ولا زال مشروع الإصلاح مفتوحا
التحرير - 6 / 2 / 2011م - 1:42 م - العدد (53)

تتعدد المعطيات والمؤثرات والحقائق، التي تدفعنا إلى الاعتقاد بأن المنطقة كلَّها تعيش مرحلة عبور من حالة إلى حالة، ومن مرحلة إلى أخرى، وأن التحديات والمشاكل الحضارية والسياسية والاقتصادية العديدة، التي تواجهنا، وتعرقل تطورنا، وتمنعنا من الإقلاع والانطلاق لا يمكن مواجهتها - بشكل فعال، والتغلب عليها - بدون عملية إصلاح الذات، ومواجهة عناصر التخلف والجهل التي تعشش في فضائنا، ونسيجنا الاجتماعي.

فإصلاح الذات ثقافيا وسياسيا وسلوكيا، هي بوابة مواجهة التحديات والمشاكل الوافدة إلينا من الخارج، وبدون عملية الانخراط الحقيقي في إصلاح أوضاعنا، وتحسين أحوالنا، لن نتمكن من التغلب على تحديات الخارج.

ونحن - وبعد هذه التغييرات والإصلاحات - تتأكد لدينا أهمية العمل على تطوير تجربتنا الذاتية في الإصلاح، وسد الثغرات والفجوات الأساسية، التي تم اكتشافها في تجارب من سبقنا، ولا ريب في أن الإصلاح، في مجتمعنا ووطننا، يتطلب بناء مقاربات جديدة، وصياغة رؤية مستنيرة تجاه المقولات التالية:

1- الدين والحرية

لا شك أن من الأخطاء القاتلة، التي وقع فيها العديد من التجارب الإصلاحية في المنطقة، جَعْل الدين مقابلا للحرية، وكأن المطلوب المقايضة بين الدين والحرية، بينما الحقيقة التي لا فكاك منها، وتتطلب منا باستمرار الإبراز والإظهار هو العلاقة العميقة بين الدين الإسلامي وقيم الحرية؛ فلا نهوض لمجتمعنا، ولا إصلاح لأوضاعنا إلا بخلق مصالحة عميقة بين قيم الدين العليا، وخياراته الكبرى، وقيم ومقتضيات الحرية والديمقراطية.

وإن مهمة الإصلاحيين الأساسية، هي تجسير الفجوة بين الدين والحرية في فضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي، فنحن - كمجتمعات عربية وإسلامية - بحاجة إلى قيم الدين ومبادئه، كما أننا بحاجة إلى الحرية؛ قيمةً وآليات عمل وتنظيم مجتمعي، فلا يمكن أن نطير ونحلِّق في فضاء التقدم إلا بجناحي الدين والديمقراطية، وأن المطلوب - في سياق تطوير الخطاب الديني الإصلاحي في المجتمع والوطن - إعادة صياغة وتطوير رؤيتنا لمفاهيم الحرية والديمقراطية، وذلك لأن غياب الديمقراطية عن مجتمعاتنا، يعني - في حقيقة الأمر - غياب كل العناصر الحية عن الوجود الاجتماعي، وهنا لا ندعي أن الديمقراطية هي حلٌّ سحريٌّ لكل مشاكلنا وأزماتنا، وإنما هي الشرط الذي لا غنى عنه لنجاحنا وتقدمنا في مختلف الحقول والمجالات.

والديمقراطية - في ثقافتها وآليات عملها - لا تُستورد استيرادًا، وإنما من الضروري أن تُستنبت في التربة الاجتماعية المحلية؛ فالاستيراد لا يخلق ديمقراطية حقيقية، بل يؤدي إلى جملة من الأشكال الديمقراطية المشوهة.

من هنا تأتي أهمية العمل على استنبات قيم وثقافة الديمقراطية في الفضاء الاجتماعي، وهذه العملية لا تتحقق بين عشية وضحاها، وإنما هي بحاجة إلى جهود متواصلة، وأعمال مستديمة، حتى تترسخ قيم وثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي.

2- التعامل مع حقائق التعددية الدينية والمذهبية والفكرية

لعلنا لا نأتي بجديد حين القول: إن مجتمعنا، كغيره، مجتمع متعدد ومتنوع، مذهبيا وفكريًّا، وأن هذه الحقيقة مستقرة في الاجتماع الثقافي لهذا المجتمع، وأن تجاهل هذه الحقيقة، أو استعدائها، عبر خطابات استئصالية – تكفيرية، يعرقل مشروع الإصلاح، ويشظي هذا المجتمع، وأن إحدى نقاط القصور الحقيقية في تجربة أعلام الإصلاح الديني خلال القرنين الماضيين في شبه الجزيرة العربية، هو إما تجاهل هذه الحقيقة، وعدم الوفاء بمتطلباتها ومقتضياتها، أو الانخراط في حرب عدائية تجاهها؛ مما أفضى - في المحصلة النهائية – إلى زيادة سماكة الحواجز والموانع بين مختلف مكونات وتعبيرات مجتمعات المنطقة.

بينما المطلوب هو صياغة خطاب إسلامي وحدوي، تفاهمي، ينمي المشتركات، ويحترم الخصوصيات، ويدير الاختلافات المذهبية والفكرية بوعي وعقلية حضاريين.

فالساحة الدينية والثقافية في المنطقة اليوم، بحاجة إلى مقاربة جديدة في التعامل مع حقيقة التعددية المذهبية والفكرية الموجودة في الفضاء الاجتماعي وجوهر هذه المقاربة، هو أن وحدة هذه المجتمعات، لا تبنى بدحر الخصوصيات، وخنق التنوعات، وإنما عبر خلق المناخ السياسي والقانوني لكل هذه الخصوصيات الموجودة في المجتمع، لكي تمارس دورها ووظيفتها في بناء الوحدة، وتعزيز لحمة المجتمعات الداخلية.

والقوة الحقيقية في المجتمعات، تقاس بمستوى العلاقات والروابط بين فئات ومكونات المجتمع الواحد.

فإذا كانت العلاقة سيئة، سلبية، قائمة على سوء الظن، والاتهام، والكراهية، والحقد، فإن هذا المجتمع حتى لو امتلك العديد من الامكانات والثروات، فإنه لن يتمكن من بناء قوته على أسس صُلبة وعميقة، أما إذا كانت العلاقة بين مكونات المجتمع الواحد، قائمة على الاحترام، والتفاهم، والمحبة، وحسن الظن، فإن هذا المجتمع سيتمكن من بناء قوته على أسس صلبة وعميقة، ولن تتمكن تحديات الواقع ومخاطرة من النيل من أمن واستقرار هذا المجتمع.

3- الإسلام وحقوق الإنسان

حيث أن الإصلاح الديني والثقافي في كل المجتمعات العربية والإسلامية، بحاجة ماسة إلى إبراز القيم الإسلامية التي تضمن وتحترم حقوق الإنسان، وذلك لأن الكثير من الانتهاكات الحقوقية، تغطى بعناوين دينية وثقافية، مما يؤدي إلى تراجع الحقائق الإصلاحية في المحيط الاجتماعي، فلا إصلاح ديني وثقافي حقيقي، في أي بيئة اجتماعية، إلا بإصلاح وضع حقوق الإنسان في هذه البيئة.

ونحن - في المجالين العربي والإسلامي - نمتلك مخزونا قِيميًّا رائعًا، ومتميزا على هذا الصعيد.

ومهمة الإصلاحيين في هذا الصدد هي:

1- رفع الغطاء الديني والأخلاقي عن كل الممارسات التي تنهك حقوق الإنسان وتمتهن كرامته.

2- الدفاع عن حقوق الإنسان، وتبني كل المبادرات التي تستهدف صيانة حقوق الإنسان، وتطوير الأوضاع الحقوقية في هذه البلدان والمجتمعات.

3- إظهار وإبراز القيم والمبادئ الإسلامية، التي تشرع حقوق الإنسان، وتحرم وتجرم كل الممارسات والتعديات التي تنتهك حقوق الإنسان، فنصوصنا الدينية تحثنا على الالتزام بحقوق الإنسان، وصيانة كرامته، وتلبية حاجاته، ولكن، في المقابل، هناك الحياة الواقعية المليئة - على مختلف المستويات - بأشكال التجاوز وانتهاك حقوق الإنسان، ولا يمكن ردم هذه الفجوة، وتوحيد الواقع مع المثال على هذا الصعيد إلا بتطوير خطابنا الديني، وإبراز مضمونه الإنساني والحضاري.

إن تجاوز هذه المفارقة، يتطلب العمل على بلورة خطاب حقوقي إسلامي، يرفض كل أشكال التجاوز والانتهاك لحقوق الإنسان الخاصة والعامة، ويبلور ثقافة اجتماعية عامة، تُعلي من شأن الإنسان، وتحث الناس - بكل فئاتهم وشرائحهم - على احترام آدمية الإنسان، وصيانة كرامته، والحفاظ على مقدساته.

فلا يمكن أن تتوفر - في فضائنا الاجتماعي والوطني - عناصر القوة والقدرة والإصلاح، بدون صيانة حقوق الإنسان، فهو جسر العبور إلى الإصلاح الديني، والثقافي بكل تجلياته وتمظهراته.

وجماع القول: إن مشروع الإصلاح الديني والثقافي في المنطقة والمجتمعات العربية والإسلامية، لازال مفتوحا، ويشكل حاجة ماسة لاستقرار هذه المجتمعات، وتطوير أوضاعها العامة.

إن هذا المشروع بحاجة - من خلال أعلامه وشخصياته ومؤسساته - إلى الانفتاح على قيم الحرية، والتعددية، وحقوق الإنسان، فهي العناوين التي تشكل مضامينها الجوهرية جسر العبور إلى التقدم والتنمية والعمران الحضاري.

203305