رمزان في الذاكرة الأحسائية
الشيخان محمد آل عبد الجبار والمعتوق
محمد علي الحرز * - 6 / 2 / 2011م - 2:18 م - العدد (53)

العلاقة العلمية بين الأحساء والقطيف

اتسمت العلاقة العلمية بين القطيف والأحساء بانسجام كبير في العديد من أدوارها المختلفة التي مرت بها المنطقتين، ولم يكن الترابط العلمي وليدَ الصدفة؛ بل كان محصلة ظروف وعوامل مختلفة أسهمت في بناء هذا التآلف بينهما على مدى العصور الماضية، والتي تحتاج - في حقيقة الأمر - إلى بحث معمق يتناول جوانب تلك العلاقة، وآثارها في بناء، وتطوير الحركة العلمية في كلا البلدين، ولأنه خارج إطار موضوعنا، والتعمق فيها يخرجنا عن المسار الذي اتبعناه هنا؛ سنكتفي بذكر بعض الأطر العامة التي ساهمت في توثيق عرى العلاقة بينهما باختصار:

- قرب المسافة المكانية بين المنطقتين: الفاصل المكاني بين القطيف والأحساء لا يتجاوز المائة والسبعين كيلو متر على أقصى التقادير، وهي مسافة معقولة بين المدن، ولا تعد فرقاً شاسعاً حتى بالطرق البدائية للمسير في تلك العصور السالفة، فكانت بدورها عامل محفز للتقارب بينهما والتواصل بين أبنائهما.

- ارتباط التاريخ السياسي بينهما: معظم العصور التاريخية للمنطقتين كانت واحدة، ومرتبطة ببعضها، حتى عند ما تتعرضان للاعتداء أو الغزو، فمن يحتل الأول، من الغزاة، لا بد أن يثنِّي بالثانية، حتى إنه كانت يطلق على كلا المنطقتين «البحرين» و «هجر» في بعض الأحايين، ومن يبحث التاريخ السياسي للمنطقة لا يفلح في الفصل بينهما؛ إذ التاريخ واحد، والمعاناة واحدة.

- تشابه العادات والتقاليد بين البلدين: من يحتك بالعادات والتقاليد في كلتا المنطقتين يرى أن العادات والتقاليد متطابقة، ومتشابهة في معظمها، والفروق بينهما لا تتجاوز الشكليات الطفيفة التي لا تصل العمق، وهذا، أيضًا، ليس وليد اللحظة، وإنما محصلة تاريخ من العلاقة بين الآباء من تزاور، وتواصل، لا يمكن تجاهله.

- النشاط العلمي الحيوي في الأحساء والقطيف: الحركة العلمية التي تمخضت عنها كلتا المنطقتين كبيرة وواسعة، نتج عنها هجرات متبادلة فـ«آل حميدان» من جذور أحسائية، و«آل الصفار» في الأحساء الذين هم عقب الشيخ أحمد مال الله الصفار القطيفي، ويعرفون بـ(الحاجي محمد) من جذور قطيفية، هذا غير ذرية الشيخ محمد آل عبد الجبار، والتي تفرع عنها عدة أسر في الأحساء، أما غير الأسر العلمية فهي كثيرة، ومنتشرة في مختلف نواحي القطيف والأحساء.

- التداخل الفكري والاجتماعي بينهما: كان هناك تأثير وتأثر فكري بين كلا البلدين فقد انتشر في حقبة زمنية وطويلة نسبيًّا النهج (الأخباري) عن طريق بعض أعلام القطيف والبحرين المهاجرين إلى الأحساء، استطاعوا بث الفكر الأخباري في المجتمع الأحسائي، وكان له رواد وأتباع لحقبة من الزمن.

في المقابل ساهم عدد من أعلام القطيف ممن اتصل بالمدرسة الأحسائية وتتلمذ عليها في تبني فكر الشيخ أحمد الأحسائي في القطيف ونشره بين أعلامها.

هذا التداخل العلمي والفكري والاجتماعي كان أحد إفرازاته العلمية مجيء هذين العلمين الكبيرين (الشيخ محمد العبد الجبار والشيخ عبد الله بن معتوق القطيفي)، وما خلفاه في الأحساء من ذكريات لا تنسى.

الشيخ محمد آل عبد الجبار القطيفي ت 1252هـ

هو الشيخ محمد بن الشيخ عبد علي بن الشيخ محمد بن عبد الجبار القطيفي[1] ، اشتهر بغزارة علمه، وملكته الفقهية، وتشعب آفاقه ومعارفه، وصفَه صاحب أنوار البدرين بقوله: «من أساطين علماء الإمامية، وأكابر فقهاء الشيعة الحقة، أيدهم رب البرية في الإحاطة بالعلوم والمعارف الجامعية لأنواع المكارم واللطائف».

أساتذته

تلقى علومه على مجموعة من الأعلام منهم والده الشيخ عبد علي بن الشيخ محمد بن عبد الجبار، والشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (ت 1241هـ)، والشيخ محمد بن عبد الجبار الكبير، والشيخ مبارك بن علي بن عبد الله آل حميدان الجارودي ت 1224هـ)، وغيرهم.

تلامذته

تلقى الدروس عليه عدد من العلماء في القطيف وإيران والأحساء ضاع معظم أسمائهم منهم:

الشيخ يحيى بن عبد العزيز، والفقيه الشيخ أحمد بن صالح بن طوق القطيفي، والمرجع الديني الشيخ سليمان بن الشيخ أحمد آل عبد الجبار، والشيخ محمد علي بن مسعود الجشي، والسيد مكي بن السيد هاشم الموسوي، كما له مجموعة ممن تلمذ عليه في الأحساء سنشير إليهم فيما بعد.

وفاته

انتقل إلى جوار ربه في منطقة سوق الشيوخ سنة 1252هـ[2] ، في إحدى رحلاته للعتبات المقدسة هناك، فنقل جثمانه إلى النجف الأشرف ليدفن بجوار أمير المؤمنين عليه السلام.

