ترجمة رحلة بلجريف
ترجمة تحتاج إلى ترجمة (6)
عدنان السيد محمد العوامي * - 6 / 2 / 2011م - 2:03 م - العدد (53)

 

كوميديا أم ترجمة؟

لا تعجب من هذا العنوان، فستجد أنه ملائم، جدًّا، لما سيعرض، هنا، من موادٍّ هي، فعلاً، خلطة؛ لكثرة ما فيها من الخلط والملط، فمع الإعراض عن الأخطاء الفاحشة في الأسماء الواردة في مقدمة المترجم، وهي سوف تتكرر في ثنايا الكتاب، فأول ما تقابلنا من الأخطاء: كوردستان، جـ1/11، والنابولسي، وحظيل، جـ1/13، ولا حاجة بنا للتنبيه إلى أن الصواب على التوالي: كردستان، النابلسي، هُذَيل، فلنواصل:

- «وأخيرًا نفذ التمر، مثلما نفذ (ص: نفد، بالمهملة) كيس خبز عيسوب Esope) Aesope) أو بيهاس Beyhas نظيره العربي، الترجمة، جـ1/30»، هذه الفقرة تعريب لنص بلجريف:

«At last our dates, like Esop’s bread sack, or that of Beyhas, his Arab prototype, came to an end. Vol 1: 13».

تأمل هذا الخلط المدهش الناتج عن الخطأ في رسم الاسم Esope) Aesope)، ثم تعريبه بـ(عيسوب)؛ لتعلم كم هي أهمية الدقة في الترجمة! قد يهتدي القارئ الكريم إلى شخصية بيهاس Beyhas، فيعرف أن صوابه (بيهس)، وهو شخصية عربية شهرت بالحمق، والبلَه، وقصته معلومة في كتب الأدب[1] ، لكن مَن هو عيسوب؟ وما مناسبة ربطه ببيهس؟ وبالخبز؟

ما نجده في المراجع أن Esope) Aesope) ، هو عبد أغريقي محرر، يُعتقد بأنه شخصية وهمية تنسب لها قصص خرافية على ألسنة الحيوانات[2] ، فاسمه يجب أن يكتب (إيسوب)؛ كما ينطقه اللسان الأوروبي، إذ لا مكان فيه للحرف العربي ، كما لا صلة له ببيهس العربي، ولا بكيس الخبز، فما هي الحكاية؟

يقينًا إن بلجريف قصد (عيسو) بن إسحاق الذي باع بِكْرِيَّته لأخيه يعقوبَ مقابل خيز وطبيخ عدس (سفر التكوين 34:25)، من هنا تصح المقارنةَ بينه وبين بيهس في الحمق والبله، لكن حذلقة بلجريف المعهودة أدت به إلى أن رسم الاسم هكذا: (Esope)، خطأ، والصواب بالإنجليزية: (Esau)[3] ، ولزهد المترجم في البحث والتدقيق وقع ما رأيت.

- «وسوف نرافق الآن صديقنا ميركيوري Mercury إلى منزله، الذي ينتظرنا فيه استقبال حار. جـ1/95».

وأنت – أيضًا، قارئي العزيز- لا تجهد فكرك كثيرًا في هذا الـ (ميركيوري)، فهو ليس إنجليزيًّا بأية حال، إنما هو، ببساطة، رجل من الجوف أراد بلجريف أن ينعته بـ(الزئبقية)، أي المراوغة.

- «وفي هذا المكان المفضل من القهوة، الذي لا يعطيه مطلقًا لأي فرد من أفراد الجوف أيا كان نسبه أو ثروته، ظهر الحاكم، وهو رجل قوي، عريض المنكبين، أسود الجبهة، أسود العينين، مرتديًا، قميصًا أبيضًا طويلاً، الزي المعتاد في البلاد، ومن فوقه مشلح أسود أنيق، مطرز بالحرير القرمزي اللون، ويضع على رأسه المهيب شال من الحرير أو قفائية K.efee’yeh، الترجمة جـ1/101»، كرر هذه القفائية مرة أخرى، جـ1/189.

الأخطاء النحوية مألوفة، فليست هي غرَضنا في هذه الفقرة، وإنما هذه (القفائية) التي يلبسها حاكم الجوف، فالصحيح أنها الكوفية، أو الغترة، أو الشماغ.

- «كان يتحتم علينا أن نحمي أنفسنا تمامًا مثلما حمى عولس Ulysses نفسه من أسحار ورقى نساء جزر الهند الغربية السافرات calypso، الترجمة جـ1/107». هذه الفقرة تعريب لنص بلجريف:

«we had to defend ourselves not less strenuously than Ulysses against the charms of more than one half-unveiled Calypso. Vol 1: 83».

يقول السيد المترجم أنه رجع - في مقدمته – إلى الكثير من المراجع والمصادر، كما استعان بعدد من أساتذة قسم اللغات القديمة بكلية الآداب بجامعة الأزهر الشريف، ومع كل ذلك جاءت هذه النتيجة (عولس Ulysses) حمى (نفسه من أسحار ورقى نساء جزر الهند السافرات calypso)، فنعم الترجمة، ونعم الأساتذة، ونعم المراجع.

Ulysses – يا مترجمنا الفاضل- هو: Odysseus نفسه، البطل الإغريقي الشهير في المثلوجيا الإغريقية، وملك إثاكا، الذي استولى على طروادة بحصان خشبي، أما كاليبسو calypso فهي: حورية البحر، ابنة التيتان أطلس، أحد أولاد أورانوس، الذي أعلن الحرب على أخيه زيوس، وقاد الجبابرة ضده حتى أجبره على حمل الأرض على كتفيه.

هذه الحورية كانت تعيش، وحدها، في جزيرة «أوجايجيا» Ogygia، في البحر الأيوني Ionian sea، وأثناء عودة «Ulysses Odysseus» من حرب طروادة؛ تحطمت سفينته عند جزيرة أوجايجيا Ogygia، حيث تقيم كاليبسو calypso، فوقعت في غرامه، واعتقلته عندها سبع سنوات.

 ومع أنها وعدته بالخلود والشباب الأبدي، إذا قبل البقاء معها، إلا أنه لم يستطع مقاومة حنينه لوطنه، وبأمر من الإله زيوس Zeus اضطرت لإطلاقه، وتزويده بمواد صنع منها رمثًا Raft غادر به الجزيرة، وماتت، هي، بعد مغادرته[4] ، فأين هن نساء جزر الهند السافرات؟

- «وترتيبًا على ذلك كان كل أولئك الذين ردوا على استفساراتنا حول هذا الموضوع يقولون: «انتظروا أن تنضج الرطب، وهذه الرطب لا تنضج قبل سهيل Soheyl أو الوسم Canopus وهو ما يوافق الأسبوع الأول من شهر سبتمبر، أو بداية العام الجديد بالحساب العام، الترجمة جـ1/108».

