يشهد بذلك آباؤنا وأجدادنا. إلا أن ظهور تيار ذي فكر أحادي يرى منهجه الصواب، وغيره في كفر وضلال، ولا يقبل رأي الآخر، ويرميه بشتى أنواع التهم، تيار أصبح له نفوذٌ رسميٌّ، وشعبية كبيرة أدى إلى وجود حالة القطيعة، وساهم مع هذا الأمر الظروف السياسية التي جرّت المنطقة إلى حرب طويلة كان طرفاها سني وشيعي أدى ذلك إلى تبادل التهم، والتراشق بالسباب والشتائم، وحصر الدين لجهة معينة، وإخراج ما سواها منه. ولأن الفكر الديني الرسمي أحادي لا يقبل التعدد، جاءت مناهج التعليم على نفس السياق، معتمدة في نهجها التلقين، كذلك برز خطاب ديني متطرف يدعو إلى القطيعة، وتتبع العثرات، وتغلغل هذا الأمر في الفكر الاجتماعي فصار التواصل مع الآخر خيانة للجماعة، وانعدامًا للوَلاء، وازداد الأمر حدَّة بتقبل الحكومات لهذا الفكر المتطرف وتبنِّيه، مما أدى إلى جفاء بينها وبين شعوبها، بسبب التمييز بينهم، وسلب حقوق المخالف، ولكن رغم كل هذا، كانت هناك أصوات عاقلة، إسلامية وطنية، تقدر حجم خطورة هذا الأمر، وتدعو إلى التراجع عنه، مؤمنة بالتعددية، والحرية، فتنادي بالتعايش مع الآخر، والانفتاح عليه، والتحاور معه، فهذا منطق العقل، وطبيعة إنسانية، ومطلب ديني. كانت هناك كتابات واعية، وخطابات رزينة، ومشاريع واعية، كدار التقريب بين المذاهب في مصر، ورغم ما اعترض هذا الصوت المتعقل من مخاطر، ومحاولة لتغييبه بشتى الوسائل، إلا أن صداه في الأرجاء ما زال مدوِّيًا. واليومَ نحن نشهد حرباً ضد الإسلام ترميه بالإرهاب والتطرف، وتتهمه بتغييب دور العقل، ونحن نعلم أن الإسلام بريء من كل ذلك، إلا أن الفهم الخاطئ للدين ونصوصه من قبل بعض من ينتسبون إليه هو ما صبغ الإسلام بهذه الصبغة السيئة. أصبحت الأخطار تحدق بنا من كل صوب. لذا نحن بحاجة إلى أن ننفتح على بعضنا البعض أكثر، ونتحاور، ونناقش أمورنا وقضايانا الهامة لنتعارف، ويقبل كل منا الآخر لنحمي ديننا ووطننا، ونكون قوة لا تقهر. والحمد لله فما زال أصحاب الأصوات العاقلة يتردد صداهم، وأمثالهم موجودون في كل عصر، فهناك ندوات، وحوارات تدعو إلى التقريب بين المذاهب، والانفتاح على الآخر، ومنها تأسيس الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود لمركز الحوار الوطني. وهاهو صاحب الصوت العاقل، والفكر المتنور، الذي يؤمن بالحرية والتعددية، ويناشد بالتآخي ورص الصف، ويدعو إلى حوار يكون خيراً لنا ولديننا، الشيخ حسن بن موسى الصفار حفظه الله، يتحفنا بكتابه المتميز (الحوار والانفتاح على الآخر) ذاكراً فيه أسباب القطيعة ومساوئها، مبيِّناً أهمية الانفتاح على الآخر، وتقبله، والتعرف عليه، وعلى مبادئه مباشرة، لا عن طريق النقل، والتصورات، داعياً إلى حوار يتحلى بنبل الهدف ليحقق أسمى مقاصده، ويزيح حاجزاً بين الأطراف المتقاطعة ليلتمَّ الشملُ من جديد في وئام وانسجام، موضحاً أهمية الحوار، معدداً أسسه ومزاياه التي تسهم في نجاحه، محذراً من الأمور التي تفشله، وتزيد من الحدة والقطيعة. وقد أشار المؤلف في كتابه إلى تجربتين خاضهما بنفسه، وهما مؤتمر التقريب بين المذاهب المنعقد في البحرين، ومؤتمر الحوار الوطني في السعودية. وقد تميز الكتاب بأن كاتبه خطيب مصقع، ومؤلف مبدع، ورائد من رواد الإصلاح في المجتمع، فهو ذو خبرة وتجربة. خطبه في هذا الجانب كثيرة، وكتبه القيمة كذلك، ومنها: (التعددية والحرية في الإسلام ـ بحث حول حرية المعتقد وتعدد المذاهب)، (التنوع والتعايش)، (السلم الاجتماعي مقوماته وحمايته)، (نحو علاقة أفضل بين الشيعة والسلفيين). كما إن له مشاركات عديدة في كثير من المؤتمرات والندوات في هذا الصدد، وفي كثير من الدول، كإيران، ولبنان، والبحرين، والسعودية. لذا تجده، في هذا الكتاب، قد تناول الموضوع من كل جوانبه، واضعاً جل تجربته فيه، فلم يعتمد على إشباع الكتاب بتجارب وآراء الآخرين. انطلق بفكرة الكتاب إلى فضاءات رحبة، تناولها هنا قد لا تخطر ببال القارئ، كالعناوين التالية: (منطلقات التجديد)، (روح التجديد)، (التدين والتعقل)، وبعضها قل أن تناولها غيره، ولربما لم يتناولها أحد (كالغرور الديني). كتاب صغير في حجمه، كبير وعميق بما احتواه، من أهمية الفكرة، وحسن العرض والبحث، وهو لذلك جدير أن يقرأ، ولأن كاتبه من رجالات الدين، والمفكرين الإسلاميين الذين يطابق قولهم عملهم، فإنك تحس بصدق الكلمة ودفئها في كل ما سطر. كتاب يبشر بثقافة الحوار، وأهمية الانفتاح على الآخر. صدر الكتاب ضمن سلسلة قضايا إسلامية معاصرة الذي يصدره مركز دراسات فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد بالتعاون مع دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، وقدّم له الدكتور الشيخ عبد الجبار الرفاعي، رئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، متحدِّثاً عن طغيان ظاهرة ثقافة العنف في الاجتماع العربي الإسلامي، وغلبة الصوت الداعي لنفي الآخر، واستئصاله، حيث يلتمس أصحابه مختلِف الذرائع لبلوغ أهدافهم، وفي المقابل هناك أصوات عقلانية تدعو إلى التعايش، واحترام الآخر، إلا أنها قليلة، ولا تجد من يساعد على إشاعتها، بل عادةً مَّا تواجِه التخوين، وسلب المشروعية، وتأجيج الجماهير ضدها. مؤكداً على أن المؤلف الشيخ حسن الصفار، واحد من أصحاب هذه الأصوات العقلانية التي تبشر بنشر ثقافة الحوار والانفتاح على الآخر، وهو صاحب تجربة. والكتاب الذي بين أيدينا يمثل مجموعة مساهمات للعلامة الصفار، وخلاصة تجارب عملية متنوعة في التفاهم، والحلقات النقاشية، وغرف الحوار، والمنتديات الثقافية، والمؤسسات الاجتماعية، مع أطياف عديدة. وتكمن أهمية هذه التجارب في أنها حاولت أن تقتحم الممنوع، وتتجاوز النزاعات التكفيرية لدى بعض الجماعات الأصولية والسلفية، المنغلقة، والمنكفئة على نفسها. وقال عنه ناشر الطبعة الثانية ما ملخصه: في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات نشاز تدعو للفرقة والقطيعة، وتبشر بصراع الحضارات، وتعمل على إلغاء الآخر، وترى في ذاتها المحق الوحيد، وخطأ غيرها، وتنسب أعمالها للدين القويم، وهو بريء منها. في مثل هذه الأجواء تشتد الحاجة إلى الأصوات العقلانية، التي تحاور الآخر، وتعترف به، وترعى حقوقه وحرمته. وهذا الكتاب يفرغ عن لسان أحد الأصوات العاقلة، وخطوة في الاتجاه الصحيح الذي يعالج ظاهرة الحقد، والفرقة، وإلغاء الآخر، والكتاب ينطلق من مفاهيم وقيم إسلامية قرآنية أصيلة، وهو للكاتب المتخصص في الفكر الإسلامي سماحة العلامة الشيخ حسن الصفار، وأحد دعاة ورواد الوحدة الإسلامية. مقدمة الكتاب يشير الكاتب في مقدمته إلى أن مجتمعنا يعاني مرضاً خطيراً يتمثل في العزوف عن الآخر، وعدم الانفتاح عليه، وغياب الحوار بين القوى والأطراف المختلفة، وأن ما يكرس هذه الحالة هو: أسلوب التربية المعتمد على الفرض، وعدم النقاش، ومناهج التعليم المعتمدة على طريقة التلقين، وفرض الرأي الواحد، ورفض الآخر، والخطاب الديني المتطرف الذي يدعو إلى قطيعة الآخر، واعتبار من ينفتح عليه مخالفاً مضلاً. وعلى الصعيد الاجتماعي يعتبر التواصل مع الجهات الأخرى لوناً من الخيانة للجماعة، وانعدام الولاء، وميوعة الانتماء؛ لأن صديق العدو عدو. ثم يؤكد أن أشد الأمر ضراوة إذا كان على المستوى السياسي، حيث الحكومات المستبدة التي لا تعطي فرصة للمعارضة، كما أن بعض المعارضات ترفض محاورة الدولة معتبرة ذلك ركوناً إلى الذين ظلموا، وتراجعاً عن خط الثورة. وهذه الأمور كلها تكرس حالة التنافر والقطيعة في داخل الأمة الإسلامية، وتضعضع وحدتها، وتهدد أمنها، فلا بد من خلق أرضية خصبة تنمو فيها بذور الحوار والانفتاح على الآخر، ليتم التعارف، واكتشاف نقاط الالتقاء، وموارد الاختلاف، وتعزيز المعارف والأفكار، وتبني وبث روح التنافس المعرفي. الفصل الأول: الانفتاح على الرأي الآخر يرى الباحث أن تعدد الآراء الفكرية، والمعرفية خياراً أفضل لأنه يتيح فرصة اختيار الأفضل، بعد الدراسة والتمحيص، كما يدعو إلى ذلك القرآن الكريم، والنهج النبوي القويم، دون النظر إلى من نأخذ منه ما دام معتمداً على أساس البحث السليم، ويراعي توافق ما يأخذه مع الدين ومبادئه. كما يرى الباحث أن الانغلاق حرمان النفس من إدراك الحقائق المفيدة، وعدم التطور، والبقاء على رأي قد يكون خاطئاً، وما ذاك إلا لجهل أو لا مبالاة في اتخاذ موقف أو رأي معين، أو لكسل أو ضعف ثقة بالذات، بالإضافة إلى الإعلام المضاد، وممارسة الوصاية الفكرية من بعض الجهات ذات الهيمنة. ثم يستدرك المؤلف بأن على الإنسان أن يتعرف على ذاته ثم على الآخر، فلربما اكتشف مكامن القوة التي يملكها، وثبت عليها، أو نقاط ضعف فيتركها ويذهب إلى ما هو حق. من المهم أن تقارن رأيك مع رأي الآخرين لتختار الأحسن، وقد كان من أخلاق علماء الإسلام السابقين حرصهم على معرفة الرأي الآخر في المسائل المختلف فيها حتى ألَّفوا فيها كتباً منها: (اختلاف العلماء)، و (اختلاف الفقهاء)، و(الاختلاف)، حتى قيل: «أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس»، وقد كان الشيخ الأنصاري يعرض في درسه آراء مخالفيه، وكأنه يتبناها، ثم يبدأ بنقدها وتفنيدها، وهذا هو المنهج الصحيح، والذي مع الأسف غاب عن منهجنا. الفصل الثاني: الفكر بين الموضوعية والانحياز يرى الباحث أن التفكير السليم هو الذي يعتمد الموضوعية في البحث، لا التعصب والانحياز والانغلاق، ورفض المراجعة والتصحيح، وعدم الاطلاع على رأي الآخر ومراجعته، الأمر الذي يفوّت فرصة إدراك الصحيح، ورفض الباطل. إن المنهج الصحيح لاتخاذ رأي معين هو أن تُعمِل العقل في تمحيص الفكرة، ودراستها، لا أن يكون ذلك مبنيًّا على العاطفة، والضغوط الخارجية، ويرى الباحث أن الأسباب التي تدعو لاتخاذ المنهجية الأخيرة هي: تقديس الأسلاف، فكيف يتجرأ أن يخطِّئهم وفي ذاك حط من قدرهم؟ أو لأنه يحقق بذلك مصلحة شخصية، أو لأن هذه الفكرة تمثل له شخصيته وتاريخه، ويخشى -بذلك- تقلب الأحوال، أو رغبة في التوافق الاجتماعي، وخوف مخالفتهم، والشذوذ عنهم. الفصل الثالث: الحوار للمعرفة والسلام هنا يستعرض الباحث جوانب الحوار الإيجابية، ويدعو الناس إلى اتِّباعه لاستثمار مزاياه، فالحوار يتيح للإنسان فرصة مراجعة رأيه، ومعرفة رأي الآخر، وأقلها إن لم يقتنع بفكرهم فإنه سيتعرف فيما إذا كان رأيهم أخذ عن طرق علمية معتمدة أم من طريق البدع والخرافات، فإذا كان الأخير فالحوار خير سبيل لإقناعهم بالرأي الصحيح، ودعوتهم إلى الحق كما حاور الأنبياء أقوامهم، كما إن الحوار ينشط الحركة المعرفية في المجتمع، ويدعو للسلام؛ لأن المتحاورين سوف يصلون إلى نقاط مشتركة فيما بينهم، أو انتخاب الرأي الأصوب، أو اقتناع كل برأيه، واحترام الرأي الآخر، ولعل هذا سبب حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي في المجتمعات الغربية، ولذا كان أولى بالمسلمين أن يسبقوهم إلى ذلك؛ لأنهم يقرؤون كتاب الله، ويرون كيف كان الأنبياء يحاورون أقوامهم، وكذلك الأئمة، ورجالات العلم، بل إن الله تعالى حاور ملائكته، ورسله، كما حاور إبليس أيضاً. الفصل الرابع: مهارات التفاوض والحوار بعد أن دعا الباحث إلى اعتماد منهجية الحوار في العلاقات الإنسانية، اتجه بعدها للدعوة إلى تطوير الحوار، وحسن إدارته، لأنه إذا لم يتم ذلك فقد ينتج الحوار آثاراً سيئة، إما هيمنة إرادة معينة، وخضوع الآخر لها بالغبن، أو خلق ثقافة التناحر، والتغالب، وكلا الأمرين مُر. إن المجتمعات المتقدمة خطت خطوات كبيرة في هذا المجال حتى أصبح منهجاً يدّرس عندهم، وتعدُّ له الدراسات والنظريات لتطويره، أما مجتمعاتنا - مع الأسف - فلا تزال بائسة في حواراتها، لا تعرف كيف تديرها، وهي - في أكثرها - تناحرية، ومهيمنة، تريد فرض رأيها بالقوة، ورفض الرأي الآخر، وعدم الأخذ به مهما كانت حجته. إنهم لم يأخذوا بتعاليم الدين الحنيف، الذي قام على حوار رسول الله بالحق، والمنطق، والحجة، واللغة اللينة. إن الحوار - إذا تسامى عن المراءاة، وحب الهيمنة، وإقصاء الآخر، أو تجريمه وتجريحه، مبتعداً عن منهج المباراة الصفرية التي يريد كل طرف فيها الغلبة بأي وسيلة حتى لو كان بالكذب والتلفيق، كما هو الحال في حوارات منتديات الانترنت، والتلفزيون، لا شك أن الحوار إذا خلى من كل ذلك وكانت أهدافه نبيلة، - نمى وآتى أكله الطيب. الفصل الخامس: أخلاقيات الحوار هنا يشير الباحث إلى أسس الحوار، وأخلاقياته، فمن أسسه التي تقوي بنيانه: سلامة مقصد الحوار ونبله، والذي أشار له المؤلف في الفصل السابق. يرى، كذلك، أن من الأركان القوية لسلامة الحوار تحديد موضوع البحث الذي يدار النقاش حوله، حتى لا يتشعب الموضوع، وتضيع قيمته وفكرته. وكذلك تحديد المفاهيم حتى لا تختلط الأمور ويُساء الفهم، وإعطاء البراهين والأدلة، وأن لا يُردَّ دليل الطرف الآخر مكابرة وعناداً حتى لا يكسب الجولة، فذاك أمر محرم. كذلك لسلامة الحوار لا بد من البحث عن نقاط الالتقاء، والتأكيد عليها، ثم يناقش الاختلاف، وهذا منهج القرآن الذي يأمرنا به في الحوار مع أتباع الديانات الأخرى ﴿وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل عليكم فكيف بالحوار مع بعضنا كمسلمين؟ كما أنه لا بد من القبول والإقرار بحق الرأي الآخر، لأن المتحاورين قد لا يصلون إلى نقاط التقاء، والكل يتحمل قراره ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. أما أخلاقيات الحوار فتتمثل في: الاحترام المتبادل بين المتحاورين لأنه يوفر التركيز والإخلاص للحقيقة، والمرونة مع الطرف الآخر فيسمعه، ولا يقاطعه، ويحاججه بالدليل من دون إساءة؛ ففي الإساءة إفساد لجو الحوار، وسبيل إلى الاحتراب والإخفاق في جذب وإقناع الآخر. وفي القرآن شواهد كثيرة على آداب وأخلاقيات الحوار حتى مع الكفار، بل حتى مع الطواغيت؛ كفرعون وغيره. فمن آداب رسول الله الحوارية أنه يساوي نفسه ـ مع يقينه بأنه على الحق ـ بالكفار في الحق والباطل ﴿وأنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال، بل يجرّم نفسه، ولا يجرمهم مراعاة للاحترام ﴿قل لا تُسألون عما أجرمنا ولا نُسأل عما تعملون. الفصل السادس: التعصب والعصبية يتابع المؤلف - في هذا الفصل - أخلاقيات الحوار، وهي نبذ التعصب؛ فمن أسوأ ما يفسد جو الحوار هذا المفهوم. ثم يناقش الباحث هذا المفهوم، والذي أصبح مفردة متداولة، وانتشر بشكل كبير مع مفهوم التطرف والإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الحدث الذي جاء فرصة سانحة للولايات الأمريكية لتشن حملتها ضد الإسلام، وتظهره بالصورة القاتمة، وكان ذلك واضحاً في منهج السياسيين، والكتاب، والفنانين. ثم تناول الباحث مفهوم التعصب لغة، وتوصل إلى أنه يطلق على الأشخاص الذين يتصفون بالشدة والقسوة مع الآخرين، ولا يتخلون عن فكرتهم مهما كانت، ويدافعون عنها بكل قوة، ويتحزبون لها. وهذا التعريف ليس ببعيد عن المعنى الذي يذهب إليه علماء النفس، ويرون أنه مع الشيء بمؤازرته وضده بمقاومته، دون إعمال العقل. أما علماء الدين فيرون أن هناك تعصباً مذموماً كالإعانة على الظلم، وتعصباً محموداً كالتعصب لمحامد الأفعال، كما يستشف ذلك من السنة النبوية، ومن القرآن الكريم حيث ورد فيه ما يرادف كلمة التعصب (كحمية الجاهلية)، والحمية هي التعصب المقرون بالغضب. الفصل السابع: كيف نواجه التعصب؟ الأمراض الفكرية كالأمراض الجسمانية، منها ما يكون ضررها على شخص ما، ومنها ما يسري خطرها على الغير، وهي أشد خطورة لتعديها. كالحالة العصبية، والسلبية في الأمراض الفكرية التي لها ثلاث مكونات: (معرفية)، وهي تعميم صورة خاطئة على الجميع، ولعل ورود هذا التصور أخذ من تصرف فردي، أو عن طريق النقل دون التثبت، و(انفعالية)، وهي المشاعر السلبية؛ كالكراهية، و(السلوكية)، وهي الممارسات السيئة ضد الآخرين؛ كالمقاطعة، والتمييز الضار، والعدوان الجسماني، والانتهاك. ومن ذلك كله ينتج في المجتمع عناصر معقدة تمتلئ بالحقد، وتسعى للهدم، وبالتالي يفقد المجتمع وحدته واستقراره، وتشوه صورته وسمعته، ثم يتساءل الباحث هل الدين ينتج تعصباً؟ إن التعصب للدين ومبادئه أمر مطلوب، فهو التزام بالمبادئ والأصالة، لكن التعصب السلبي ضد الآخرين باعتقاد هؤلاء المتعصبون أنهم أصوب طريق، والآخرون في كفر وضلال، ويمارسون نزعاتهم التعصبية ليس فقط ضد الديانات الأخرى، بل حتى ضمن الدائرة نفسها. إن الدين الإسلامي بريء من هذه التصرفات العنجهية، وما قيام من ينتسبون إليه بهذه التصرفات إلا نتاج مرض العظمة، والفهم الخاطئ لنصوص الدين، وهنا يؤكد الباحث على ضرورة مواجهة هذا الفكر المتعصب، وذلك بالبرامج والخطط التي تعالج الأمر من جذوره، لا أن يكون بالقمع الذي يزيد من شدة التعصب، والدين الكريم، والعلوم الإنسانية مليئة بالمعارف والتجارب بما يستفاد منها في هذا الجانب. ويرى أن للتعليم والتربية في البيت والمدرسة أثرًا كبيرًا لتكوين شخصية الإنسان، إما أن يتربى على الفكر الأحادي فيكون متعصباً، أو على الفكر المتعدد المنفتح فيكون مسالماً منفتحاً يقبل الآخر، ويتعايش معه. كما إن فرض القيود على النشاط المعرفي الثقافي يركز مفهوم التعصب، فلا تتاح فرص النشر والإعلام إلا لاتجاه واحد يرى لنفسه الأفضلية، وهنا يأتي دور القانون لحماية الناس، ووضع العقوبات على من يتجاوز الخطوط الحمراء لحرمات الناس وحقوقهم. الفصل الثامن: منطلقات التجديد يشير المؤلف هنا إلى ثمرة من ثمرات الانفتاح على الآخر، المتمثلة في التجديد، حيث أن الانغلاق يكرس حالة التفاخر بأمجاد الأسلاف، والاستغراق في هذا الأمر يفوّت على الإنسان فرصة التقدم والتجديد، أما من ينفتح على فكر وحضارة غيره يستطيع أن يلحظ الفرق بينه وبينهم، فإما لحق بهم، أو تقدم عليهم. في هذا الفصل يؤكد الكاتب على هذه النقطة، فالإنسان يتميز عن غيره من الكائنات الحية، كالحشرات والحيوانات، بالتجدد المستمر، والتطور في المعيشة، وتسخير ما وهبه الله له في الحياة لصالحه، بعكس الحشرات -مثلاً- التي تعيش حالة رتيبة منذ خلقها، حسب الغريزة والفطرة التي فطرها الله عليها. الإنسان دائم التغير حتى طبيعته الجسمية، فخلاياه ودماؤه تتجدد باستمرار ما دام حيًّا، كالكون الذي نعيشه، حيث أن خلق الله تعالى ما توقف ﴿والسماء بنيناها وإنا لموسعون لذا يأمر تعالى بالتأمل في هذا الكون لندرك عظمته، سبحانه، وقدرته اللا محدودة، ونعي سنته الحاكمة، فلا نقنط أو نيأس، ولنفهم دور التجديد، وندرس، ونعتبر، والحياة ميدان سباق، من يجدّ، ويسعى للتجديد، ولا يكل، فإنه يحرز التقدم والصدارة على غيره، حتى المشاكل التي يواجهها ويعاني منها ينبغي