شاعر من الأحساء
الشاعر عبد الأمير بن السيد كاظم العلي
ناجي بن داوود الحرز * - 6 / 2 / 2011م - 2:21 م - العدد (53)

توقيع:

أنا آهاتُ درويش

يُذيب الشوقُ أسفارَه

تلاني دمعُهُ الصوفيُّ

للآلام قيثاره

إذا ما زارني نغَمٌ

فإن الله قد زاره

لو انّ الحبّ يعذرُني

فضحتُ اليوم أسراره

عبد الأمير

السيد عبد الأمير بن المرحوم العلامة السيد كاظم العلي

من مواليد بلدة الرميلة شرق الأحساء لعام 1407هـ

منظرٌ مهيبٌ استثنائيٌ لم أرَ له مثيلاً في أي مكان آخر غير بلدة الرميلة عندما كنت أنتظر دوري مع الشعراء للمشاركة في أحد الاحتفالات منذ ما يزيد على الخمسة عشر عاماً وفجأة يقف جميع من في المكان على أقدامهم وهم ينشدون:

طلع البدر علينا

من ثنيات الوداع

جئتَ شرفتَ المدينة

مرحباً يا خير داع

كان هذا ديدن أهل بلدة الرميلة عندما يطل والد شاعرنا سماحة العلامة السيد كاظم العلي على أي محفل من المحافل، وحتى يصل إلى المكان المخصص لجلوسه.

وبالتأكيد لم يحتل سماحة السيد كاظم هذه المنزلة في قلوب أهل بلدته عبثاً؛ فقد كان نموذجاً للسيد الشريف العالم العامل التقي الورع المحب المتفاني في خدمتهم، ولم يكن السيد كاظم بعيداً عن الأدب، فقد كان أديباً وشاعراً، أيضاً، ولكن في حدود ما تسمح له به مسئولياته الدينية ومشاغله فاكتفى من موهبته الشعرية كما هو حال أغلب علمائنا بما تفرضه الأعراف ومواساة الأهل والأصحاب كرثاء صديق أو قريب أو تأبين عالمٍ عَلَم.

وفي هذا الجو المميز نشأ شاعرنا محاطاً بكل ما هو مقدس وروحاني يتنقّل بين مجلس والده حيث العلم والعلماء، ومكتبته العامرة حيث كنز المعرفة والجمال ليبدأ مشواره على طريق الكلمة المجنحة عندما بلغ السابعة عشرة من عمره، ولم تكن انطلاقته انطلاقة عادية رتيبة، يقول السيد عبد الأمير يصف هذه اللقطة:

«دخلتُ حرم الشعر لا لشيء إلا لأمسح عن هذا الكون غبار الأسئلة المزيفة، لا لشيء سوى التساؤل هذا الذي أرّق الأنبياء، دخلتُ حرم الشعر ولكن ليس كما يدخل العابرون، دخلت نازعاً عن قصائدي الأردية كلها سوى أردية التجرد، تلك التي أغالبُ فيها الجنون والجنون أغلب، إنه الجنون الذي لم يزل يخلقه الوعي، ولم يزل إلهه التمرد، التمرد على كل شيء حتى القلب».

صوفية طاغية، وتمرد جارف، هذا هو العنوان الذي اختاره القدر لرحلة هذا الشاعر الشاب متخذاً حزن المرايا جملاً لسُراه:

مازال يُبدعني الهوى شُعلاً

فأغيبُ عني أحرق الأملا

وأغيبُ أبحثُ عنك مُتخذاً

حزنَ المرايا في السرى جملا

ورغم أن عمر تجربته لا يزيد عن خمس سنوات، منذ عام 1424هـ، إلا أنني تخيلتُ أننا هززنا مهده بأيدينا في مقر المنتدى، وهو مقمَّط في سنته الأولى خصوصاً أنه مولود في نفس السنة التي ولد فيها المنتدى، فإنجازه النصي -بعد هذه السنوات الخمس فقط- يوازي أو يفوق إنجاز بعض مَن كانوا يكتبون الشعر قبل ولادته، ولهم العذر؛ لأنهم لم يفتحوا عيونهم وقلوبهم على جو شعري ملتهب متجاوز، كالجو الذي فتح عينه وقلبه فيه، فبتواصله المبكر مع شعراء المنتدى نضجت تجربته بسرعة فائقة، ووضع يراعته على السطر المناسب تماماً، فأبدع وجلّى، وتفوق حتى فاز بالمركز الأول في أول مسابقة شعرية نظّمها المنتدى، وتنافس فيها عشرات الشعراء المبدعين.

ولعل مِن أهم ما يميز هذا الشاعر المتألق هو تخطيه كل الحواجز التي تعيق حركته كشاعر، فرغم كونه طالباً في الحوزة العلمية لم تربكه الفكرة الخاطئة للكثير من طلبة العلوم الدينية عن الشعر، فها هو يستخدم أحدث التقنيات الإبداعية ليشبع نهم نفسه المتمردة، وليسخِّر ذلك كله في خدمة المبدأ والحق والجمال والفضيلة:

أنا عينٌ على الإسلام حرّى

ودمعي في دواويني مدادي

إلى أن يقول:

فحسِبْتُني لما عزفتُ مشاعري

جبريل يتلو سورة الإسراء

أشدو فتنتظمُ الحياةُ كأنما

من وقْع قافيتي هدير الماء

نعم، أيها السيد النجيب، إن هدير الماء لحن واحد في سيمفونية الشعر الذي يركض بالصحو والدفء في عروق البشر، ولولا ذلك لما قال جدك الإمام الصادق (عليه السلام): "علموا أولادكم شعر العبدي، فإنهُ على دين الله".

مستقبل كبير مؤكد لهذا الشاعر القلق الطموح، بدأت بواكيره تتدلى بعناقيد اللذة والسُكر.

شاعر وكاتب
218064