مؤلفاته

الكتابة والتأليف عند الشيخ آل عبد الجبار مسؤولية، وعشق، فهو أكثر أعلام القطيف تصنيفاً حتى بلغت مؤلفاته (59) كتاباً بعضها يتألف من العديد من المجلدات، منها:

- الأربعون حديثاً.

- البارقة الحسينية في مجلدين.

- الجواهر العلية في إثبات الشريعة المحمدية.

- الخلسة الملكوتية، في تحقيق أحاديث الطينة.

- اللوامع السنية في الأصول الدينية.

- مشكاة الأنوار في رجعة محمد وآله الأطهار.

- هدي العقول في شرح أحاديث الأصول.

- المصباح المبين لرفع الافتراق بين علماء الأخبار والمجتهدين.

- رسالة في الإجماع السكوتي.

- حاشية على «مدارك الأحكام» للسيد محمد العاملي (ت 1009هـ).

دوره في الأحساء

هو رمز من رموز العلم وأحد أساطينه الكبار، يعد من أكابر فقهاء الشيعة ممن لهم إحاطة بالعلوم والمعارف[3] ، كانت له مرجعية كبرى في القطيف والأحساء والعراق، ومن يتأمل في حياة الشيخ آل عبد الجبار يلاحظ كثرة تنقلاته، وعدم استقراره بصورة دائمة في منطقة واحدة، فهو كثير الترحال والسفر بين بلده القطيف والأحساء وإيران والعراق، الأمر الذي ترتب عليه توزع مخطوطاته ومؤلفاته وانتشارها بين هذه المناطق حيث كانت له إقامة معتبرة في كلٍّ منها.

وحيث أن حديثنا عن إسهامه في الأحساء، ودوره البارز فيها سنكتفي بتسليط الضوء عليها بما يتناسب مع مسار البحث.

إن حياة الشيخ محمد آل عبد الجبار في الأحساء - وربما في القطيف، أيضًا - يكتنفها الكثير من الغموض والتشوش في الرؤية، وذلك يرجع لعاملين رئيسين:

1- كثرة تنقلات الشيخ محمد آل عبد الجبار تسبب في ضياع معظم تاريخه في غالب مناطق هجرته، وما يعرف عنه فيها لا يشكل إلا النزر اليسير عن حياته العلمية والاجتماعية الحافلة.

يقول الشيخ البلادي في أنواره عن تنقلات الشيخ آل عبد الجبار: «وكان (رحمه الله تعالى) كثير الأسفار لزيارة العتبات الشريفة... وكان يسكن في القطيف تارة، وفي الأحساء أخرى، وله في كل منهما بيت وأولاد وأملاك»[4] .

2- مرور المنطقة بمرحلة تحول سياسي كبير، واضطراب مستمر مما همش الحياة العلمية في ظل حياة سياسية مفعمة بالأحداث والتعقيد، إضافة إلى هجرة عدد كبير من العلماء، في عصره، إلى الخارج ساهم في خفوت وهج الحياة العلمية، وتسرب الكثير من معالمها.

ومع ذلك نستطيع أن نجزم بأن الشيخ محمد آل عبد الجبار كانت له إقامة في الأحساء مليئة بالنشاط والحيوية استمرت عدة سنوات سواء متقطعة أو متصلة وهذا القول مبني على عدة قرائن، منها:

أولاً- أن الشيخ كانت له حلقة تدريسية في الأحساء تتلمذ عليه خلالها مجموعة من أعلامها ممن اهتم بنسخ كتبه والإفادة منها، ولعل هناك المزيد غيرهم خصوصاً مع شخصية لامعة مثل الشيخ آل عبد الجبار، بما يمتلكه من رصيد علمي كبير، وشهرة سبقته إلى مختلف الأقطار، ولكن لم تسعف المصادر بالتعرف عليهم منهم:

- الشيخ محمد بن الشيخ حسين آل أبي خمسين 1210 - 1316هـ): أشار إلى ذلك في أكثر من موضع من كتابه (مفاتيح الأنوار)، وهذه التلمذة للشيخ محمد أبي خمسين على آل عبد الجبار قبل هجرته للنجف الأشرف وكربلاء من أجل الدراسة[5] .

- الشيخ محمد بن ناصر بن محمد بن ناصر بن قضيب الأحسائي: كان قد نسخ كتاب (هدي العقول إلى أحاديث الأصول) للشيخ محمد بن عبد علي آل عبدالجبار الخطي ت 1252هـ)، في يوم الأحد 30 شوال سنة 1242هـ، والنسخة مصححة عليها وقفية[6]  بخط المؤلف[7] .

- الشيخ حسن بن إبراهيم بن علي آل فياض الأحسائي الجبيلي: يوجد بخطه نسخة من كتاب (غاية المراد في بيان المعاد) للشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار الخطي ت1252هـ): كتبها في 28 محرم لسنة 1246هـ[8] ، كما يوجد بخطه للشيخ آل عبد الجبار كتاب (اللوامع السنية في الأصول الدينية)، في الرابع عشر من شهر ذي القعدة لعام 1246هـ[9] ، وهي ناقصة الباب السادس. والذي يظهر من نسخه لكتبه، وفي نفس العام أنه من تلاميذه، والملازمين له، خاصة وأن الشيخ محمد آل عبد الجبار كانت له إقامة في الأحساء.

- الشيخ حسن بن سلطان بن علي بن محمد بن خليفة الأحسائي توفي بعد سنة 1250هـ)[10] : من المقربين إلى الشيخ، ومن تلاميذه الملازمين له، نسخ العديد من مؤلفات آل عبد الجبار ومنها (شرح رسالة في أصول الدين)[11] ، وهو الكاتب والشاهد على وصيته[12]  التي وزع خلالها تركته بين ورثته من زوجاته الذين ذكرهم، وعدد أبنائه من كل منهن.

ثانياً- تعدد زوجاته من الأحسائيات، فقد بلغن نصف زوجاته السبع، وغالب نسله منهن، وهنَّ كما في وصيته[13]  كالتالي:

1- كلثم بنت حسين الحواج «الهفوف»، وذريته منها: عبد الباقي، وعبد علي، وجعفر، وتعرف اليوم عوائل من ذريته باسم «الجعفر»، و «العبد الباقي» وهم من سكنة مدينة الهفوف.