أن يفكر كيف يتغلب عليها، لا أن يبقى مكتوف الأيدي، وهذا ما يوجهنا له القرآن الكريم الذي يأمر باستماع القول، وإتباع أحسنه. الفصل التاسع: روح التجديد يرى الكاتب أن التجديد روح وحالة داخلية قبل أن تكون ظروفاً، فإذا ما سرت هذه الروح في جسد أمة بعثت فيها النشاط والتقدم، وإذا فقدت هذه الروح كُتِب لهذه الأمة الموت والحرمان. إن الأمم المتقدمة تكشف لنا هذا المعنى. لذا لا بد للإنسان أن يسعى للتغيير، وينفض غبار الركود، ويستفيد من إمكانياته اللا محدودة، بأن يكون دائم (التطلع والطموح)، فلا يعجز عن الوصول إلى الأفضل، ولا يغتر بما هو عليه، حتى لا يموت إبداعه، وذلك في كل المجالات حتى العبادة، وأن يتحلى (بالثقة بالنفس)، ما وصل إليه الغير ينبغي أن لا يعتبره سقفاً لا يمكن تجاوزه فيقف الإنسان أمامه عاجزاً أو منبهراً؛ بل عليه أن يزرع في نفسه الثقة ليتقدم كما تقدموا، ويقدم ما لم يقدموا، وعليه أن (يطلق العنان لعقله)؛ فالحجر على العقل من قبل الشخص نفسه، أو من الغير أمر لا يجوز، وعليه أن يتحلى (بالشجاعة والجرأة) في مراجعة الواقع، فيثبت على ما هو حق، ويتحرر ويتخلص مما هو خطأ. الفصل العاشر: تقدير الكفاءة والإبداع يؤكد الكاتب على أن المجتمعات تقاس بكفاءتها وتفوقها العلمي والعملي، لا بكثرة عددها، ثم يتساءل: كيف تنمو الكفاءات؟ ولماذا تزخر بعض المجتمعات بكثرة المبدعين والمتفوقين، وتخفق غيرها؟ ويرى من أسباب ذلك: ـ احترام الذات: بإظهار الإعجاب بالمتفوقين، وتقديرهم، وتشجيعهم، على أن يتقي المتفوقون مرض الأنا، فلا ينزعج حين يكّرم غيره ظنًّا منه أنه الأكفأ، وأن غيره لا يستحق، أو لحسد، أو لأي شيء آخر، فهذا ما يسبب العزوف عن التكريم أو تأجيله إلى ما بعد الوفاة. ـ التقدير والتطوير: تقدير الكفاءات يساعد على تطويرها، ويعمل على جذبهم لمجتمعاتهم وإخلاصهم إليها، والعكس إما يثبطهم، أو ينزح بهم إلى من يقدرهم، وهو ما يسمى بهجرة الأدمغة. ـ الطموح للتفوق: إذا سادت المجتمع سمة التكريم تطلع الآخرون إلى أن يصلوا إلى منصة التكريم عن طريق إبداعهم، وهذا من صالح المجتمع، لكن مجتمعاتنا أكثر ما تكرم الرياضيين والفنانين، وتتجاهل العلماء والمفكرين. ـ احترام الكفاءة لذاتها: الكفاءة يجب أن تقدر لنتاجها دون فرز قبلي، أو مناطقي، أو مذهبي. الفصل الحادي عشر: التديُّن والتعقل لا شك أن الإبداع والتجديد يحتاجان إلى العقل المفكر، ولأن هذين العنصرين يغيبان بشكل كبير عن البلاد العربية والإسلامية، صار هناك من يتساءل: ما العلاقة بين الدين والعقل؟ وهل الدين يُغيّب دور العقل؟ يناقش الباحث هذه الأسئلة ويجيب: إن العلاقة بين الدين والعقل علاقة تكامل ودعم متبادل، حيث يرشد العقل إلى الدين، والدين يوجه إلى العقل، وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة على ذلك، تدل على أهمية إعمال العقل ﴿لقوم يعقلون، ﴿لعلكم تعقلون، وكذلك السنة المطهرة وهي صريحة (دين المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له)، ولكن طرح هذا التساؤل سببه تصرفات بعض المتدينين، والجهات الدينية، وقيامهم بأعمال تخالف العقل، وعادة ما تنسب إلى الدين. والسبب في ظهور هذه التصرفات من قبل المتدينين هو الفهم الخاطئ للدين ونصوصه، كما إن بعض الزعامات الدينية قد تلعب دوراً في تغييب العقل لخطأ عندها، أو لمصلحة ما، ولذا على كل مكلف أن يحسن اختيار قيادته الدينية، والتفكر - مليًّا - فيما يملى عليه من أوامر وأحكام، ولذلك ورد (كونوا نقاد الكلام). ويرى العلماء وجوب التزام العقيدة عن طريق العقل وليس النقل، والتقليد، وكذلك أصول الدين وبعض فروعه. الفصل الثاني عشر: الحالة الدينية ومرض الغرور يحذر الكاتب في هذا الفصل مَن يريد التقدم، أو يرى في نفسه تقدماً على غيره، أن لا يصاب بلوثة الغرور، ثم يعرف الغرور بأنه مبالغة الإنسان في تقدير حجم إمكانياته وقدراته، أو اعتماده على قوة غير حقيقية؛ فالمغرور هو المخدوع، وهناك من يغتر بحسبه ونسبه، أو بماله، أو بعلمه. ومع اختلاف الغرور وتنوعه، إلا أن هناك أساسًا واحدًا هو الجهل أو الغفلة، وتبرير التقاعس والكسل، وأخطر أنواع الغرور الذي يتجاهله الكثيرون هو الغرور الديني. والغرور الديني يعني اعتقاد الإنسان امتلاكه للحقيقة الدينية المطلقة فلا يحتاج إلى بحث، ونقاش، ويرى أفضلية ذاته على الآخرين، وضمان فوزه في الدنيا والآخرة، حتى لو ترك ما ترك من مبادئ الدين وتشريعاته. إنه غرور يشل الفكر، ويوفر أعذار التقصير، ويخطئ بصاحبه جادة الحق، وقد فضح القرآن الكريم غرور اليهود والنصارى بدينهم، لا ليذمهم، ويشهر بهم فقط، بل لنأخذ درساً من ذلك، فالجميع قد يتعرض لهذا المرض. كان اليهود والنصارى يرون أن الجنة لهم وحدهم، ولن يدخلها غيرهم، وأن لهم صلة خاصة بالله؛ فهم أبناؤه وأحباؤه دون سائر الخلق، وأن الله سوف يتساهل في حسابهم، وإذا كان مصيرهم النار، فلن تمسهم إلا أياماً معدودات. وهو منهج خاطئ، لأن الخلائق كلها تتساوى عند الله، وتمايزهم قائم على أساس التفاضل، وذاك بالتزام القيم، وتطبيق المبادئ، لا بالأماني والانتماء الرسمي. وقد أكد أئمة أهل البيت على ذلك، وحذروا أتباعهم منه، فالانتماء إليهم دون تقوى الله وطاعته لا ينفع شيئاً (فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه). إن تحقيق الأفضلية، وإثبات ذلك للآخرين يكون عن طريق العلم، والمعرفة بالأدلة والبراهين، وكذلك بالسلوك الحضاري المتميز. الفصل الثالث عشر: الكنيسة تاريخ من الظلم باسم الدين أنموذج يعرضه الكاتب لحالة من حالات الغرور الديني، وهو ممارسة الظلم باسم الدين، مستعرضاً بشكل موجز، وسرد لطيف لأحداث الكنيسة وما مارسته من ظلم تحت غطاء ديني، ومن جراء ما عانته البشرية من هذا الظلم والعدوان صار عندهم ردة فعل تجاه الدين، وظهر التيار الإلحادي يتهم الدين بأنه أفيون الشعوب. ومع ازدياد وعي الناس ونفاذ صبرهم، بدأ صوت النقد والاعتراض يعلو، وتشكلت لجنة من ثمانية قساوسة عملوا لمدة عام كامل، أعدوا فيها دراسة لمراجعة الأخطاء الماضية للكنيسة، وقدموها للبابا في 46 صفحة، وكان مما جاء فيها: الحديث عن عنف الصراع المذهبي، حيث كانت خلافات حادة بين الكنيسة الشرقية والأخرى الغربية. وانقسام الكنيسة، وتعدد مذاهبها من كاثوليك، وأرثوذكس، وبروتستانت، كما أشارت إلى الإرهاب الفكري؛ فمخالفة الأسس الطبيعية والفلكية التي وضعتها الكنيسة كفر وإلحاد، ولذا حكم بالقتل على العالم غاليليو لأنه قال بحركة الأرض ودورانها حول الشمس، وأشارت المذكرة - كذلك - إلى المآسي التي أصابت العديد من الشعوب المستضعفة من قبل القوى الأوربية والغربية، وذلك بمرأى ومسمع بل ومباركة الكنيسة كحالة الإبادة الجماعية، واستعباد الأفارقة السود، وبيعهم رقيقًا لخدمة الأوربي الأبيض، وتحدثت المذكرة عن مأساة الشعوب الإسلامية، ولكن بشكل غير واضح رغم قساوة ما عاشته، وعلى أثر هذه المذكرة قدم البابا اعتذاراً في حفل 12 مارس 2000م الذي سمي يوم التسامح، وحضر الحفل أكثر من عشرين ألف نسمة من مختلف الطبقات. ثم يعلل الكاتب استعراضه، وذكره مظالم الأمم الأخرى لنتفكر في واقعنا، ولا نقع فيما وقعوا فيه، ولنأخذ منهم درساً هامًّا في مراجعة الواقع المعاش، وأخطاء الماضي لتحقيق التقدم، وهذا منهج القرآن الكريم. ثم يؤكد أن مؤسساتنا الدينية أحرى بمراجعة ماضيها حتى لا تصاب سمعة الإسلام بسوء. الفصل الرابع عشر: عن اللقاء الوطني للحوار الفكري يعرض هنا الباحث تجربة خاضها بنفسه، وهي تجربة الحوار الوطني الذي دعا له الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، وانعقد لقاؤه الأول في 15/4/1424هـ في مكتبة الملك عبد العزيز الوطنية، والذي ضم نخبة من العلماء والمفكرين، يزيدون على 30 شخصية من مختلف مناطق المملكة، ومختلف التوجهات المذهبية والفكرية، من السنة والشيعة، وكان الهدف منه هو جمع ما تبدد من شمل هذه المنطقة التي توحدت أرجاؤها، وتباعدت شعوبها، فبعد التواصل والألفة التي كانت بينهم، سادت حالة القطيعة والجفاء، وبدأت آثاره الخطيرة تظهر، وتهدد وحدة المجتمع، وهي فرصة سانحة للأعداء الذين يريدون أن يتربصوا بنا الدوائر، وقد استعرض الباحث نماذج تشير إلى حالة التواصل بين أبناء المجتمع في الماضي رغم اختلافهم، ففي الحرم المكي - مثلاً - كانت تقام أربع جماعات: الأولى لإمام من المذهب الشافعي، فالحنفي، فالمالكي، ثم الحنبلي. ويتقاسمون الأدوار العلمية في فناء البيت الحرام، وفي المنطقة الشرقية كان تعايش الشيعة مع إخوانهم السنة في غاية الألفة والاندماج، ففي القطيف كان قاضي الشيعة مرجعاً للقضاء بين السنة والشيعة، وهو العلامة الشيخ علي الخنيزي، والذي اتفق أن حكم ذات يوم لأحد البداة على أبيه حيث كان الحق مع الأول، وكان سنة مدينتي عنك ودارين يودعون أماناتهم عند شيعة القطيف، وبعض أبناء سنة الأحساء كانوا يدرسون القرآن عند معلم شيعي أو معلمة شيعية، وشاهد ملموس هو الشاعر خالد الفرج الذي أبّن بقصائده بعض علماء القطيف كالشيخ أبي الحسن الخنيزي، والسيد ماجد العوامي، وكان شعره ينمُّ عن اندماجه مع موروثات الفكر الشيعي، ولكن مرَّت على مجتمعنا حقبة صعبة تراجع خلالها مستوى التواصل، واستأثر بالساحة الدينية رأي واحد يرفض الاعتراف بالآخر، ويسحق حقوقه، ومن هنا جاءت الدعوة إلى الحوار للتلاقي مجدداً، وتصحيح ما فسد، ولكن هل نجح الحوار؟ كان القلق يساور الجميع في نجاح هذا اللقاء بعد حقبة من القطيعة، وتبادل الاتهامات القاسية، لكن القلق تبدد منذ الجلسة الأولى، وظهر أن معظم المشاركين كانوا على مستوى من النصح والوعي بالتحديات الخطيرة المحدقة بالدين والوطن، فدار الحوار بلباقة، وأمكن استيعاب النبرات الحادة من قبل البعض، وتمخض الحوار عن: ضرورة الاعتراف بالآخر، والتعدد المذهبي والفكري، والتأكيد على منهج الحوار، وتحويله إلى مؤسسة، كما تم استحضار هموم الوطن، وتطلعات المواطنين، وتناولوا أموراً حساسة ترتبط بالشأن السياسي، والأمني، والاقتصادي والاجتماعي، وتم في اللقاء تعارف المتحاورين على بعضهم بعضا مباشرة، وتصحيح الانطباعات الخاطئة، وتبادل الزيارات فيما بينهم. ولكن ماذا عن أصداء الحوار؟ يتساءل الباحث، ثم يجيب: إن ظهور أصوات تشكك في هذا اللقاء، ومدى جديته ونجاحه، وتضخيم الأمور، كل ذلك يرجع إلى تلك الحقبة العصيبة، فليس مستغربًا أن تظهر تلك الأصوات، ولكن المطلوب أن يتم احتواؤها، وعلى الواعين أن يهتموا بما يلي: ـ تكريس نهج اللقاء والحوار القائم على الوحدة، والتسامح، والاحترام، وحرية الرأي. ـ مأسسة اللقاء والحوار وبرمجته. ـ تجاوز حالة الانكفاء والانطواء التي يعيشها البعض. الفصل الخامس عشر: ثقافة الوحدة والحوار يدعو الكاتب إلى ضرورة توفير الثقافة الوحدوية الجامعة، وشحذ النفوس تجاهها، ثقافة تحمل التبشير بالمفاهيم الإسلامية، والقيم الإنسانية، وفي طليعة هذه المفاهيم والقيم: - حقوق الإنسان: تمايز الناس في أديانهم، ومذاهبهم، وتوجهاتهم لا يعني التنكر لوحدتهم الإنسانية، فقد خلقوا من نفس واحدة؛ فكلهم من آدم ، فهم يتساوون في ثروات الطبيعة، والإسلام يدعو إلى حفظ حقوق الآخر، فهو مبدأ إسلامي أصيل، وليس مفهوماً غريباً وافداً، إلا أنه غاب عن الخطاب الإسلامي المعاصر، ولذا تجد من يرفض الاعتراف بأدنى حقوق المخالف. - حرمة المسلم: والمسلم هو من شهد الشهادتين، وأقر بالإسلام وأصوله وأركانه، عندها يتمتع بعضوية المجتمع الإسلامي، والحصانة الكاملة، ولا يصح لأي جهة انتهاك حرماته. ولك في تعامل رسول الله مع المنافقين أسوة حسنة. - حقوق المواطنة: يجب أن يبقى الوطن إطاراً جامعاً لكل أبنائه بمختلف انتماءاتهم، فيتم الاعتراف بالجميع، والمساواة بينهم في حقوق المواطنة وواجباتها، واختلال هذا الأمر يهدد وحدة الوطن، وأمنه، ولأجل تعزيز الوحدة الوطنية لا بد من تكريس منهج الحوار على مستوى الأمة، فننفض من عقول أبناء الوطن غبار ثقافة التطرف والتشدد، ببعث حركة وحدوية تركز على ما ذكرناه سابقاً. الفصل السادس عشر: التقريب بين المذاهب الإسلامية: انجازات وعوائق يشيد الكاتب هنا بأهمية التقريب بين المذاهب، ويقدمه نموذجًا مثاليًّا للحوار والانفتاح على الآخر، وأهمية هذا الأمر تكمن في التغيير الذاتي الداخلي لتأخذ الأمة موقعها من العالم، فإذا لم يحترم بعضنا بعضاً، فكيف نتوقع احترام المجتمع الدولي لنا؟ وإذا كنا نضيع حقوق بعضنا، فكيف تحترم حقوق الأمة عالميًّا؟ وإذا عجزنا عن إدارة حواراتنا، فكيف نديرها مع الحضارات والأمم الأخرى؟ من هنا كان لا بد من التقريب بين المذاهب الإسلامية، أو بين أتباع المذاهب كما يؤكد على ذلك الكاتب في مواطن عدة. ففي هذا الأمر تعزيز وحدة الأمة، وأن لا نترك مساحة يعبث بها المتطرفون والغلاة الذين كان لهم دور في عرقلة مشروع دار التقريب في مصر. ثم استعرض الباحث مبادرة البحرين لعقد مؤتمر التقريب بين المذاهب مشيراً إلى أهم ما تميز به هذا المؤتمر، وهو أنه أول مؤتمر يعقد في الخليج ذات التنوع المذهبي، والمكان الذي يتهم بتصدير حالات الخصام المذهبي للعالم، كذلك مشاركة علماء سلفيين وهم من كانوا يرفضون ذلك، ويرون الحل في اتباع منهجهم، كما شارك علماء من العراق شيعة وسنة، وأكدوا على وحدة بلدهم ورفضهم للفتن الطائفية، ومشاركة المرأة في هذا المؤتمر. إلا أن الأمر ينبغي أن يخرج من دائرة المؤتمرات وقاعاتها إلى الواقع العملي، وهناك ما يبشر بذلك، لكن هناك من يعرقل كل هذا الأمر، فبعض الفئات الإسلامية ترفض قبول تعدد الرأي، وتحاكمه لمخالفته لرأيها، وترى أن الخلافات في القضايا العقدية غير مقبول. الأمر الآخر هو المحاسبة على ما ورد في بعض كتب التراث الشيعي علماً بأن الشيعة لا ترى من كتب الحديث المعتمدة عندها ما هو صحيح بالكامل، وكذلك سياسات التمييز الطائفية. هذا أهم ما يعترض مسيرة التقريب، والتي ينبغي تجاوزها، وأخذها في الحسبان في المؤتمرات القادمة. خلاصة القول