كنا قد مررنا بهذا (الوسم) في حلقة سابقة[5] ، لكن لغرض آخر غير ما نحن بصدده الآن من أخطاء التعريب، فلنذهب إلى الأصل، فلن نجد لهذا (الوسم) أيَّ ذكر على الإطلاق، لنقرأ:

«So that to all our enquiries on this subject, «wait till the dates be ripe» was the only answer, and these same dates were not to ripen till the rise of Soheyl, or Canopus, here coincident with the first week of September, and the beginning of the new year in popular computation, vol 1: 84».

ترجمتي لهذا النص هي: (هكذا كان الجواب على كل استفساراتنا لهذا الخصوص هو: «انتظروا حتى ينضج الرطب، والرطب لا ينضج حتى ظهور سهيل، وهو يوافق، هنا، الأسبوع الأول من شهر سبتمبر، وبداية العام الجديد حسب الحساب الشائع».

- «فهو يشكل كل كلمة تشكيلاً صحيحًا، وينبرها نبرًا مضبوطًا لا يجيده سوى سيبويه، وقصيع Kosey جـ1/216».

الفضل في تصحيح هذا الخطأ يعود للأخ الدكتور أحمد بن فهد العريفي، وهو المسؤول عنه، فقد ضمنه رسالة تلقيتها منه بواسطة الأخ الأستاذ محمد عبد الرزاق القشعمي، بها بعض التصويبات، ومنها هذا (القصيع، وصوابه: (الكسائي)[6] ، وللأمانة فقد كنت ظننته (قُصَي)، لكن بصيرة الأخ الدكتور أنقدتني من الوقوع في هذا الخطأ.

- «برغم أنَّ كلاًّ من دمشق والأردن قد يكونا (كذا) متأثرين بالنزعة الشائعة بين كل الملل المضطهدة في الليفانت Levant – الأنصاريين، اليزيديين، الإسماعيليين وإخوانهم، والتي ترمي إلى جعل شكل حياتها الخارجي يتوافق مع الإسلام السائد في هذه المنطقة، لتدرأ عن نفسها التلصص والمراقبة الوخيمة، مثلما يضلل كلب البحر الأبيض ermine وسط الثلوج، الترجمة 1/265».

عجيب! أهو تعريب باللاتيني لكلمة لاتينية هي Levant؟ هل عقمت العربية أن تلد مفردة لهذه الكلمة؟ أبدًا فأقل الناس إحاطة بالإنجليزية يعلم أن Levant؟ تعني الشرق، أو بلاد المشرق، أما الأعجب فتعريب ermine بكلب البحر! ermine هو القاقم، وهو من ذوات الفراء من فصيلة ابن عرس، ويعرف في منطقتنا باسم (العُريس) مُصغَّرًا، أما كلب البحر فهو سمك يعرف بـ dogfish، أو grayfish، وربما أطلق اسم كلب البحر على القرش Shark، أيضًا.

 - «وقد تحددت رسوم الخزانة الوهابية بمعدل أربعين ثمان ذهبي على كل حاج إيراني نظير مروره عبر نجد، وأربعين ثمان أخرى لضمان سلامته. الترجمة جـ1/320».

وتتكرر هذه الثمان على عدة صفحات، والصحيح طبعًا (تومان)، وهي عملة إيرانية ما تزال مستعملة إلى اليوم.

- «إلا أنه بمقتضى خاصية الاسترداد هذه يحتفظ لنفسه بكل السلب والنهب، ويُكرِه أيَّ إنسانٍ آخر، سواء بدويًّا أم حضريًّا على تحمل العقوبة، إن هو فتح حسابًا خاصًّا من تركته Score، الترجمة جـ1/365». هذه الفقرة تعريب للنص التالي:

«yet with this redeeming feature, that he reserves all the robbing and spoiling to himself, and suffers no one else, nomad or citizen, to open a private account on his own score. Vol 1: 317»

التركة مصطلح فقهي وقانوني يعني ما يتركه الرجل أو المرأة من مال وعقار بعد الوفاة، فكيف يتحمل الحضري أو البدوي العقوبة بعد الوفاة؟ بجب أن نبحث عن عائد من هناك لنسأله. أما عبارة: His own score فمعناها: حسابه الخاص، وليس تركته، كما توهم السيد المترجم، فالتركة في الإنجليزية هي: Bequest، وليست في الجملة.

- «على حين يحيط بالسقف جدارٌ أعمى يصل ارتفاعه إلى ستة أقدام أو ما يزيد على ذلك. الترجمة جـ1/406».

 شفى الله العمي، وهدى الضالين جميعًا، حتى وإن كانوا جدرانًا. لكن هذا الدعاء لن يستجاب لترجمة عمياء كهذه، فالنص الأصلي يقول:

«while the roof itself is frequently surrounded by a blind wall of six feet or more. Vol 1: 354»

كلمة Blind لها معانٍ عديدة غير أعمى، منها: سكران، ومخمور، ومحجوب، ومستتر، إلخ... فلماذا اختار المترجم الفاضل هذا المعنى دون غيره؟ على كل حال، المعنى الصحيح لهذا الموضع هو (جدار مُصْمَت)، أي بدون نوافذ.

- «إغفال هذا التمييز هو الذي دفع بعض المدافعين عن الدين إلى تأبين محمد (-) والثناء عليه ذلك الثناء الذي كان محمد أول من سيرفضه لو قدر له أن يسمعه، الترجمة جـ1/424». وهذه الترجمة كذلك ستُرفض من كل من له ذائقة لغوية، فكلمة (Eulogies) الواردة في عبارة بلجريف (الأصل جـ1/369) - وإن كان أحد معانيها التأبين - إلا أن سياقها لا يناسب تعريبها بالتأبين، بل بالمدائح، وهذا هو النص:

«Neglect of this discrimination had led some apologists into Eulogies of Mahomet which Mahomet himself would have been the first to reject».