2- رحمة آل خميس آل سبيع «قرية الحليلة»، وقد ولدت له ابنه علي.

3- هدباء بنت علي بن محمد آل خميس آل سبيع «قرية الحليلة»، وذريته منها: ولده حسين.

4- وقد أضاف الحاج جواد الرمضان في كتابه (مطلع البدرين) زوجة أخرى من عائلة «آل أبي جبارة» الصاغة بالهفوف[14] ، ولعله طلقها أو توفيت قبل أن يعقب منها، ولهذا لم يدرجها في وصيته، كما يحتمل أن يكون اشتباه من الحاج الرمضان.

هذا التعدد في الزوجات في الغالب ينتج عن الإقامة لفترات طويلة، ومعرفة طيبة بالبيوتات، كما تتيح له المجال كي يستبدل واحدة مكان أخرى، أو يتزوج عليها مما يشير بدلالة واضحة إلى إن للشيخ آل عبد الجبار إقامة نستطيع أن نقول طويلة في الأحساء استمرت عدة سنوات دفعته إلى أن ينتقي عددًا من زوجاته منها.

ثالثاً- وجود مرجعية له في الأحساء يعتبر مؤشرًا على الأثر الذي خلفه في النفوس الأحسائية لوجوده بين ظهرانيهم؛ فقد كان المرجع يُنتقى ويُختار، في الغالب، من الأعلام الذين لهم وجود معتبر في المنطقة؛ ليسهل الاتصال بهم بصورة مستمرة للاستفسار عن المسائل المستجدة، والشيخ يظهر أنه كانت له شبه إقامة في منطقة الأحساء وثقت هذه الرابطة بينه وبين الأحسائيين.

رابعاً- تصنيفه شرح رسالة في “قبلة أهل الأحساء”[15] ، وهي رسالة أراد من خلالها أن يبين اتجاه القبلة للأحسائيين، عبارة عن تعليقة واستدراك على إجابة للشيخ عبد المحسن اللويمي (ت 1250) بين خلالها وقوع لبس في إجابة الشيخ اللويمي، إلا أن محل الشاهد فيها هو تضلع الشيخ العبد الجبار وإحاطته الواسعة بمنطقة الأحساء، وهي تتطلب خبرة، ودراية دقيقة بالمنطقة في معرفة اتجاهات القبلة فيها، وقد أبدى خلالها ملاحظاته على بعض المساجد في المنطقة، ودقة القبلة فيها، وهي من مناطق مختلفة كالمسجد الجامع بالبطالية، ومسجد الدالوه، ومسجد شعيب بالطرف، ومسجد الشقيق، ومسجد المبرز الذي حدد قبلته الشيخ أحمد الأحسائي، إضافة إلى اطلاعه على الأصطرلاب الذي للشيخ الأحسائي، أو ما يمتلكه بعض أهالي الكوت بالهفوف[16] ، مما يكشف عن إطلاع واسع على المنطقة، وإلمام دقيق بها، إضافة إلى عنايته بضرورة تصحيح قبلة بعض المساجد في المنطقة التي يوجد بها انحراف عن الوجهة الصحيحة للقبلة، وذلك وفق المعايير العلمية المتبعة في علم الهيئة لدى الفقهاء ورجال الفلك.

مرجعيته في الأحساء

كانت للشيخ محمد آل عبد الجبار مرجعية واسعة تجاوزت الحدود الإقليمية لتنفذ إلى العراق، وإيران، وبدأت انطلاقتها قبيل سنة 1209هـ[17] ، فهو بقدر ما كان علمًا بارزًا وشخصية لامعة، كان يقوم بعبء عالم الدين المسؤول الذي يتصدى لتكليفه الشرعي أينما حل وارتحل، فهو صاحب همة عالية، ومدرسة سيارة تزخر بالعطاء، بل لا يبعد - من وجهة نظري- أن يكون له تلامذة في جميع الأقطار التي ورد عليها، جذبهم، نحوه، علمه الجم، وصيته الذائع، الأمر الذي تبعه تقليد ومرجعية.

يقول عن هذا الجانب من شخصية الشيخ آل عبد الجبار، الشيخ علي البلادي في الأنوار: «.. ويقلده كثير من سكنة العراق وأهل القطيف والأحساء في حياته»[18] .

وفي الجانب الإيراني فإنه كان له مرجعية وحضور قوي في «يزد»، وإن خفيت معالم هذه المرجعية، والمدى الذي وصلت إليه، ولكن وجود الشيخ آل عبد الجبار فيها ليس بخفي وذلك لقرائن عدة:

أولاً- كثرة ذهابه إلى يزد، والإقامة فيها لفترات متفاوتة؛ لكونها سكن شيخه وأستاذه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي لفترة طويلة، وقد تتلمذ عليه، ولازمه لحقب متفاوتة هناك، بين عامي 1221هـ، وحتى العام 1240هـ، وكان فيها مرجع تقليد لشريحة عريضة من طلبة العلوم الدينية وعوام الناس[19] .

ثانياً- تصنيفه العديد من كتبه في مدينة «يزد»، وإيقافه عددًا من مصنفاته على علمائها. يقول الأستاذ عرفات: «حتى أنني رأيت، ضمن أوراقه المخطوطة، رسالة في جواب فتح علي شاه القاجاري حاكم إيران، ورأيت الصفحة الأولى منها فقط - وقد كتب بعض كتبه هناك، وكثيرٌ من كتبه موقوفة على علماء «يزد»[20] .

إن وجود مثل هذه الوقفية يؤكد وجود تلامذة له هناك، وصحبة، بل ورابطة قوية دفعته لوقف مجموعة من كتبه عليهم لدوم الفائدة.

