قراءة في (أوهام صغيرة) لغسان الخنيزي
الخنيزي ورصدُ الخبيء من النسوة
محمد الخباز * - 2 / 2 / 2011م - 1:04 م - العدد (52)

الكتاب: قراءة في (أوهام صغيرة)

الكاتب: غسان الخنيزي

الناشر: دار الجديد، بيروت، 1995م.

 

قبل عددٍ من السنين الطويلة، ربما تجاوزت الست، وقعت بين أيدينا مجموعة الخنيزي الشعرية (أوهامٌ صغيرة)، كنا نتساءلُ بسخريةٍ حادة: أين الشعرُ في هذه الكلام؟ مَرَّت تلك السنون، وفي يومٍ  قريب كنت أقلِّبُ مكتبتي وأرتِّبُها، لتقع بين يدي مجموعة الخنيزي، فابتسمتُ، ودفعني الفضول لتصفحها، وإذ بي أرى الشِّعرَ أمامي بكل فتنته، والذين كانوا معي ولم يروا الشعرَ في ما كتبه الخنيزي ما عادوا يرونَ الشعرَ في ما أكتبهُ أنا أيضاً، فأين الخطأُ في هذه الحكاية؟

أهل كان الشعر موجوداً فيه وما كنتُ أراه؟ ولِـمَ لمْ أكن أرَاهُ، وقد كنت أرى الشعر في كلام الفحول من العرب؟ أعيبٌ كانَ في عيني؟ أم إن الشعر في كلام العرب غيره في كلام الخنيزي؟ كيف والشعرُ جوهرٌ واحدٌ لا يتجزأ؟ أم إنَّ الشعر لم يكن موجوداً أصلاً في كلام الخنيزي، وإنما أنا الذي جلبته له؟ فمن أين يا ترى جلبته؟ وهل يُجلبُ الشعر لكلامٍ ليس بشعر؟ أسئلةٌ قد تبدو ساذجةٌ، ولكنها ليست كذلك؛ إنها أسئلةُ الشِّعريةِ المخاتلة.

يرصُدُ الخنيزي أوهامه الصغيرة بدهشة العين الطفلة، حيثُ الطفولةُ ليست مرحلةً زمنية، بل هي طريقةٌ للرؤية، وإن كانت الطفولة - المرحلةَ الزمنيةَ - تُستحضر في ثنايا النصوص، لكنها تُستحضر مُلازِمةً لعملية الرصد:

سترقصُ نسوةٌ حبيباتٌ

(وتبانُ[1] ) بشرةُ أذرعهن من بين السوادِ

فيما ينغمرُ طفلٌ، في الكوَّةِ،

راجفاً بالرَّعدةِ

يَرقُبُ الأكفَّ تهبطُ حاميةً على الوجوه. (عنوان النص/ روح شاردة).

فالطفلُ الذي كان في الكوَّةِ يرقبُ النسوةَ المتلفعات بالسواد ظلَّ طفلاً يرقبُ طوال حياته، ويستحضرُ ما كان يرقبهُ، وكأنهُ يقارن المَشاهدَ في فلمٍ قصيرٍ هو حياته:

العمات سيأتين

ولن تكون وجوههن موسومة بالنيلي

كما كانت يوم قضى جدي في الكوفة

حيث حبوتُ مرة

وسقطت ورقة التوت، مرة.

وفي باحة المسجد

مددت يديَّ إلى أقصاهما

أطوِّق العمود الذي من رخام،

فما قدرتُ...

وعرفت كم هي خاطفةٌ

وتلمحُ لمحاً، حياتي. (روح شاردة).

وكما ظل الطفل الذي يرقبُ في الكوَّةِ طفلاً يرصدُ، فقد ظلت الكوَّةُ مكاناً للرصدِ، حيثُ الاختباء في الكوة مُرادفٌ للعُزلة التي يحنُّ لها الخنيزي:

صحبةَ كافكا أغادركم،

مُبرقشاً بأسمائكم وبالأسوار.

في مهدي اللدود رأيتُ الصين تعجُّ بالعالمين

مخرتُ عُباب الحلم الرجيم والناس كثرٌ.