- «ولو قدر للقارئ الكريم أن يدخل دمشق من ناحية لبنان – المعادى، وينظر إلى غوطة دمشق من المرتفعات الموجودة فوق المازه Mazzeh، فلربما تكونت لديه فكرة تقريبية عن وادي الرياض عندما ينظر إليه الرائي من ناحية الشمال، الترجمة جـ1/449». النص الذي أراده المترجم بهذا التعريب هو:

«But should any of my readers have ever approached Damascus from the side of the Anti-Lebanon, and surveyed the Ghootah from the heights above Mazzeh, they may thence form an approximate idea of the valley of Ri’ad-when viewed from the north. Vol 1: 391»

يقول المثل الشعبي: (كل شيء يرغي صابون)، فكل موضع نرى فيه كلمة Anti، فهي عدو، وخصوصًا في حال كحال لبنان وسوريا، لكني أزعم أن المراد بعبارة: Anti-Lebanon، هي الجهة المقابلة للبنان، وليس المعادية له، وأن (المازة) صوابها: المزة.

- «يضاف إلى ذلك الحلف بغير اسم الله، والابتداع، أو حتى العيب في الذات الإلهية، الترجمة جـ1/469»، بالعودة للنص الأصلي نجده هكذا:

«Besides, swearing by any other name save that of the Almighty, any approach to an invocation, or even ejaculation directed to aught but Him.» Vol 1: 409

تعريب كلمة ejaculation بالعيب خطأ والصواب: الهتاف المفاجئ القوي، والمراد: حتى الدعاء برفع الصوت فجأة بدون تؤدة.

- «وتاريخ إخوانيات الزهد والتنسك هو والمذاهب والمعتقدات السرية في الشرق، بدءًا من الدردنيل إلى الهند Indus يوضح هاتين النقطتين. جـ1/493».

لا أظن أن طالب المرحلة الابتدائية يجهل أن الهند في الإنجليزية هي: India، وأن Indus هو نهر السند العظيم، وهو نهر ينبع من جبال الهملايا، ويصب في خليج عمان، مارًّا بالهند والباكستان[7] .

- «وهنا نرى تدرجًا لذلك الأمر المهم، وأن هذا التدرج يبدأ من المرحلة الأدنى على السلم البشري بمعنى أن هذا التدرج يبدأ من العبيد negro، الترجمة جـ1/518».

لن نثقل على القارئ بنقل النص الأصلي، فالعبارة واضحة، ومقصدها (السود)، أما العبيد فلها في الإنجليزية مفردات أخرى مثل: slave، bondsmen، chattels، thrall.

- «يزعم سكان الشمال والوسط باستثناء المناطق الخمسة التي سبقت الإشارة إليها وليس هناك أي مبرر لتكذيب هذا الزعم أو تفنيده بأنهم انحدروا عن قبائل الطائي ووعيل، ومازن، وحرب، وكنانة وسدوس وتغلب، وقبائل أخرى ذاع صيتها في سجل العرب؛ غير أن كل هذه القبائل، باستثناء قبيلة الطائي، ترجع أصولها إلى كل من قحطان، ربيعة، ومدور. الترجمة جـ1/525»، لو سمعتُ السيد المترجم يلقي هذه الفقرة خطابةً لصفقت له حتى أصم أذنيه؛ لنجاحه في معرفة سبع قبائل عربية هي مازن، وحرب، وكنانة وسدوس وتغلب وقحطان، وربيعة، ولنجاره في القبائل الباقية وهي: طيء، ووائل، ومضر.

- «وكانت تختلط بهذه القبائل، من حين لآخر، بعض الأسر القحطانية المهاجرة من اليمن، ومنها قضاعة على سبيل المثال وصليعة Saleeh وكلب ومضج Madhej، الترجمة جـ1/525 - 526».

ما رأي القارئ العزيز؟ هل تتسامح مع المترجم الفاضل في صليح ومدحج ما دام قد أفلح في معرفة قضاعة وكلب؟ أرجو ذلك، كما أرجو أن تقبل منه النذار Nezar عوضًا عن نزار، وإن كررها مرارًا وبصور مختلفة مثل (النيزار)، جـ1/521.

- «والواقع، أن معظم الملاحظات التي أوردها ماكولي Macauley عن هذا الموضوع، في كتابه المعنون «مقالات «نقدية وتاريخية»، سواء أكان موضوعه يتعلق ببرلمانات الأرداف Rump parliament والتزمت البيوريتاني أم عن رد الفعل الفظيع الذي ترتب على الانحلال الذي حدث، الترجمة جـ2/30».

هكذا! «أرداف» برلمانية، وأعجاز ممثلة للشعب!؟ قد تكون بعض البرلمانات ضعيفة فتوصف بالوضيعة أو الدنيا، أو السفلى، أو أي معنى آخر من معاني inferior، وهي إحدى مرادفات Rump، أما (الأرداف) هذه فمكانها المراقص لا البرلمانات.

- «ومع ذلك، فإن الاسم الذي يدل على هذا المرض «البلغ» Beleg، عبارة عن كلمة عربية تمامًا. جـ2/38»، الكلمة العربية هي «البلق»، ولعل بلجريف قصد به «البهق»، وهذا ما أرجحه، فربما ظنه مرضًا جنسيًّا فألصقه بالإيرانيين نكاية على عادته مع المسلمين كافة.

- «وقد أفاد أحدهما من هذه الهدية القيمة، بأن ذهب إلى البصرة، التي انتحل فيها اسم سعيد Sey’yid، واشترى لنفسه عمامة كبيرة. جـ2/125».

هل بهذه الصورة يكتب اسم سعيد؟ إن تكرار الحرف (y) للزوم التضعيف، والحرف (I) بعده للحركة، فالاسم، إذن، سيِّد، يا سيِّد، لا سعيد.

- «وهذه أساور مصنوعة من الزجاج معروضة في الكبائن، وتلك خلاخيل للأذرع، وهذه خلاخيل للأرجل. جـ2/198».

هذا الذي أرادته العرب فأخطأته، فقد أمضى نساؤها حياتهن، وهن لا يعرفن الخلاخيل إلا للأرجل، أما الأذرع فلم يعرفن لهن حلية إلا المعاضد، أو الدمالج، والأسورة، والقلوب، أو الأقلاب، والمفرد قُلب - ما خلا نساء الأحساء، فقد أسدى لهن المترجم الكريم هذه المنة، فجاءت في وقتها، ولاسيما أن الأحساء داخلة في سباق عجائب الدنيا، فجزى الله المترجم خير الجزاء. نسيت أن أقول إن الجملة أعلاه ترجمة لعبارة:

«exposed in temporary booths glass bracelets, arm rings, ankle-rings. Vol 2: 171».

وما قصده المترجم بخلاخيل الأذرع هي عبارة: «arm rings».

- «ولكن من الواضح أن إجمالي القنوات السبع هو من صنع السحر Art. جـ2/202»، ما ذا تقول معاجم اللغة، هل توافق على تفسير كلمة Art بأنها تعني السحر؟ أتمنى أن يضيف إليها أصحابها هذا المعنى في الطبعات القادمة.