ثالثاً- قوة حضور (الشيخية) في «يزد»، ونستطيع أن نستشف هذا الأمر من خلال ما حوته مكتبة «الوزيري»[21]  في «يزد» التي تعد أبرز مكتبة للمخطوطات هناك؛ ففيها للشيخ الأحسائي 29 مخطوطة متعددة النسخ[22] ، والكثير من مصنفات السيد كاظم الرشتي، والشيخ محمد كريم الكرماني، إضافة إلى أربعة من مصنفات الشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار بنسخ متعددة وهي:

- تحفة أهل الإيمان لصاحب العصر والزمان في مسألة الرجعة[23] .

- رسالة في شرح الأصول الخمسة[24] .

- نور الهدى في فلسفة شهادة سيد الشهدا[25] .

- هدي العقول[26] .

القرائن التي تؤكد رسوخ قدم الشيخ العبد الجبار في بلاد يزد وشدة حضوره بينهم، سواء من ناحية الفكر أو التأليف.

أما في الأحساء والتي هي مصب بحثنا، ومدار الحديث في هذه السطور فإننا سنكتفي بإعطاء بعض الملامح عنها، علها تفتح أفقًا لمن أراد أن يكتب عن هذه الشخصية الفذة، والاتساع الفكري الذي كانت تمتلكه:

- إن الشيخ محمد آل عبد الجبار حمل العبء العلمي في منطقة الأحساء بعد رحيل معظم علمائها الكبار، وهجرتهم من البلاد سنة 1210هـ، إثر سيطرة الدولة السعودية الأولى على المنطقة، فقد كشف الوضع في إحدى زياراته للأحساء فقال في مطلع كتابه (شرح الرسالة الصلاتية الصغرى): >الحمد لله الأحد، والصلاة والسلام على محمد وآله أهل الشرف والمجد، وبعد؛ فيقول الفقير للملك الغفار: محمد بن عبد علي آل عبد الجبار، قد طلب مني بعض الأخوان، إعادة شرح الرسالة الصلاتية الصغرى، وأن أراعِيَ الاختصار فيه، كما هو المناسب للوقت وأهله؛ فشرعت فيه?كما طلب، مع قلة البضاعة، وكثرة الإضاعة، وأنا بالحاضر في بلد الأحساء، وهي في هذه الأوقات خالية من العلماء وآلة العلم، ولكن الميسور لا يسقط بالمعسور وإلى الله ترجع الأمور...»[27] ، فكان له شرف القيام بأعباء المسؤولية، وهداية الناس إلى سبيل الرشاد، إلا أن في هذا النص أكثر من دلالة في غاية الأهمية:

- إن للشيخ محمد آل عبد الجبار تواصلاً وصلة بالأحساء قبل سنة 1210هـ، بل ربما تتلمذ على الشيخ الأحسائي، وتعرف عليه قبل هجرته من الأحساء عام 1210هـ، مع باقي العلماء بدلالة قوله: «وأنا بالحاضر في بلد الأحساء، وهي في هذه الأوقات خالية من العلماء وآلة العلم»، مما يعني أنه على دراية ومعرفة بالحركة العلمية فيها، وهو يراها اليوم غير ما عهدها عليه سابقاً.

- إن مرجعية الشيخ آل عبد الجبار في الأحساء بدأت بعد رحيل أستاذه الشيخ الأحسائي وخلو الساحة من الفقهاء سنة 1210هـ، مما جعل الناس في حاجة لفقيه متصدٍّ يمتلك المؤهلات، وثقة الناس ليتولى شؤون المرجعية فيها، وحيث وقع الاختيار عليه؛ طلب منه عمل رسالة عملية تتناسب مع مستوى العوام من الناس، ومقدرتهم الاستيعابية بعيدة عن التفصيلات والتعقيد التي هي من اختصاص أهل الفن؛ فشرع لهم في تأليفها حيث يقول: «قد طلب مني بعض الأخوان، إعادة شرح الرسالة الصلاتية الصغرى، وأن أراعِي الاختصار فيه، كما هو المناسب للوقت وأهله».

- الشيخ محمد آل عبد الجبار أحد الروافد الفكرية الكبرى للترويج لفكر أستاذه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي في منطقة الأحساء، ومنها نستنتج أن الشيخ محمد العبد الجبار ليس من تلامذة الشيخ الأحسائي فقط، بل من المتصدين لنشر فكر ومنهج أستاذه الفلسفي، ويتجلى في كون الشيخ أبو خمسين يشير إلى آراء العبد الجبار بعد ذكر الشيخ الأحسائي واستاذة السيد كاظم الرشتي، وأنهم في خط واحد من حيث التوجه والمسلك[28] .

- إن بروز الشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار كأحد رموز المرجعية المحلية في الأحساء لفترة تجاوزت الأربعة عقود، لا يعني بالضرورة نهاية المرجعيات المحلية الأخرى البارزة في بلاد المهجر كالشيخ الأحسائي (ت 1241هـ)، والشيخ عبد المحسن اللويمي (ت 1250هـ)، فبعض القرائن تشير إلى أن مرجعيتهم استمرت حتى بعد رحيلهم عن الوطن من خلال رسائلهم العملية، والمراسلات بينهم وبين أعلام المنطقة الذين بقوا في الداخل.

- إننا لا نستطيع التكهن، بدقة، عن مدى اتساع مرجعيته في الأحساء، ومراكز قوتها فيها، ولكن من خلال بعض القرائن يمكن القول إن مدينة الهفوف التي كانت مركز مرجعيته باعتبارها محل إقامته، ومركز الحركة العلمية في عصره، كما يتوقع أن قرية الحليلة التي تربطه بها علاقة نسَبية بزواجه من أكثر من واحدة من بناتها مؤشر على حضور له فيها، أما باقي النواحي الأحسائية كمدينة المبرز فيتوقع أن تكون له مرجعية جلية فيها، وقد تكون امتدت إلى جميع ربوع الأحساء، لتبعية معظمها لهذه المراكز العلمية لتلقي التوجيه الديني.