إن تعدد الآراء الفكرية، والانفتاح عليها، ومناقشتها بالحوار الحسن، خيار أفضل لاختيار الأفضل، ما دام الأمر يقوم على الموضوعية والتزام المبادئ والقيم الدينية، والعلاقة بين (الحوار) و (الانفتاح على الآخر) التي يدرسهما الكاتب ويدعو لهما، علاقة تبادل وتكامل، فالحوار سبيل إلى الانفتاح على الآخر، والانفتاح يدعو إلى التحاور مع الآخر ومناقشته، وحتى تحقق هذه العلاقة فلابد أن يعتمد الحوار على أسس قوية تهيؤه للانفتاح على الآخر، وهي: ـ سلامة مقصد الحوار ونبله ـ تحديد موضوع البحث ـ تحديد المفاهيم ـ الاستدلال ـ الموضوعية ـ تحديد نقاط الالتقاء لتأكيدها، ومناقشة الاختلافات لتعديلها أو تجاوزها أو الاقتناع ـ القبول والإقرار بحق الرأي الآخر. هذه الأسس تحتاج إلى سور عظيم يحيطها وهي أخلاقيات الحوار: ـ الاحترام المتبادل ـ المرونة مع الطرف الآخر ـ حسن الإنصات ـ لين العريكة ـ نبذ التعصب الذي يدعو إلى التمسك بالفكرة مهما كانت حجة المحاور. وهنا لابد لنا من قاعدة صُلبة ترتكز عليها هذه الأسس القوية، والسور العظيم، حتى يتحقق هذا المبدأ الإسلامي، وهي نشر ثقافة الوحدة التي تقوم على حفظ حقوق الإنسان، ونبذ التمايز بين الناس، وحفظ حرماتهم، وإثبات حقوق المواطنة للجميع، والمساواة بين أبناء الشعب. إذا ما تحقق كل ذلك فسوف نجني الثمار التالية: ـ التعرف مباشرة على الآخر، وتبادل المعارف معه، واحترامه، ومسالمته. ـ التجديد المستمر، الذي يعتمد على الطموح والثقة بالنفس، والجرأة، والذهن الوقاد. ـ الإبداع، وذلك بتشجيع الكفاءات وتكريمها، واحترامها لذاتها لا لانتمائها. ـ إعمال العقل، وهو السبيل لتحقيق السبق، وهو ما يدعو له الدين، وحتى تزال تلك الصورة المرتسمة في أذهان البعض عن أن الدين يخدر العقل ويعطله. ملاحظات ولكن ثمة ملاحظات وجدتها في الكتاب من وجهة نظري القاصر، لو راعاها المؤلف لكان أفضل، وهي: ـ خلو بعض العناوين من حلقة الوصل بفكرة الكتاب، أو بعنصر الربط بالموضوع الذي سبق، مما يوحي للقارئ - في الوهلة الأولى - أن المؤلف خرج عن الموضوع، كعنوان (منطلقات التجديد)، و(تقدير الكفاءات) مثلاً. ـ كذلك كان من المفترض أن يكون تسلسل العناوين بشكل أفضل مما هو عليه، فقد جاءت العناوين وكأنها فصول مستقلة، أو عناوين رئيسية في حين أن بعضها كان يفترض أن تكون عنواناً فرعيًّا من العنوان الأساس؛ فموضوع التعصب والعصبية، وكيفية مواجهته جاء في فصلين مستقلين، أو عنوانين رئيسيين بينما هما يندرجان تحت أخلاقيات الحوار، فالمؤلف يدعو إلى نبذ التعصب بين المتحاورين، ولعل سبب إدراجهما كفصلين مستقلين لأهمية الموضوع وتشعبه، كما إنه يتداخل مع موضع الانفتاح، فالتعصب يقود إلى رفض الانفتاح، وعدم تقبل الآخر، وبعض العناوين كان يفترض أن تكون عنواناً جانبياً من العنوان الفرعي، ففي فصل (تقدير الكفاءة والإبداع) جاء عنوان (أمراض التخلف) عنوانًا فرعيًّا من الرئيسي، بينما هو عنوان جانبي من الفرعي وهو (احترام الذات)، وهذا واضح من سرد النقاط الأساسية كعناوين فرعية في هذا الفصل مثلاً. ـ كان الأجمل تقسيم الكتاب إلى قسمين يتناول القسم الأول موضوع الانفتاح على الآخر، والثاني الحوار مع الآخر، ويدرج تحت كل فصل عناوينه الرئيسية والفرعية. وبذلك يحافظ على الترابط بين موضوعاته، ويكون أكثر سلاسة ووضوحاً للقارئ، أو أن يعتبران عنصرين متلازمين، فالحوار سبيل إلى الانفتاح، والانفتاح يدعو للتحاور، وبالتالي تكون نتائجهما وثمراتهما واحدة، ونحن نجد أن المؤلف ذكر ما ينتجه الحوار من معرفة وسلام كثمرة من ثمرات الحوار، وذلك في الفصل الثالث، ثم أشار إلى ثمرة من ثمرات الانفتاح، وهي التجديد المستمر، وذلك في الفصل الثامن، وقد دمجنا تلك النتائج في خلاصة البحث. ـ الفصل الذي جاء بعنوان (مهارات التفاوض والحوار) فصل جميل ومهم، ولكن جاء ضمن عناوينه أخلاقيات الحوار، ومنها (الهدف النبيل)، وكان الأفضل لو توسع الكاتب أكثر في موضوع الفصل، وأدرج أخلاقيات الحوار في الفصل الذي يليه، والذي أسماه (أخلاقيات الحوار). ـ كان من المفترض أن يفصل الباحث بين الأسس التي يقوم عليها الحوار، والأخلاقيات التي ينبغي أن تسود جو الحوار، كما أشرنا إلى ذلك في موجز الفصل الخامس، وكذلك في خلاصة البحث. ـ لم يتطرق الباحث إلى الحوار والانفتاح مع الآخر الخارج عن دائرة الإسلام، أو ذلك الغربي، المسالم منهم، وغير المسالم، وعلاقاتنا مع الأمم الأخرى، وهو ما أخذ عنوان: (حوار الحضارات)، وهو مصطلح عصري، ومجتمعنا بحاجة ماسة إليه ليتعلم كيف يتعامل مع ذلك الآخر، ولاسيما من يعيش على أراضينا.
شاعر وكاتب
370314