- «في حين كنا نسمع من أمامنا، على بعد مسافة قصيرة، صوت نافورة ينبعث منها ماء غزير، كنا نسمع خريره أثناء سكون الليل يروي بستانًا يجدر به أن يكون في دمشق أو أنتيوش Antioch. جـ2/210»، وهذه دلالة أخرى على شغف السيد المترجم بالبحث والتنقيب، وإلا لما اهتدى إلى هذا التعريب البديع لأنطاكيا.

- «ولكن البحر، برغم أني كنت أنظر ناحيته وأتطلع إليه بشغف يشبه شغف العشرة آلاف عندما اقتربوا من مدينة أيوكسين Euxine، كان محجوبًا عني بفعل استمرار سلسلة المرتفعات. جـ2/214».

ما الغريب أن يتحول Euxine من كونه اسم البحر الأسود إلى مدينة؟ مادامت تقوم على سواحله قرى ومدن؟

- «كان الجمرك عبارة عن كوخ مصنوع من جريد وسعف النخيل، وكان طويلاً وضيقًا ويطلقون عليه اسم «المعاشر» أو إن شئت فقل العشارية، نظرًا لأن النظام العشري المئوي تقوم الحكومة بتطبيقه هنا على الرسوم. جـ2/218».

واضح أن هذا الجمرك كان حسن المعاشرة، رفيقًا برواده؛ إذ لا يتقاضى منهم إلا العشر فقط، ولذلك سموه «المعشَّر».

- «وكانت النرجيلات جاهزة ومستعدة وموضوعة في «نيش» جانبي لمن يريد أن يستعملها. جـ2/226».

لا إخالك مصدقي إن قلت إن (نيش) هذه تعريب لكلمة (closet)، إليك النص الإنجليزي:

«Nargheelahs stood ready in a side-closet for whoever might require them. Vol 2:196».

Closet في هذا الموضع عربيها خزانة، فما هي النيش؟

- «وإذا ما أراد القارئ وصفًا لهذه الرياضة وطريقة ممارستها، فأنا أحيله إلى الكتاب الشهير والدقيق الذي ألفه ليارد Layard بعنوان ننفه Nineveh. الترجمة جـ2/278».

أما أنا فأحيله إلى ذائقته وحسه اللغوي قبل أي مرجع يخبره – إن لم يكن يدري - بأن Nineveh هذه التي أكثر المترجم من (بهدلتها) هي نينوى، عاصمة أشور القديمة، (705 – 612 ق، م) تقوم أطلالها على الضفة الشرقية من نهر دجلة قبالة مدينة الموصل[8] .

- «ونحن نجد محاولة مماثلة في غزو حدث في جنوب الجزيرة العربية وقام به الأحباش المحدثون في القرن السادس، بقيادة أبرهة، وأعقبه نجاح كامل؛ بل إن الرئيس القحطاني، سيف يزن، لم يستطع التخلص من نير الحكم الأجنبي، الترجمة جـ2/281».

الصواب هو: سيف بن ذي يزن، ورسم الاسم في الأصل: Seyf – yezen، الأصل جـ2/241.

- «وهو يزعم أنه ينحدر عن سلالة نسبية نقية تنتمي إلى بني تميم وطابيخة «T.abikhah جـ2/290».

الصواب: طابخة، أبو قبيلة، وهو طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان.

- «وسكان عمان الحقيقيين (ص: الحقيقيون) يتباهون بصلتهم النسبية من ناحية الأم، برغم أنهم ليسوا من أصل ملكي، ويبدو أن قبائل جيلاندى، وثوعال، عذرا، ويشجار هي قبائل أخرى من الأسرة القحطانية قد التجأت إلى هذه المنطقة في زمن بعيد جدًّا، ومن الجيلاندى تفرع بنو ريام Banoo – Ryam الذين يسكنون المرتفعات الموجودة فوق نزوة Nezwah. جـ2/ 300».

مبروك النجاح؛ خمس قبائل عربية، صحت منها واحدة هي (بنو ريام)، والباقيات الصالحات، وهي الجلندى، وثُعل، وعُذرة، ويشجر فهمناها من الذائقة والحس العربيين، لكن هل انتهت القضية؟

- «إن عشيرة الفزارة كثيرة العدد، والتي طردت من نجد بسبب الحروب والاشتباكات والصدامات المستمرة التي كانت تدور بين كلاب وتميم، اتخذت لنفسها من هذه المنطقة مقامًا أساسيًّا، وقد انحدر عنهم عدد كبير من هؤلاء السكان الذين يعيشون على ساحل البحر. يضاف إلى ذلك أن كلا من كنانة وحيدال Hedal، سارا على الدرب. جـ2/300».

لنتجاوز عن «الفزارة» المعرفة خطأ، إلى «حيدال»، فنحمِّل مسؤوليتها بلجريف نفسه، فقد رسمها في الأصل هكذا: Hedàl جـ2/257، خلافًا لرسمه لها في مقدمته Hodheyl جـ1/10، فلا شك أن المقصود واحدة هي هُذيل، وحتى إن كان قصده قبيلة (بني حديلة) من بني النجار الخزرجية، يكون خطأه أعظم.

- «ومعروف أيضًا أن نظرية الإثنينية كانت قد أفسدت ببساطة النظرية القديمة. جـ2/301».

لن أدخل في اشتباك مع أحد في صحة رسم هذا الاسم، ولاسيما أن ثمة من يرسمه هكذا[9] ، خلافًا لأهل الفصاحة، فهو عندهم (الثنوية)، وهو مذهب يعرف، أيضًا، بالمانوية، نسبة إلى مؤسسه «ماني» (215 – 276 ق، م)، قال بمبدأ الخير: النور، ومبدأ الشر: الظلام، وإليه يرجع (الأزيدية)، المعروفون اليوم، خطأ، بـ(اليزيدية).

- «كان يجلس في أحد الأيام على سطح منزله، وكان إلى جواره أحد معارفه، الذي تعرف عليه في هذا البلد، وكان عمانيَّا أيضًا، ولكنه من مواطني باهلة، وإنه كان يقيم منذ زمن في منطقة صواحيل. جـ1/315».

أمر هذه (السواحلية) عجب، فقد بلغت شهرتها حدًّا أدخلها في اللغة الإنجليزية، فعرفت بصوتها العربي ذي الرسم الإنجليزي: Swahili، هذه اللغة من لغات البانتو Bantu، ينطق بها سكان سواحل أفريقيا الشرقية وجزرها[10] ، ومع ذلك لم يعلم بها المترجم الفاضل، والأعجب ألا يميز بين باهلة القبيلة، وبين بهلاء، المدينة العمانية المعروفة.