- لا شك أن الشيخ محمد عبد الجبار يتميز بقوة الشخصية ومعرفة بالسياسة وحكمة عقلانية وشجاعة جعلت له حضورًا بالمنطقة سواء بالأحساء أو القطيف في وقت عصيب، وظرف حرج لا يؤمن رجل الدين على حياته سواء كان في بيته أو خارجه، وينجح بالقيام بدوره المناط به كرجل دين؛ من تدريس وتأليف وقضاء بين الأطراف المتخاصمة، وسفر، بل ويقبل التصدي للمحاكمة بين السيد الرشتي وعلماء النجف، وعندما لم تتم كتب في هذا الخصوص، وبقي يحتفظ بدوره الريادي في داخل المنطقة وخارجها، أنها الملكة الاجتماعية التي تميز بها.

هذه العوامل، وما سبقها، تدفعنا للقول بأن للشيخ محمد بصمة في التاريخ الأحسائي لا يمكن أن تنسى، أو تمحى، بل ويعد أحد دعائم حركتها العلمية الكبرى، سواء على نطاق التأليف أو التعليم أو العمل على رقي المجتمع ونموه.

الشيخ عبد الله بن معتوق القطيفي التاروتي (1274- 1362هـ)

هو الشيخ عبد الله بن معتوق بن الحاج درويش بن معتوق بن عبد الحسين البحراني البلادي القطيفي التاروتي[29] ، وهو بلا شك رمز من الرموز الكبار الذي غُمِطَ حقهم، وجهل مقامهم، يقول في حقه مجيزه السيد أبي تراب الخوانساري: «فقد استجاز مني جناب الشيخ السديد، والأخ الرشيد، العالم العامل السعيد، والفاضل الكامل الوحيد، البالغ إلى عليا رتبة الفقاهة والاجتهاد، وقصوى درجات التقوى والسداد، العامل الرباني، والفاضل الصمداني، الشيخ عبد الله بن الشيخ معتوق البحراني...»[30] .

فعلمٌ بهذا الحجم كان حريًّا بأن يُؤرَخ الكثير من معالم حياته ونشاطه، ويحفظ، ولكن هو ديدنه ديدن العلماء الأساطين الذين يرون في الشهرة والبروز أمرًا خلاف التواضع والزهد، فيقف أكبر عقبة أمام تخليد ذكراه بالحجم الذي يستحقه، ويليق به، ولولا الشيخ فرج العمران الذي عانى الكثير في سبر هذه الشخصية، وفتح مغاليقها، متحدثًا عن معاناته مع الشيخ المعتوق، وهو يضع أصبعه على الجرح والداء الذي بليت بها منطقتنا في القطيف والأحساء فيقول: >كيف تتسنى لي الإحاطة بشؤون تلك الحياة السعيدة، وتاريخ تطوراتها، وقد عرفت ما عليه سيرة السلف من أهالي بلادنا «القطيف» من عدم الاعتناء بتدوين التراجم، وضرب الصفح حتى عن ذكر زعماء الدين؟ بل الشخص نفسه ربما يجتهد في إخفاء ما له من المآثر والآثار، ويرى أن إظهارها بين الناس وتسطيرها في كتاب من باب تزكية لنفسه المنهي عنها في القرآن والحديث، غفلةً عن قوله عز وجل وأما بنعمة ربك فحدث)، وعن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، بل ربما يتألم أكبر زعيم ديني من إنشاد بعض المدائح في حقه... فإذا كان هكذا حاله فكيف تميل نفسه الطاهرة إلى تدوين ترجمته، وجميع أقوال العلماء في حقه، وتأليف شعر الشعراء في شأنه؟ لهذا قاسيت شتى المتاعب في تأليف هذه الترجمة وقد تمت في طي أمور»[31] .

لهذا ينبغي ألا تأخذنا غضاضة في صعوبة فك العديد من رموز هذه الشخصية الفذة التي لا نعلم إلا النزر اليسير عنها، وما ذكره الشيخ الفرج مشكوراً من سيرته لا يمثل إلا الجانب العلمي من حياته، أما الجانب السياسي، والذي يظهر إنه كان له دور بارز فيه دفع الاستعمار البريطاني في العراق إلى نفيه من العراق، وإيصاله إلى شاطئ البحرين خشية من بقائه؛ إذ لا يبدو سببٌ أو دافعٌ لدى بريطانيا لمثل هذا الموقف القوي سوى أنه كان يشكل خطورة على الاستعمار.

كذلك نحن لا نعرف من أبعاد شخصيته الاجتماعية، ومرجعيته في البلاد، ومن هم وكلاؤه، وكيف كان يدير مرجعيته إلا نزر لا يبلغ حد الصُّبابة، بل وحتى الجانب العلمي، لا نستطيع تقييمه بدقة؛ لقلة ما وردنا عنه.

أساتذته

تلقى علومه على نخبة لامعة من أعلام القطيف والعراق منهم:

الشيخ علي بن الشيخ آل الشيخ سليمان البحراني القديحي، البلادي، صاحب (أنوار البدرين)، والشيخ أحمد بن الشيخ صالح آل طعان البحراني (ت 1315هـ)، والشيخ محمد بن الشيخ عبد الله آل عيثان الأحسائي (ت 1352هـ)، كما وعلى غير هؤلاء درس على نخبة من أعلام العراق.

مجيزوه

أجيز الشيخ آل معتوق من لدن العديد من أعلام عصره المعروف منهم:

- السيد أبي تراب الخونساري، وتاريخ إجازته 1319هـ، وله منه إجازة أخرى تاريخها سنة 1324هـ.

- الشيخ محمد تقي آل الشيخ أسد الله، وتاريخ إجازته سنة 1324هـ.

- السيد محمد الحسيني الكاشاني الحائري، وهي مؤرخة بسنة 1326هـ[32] .

- الشيخ علي أصغر الغروي الخثائي اليزدي، عن شيخه المحقق الشيخ هادي الطهراني[33] . (وهي مجهولة التاريخ).

- الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله آل عيثان الأحسائي (1260 – 1331هـ)[34] .