هكذا رأيتُ:

إلى غيركم سأحتمي،

ناشراً العزلةَ في الطريق. (افتراق)

إنه لا يستطيع أن يمارس مهنةَ الرصد وهو خارج الكوة، وهو مع الجمع، لهذا فهو يتركهم، لأن روحه تُحسُّ بالعطالة وهي لا تستطيع ممارسة مهنتها، ولهذا فهي تشردُ:

روحي ستشردُ كما شردت بيُسرٍ في حياةٍ

هي حلمُ يقظتي،

كي تتفرَّسَ في الوجوه. (روح شاردة)

هكذا تملكها البهجة، وهي ترقبُ الأشياء، في عُزلةٍ وصمتٍ وسكون، وهذا ما لا يتوفر إلا في الليلِ بعتمته الباردة، لا في النهار المرادف للضجيج، والذي تبتهجُ الروحُ بمراقبته وهو يموتُ:

في ظل الأشياء أنصرفُ عن النهار البهيج

أستمرئ الأوقات وما بعدها،

في برد العَتَمةِ أشهدُ انغمار الضوءِ في سُحب النهاية،

في حمى الأشجار أستفيقُ على نشوة الفرح. (أية بهجة؟)

هل يمكننا بعد هذا أن نطلقَ على شعرية الخنيزي شعرية الطفولة الراصدة، أظن ذلك. هذه الشعرية التي يمكن القول أنها تتكون من أربعة أخلاطٍ، تلاحظها دائماً أينما أجلتَ بصركَ في نصوص الخنيزي، متجليةً في النسيج اللفظي لتلك النصوص، وما النسيج اللفظي سوى عاكسٍ للهاجس الشعوري الذي يستبطنه النص. وقد بينا هذه الأخلاط فيما قدمناه، ولا بأس بتعدادها مرةً أخرى:

1- الطفل/ الذكريات القديمة/ الماضي/ المهد...

2- الليل/ العتمة/ النهار الذابل...

3- الرصد/ الترقب/ الاصطياخ/...

4- العزلة/ الوحدة/ مغادرة الجمع/ ...

ولأنها شعريةٌ طفولية، فهي متعلقة بالأمومة، رغم أن الخنيزي أهدى المجموعة إلى رجلٍ هو والده، إلا أنه كان - داخل نصوصه - متعلقًا بالأنوثة دائماً، فقد ظل طفلاً يتبع أمه في نصه كما كان في صغره:

الآن لأقطِّبن الجبين

ولأعصرن ملامح وجهي بشدة

كيما أتذكرك:

تمشين على مَهَلٍ،

متبوعةً بي،

عِبر بساتين نخيلٍ تتناوبها رائحة الرطب الهامد

والجذور المحترقة. (الآخر في سباته)

ويمكننا تصنيف الأنوثة التي ظل الطفلُ مشدوداً لها في نصوصه إلى أربعة أصناف، وكل صنفٍ من هذه الأصناف يستحضرُ لازمةً معينة ترصدها عين الطفل في ما ترصد من أنوثةٍ واقعيةٍ تتجلى في أنماطٍ من النسوةِ وحياتهنِّ المهمشة في مجتمعٍ ذكوري، لا في أنوثةٍ متخيلةٍ مثاليةٍ تُشبِّه وجه المرأة -أيِّ امرأةٍ – بالشمسِ، وقدَّها بالغصن، وردفها بكثيب الرمل. إنها شعريةٌ تحتفي بالهامشِ لا بالمتن كما هي شعرية الفحول من العرب، شعريةٌ تحتفي بالأنوثةِ والطفولة لا بالرجولة، شعريةٌ تحتفي بالخبيء من النسوة، من وحشةٍ، وفقدٍ، وبكاءٍ، وأمومةٍ، وحنان، في حياتهن الواقعية، لا بجسدٍ مُتخيَّل لا علاقة له بالواقع، وهذه الأصناف هي:

1- المرأة/ الزوجة:

لا تحضر الزوجة في إلا بتعبير (صاحبة) في النصوص كلازمة، مثل:

ثم إن طوفاناً كبيراً يبتدئ

كي نُهرَعَ من سبات الغرفة إلى شمس العلِّية

نترنح، نرى شعاع الضوء غافياً،

نُبصر وجوه صويحباتنا تُوهِنُ قليلاً قليلا. (يقظة)

وهذا التعبير في الأصل هو تعبير قرآني، وردَ في أكثر من سورة: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) سورة المعارج، ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) سورة الجن، ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) سورة عَبَس. ولعل تعبير الصاحبة في كلام الخنيزي يشير إلى أن نوع العلاقة بين الزوج والزوجة في ذلك المجتمع هي علاقة صحبة أكثر منها علاقة حب، إنها صحبة يعقدها الجانب الجنسي والمعيشة معاً في بيتٍ واحد، أما الحبيبات فهن أخريات غير الزوجة:

السنة التي ودعتنا بالرذاذ

وبزهوٍ أقل،

رمينا في شهرها الأول سُدَّانا على العتبات

ثم رأينا أننا نعب من السدى،

في شوال ما كان لنا أن نظعن

ولا أن نذوق عسيلة صويحباتنا

في رجبٍ كانت الذكرى تنتفخُ

كحاملٍ نأتي لها بالثمار والتوابل وعجيب المذاق

في أيلول كانت الحبيبات يتنازلن عن عروشهن

وكان القلب يتخفف من وطء الحمولة. (1992)

وهذا ما يجعل من الزوجة في حياة الرجل شيئاً مهملاً، فالصحبة الدائمة تُذهِب بالولع والاشتياق والتلهف، وتُذهب بجمال الزوجة في عين الرجل لتعوُّدِه على رؤيته دائماً، رغم أن الجمال ما زال موجوداً، يلحظهُ الآخرون الذين يستغربون كيفَ يُهمل مثل هذا الجمال وهذه الفتنة:

تتوهجين كجمرةٍ مُهملة. بل كمئذنةٍ غفا عنها صاحبها في البُلجة. (أنتِ)

2- المرأة/ المعشوقة:

أما اللازمة التي تأتي مع المرأة المعشوقة فهي: المسافة، والبعد، والجدران، وهذه اللازمة طبيعية لأنها هي من تخلق اللهفة والشوق  والولع، هذه هي الأخلاط التي تكون الحب. بعكس الأمر مع الزوجة التي تكون قريبة بين يدي الرجل، لا كالحبيبة التي لا يستطيع الإمساك بها:

ليس لي الآن إلا العزلة

وتنسربين كالماء من بين أصابعي

نحو الصمت والسكون المخاتل. (لام كاف)

وهذا ما يعكس -من جهةٍ أخرى- طبيعة المجتمع الذي يَعتبر الحب عيباً، ولذلك فالحبيب يختبئ لكي لا يراه أحد في عزلته وهو يرصدُ محبوبته من بعيد:

لو أنك في ظمأ البارحة

شرقتِ بالماء الذي يجاورك

وفي الحشرجة،

ظهرتُ، كما الآخرين، في الذاكرة

لكنتِ ترينني وعيناي مقيدتان إلى شق النافذة

مُحدِّقاً في جوهر الضوء المنكسر.

* * *

كان وجلي أن لا يفصلنا ساترٌ أو تراب،

أو أني أراك تستقيمين على صراطي

فأي كمدٍ سأزدهي به

لو آن لهذا أن ينتهي؟ (حذري أن أحلم)

هناك ساترٌ وحاجز، هناك ترصُّدٌ من نافذة، هناك عدم القدرة على الاقتراب:

هكذا: بيني وبينكِ

ما يعترشُ فُسحة النظرِ

ما لا يُلمس، أو يُستشفُّ

لا رِمشاً يرفُّ، ولا أننا ندنو قيد الأنملة. (خزف المعيشة)

وهذا ما يعكس طبيعة المجتمع الذي يفصل بين الذكور والإناث بوسائل عديدة، والحال – كذلك - يظل فعلُ الترصد هو الفعل الملازم للحب الذي لا وصال فيه، حيثُ الحبيب يترقب، والحبيبة تظهر على المسرح للحظات ثم تغيب، وهو لا يصدق عينيه:

هل كُنتُ نائماً

حين وهبتِ الشرفات كسوة القطن والكتان؟

* * *

في الشموس الغاربة ظلال مائلة تنادمك

سِرب الفراشات ينساب أيضاً.

تميلين على حبل الغسيل تحضنين الأقمشة

تومئين لرمق الشمس الأخير

تُديرين جذعك نِصف دورة،

باتجاه السلالم. (امرأة القطن والكتان)

فإذا غابت المحبوبة بدأ الحبيب يراها أين ما التفت، يراها في الشمس، في الغيمة، في الشجرة، في زهرة النارنج:

لزهرة النارنج

حين يهطل المطر المهيمن

بتلاتٌ، كأطراف ردائكِ

تعتصرينها على مهلٍ حنون.

* * *

لزهرتها ظلالٌ مدوَّرة

لم تزل تناصبني الترقب (وهم الزهرة)

فإذا كان هناك وصال؛ كان مشوباً بهاجس الفراق:

كُنتُ عارفاً

والاثنان منا وجهاً لوجه

نُداري الوقت بأُنْس النديم،

إني سأفتقدك لحظة تعبرين الباب

* * *

أني سأجلسُ في المنتأى

أحنُّ دون انقطاعٍ

حسبي الوقتُ الذي ألفناهُ حارساً للحنين (حارساً للحنين)

3- المرأة/ الغريبة:

أما اللازمة التي ترصدها عين الطفل في النسوة الغريبات عنه، فهي لازمة التلفع بالسواد الذي يحجبهن عن العين الراصدة، فلا يستطيع أن يتبين ملامحهن، ولا أن يسبر أغوارهن، فهن كالبيوت المغلقة:

يرتدين الحلقات والأساور وسحنة الأبواب الموصدة لإحداهن يد مبسوطة في الهواء الخالص. للأخرى يدان متصالبتان، وهيئة مكللة بالفضة والحجب المضللة. ها قد انكفأن بالرهبة على الأروقة. لا أيديهن الموشومة بالأزرق، ولا الصبايا حاملات الخوابي يَردن الماء. ليس نهراً. ولا الأخريات الذاهبات بالملاءات المغبرة. (النسوة)

كذلك رصدتهن عين الطفل حتى في بيته حينما جئن للعزاء:

العمَّاتُ لن يدخُلنَ وسْطَ الحَلقةِ

كي يكُنَّ فُرجةً

لنسوةٍ تلفَّعنَ بالأسود حتى الأخمصين. (روحٌ شاردة)

4- المرأة/ القريبة، من جدةٍ وعمةٍ وخالةٍ وأم:

ستجلسُ الخالاتُ الأكثر تحناناً

يُكبِّلهن ضيق النَّفَسِ، والرَّبو، ربما

لكن الغريب في طف الفرات سَلوَتُهُنَّ،

وأقربُ إلى القلبِ

يأتي واقفاً في مهبِّ الهواء العميم،

عندما يشحُّ الندمُ على المعيشةِ

ويفقدُ الحنينُ عُقاره.

* * *

في الغبش سيأتي الأرحامُ

وتصطفُّ بِضعُ نساءٍ

في الدهليز، وانياتٍ

صوتهنَّ سيكونُ مبحوحاً قليلاً أو كثيراً

والنفوسُ؛ ولا أصفى

لأن العزاء أقرب إلى وقع أيامهن

والغريبُ، مأسورٌ بماء عطشهنَّ

وحاضرٌ،

كحضور الرجال في الحياة.

اللواتي سيأتينَ من الضواحي

ومن الثغور سيدخلنَ

كلٌّ بقارئةٍ وقصيدٍ

رافعاتٍ السَّوادَ إلى الأعلى

يذوينَ كأوراق الثلجِ على جمرة الجزع.

ستنشر بعضهنَّ الشعور

في حين ستلملم أخرياتٌ خصلاتهن

كي يغفين على السجع الرتيبِ

لقارئةٍ

سترفعُ كتابها فوق الرقاب مرتين

وتُمرِّغهُ بماء التندم

لأن الحزن لُحمتهن

وبلسم لأكبر الآلام، وأعذبها. (روح شاردة)

يُبرز المقطع السابق ثلاث ملامح رئيسة متشابكة تميز هذا النوع من النسوة: حُزنُ الفقدِ ولوعته الذي هو إيقاعُ أيامهن، السوادُ الذي هو لونُ حياتهن، الحسين الذي هو سلوتهن؛ حيثُ لا تحضر هذه النسوة إلا وتحضر هذه الملامح التي تميزهن، وهي ملامح متشابكة ومتداخلة بشكلٍ كبير لا يمكن الفصل بينها، بل إن كل ملمح من هذه الملامح هو مُرادفٌ للملمحين الآخرَين، ومستحضرٌ لهما حتى ولو لم يُذكرا في النص، لأن هذه هي خصيصةٌ من خصائص ذلك المجتمع الشيعي الذي يختلطُ فيه حزنه الجمعي على الحسين بحزنه الفردي على فقيده، سواءً في المناسبة الفردية أم في المناسبة الجمعية، ومن كانت هذه خصيصته فلا شك أن السواد سيكون لونه.

والملاحظ أن نصوص المجموعة خلت من استحضار طقوس الفرح لمثل هذه النسوة في الأعراس مثلاً أو في الولادة، فهن لا يحضرن إلا في مشاهد الفقد واللوعة:

ما كُنا لندركَ

حينَ غمرنا الوجوهَ

في مناديلهن الخافقة ببخور الفواتح

والترحم والعزاء

في أرحامنا الذاهبين،

أن البلُّور الذي يجاور قلوبهن

يعصرهُ عصراً شفوفاً ماءُ الألم. (الجدات)

وكأن طائر الموت قد فردَ جناحيه على نصوص هذه المجموعة، ففاحت منها رائحةُ الفقد، وانتشر فيها طعم البكاء، وامتلأت أرضها بالقبور والشواهد:

قُلتِ: هو ذا القبرُ الذي تسألُ عنه.