- «إلى أن وصلت الأمور إلى مرحلة أصبح من الصعب معها، على الزامل أن ينتزع نفسه من براثن كليوباترات Cleopatras (جميلات المخنث، وأن يعيد إلى البريمة أتباعه الذين استمالهم الإغراء. جـ2/330».

نعم! إلى هذا الحد وصلت الأمور، انظر إلى ماذا آلت نهاية هذه القرية العمانية الأصيلة (مقنيات)؟! أليس حظ البريمي بتصغيره إلى بريمة أهون بكثير؟ فالبرمة قصاراها - إذا صغرت – أن تصغر إلى بريمة، وهذه تكفي لإشباع جائع واحد - على الأقل - ولو إلى العلم والمعرفة.

- «والساحل في باطنة عبارة عن خط متصل من البساتين والمنازل، ابتداء من قرناه K.ornah، التي تبدأ منها منطقة باطنة إلى منطقة برقا Bark.a التي تنتهي عندها؛ وعلى مرمى البصر لا ترى سوى زراعات ومنازل، لها خلفية منخفضة من الخضرة والنباتات، وصوحار، هي عاصمة باطنة؛ وبرقا هي ثاني المدن من حيث الأهمية؛ واللواعا Lw’wa والسويق، والفاجرة Fajirah وصوحام، ومضاع، عبارة عن مراكز سكانية مهمة. جـ2/383».

إذا جاز أن نعتذر للسيد المترجم بأن بلجريف خدعه في قرناه K.ornah، وصوابها القرنة، موضع بالحجر الشرقي قرب أبراء بسلطنة عمان، وجزمنا بأن برقا Bark.a هي بركاء، واللواعا Lw’wa هي لوى، والسويق صحيحة، وصوحام صوابها صحم، ومضاع، ضادها منقلبة عن صاد مهملة تصحيفًا، فهي المصنعة، لكن بما ذا نعتذر عن هذه الزلة في تسمية إمارة الفجيرة بـ (الفاجرة)؟

- «وعند حلول الليل ضعف هبوب النسيم، واقتربنا كثيرًا من الساحل، ومع سطوع الزهرة، التي رحب بها البحارة تحت مسمى الفرخد، بدأت ريح البر في الهبوب. جـ2/383».

النص الأصلي للكلمة المعربة بالفرخد هو: Farkad، الأصل، جـ2/328، وهي لا تقبل إلا (الفرقد) من لغة العرب.

- «في حين راح ربان المركب هو وزيد يشيران إلى قرية إثر قرية، ومدينة إثر مدينة. هذه هي الفاجرة Fajirah، مسرحًا دمويًّا من مسارح خالد بن صقر، وهذه شيناز Shinaz. جـ2/383».

إذن ما افترضناه آنفًا من أن الفاجرة صوابها (الفجيرة) وضح الآن من اتجاه المسار، فهي التي تأتي بعدها (شناص) للمتجه غربًا جنوبًا بمحاذاة الساحل العماني، ويبقى لأهل هذه المدينة المظلومة من هذه الترجمة، وحدهم، حق رفع الدعوى - دعوى القذف - على المؤلف والمترجم، معًا، أو التسامح حملاً على محمل الخير كما ينبغي.

- «وتختلط بهولاء السكان المتجانسين أعداد كبيرة من الغرباء والمستوطنين، بعضهم يقيم منذ أجيال كثيرة في جزيرة المنامة التي جاءوا إليها من بلادهم، بفعل الأرباح التجارية أو لصيد اللؤلؤ، ولكنهم ما يزالون يحتفظون بسماتهم المميزة لهم، وثيابهم التي يرتدونها في أوطانهم. ومن هنا نستطيع أن نشاهد، هنا في معظم الأحيان، الثياب القصيرة زاهية الألوان التي يرتديها الناس في جنوبي إيران، كما نشاهد أيضًا الصديرية العمانية المرقشة باللون الأصفر البرتقالي، كما نشاهد أيضًا الثوب الأبيض النجدي والرداء البغدادي المقلم، كل ذلك نشاهده مختلطًا بالثياب البحرينية، وعمامتها المكونة من اللونين الأزرق والأحمر، والفوطة ذات الحواف الحريرية التي تلف حول الوسط ويطلقون عليها النبيان، علاوة أيضًا على الرداء السروالي الذي يشبه رداء الرهبان، ونجد هنا أيضًا، مجموعة من الهنود الذين يعملون بالتجارة، والذين جاءوا أصلا من جوزيرات وكوتشن والمناطق المجاورة لها. جـ2/246».

إذا ذهبنا للنص الإنجليزي الأصلي فسوف نقرأ:

«Mixed with the indigenous population are numerous strangers and settlers, some of whom have been established here for many generations back, attracted from other lands either by the profits of commerce or of pearl fishery, and still retaining more or less of the physiognomy and garb of their native countries. Thus the gay-coloured close-cut dress of the southern Persian, the saffron-stained vest of Omàn, the white robe of Nejed and the striped gown of Bagdad, are often to be seen mingling with the light garments of Bahreyn, its blue and red turban, its white silk – fringed cloth worn Banain fashion round the waist and its frock-like overall; while a small but unmistakable colony of Indians, merchants by profession and mainly from Guzerat, Cutch and their vicinity. Vol 2: 211 - 212».

 كالعادة سأثقل على القارئ بتعريب هذه الفقرة كي يري القارئ إلى أي حد تضلل الترجمات السقيمة. إن التعريب القريب لهذا النص - حسب فهمي القاصر - ينبغي أن يكون هكذا: (وتختلط بالأهالي أعداد من الغرباء والمستوطنين، بعضهم استقر، هنا، منذ أجيال بعيدة، منجذبًا من أماكن أخرى إما بدافع الأرباح التجارية أو صيد اللؤلؤ، وهم ما يزالون يحتفظون بالسمات والزي الوطني لبلدانهم. لهذا فإن الثياب القصيرة الزاهية للفارسي الجنوبي، والصدرية العمانية الزعفرانبة، والثوب النجدي الأبيض، والرداء البغدادي المقلم، غالبًا ما تشاهد هنا مختلطة بالثياب البحرانية الرقيقة، والعمامة الزرقاء، والحمراء، والإزار الأبيض ذي الحاشية الحرير الملفوف حول الخصر، ملبوس بالطريقة البانيانية، والقباء الشبيه بعباءة الراهب، بينما تُرى جاليةٌ من التجار الهنود، صغيرة العدد لكنها مميزة بالحُرَفية، آتية، غالبًا، من گوجارات وكوتش وجاراتهما).