تلامذته

له تلاميذ عديدون في العراق والقطيف، منهم الشيخ الشاعر المعروف محمد السماوي[35] ، الذي قرأ عليه المنطق، والميرزا موسى الحائري، وله الإجازة عنه مؤرخة في 1333هـ، ومنهم الشيخ علي بن الشيخ جعفر بن الشيخ محمد آل أبي المكارم، وله إجازة عنه، ومنهم سعود بن محمد بن سلمان بن محمد بن حسن بن محمد فرج العوامي، ومنهم السيد ماجد بن السيد هاشم بن سيد سعود بن السيد هاشم الموسوي العوَّامي، والخطيب عبد الله بن مكي المُبشر التاروتي القطيفي[36] ، الحجة الشيخ علي الجشي[37] .

المجازون منه

- الميرزا موسى الحائري الإحقاقي، وتاريخها سنة 1333هـ[38] .

- السيد شهاب الدين المرعشي النجفي (ت 1411هـ)، وهي إجازة رواية[39] .

- الشيخ علي بن الشيخ جعفر بن الشيخ محمد آل أبي المكارم، وله إجازة عنه.

- الشيخ سعود بن محمد بن سلمان بن محمد بن حسن بن محمد فرج العوامي[40] .

وفــــاته

انتقل إلى جوار ربه في تاروت بالقطيف في ليلة الخميس الحادي من شهر جمادى الأول لسنة 1362هـ.

مؤلفاته

ذكر الشيخ فرج العمران مجموعة من مؤلفاته التي أطلع عليها وهي[41] :

- منية المشتاق لتحقيق الاشتقاق.

- سفينة المساكين لنجاة الشاكين، وهي رسالة في أحكام الشكوك المتعلقة بالصلاة، قال الشيخ فرج في الأزهار لم تكتمل.

- رسالتان وجيزتان في الرضاعة.

- تعليقة مبسوطة على رسالة السيد هاشم السلمان الأحسائي ت 1309هـ) لم تكتمل.

- أرجوزة في الإمامة.

- ديوان شعر طبع في النجف سنة 1375هـ، وقد قدم له الشيخ علي المرهون.

دوره في الأحساء

استقطبت قرية القارة شخصية بارزة كالشيخ القطيفي لكونها مركزاً علميًّا بفضل علمها البارز وفقيهها اللامع الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله آل عيثان الذي أخذ يلقي بحثه ودرسه في الفقه والأصول والحكمة لفترة من الزمن فيها، ثم انتقل إلى قرية الحليلة، وقد حضر عليه الشيخ المعتوق برهة من الزمن تلقى خلالها عليه دروس الحكمة، وذلك سنة 1312هـ[42] ، وهو من الفقهاء والمراجع الكبار، فقد تصدى للمرجعية في منطقة القطيف، وقد امتدت مرجعيته إلى الأحساء لما له من مكانة، وفقاهة يقر بها القاصي والداني.

وحول هذه الإقامة الدراسية في الأحساء للشيخ المعتوق، تكشف لنا عدة حقائق نتلمسها مما كتبه في ترجمته الشيخ فرج العمران في إزهاره:

مرجعيته في الأحساء

إن للشيخ ابن معتوق مرجعية في الأحساء كانت جنباً إلى جنب مع المرجعية المحلية في المنطقة، إضافة إلى مكانة كبيرة لا ينالها إلا الخواص من العلماء، ويؤكد ذلك عدة أمور:

أولاً- ما كتبه السيد ناصر بن السيد هاشم السلمان (رحمه الله) (ت 1358هـ) يحثه فيها على عمل تعليقة، وحاشية على رسالة والده المقدس السيد هاشم (ت 1309هـ)، وقد تضمنت الرسالة العديد من عبارات الثناء والتبجيل في حق الشيخ عبد الله بن معتوق، إضافة إلى حث شديد بطلب التعجيل بكتابتها من أجل حاجة المقلدين، وقد سبق وعده لهم بعملها، حيث يقول فيها: «... فإنا نأمل ونرجو أنكم مشغولون بالمطلب المهم المتقدم إليه الإشارة، وهو ما رجونا من الحاشية التي هي والله واجبة بالوجوب المنجز التي لا يسع فيها التأخير، وهذا ليس إلزاماً من الحقير بل هو أقل وأحقر وإنما هو بيان الواقع ليس فيه مجاز ولا مسامحة فالله.. الله فيَّ وفي أخواننا المؤمنين فإنه مأخوذ بعنقي وأنا آخذ بك فعجل بكل ما تتمكن، ولا تؤخر فهذا غير خفي عليكم أنه ليس فيه وظيفة التأخير..»[43] .

وقد بورك هذا الخطاب بعمل تعليقة من الشيخ المعتوق على الرسالة المعنية وهي: (تعليقة مبسوطة على رسالة السيد هاشم الأحسائي أثبت فيها ما ترجح في نظره من الأحكام الشرعية)، وهي غير مكتملة[44] .

ثانياً- الاستفتاءات المتكررة من رموز دينية أحسائية حول عديد من المسائل الفقهية، أبرزها تساؤلات الشيخ حسين بن الشيخ محمد الدندن (ت 1363هـ)[45] ، وهي رسالة مؤرخة بعام 1358هـ، وقد تضمنت بعض الجوانب التي تؤكد البعد المرجعي للشيخ المعتوق منها: «مولانا، قد بلغنا من بعض الأخوان أنه قد أجزتم له العمل بما في العروة الوثقى بشرط لزوم احتياطاتها، فإن يكن الأمر كذلك فنرجو من ألطاف المولى الأعظم أيده الله تعالى أن يعرفنا...»[46] .

ثم جاءت رسالة أخرى حول نفس المسألة المتعلقة بكتاب «العروة الوثقى» للسيد محمد كاظم اليزدي من قبل الشيخ محمد بن الشيخ محمد علي الجبران (ت 1394هـ)[47] ، وهي مكتوبة بتاريخ 29 شهر ذي القعدة لعام 1361هـ، جاء فيها: «مولانا، لقد رفعنا إلى حضرتكم العلية، من قبل، مكاتبة أن العمل باحتياطات العروة الوثقى ربما يشق في بعض موارده، فإن رأيتم جواز التبعيض في التقليد فأفيدونا وأرشدونا، فلم نحظ من جنابكم الشريف بجواب، وما ذلك إلا لكونكم مرضى، شفاكم الله وعافاكم...»[48] .