سوادُ عينيك التمع لحظة أومأت بطرف نظرتك إلى الشاهد

ثم رأيتني ممدداً على المتربة. (الآخر في سباته)

ويبدو أن نصوص الموت هذه ليست مجرد نصوص رثاء لموتٍ طبيعي، بل هي متعلقة بأحداث سياسية ذهبت فيها الضحايا، فكانت هذه النصوص ندباً لهن من جهة، وتلويحاً بصراعٍ سياسي من جهةٍ أخرى. حيثُ يستحضر أحد النصوص شخصية (جليلة بنت مرة) أخت جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب بن ربيعة، وكانت زوجة كليب، فقتله جساس، مما جَرَّ الحرب طلباً للثأر:

البكاءُ الناحلُ

* * *

يرتمي في السكون

تحملهُ أيادٍ على محفة من الكافور والصندل

تدور به على أطفال المذابح منذ عام البسوس،

حتى الآن...

هُنا،

أي جليلة،

لا يُجمعُ سيفان في غمدٍ وحيد.

كُليبٌ قضى

وجسَّاسُ، شقيُّ هذا الشقيق. (جليلة بنت مرة)

وكما استحضرت النصوص شخصية جليلة رمزًا من التراث العربي، فقد استحضرت في نصٍ من نصوصها (امرأة صويحب) رمزًا من الثقافة الشعبية العراقية. وصويحب هو أحد الفلاحين الذين كان الإقطاعيون يستغلونهم. وبينما زوجته في البيت إذ هي تسمع صوت رصاص أنبأها قلبها أن هذه الرصاصة التي أطلقت قد أطلقت على زوجها؛ فجاءت إلى مكان الحادث فوجدت بعض الفلاحات وقد التممن حول زوجها المقتول، وأخذت تنعى زوجها وتحذر الإقطاعي من عمله هذا الذي سيتبعه الثأر بكل تأكيد، وهي القصة التي كتبها الشاعر مظفر النواب، وقال فيها على لسان هذه المرأة، مبتدئاً بقولها وهي تخاطب النسوة وتأمرهن بالابتعاد وعدم البكاء الذي سيجعل كحلهن يسقط مع الدموع، ويختلط بدم زوجها:

مَيْلَنْ

لا تنقطن كحل فوق الدم

ميلن، ورد الخزامة تنقط سم

جرح اصويحب، بعطابة، ما يلتم

لا تفرح ابدمنا، لا يلقطاعي

صويحب من يموت المنجل ايداعي

أحَّاه، شوسع جرحك ما يسده الثار!

يصويحب، وحق الدم، ودمك حار

من بعدك مناجل غيظ يحصدن نار

شيل بيارق الدم، يلساعي

صويحب من يموت المنجل يداعي

 

هكذا رصدَ الطفلُ الخبيءَ من النسوة، ولأن النصوص كانت مهمتها الرصد فقد خلت من الحوار، فالشخصيات لا تتكلم وتُعبر عن مشاعرها، بل هيَ تُرصد حركاتها وملامحها، وهي صامتة في النصوص. فالرصد في هذه المجموعة هو تقنية أساسية، لا تتعلق بالأشياء البعيدة فقط، بل حتى بالأشياء القريبة جدًّا، ففي نص (ورد ثمل)، مثلاً، هناك شخصيتان حاضرتان وقريبتان من الشاعر هما: الحبيبة والورد، ورغم أن الشاعر معهما على نفس المسرح، إلا أن النص يستخدم تقنية الرصد، أيضاً، فنجد أن حضورهما في النص هو حُضور المرصود الذي تُراقَب حركاته دون أن يكون شخصية متحدثة في النص، أو واصفة:

الباقة التي أوليناها ظهورنا

أو قل تنحيناها جانباً،

هدهدتها لمسة رمشيك على حين غرة

وأسكرها مديحك العجل.

* * *

باقة الورد التي ما نظرت إليها

إلا لمحاً، كفى بها،

لتمنح الليل كل البهاء، وكل الحنين. (ورد ثمل)

هذا الرصد الذي هو، برأيي، قد أدى مهمَّةً أخرى غير مهمته الشعرية، ألا وهي توثيق حياةِ النسوة في ذلك المجتمع وذلك الزمان (فترة السبعينات والثمانينات)، توثيق أجوائهن، أنماطهن، هامشيتهن، وهي المهمة التي لم يمر على من قامَ بها في نصوصه الشعرية من أهالي هذه المنطقة (القطيف/ شرق السعودية)، وبهذه الحرَفية المُتقنة.

* * *

[1]  الصواب: تبين.
شاعر وناقد - السعودية
297984