لعل الفارق بين التعريبين واضح الآن للقارئ الكريم، فأول ما يقابلنا من فوارق بين الأصل والترجمة عبارة: (indigenous population)، وتعني «الأهالي»، أو «السكان الأصليين»، هؤلاء حوَّلتهم الترجمة إلى (سكان متجانسين)، والفرق كبير بيع المعنيين، ولنصرف النظر عن عبارته: (في جزيرة المنامنة)، غير الموجودة أصلاً، في النص في الإنجليزي، والأكثر أنه لا توجد على الكرة الأرضية جزيرة اسمها (جزيرة المنامة)، أضف إلى ذلك تعريبه عبارة: (the saffron-stained vest) بـ(الصديرية المرقشة باللون الأصفر البرتقالي).

القارئ الكريم يعلم أن (saffron) تعني «الزعفران»، وليس البرتقال، ولئن قبلنا تعريبه لكلمة (cloth)، بـ(الفوطة)، وهي مصرية، بديلاً عن (الإزار) الفصيحة، فليس بمقدورنا أن نقبل صيغته: (والفوطة ذات الحواف الحريرية التي تلف حول الوسط ويطلقون عليها النبيان)، تعريبًا لنص بلجريف:

(Its white silk–fringed cloth worn Banain fashion round the waist).

فليس في هذا النص أي ذكر لفوطة اسمها (النبيان)، أصلاً، وإنما الموجود: (Banain)، والبانيان صنف من التجار الهنود، ولن يضللنا الخطأ الإملائي في الكلمة بتقدم النون، فصحة تعريبه «البنيان»، وقد أشرنا إلى هذا التعريب الخاطئ في موضع سابق[11] .

 ثم تتهادى قبالتنا: گوجرات Guzerat,) - وهي ولاية في الغرب الجنوبي من الهند – يراقصها تعربها إلى (جوزيرات)، وتعانقها أختها: (كوتش Cutch) معربة إلى (كوتشن)، فرغم تقارب اسم الضرتين إلا أنهما موضعان مختلفان، فـ (كوتش Cutch) تقع في جنوب غرب الهند، إلى الشمال الغربي من بومبي، جنوبًا من حيدر أباد، بينما تقع ميناء (كوتشن Cochin) في أقصى الجنوب من شبه جزيرة الهند[12] ، وتحديدًا في قرن شبه الجزيرة، قرب «كرالا» في إقليم المليبار، فأين هذه من تلك؟

ولن يكون آخر الأخطاء، في تلك الفقرة، تعريبه كلمة overall بـ(الرداء السروالي)، فهذا التعريب سقيم، وإن ورد هكذا في قاموس المورد؛ لأن (الأ?رول): ثوب واسع يلبسه العمال الصناعيون فوق ملابسهم وقايةً لها من الوسخ، وهو لم يدخل إلى منطقة الخليج إلا مع دخول صناعة البترول، أواخر عقد الثلاثينات من القرن العشرين، أما ما كان سائدًا قديمًا مما يبلس فوق الثياب فهو القباء، ووضعه تعريبًا لـ(Overall) أصح وأسلم، وأقرب ملاءمة للذوق من (الرداء السروالي).

ما ينبغي أن نختم به هذه الفقرة التنبيه إلى أن أغلب الأخطاء الواردة فيها كثير من التكرار، لكنني اكتفيت بذكر موضع واحد اعتمادًا على أنني سأضع جدولاً بأرقام الصفحات التي وردت فيها الأخطاء لاحقًا.

عينات من الأخطاء اللغوية والمعنوية

عينات الأخطاء التي مرت بنا في الحلقة الماضية ما زال لدينا منها المزيد، ولنبدأ حلقتنا هذه بعرض نماذج من الأخطاء المعنوية، وأقصد بها تلك الأخطاء التي لا تصح من حيث المعنى الذي تعارف عليه الناس، مثل:

1- «هيا بنا نحاول بشكل نهائي أن نتعرف الجزيرة العربية تعرفًا كاملاً وشاملاً بعد أن تعرفنا سواحلها إلى حد كبير، فقد استكشف بالفعل كثير من مناطقها البحرية استكشافًا كافيًا إن لم يكن كاملاً، ولم يعد اليمن أو الحجاز، أو مكة أو المدينة ألغازًا بالنسبة لنا. جـ 1/17». توحي هذه العبارة بأن المؤلف يعني الجزر والأخوار المحيطة بالجزيرة العربية، وطرقها المائية وما إليها، كما توحي بأن مكة والمدينة ليستا من الحجاز، لكن الحقيقة أن هذه الفقرة، وهي أول سطر خُطَّ في هذا الكتاب، بعد المقدمة مباشرة، ما هي إلاَّ تعريب للعبارة التالية:

«Once for all let us attempt to acquire a fairly correct and comprehensive knowledge of the Arabian Peninsula. With its coasts we are already in great measure acquainted; several of its maritime provinces have been, if not thoroughly, at least sufficiently, explored; Yemen and Hejaz, Mecca and Medinah, are no longer mysteries to us. Vol 1: 1»

فكما ترى من النص الأصلي أن مراد المؤلف هو: «هيا بنا نحاول، بشكل نهائي، أن نتعرف الجزيرة العربية معرفة صحيحة شاملة، أما بالنسبة لشواطئها فقد حصلنا على معرفة واسعة بها، فعدد من مناطقها الساحلية، كان استكشافها مرضيًا إن لم يكن كاملاً، فاليمن والحجاز، ومكة والمدينة لم تعد خافية علينا»، فانظر، بالله، أين ذهب بنا السيد المترجم؟ وإن كان بلجريف يتحمل معه جريرة بعض من الخطأ في ما يتصل بفصله مكة والمدينة عن الحجاز.

2– فقرة أخرى مماثلة: «وهذه الحلقة الصحراوية هي التي تعزل وسط الجزيرة عن المناطق البحرية مثل الحجاز واليمن وعمان. جـ1/37». هذه المناطق ساحلية، ولا يقال بحرية؛ إذ إن المناطق البحرية هي التي داخل البحر مثل الجزر.

3- «بدأت الجمال تعدو هنا وهناك، وتروح هنا وهناك إلى أن تسبب نخعها (لأن ركوض الجمل يشبه ركوض البقرة. جـ1/33». لا معنى لـ(نخوعها)، والركوض صوابها: الركض.