ففي هاتين الرسالتين دلالة واضحة على أن مرجعيته في الأحساء تعود إلى قبل عام (1358هـ)، أي قبل وفاة الفقيه السيد ناصر السلمان رحمه الله، (ت 1357هـ)، وقد امتدت إلى حين وفاته الشيخ المعتوق سنة (ت 1362هـ)، ولعدم وجود رسالة عملية للشيخ فإنه أحالهم في تقليده بالرجوع إلى احتياطات العروة الوثقى، وكان يعمل على عمل تعليقة على الرسالة العملية للسيد هاشم السلمان (ت 1309هـ)، بناء على طلب ولده السيد ناصر بن السيد هاشم السلمان، إلا أن الأجل لم يمهله لإكمالها.

كما يمكن القول، وبثقة، إن كلا الشيخين: الشيخ حسين بن الشيخ محمد الدندن، والشيخ محمد بن الشيخ محمد الجبران، كانا وكيلين ونائبين عنه في الأحساء، لذا كانا هما الواسطة بينه وبين مقلديه، وإخبارهم بالمستجد من فتاواه، وهذا مبرر حرصهما على التوثق من آرائه الفقهية، ومحاولة التخفيف على مقلديه في الفتاوى الاحتياطية للعروة الوثقى.

ثالثاً- إن الشيخ كان له محبة ومودة ومعزة كبيرة في الأوساط العلمية الأحسائية، يدل عليها الثناء العظيم الذي يكنونه له في نفوسهم، وفي كلماتهم نرى مالا يقال إلا للقلة القلية من العلماء الذين حازوا المرجعية، والدرجة العليا من العلم، منها ما كتبه السيد هاشم بن السيد علي العلي في تعزيته بوفاة عيسى بن محمد السني في الخامس عشر من ذي الحجة لسنة 1355هـ، يقول فيها: «عمدة العلماء المحققين، وزبدة الحكماء المدققين، العالم الفاضل الجليل، والكامل النبيل، شيخنا ومولانا، الشيخ عبدالله بن معتوق»[49] .

أما السيد ناصر السلمان (ت 1358هـ) فقد قال في مكاتبته له: «لحجة الإسلام، وكهف الأنام، ومرجع الخاص والعام، شيخنا الأعظم، وعمادنا الأقوم، الشيخ عبدالله المحترم، دام علاه، وبهر سناه»[50] .

ويقول في شأنه الشيخ حسين بن الشيخ محمد الدندن (ت 1363هـ): «إلى حضرة علم الأعلام، وحجة الإسلام، مولانا الأعظم، وعمادنا الأقوم، التقي، الزاهد الورع الأواه، مولانا الشيخ عبد الله، نتيجة المقدس الحاج معتوق المحترم، دام علاه.

السلام على من كلست ذاته الأخلاق الربانية، وهذبت أخلاقه الرشحات السبحانية، فهو في ذاته القدسية برياضة النفس اللاهوتية متجرد، وفي بدائع خلال الصفات الكمالية متفرد...»[51] .

فمن مجمل هذه المكاتبات نتعرف ما للشيخ المعتوق في نفوس الأحسائيين ابتدأت من حين قدومه إليها طالباً سنة (1312هـ)، إلى حين وفاته سنة (1362هـ) نعلم أنه كان فقيهاً كبيراً ومرجعاً.

هذه العلاقة التي امتدت طوال خمسة عقود، تمكن خلالها من تكوين علاقات واسعة استقطبت قلوبهم، لذا من وجهة نظري أن من التجني القول إن الشيخ المعتوق أقام في الأحساء بضعة أشهر، بل نستطيع الجزم بأن علاقته ودراسته في الأحساء استمرت لأكثر من سنة، الحقبة التي يتطلبها مثل هذا النوع من التأثير.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن دروس الحكمة والتضلع فيها يتطلب أكثر من عدة شهور خصوصاً مع محترفٍ فيها مثل الفقيه الكبير الشيخ محمد بن الشيخ عبدالله العيثان.

والشيء اللافت في الأمر أن جميع المراسلات التي أوردها الشيخ فرج العمران في أزهاره والتي تتحدث عن التقليد والمرجعية والتعزية هي من أعلام مدينة المبرز، مما يقودنا إلى احتمال أن إقامة الشيخ عبد الله المعتوق فيها لفترة، إضافة إلى إقامته في قرية القارة مكان درسه.

[1]  أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين، الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، الطبعة الأولى: 1377هـ، ص: 317، وأعلام مدرسة الشيخ الأوحد في القرن الثالث عشر الهجري، أحمد عبد الهادي المحمد صالح، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى: 1427هـ، 2006م، ص: 391، وتكملة أمل الآمل، السيد حسن الصدر، تحقيق د، حسين على محفوظ، الطبعة الأولى 1429هـ، 2008م، دار المؤرخ العربي، بيروت، لبنان جـ 4/531.

[2]  من تراث الشيخ محمد بن عبد الجبار، الأستاذ نزار عبد الجبار، مجلة الواحة، صيف عام 2008م، العدد (50)، ص: 95.

[3]  أعلام مدرسة الشيخ الأوحد في القرن الثالث عشر الهجري، أحمد عبد الهادي المحمد صالح، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى، 1427هـ، 2006م، ص: 392.

[4]  الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية، الشيخ فرج العمران القطيفي، مطبعة النجف: النجف الأشرف، الطبعة الأولى: 1382هـ، ص317، وأنوار البدرين، الشيخ علي البلادي، تحقيق عبد الكريم محمد علي البلادي، مؤسسة الهداية، بيروت، الطبعة الأولى، 1424هـ، 2003م، ج2/162.

[5]  مفاتيح الأنوار، الشيخ محمد بن الشيخ حسين أبو خمسين، تحقيق: الشيخ عبد المنعم العمران، دار المحجة البيضاء: بيروت. الطبعة الأولى: 1424هـ - 2003م، جـ1/216 و 260.

