الخطي وأثره في الفكر القطيفي
محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي * - 6 / 2 / 2011م - 2:20 م - العدد (53)

 كثيرون الذين يمرون بهذه الحياة مرور الخيال في جفن نائمٍ، فينتبه فلا يرَى لذلك الخيال أثراً، إنما هو خيالٌ مرَّ بعينه كحلمٍ، كلما رام أن يقبض عليه لم يجده، إلا أنه فرَّ من جفنه بدون إياب، وهؤلاء لا يُحَسُّ بوجودهم، أو انتهاء حياتهم، إنما يعيشون كما تعيش الأنعام، أو السائمة التي لا يهمها إلا إرضاء معدتها تعيش لتأكل، ثم تموت فينطوي وجودها من هذه الحياة كأنها لم تمر بهذا الوجود.

أما العبقري فهو الذي يترك بصمةً من بصماته على تاريخ أمته، أو وطنه تبقى - تلك البصمة - بعد رحيله من هذه الدنيا الفانية إلى الدنيا الباقية، تشير إلى فكره وعبقريته التي أثرت في تاريخ أمته، وأنجزت من ذلك الفكر النيِّر أفكاراً تنير تلك العتمة إلى الأجيال القادمة.

ما كان في خاطرتي أن أدير هذا الحرف على بصمةٍ من بصمات عبقريٍّ من عباقرة التاريخ، ولكنها الخاطرة التي زارتني على غير قصدٍ، وألحت عليَّ كل الإلحاح أن أكتب عن هذا العبقري، فانصرفتُ عنها كل الانصراف، ولم أستجب لها، ولكنها لا تزال تلحُّ عليَّ، وتهتف بي: لا تكن من غير الأوفياء، وبعد فعاليةٍ وعراكٍ وترددٍ خضعت لهذه الخاطرة فاستجبتُ لهمسها، ولبيتُ هتافها.

إنَّ ذلك العبقري هو الشيخ عبد الحميد ابن الشيخ علي بن حسن الخنيزي، وسبق لي أن كتبت عنه في خيوطٍ من الشمس، وفي الشعر ودوره في الحياة، ومقدمة في كتاب الخطي في نظر العلماء والمثقفين، وهو على قيد الحياة، وأكملته بلمحةٍ بعد موته نشرت في كتاب الشعر ودوره في الحياة، كما كتبت عنه حديثاً بمناسبة طبع آثاره أذعته، ونشر في كتاب أضواء من النقد في الأدب العربي.

وهذه الخاطرة لم يشر طيفها وحديثها إلى الخطي الخنيزي كشاعرٍ أو أديب أو عالمٍ أو زعيم أو مصلحٍ خدم وطنه وسهر لياليه في سبيل دينه ووطنه لم تكن هذه الخاطرة لتتحدث عن هذه المضامين، فقد سبق الحديث عن تلك الأفكار وأذيعت مني في عدة مقالات ولكنَّ هذه الخاطرة تتحدث عن ظاهرة فكرية لم أُشر إليها، ولم أُذعها في حديثي، وبَقَيَتْ في ذاكرتي، وأريد اليوم أن أذيعها، وأفرغها من ذاكرتي إلى ذاكرة التاريخ، فإن هذه الذاكرة هي التي تصون الأفكار وتحفظها من الضياع، وقد يقسو الزمن فيعدو على ذاكرة التاريخ فيمحوها من هذا الوجود، ولكننا - برغم ذلك - نحاول أن نبقي بعد رحيلنا آثارنا الفكرية، وإن كان كما قال الشاعر العملاق المتنبي:

تتخلفُ الآثارُ عـن أصحابها حيناً

فـيـدركـهـا الـفـناء فتـتبـعُ

لا خلود ولا بقاء إلا للخالق الذي تزول السموات والأرض وهو باقٍ حي لا يموت، ولكنَّ الإنسان يحاول أن يترك بصماته بعد رحيله على متون التاريخ وحواشيه، فيسجل صوته في شريطٍ سينمائيٍ يمثل ذاته ليشاهده النظَّار كأنه يتحرك على متن الحياة، ويترك صورة له شمسية تحاط بإطار يتزود منها أهله، وبهذه التصورات كأنه بين أهله لم يرحل، وبرغم ذلك فإنه رحل كما يرحل طيف الغروب عندما تودِّع الشمس هذه الحياة كأنها تشير إلى البشر من وراء هذا الطيف: إنكم راحلون، إننا نشاهد في كل غروب عِبرة فهل من معتبر؟

لقد خرجت بك - يا قارئي -عن بحثي أو بالأحرى عن الخاطرة الذي كان هذا البحث وليداً لها، وهي الخاطرة التي رسمت عنوانها (الخطي وأثره في الفكر القطيفي)، وقبل أن أُذيع حديثي عن هذا الفكر وماله من أثر، وهي الظاهرة الفكرية التي لم أتحدث عنها، ولم يتحدث عنها أديب من قبل.