4- «وأجابني الرجل بصوت يشبه الأنين، في حين قطب الصبية جبائنهم. جـ1/44»، الجبين لا يجمع على (جبائن)، بل على أَجْبُن، وأَجْبِنة، وجُبُن.

5- «والبدو يستمدون وسيلة عيشهم الرئيسية من قطعان الرعاة وهم يتاجرون في الإبل والأغنام، جـ1/56»، كيف يتاجر البدو في الرعاة؟ أليس البدو أنفسهم هم الرعاة؟ الفقرة تعريب لعبارة المؤلف:

«It is from their herds that the Bedouins derive their principal means of subsistence. Vol 1: 36»

التعريب الصحيح هو: من قطعانهم يستمد البدو وسيلة عيشهم الرئيسية.

6- «أ - من هنا، وعندما تنشأ الشكوك المتعلقة بالتسلسل النسَبي مثلما تنشأ في معظم الأحيان بين السكان المستقرين... أو «سكان القرميد» إن قدر لنا أن نسمي سكان المدن والقرويين بالاسم العربي الذي يطلق عليهم، فإن المرجع في ذلك يتمثل في الرجوع للبدو الذين يجاورون أولئك الحضر للبت في أمر لا يمكن البت فيه. جـ1/55 – 56.

ب – ويخلص القارئ، من كل ما تقدم، إلى نتيجتين عامتين، يندر أن نخطئ في تطبيقهما، وأولى هاتان النتيجتان مفادها أن رفاه وأهمية كل من ساكني الخيام (البدو) وساكني القرميد (الحضر) إنما يتناسبان تناسبًا عكسيًّا. جـ1/57».

نتخطى اللحن، هنا، وصوابه: (النتيجتين)، لنسأل من هم سكان القرميد؟ وما هو الاسم العربي القديم الذي يُعرفون به؟ أقطع جازمًا بأن السيد المترجم لو تناول أقرب كتاب بين يديه، حتى لو كان كتابًا معاصرًا، لما فاته أن يعرف أن المصطلح القديم الذي عناه المؤلف هو (أهل المدر، أو سكان المدر)، وهم أهل المدن والقرى، ويقابلهم (أهل الوبر، أو سكان الوبر)، وهم البدو، والمقصود بالمدر الطين الذي تُبنى منه البيوت، والوبر هو الشعر الذي تُتَّخذ منه بيوت الشَّعَر في البادية، والظاهر أن السيد لو قرأ ديوان حافظ إبراهيم (رحمه الله) لقرأ رائيته الشهيرة في رثاء الأدبية المصرية ملك حفني ناصف (1303 - 1336هـ/1886 – 1918م)، المعروفة باسم (باحثة البادية)، ومطلعها[13] :

مَلَكَ النُهى لا تَبعُدي

فَالخَلقُ في الدُنيا سِيَر

وفيها يقول:

سادَت عَلى أَهلِ القُصو

رِ وَسَوَّدَت أَهلَ الوَبَر

عَربِيَّةٌ في عِلمِها

مَرموقَةٌ بَينَ الأُسَر

شَرقِيَّةٌ في طَبعِها

مَخدورَةٌ بَينَ الحُجَر

وأما «أهل المدر»، الذين وصفهم المترجم بهذا الوصف الطريف: «سكان القرميد»؛ فأقرب عذر وأصحه عنه هو جهله بالأدب العربي، لكن ما هو عذر باقي الدكاترة الذين راجعوا الكتاب، وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور حلمي عبد المنعم؟ أيعقل أن يجوز عليه مثل هذا فلا يعرف من هم أهل الوبر والمدر، ولو لم يحتو التراث الإسلامي إلا قصة وفود عامر بن الطفيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لكفى بها لافتة، فهذه القصة ندر أن يخلو منها كتاب من كتب التراث، وخلاصتها أن عامر بن الطفيل، ومعه أربد بن ربيعة، أخو لبيد لأمه، وفدا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فسأله عامر الخلافة بعده، وطلب منه المرباع، وأن يكون له «الوبر»، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم «المدر»، فقال له رجل: لو سألت سبابة من سبابة المدينة ما أعطاك يعني بَلَحَة، ورأى عامر الصلاة فقال: والله لا نظرت إلى عامرية منحنية، ثم قال: لأملأنها خيلاً شقراً، ورجالاً حمراً، فدعا عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأصابته غُدَّة، فانحاز إلى بيت سلولِيَّة، فجعل يقول: >غدة كغدة البعير، وموت في بيت سلولية؟!<، فصار مثلاً يضرب في اجتماع نوعين من المكروه، ثم مات[14] .

7- «ثم ينضم إلينا أربع أو خمس آخرون، بعد شيء من الخجل ويتناول كل واحد تمرة أو اثنين. جـ1/76».

تُذكِّر هذه الترجمة بقصة ترويها كتب الأدب عن المتلمس أنه أنشد قصيدة قال فيها:

وقد أتناسى الهَمّ عند احتضاره

بناجٍ عليه الصيعريّة مُكْدِم

والصيعرية: سِمة للنوق، فجعلها صفةً للفَحْل، وسمعه ابن أخته طرفة بن العبد البكري، فقال: «استنوق الجمل»، فضحك الناس، وذهبت مثلاً.

ومع أن المعروف شهرةُ مصر بكثرة النخل، فالمترجم يسبغ على التمرة صفة المذكر، والرجال صفة المؤنث، على نحو ما رأيت. الصواب: أربعة أو خمسة آخرون، ويتناول كل واحد تمرة أو اثنتين».

8– «كان وفد الشرارات مسلحًا تسليحًا كافيًا، وكان أفراد الوفد يرتدون أفضل ملابسهم، التي كانت مثل ملابس الفزَّاعة أو ملابس رجل أيرلندي مهلهل؛ كما كانت نسبة الرقع في مشالحهم كبيرة جدَّا، بل أخس من ذلك، إذ كانت ممزقة وتفتح أفواهًا كبيرة بحاجة إلى الترقيع، ولكنها لم يتم ترقيعها بعد؛ كما كان كل واحد منهم يحمل غليونًا مكسرًا يستعمله في التدخين، فضلاً عن أن أحدًا منهم لا يلبس سروالاً داخليًّا مطلقًا - ومن قبيل التذكرة يجب أن يعلم القارئ أن العرب الحقيقيين لا يرتدون السراويل الداخلية مطلقًا – ووجوههم هزيلة يشع منها الجوع، وبشرتهم سوداء بفعل الأقذار والأوساخ الناتجة عن رداءة الطقس، كان ذلك هو مشهد رؤساء العوازم الأكابر. جـ1/111»، تأمل إلى أين أُخِذنا؟ المقدمة عن (بدو الشرارات)، لكن النتيجة هي رؤساء العوازم)، وما أكثر هذه النتائج المخالفة للمقدمات في هذا الكتاب.