[6]  يحتمل أنه جد أسرة القضيب المعروفة في مدينة الهفوف، ومن محبي العلم، وقد أوقف النسخة لتجنب بيعها من الورثة.كما أن آل قضيب أيَضًا موجدون في تاروت وقد ترجم البلادي لواحد منهم في أنواره.

[7]  التراث العربي في خزانة مخطوطات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. جمع وأعدد السيد أحمد الحسيني، ط /1. قم المقدسة: نشر مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي: ج5 ص474.

[8]  نفس المصدر: ج4 ص119.

[9]  نفس المصدر: ج4 ص412.

[10]  وثيقة لآل عبد الجبار بقلمه في 15/ 4/ 1250هـ، من مجموعة الأستاذ نزار آل عبد الجبار.

[11]  أعلام الأحساء: للحاج جواد بن حسين الرمضان. طبعة محلية. ج1: ص206..

[12]  وثيقة وصية الشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار، من مجموعة الباحث الأستاذ نزار آل عبد الجبار.

[13]  وثيقة وصية، مصدر سابق.

[14]  مطلع البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين، الحاج جواد بن حسين الرمضان، بدون ناشر وبلد النشر. الطبعة الأولى: 1419هـ - 1999م. ص125.

[15]  أعلام مدرسة الشيخ الأوحد، مرجع سابق، ص: 398.

[16]  شرح رسالة في قبلة أهل الأحساء: الشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار، نسخة عن مخطوطة من مجموعة الأستاذ نزار آل عبد الجبار، زودنا بها مشكوراً الأستاذ أحمد البدر.

[17]  إجازة القطيفي للطبسي، تحقيق ياسر عبد الله آل خميس. الطبعة الأولى:2008م. طبعة محلية. ص: 39.

[18]  أنوار البدرين، مصدر سابق، ص317، أنوار البدرين، تحقيق محمد علي البلادي، مصدر سابق: 2/ 162.

[19]  إجازة القطيفي للطبسي، مصدر سابق، ص: 41.

[20]  القطيفي والشيرازي في معترك أصول الكافي، عبد الغني أحمد العرفات، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى، 1427هـ، 2006م، ص: 17.

[21]  أسسها الحاج السيد علي بن محمد الوزيري سنة 1333هـ. ش – 1956م).

[22]  فهرس مكتبة الوزيري (يزد)، إعداد: محمد سعيد الطريحي، دار العلوم، بيروت، الطبعة الأولى: 1410هـ - 1989م.، وهي متفرقة في صفحات الكتاب.

[23]  فهرس مكتبة الوزيري، مصدر سابق، ص: 59.

[24]  المصدر السابق: ص: 132.

[25]  نفس المصدر، ص: 285.

[26]  نفس المصدر، ص: 290.

[27]  شرح الرسالة الصلاتية الصغرى، الشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار (مخطوط) نسخة بحوزة الأستاذ نزار آل عبد الجبار.

[28]  مفاتيح الأنوار، مصدر سابق، جـ1/216 و260 وغيرها من الصفحات الكتاب.

[29]  - أنوار البدرين، الشيخ علي البلادي القديحي.مطبعة النعمان: النجف الأشرف. الطبعة الأولى: 1377هـ. ص375، والذريعة إلى تصانيف الشيعة: الشيخ آقا بزرك الطهراني، دار الأضواء: بيروت. الطبعة الثانية: 1403هـ - 1983م. جـ10/40، وجـ11/191، وجـ12/197، وجـ23/209، الأهار الأرجية: مصدر سابق. ج2 ص166، وأعلام الثقافة الإسلامية في البحرين خلال 14 قرناً، سالم النويدري، مؤسسة العارف، بيروت الطبعة الأولى، 1412هـ، 1993م، جـ3/236، ومنتظم الدرين (مخطوط)، لمحمد علي التاجر البحراني..

[30]  الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية، مصدر سابق، جـ2/174.

[31]  الأزهار الأرجية، مصدر سابق. جـ2/166.

[32]  الأزهار الأرجية، مصدر سابق: جـ2/174 – 177.

[33]  الإجازة الكبيرة: للسيد شهاب الدين المرعشي النجفي. إعداد: محمد السمامي الحائري. إشراف السيد محمود المرعشي، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة: قم المقدسة. الطبعة الأولى: 1414هـ. ص535.

[34]  العلامة الإمام الشيخ محمد آل عيثان الأحسائي، الأستاذ أحمد البدر، مخطوط، ص: 138.

[35]  شعراء الغري: علي الخاقاني، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي: قم. الطبعة الثانية: 1408هـ: ج10 ص467.

[36]  مجلة الموسم: بيروت:العدد (9-10): مقال السيد سعيد الشريف. من أعلام القطيف عبر العصور. ص279.

[37]  الأزهار الأرجية مصدر سابق، جـ6 /111، 112.

[38]  الأزهار الأرجية، مصدر سابق. جـ6/178.

[39]  الإجازة الكبيرة، مصدر سابق. ص535.

[40]  مجلة الموسم العدد (9-10). مصدر سابق.ص279..

[41]  الأزهار الأرجية، مصدر سابق. ج2 ص199.

[42]  الأزهار الأرجية، مصدر سابق. جـ2/168.

[43]  نفس المصدر: جـ2/195.

[44]  نفس المصدر: جـ2/199.

[45]  أعلام الأحساء:الحاج جواد بن حسين الرمضان. الطبعة الأولى: 1422هـ - 2001م. طبعة محلية. جـ1/261

[46]  الأزهار الأرجية:مصدر سابق ج2 ص196.

[47]  عائلة الجبران وعلماؤها: إعداد حسن بن حسين بن الشيخ محمد الجبران. نسخة خطية. ص: 4.

[48]  الأزهار الأرجية، مصدر سابق،ج2 ص198.

[49]  نفس المصدر: ج2 ص193.

[50]  نفس المصدر: ج2 ص194.

[51]  الأزهار الأرجية، مصدر سابق، جـ2/169.
عضو هيئة التحرير
203365