فقد كان الخطي ناقداً أديباً له مبضعٌ يعالج به الجراحات الفكرية كما يعالج الطبيب الجراحات الجسمية، ولم يختصر هذا المبضع على فكره القطيفي، فحين كان في هجرته لدراسته العلمية في النجف الأشرف - كما حدثني - كانت ثُلة من الأدباء والمفكرين تعرض عليه أفكارهم فيعمل مبضعه، وحتى ليبني وينشأ قالباً جديداً لذلك الأثر، وأكثر ما يكون في القصيدة الشعرية، وأسمى لي أُناسًا بعينهم، ويرسم لآثارهم أسماءً، حتى لتصبح القصيدة لا يصح نسبتها لشاعرها.

وكنت أناقشه في هذه الظاهرة حتى احتدم بيني وبينه النقاش لرؤيتي، وقلت له إنَّ هذا الأثر لا يصح لذلك الشخص إنما هو بنت أفكارك، ولم يقصر الأستاذ الخطي مبضعه على الآثار النجفية، فحينما عاد من هجرته العلمية إلى وطنه القطيف بعد رحيل والده الإمام الخنيزي وهمود الحركة العلمية والأدبية كانت عودته حافزاً للحركة الأدبية فنفخ فيها من روحه، وحمل مبضعه على سيرته النجفية يعمله في الآثار القطيفية، وقد شاهدت هذا المبضع يقوم بجراحات فكرية لأدباء أعرفهم بأسمائهم، ولم يقف هذا المبضع على مفكري الأدب والشعر والنثر، بل أخذ هذا المبضع يعمل في مؤلفات بعض علماء معاصريه، ويضع لهم أسماء ويضع لكتبهم أسماء، ولكنني لا أذيع تلك الأسماء حيث شاهدت العملية الجراحية أمام عيني، وتسميته لبعض مؤلفاته.

وهنا أعدتُ النقاش مرة أخرى مع أستاذي الخطي من رؤيتي الخاصة التي ترَى أن هذا الأثر لا يعود لشاعره أو كاتبه حيث جرد من قالبه السابق إلى جسدٍ جديدٍ لا يمتُّ له بنسب، وكان اعتراضي على أستاذي، إنَّ هذه الطريقة قد تودي بهذا الأديب ولا ينتج إلا مادام مبضعك يعمل في جراحاته الفكرية، وهو يخالفني في هذه الرؤية، ويرَى أنه تشجيعٌ وأخذٌ بيد هذا الأديب إلى أفاقٍ يدربه فيها على الطيران لعله يستطيع أن يحلق كما يحلق النسر، فأصبح فكر الخطي امتزاجاً بأفكارٍ شعرية ونثرية صبغت بطابعه الفكري، وهو كمدرسةٍ فكرية تخرَّج منها طلابٌ وعاش على مائدتها، وستبقى هذه المائدة تعيش عليها أجيالٌ في آثاره التي طبعت كـ (اللحن الحزين)، و(وحي الثلاثين)، و(الرباعيات)، و(خاطرات الخطي).

إنَّ بلادي لا تحتفل بمفكريها وعلمائها وأدبائها، بل تقبر شموسها.

وقد ناديت وهتفت في نداءاتٍ ضوئية، وهتافاتٍ روحية، أن نستيقظ من هذه الغفوة، فنشيد بمجد بلادنا، ودور مفكرينا، ونفيق من هذا السبات الطويل، الذي أضاع تاريخنا القديم، ولا نجد في زوايا التاريخ إلا حِلقاً ضئيلة.

أنا لا أنكر أنَّ هناك ثلة من مفكري العرب عنوا بالفكر السعودي ككل، كما إنَّ شريحة من مفكري القطيف استيقظت، وكتبت عن تاريخ القطيف، وإن كانت على ندرة، ولم تصل إلى الأبحاث الدراسية التي تصور المفكر القطيفي، وتجسده وكأنه ماثلٌ أمام النظَّار يقرؤونه عقلاً ناطقاً.

وبرغم هذا وذاك فإنني أشكر هذه الشريحة، وأطلب لهم التوفيق من الله في جهودهم، ومن تلك الشريحة الأديب لؤي محمد شوقي عبد الرزاق سنبل الذي قام مشكوراً بجهدٍ كرَّسه في كتاب عن حياة العلامة الخطي الخنيزي، وهو على قيد الحياة، وبعد وفاته كان وفيًّا له، فبدأ يكتب ذكرى تتضمن حياة العلامة الخطي الشيخ عبد الحميد ابن الإمام الشيخ علي أبي الحسن الخنيزي وما قيل فيه، وهذه خطوة أخرى تضاف لخطوته الرشيدة، وبهذه المناسبة كتبت هذا الحديث.

وأرجو من الله أن يكثَّر من هذه الشريحة الخيرة، لتقوم بصياغة ما جدَّ من تاريخ بلادنا بدون عواطف أو ميول.

وأسأل الله لي ولجميع العاملين المخلصين التوفيق لما يحبه ويرضاه.

شاعر وأديب
239674