9- «مر علينا في حائل حوالي عشرون يومًا، بدأنا بعدها نفكر تفكيرًا جدِّيًّا في الطريقة التي يمكن أن نخبر بها الأمير طلال، عن الهدف الحقيقي من رحلتنا، وعند هذه المرحلة كنا قد تأكدنا تمامًا من مركزه وآرائه ونظامه، ومشروعاته، كما عرفنا أيضًا صلته الحقيقية بكل من الوهابيين والأتراك، وإلى أي مدى يعد حليفًا لهم، وإلى أي مدى يمكن اعتباره عدوًّا لهم، كما أصبحنا على علم تمامًا بالإحساس العام وميول حكومته وشعبة، (ص: وشعبه) بينما بدا وصول المبعوثين يوميًّا من كل من القصيم وعنيزة يوضح لنا الطبيعة الحقيقية للسياسة والدين في جبل شومر (ص: شمَّر). جـ1/236». لا تشغل بالك بأغلاط النحو والإملاء وعلامات الترقيم في هذه الفقرة؛ فنقلها كما هي فرضته الأمانة الأدبية، فقط تأمل في عبارة "القصيم وعنيزة"، فهي كما مر آنفًا عن الحجاز ومكة والمدينة، وهناك كلام عن اليمن وحضرموت تجاوزناه.

10– «ويكون شأنهم في ذلك شأن من راح يترجم أشعار الكسندر بوب أو هوراس إلى اللغة الألمانية، ثم يروح بعد ذلك يبحث عن مواطن الجمال عند الأول أو التقطيع العروضي الخماسى العنبقى والقافية الثنائية عند الآخر. جـ1/359».

ليعذرني القارئ الكريم على (تزهيقه) بهذه الفقرة، قبل أن يقرأ النص الأصلي:

«As he who should translate Pope or Horace into German, and then look for the alcaics of the one or the pentametral scansion and coupled rhymes of other. Vol 1: 312.»

ثم يرشدني، هو أو السيد المترجم، على أي تقارب، ناهيك عن التطابق بين النص وترجمته.

11– «في حين أنهم ينتشرون مثل أسراب الجراد في كل من الحريق، ووادي الدواسر، والمناطق المجاورة لهما، وقد جاء ذلك نتيجة لمجموعة من الأسباب: أولها قرب سوق العبيد سواء كان ذلك على الساحل الشرقي أم الساحل الغربي كما هو الحال في جدة وفي الحجاز والعديد من الموانئ البحرية. جـ1/519». ما رأيك، أنت سيدي القارئ، أهي جدة أم الحجاز؟

13- «وأبحر هذا الرحالة وهو يرتدي تلك الثياب، وهذا هو ما قالوه لي من جزر البحرين إلى ساحل الأحساء المجاور لها، ومن الأحساء وصل إلى الهفوف التي كان محمد السديري يحكمها. جـ1/306». كذا، من الأحساء وصل إلى الهفوف.

مثل هذه العبارات كثير في الكتاب؛ الأمر الذي يظهر بوضوح عدم علم المؤلف ومترجمه بأن الهفوف هي قصبة الأحساء.

لنقرأ: «وأخيرًا يجيء الطريق المتجه شرقًا والذي يؤدي إلى الأحساء والهفوف. جـ2/150».

14- «وهناك خندق عميق يحيط بالقلعة من ناحية البر، ولا تزال بوابات القلعة تحتفظ منذ أيام البرتغاليين بأبوابها المجلدة بالحديد. جـ2/375». أرأيت؟ مجلدة، هكذا، فليس الجلد وحده صالحًا للتجليد، فالحديد، أيضًا، يصلح لهذا الغرض، أليست فكرة طيبة يمكن أن يستفيد منها الحدادون في تجليد الكتب؟

15- «ومطرح أكبر من مسقط من منطلق أنها سوق للمصنوعات الداخلية؛ فمن يريد (ص: يُرد) الحصول على مشلح عماني الصنع، أو خنجر عماني الصنع، أو سجادة عمانية الصنع، لا يجد صعوبة في الحصول عليها من مدينة مطرح، وفي يوم الاثنين من كل أسبوع ينعقد اجتماع عام للقادمين من الريف ومن القرى الداخلية، ومعهم الفواكه والخضروات، والبطاطا، والباذنجان والشمام والفرع (القرع؟) والمشمش والخوخ والمانجو، أو إن شئت فقل فاكهة وخضروات الموسم. جـ2/424». لن أزايد على فهم القارئ الكريم، على كل حال، فهو يعلم أن كل هذا التدبيج والتمطيط يراد به معنى واحد لم يظهر في الفقرة أبدًا، ألا وهو (سوق أسبوعي) من تلك الأسواق الأسبوعية الشعبية التي تعرفها المدن العريقة في كثير دول العالم.

[1]  مجمع الأمثال، أبو الفضل النيسابوري الميداني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ، جـ1/152.

[2]  Microsoft Encarta 2007. 1993-2006, DVD.

[3]  Bible pro, Rejoice communications for lan vink Bible share, version 6,oo, CD.

[4]  Microsoft Encarta 2007. 1993-2006, DVD.

[5]  مجلة الواحة، بيروت، العدد 49، ربيع 2008م، ص: 25.

[6]  انظر الحلقة الثانية من هذا البحث، الواحة، العدد 49،

[7]  انظر المنجد في العلوم، لجنة من المتخصصين، دار المشرق، المطبعة الكاثوليكية بيروت، الطبعة، 11، 1976م، ص: 731.

[8]  Microsoft Encarta 2007. DVD.

[9]  المورد، (قاموس مزدوج)، منير البعلبكي، وروي بعلبكي، دار العلم للملايين، ط 1، يناير 1997.

[10]  موسوعة المورد، منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، ط 1، يناير 1983، جـ9/148.

[11]  (انظر الحلقة الأولى) العدد 48، شتاء عام 2008م.

[12]  انظر خريطة الهند على الشبك العنكبوتية في موقع: http://www.geoatlas.com/.

[13]  ديوان حافظ إبراهيم، منشورات دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية، 1423هـ 2002م، جـ1/413 – 414.

[14]  الأوائل، أبو هلال العسكري، الموسوعة الشعرية، الإصدار الثالث، لعام 2003م، إعداد المجمع الثقافي، الإمارات العربية، قرص مدمج. CD.
مدير التحرير
319335