الإعلام وأثره في التربية
ثريا عدنان العوامي * - 6 / 2 / 2011م - 2:23 م - العدد (53)

تمهيد

تشكل وسائل الإعلام تحدِّيًا لدور الأسرة ودور المربين، وتكاد تسحب البساط من الوسائل التربوية التعليمية الأخرى؛ إذ تشير إحدى الإحصائيات إلى أن الطفل يقضي وقتاً يعادل الوقت الذي يقضيه في المدرسة.

في استطلاع لأهم الأولويات التي يضعها الطلاب في اهتماماتهم أثناء الإجازة المدرسية جاءت النتيجة: أن 30% يضعون التلفاز في أولى اهتماماتهم، و11% فقط للقراءة[1] ، فيما تشير دراسة أخرى إلى أنه عندما يُتِمُّ الطفل المرحلة الثانوية يكون قد قضى 22 ألف ساعة أمام التلفاز، و11 ألف ساعة في المدرسة[2] ، فإذا أضفنا وسائل الإعلام الأخرى: (إنترنت، صحف، مجلات، أقراص مدمجة، الإذاعة...إلخ)؛ فلن يكون هناك وقت لنشاط آخر.

استطلاع للرأي حول (الإعلام وأثره في التربية)

توجهنا بالأسئلة لعدد من المثقفين والمثقفات من مربيات ومربين وناشطين اجتماعيين، بغية التعرف على الآراء، فمن السيدات شارك في الاستطلاع منسوبات مدرسة تاروت المتوسطة وهن:

1- المعلمة معصومة إبراهيم آل حسين.

2- المعلمة معصومة هاشم الهاشم

3- المعلمة هرثة علي آل حبيل

4- المعلمة مريم أحمد الصفار

5- المعلمة زهراء علي العوامي

6- فاتن عبد الإله الخنيزي

ومن السادة شارك الأساتذة

1- عدنان السيد محمد العوامي (شاعر وأديب، ومدير تحرير مجلة الواحة، ورئيس لجنة التكريم الأهلية بالقطيف)

2- الأستاذ جهاد عبد الإله الخنيزي (كاتب وناشط اجتماعي، ومدير مدرسة سنابس المتوسطة)

3- المهندس السيد أحمد شرف العوامي (مهندس، وناشط اجتماعي)

4- الأستاذ زكي منصور أبو السعود (ناشط اجتماعي، ومدير البنك الإقليمي بالشرقية سابقاً)

5 - السيد حيدر السيد حسين العوامي (خطيب ومرشد ديني)

6- الأخصائي مهدي عيسى أبو الرحي (الأخصائي الاجتماعي بدار الرعاية الاجتماعية للمسنين بالدمام)

توجهنا لهؤلاء الفاضلات والأفاضل بالسؤال حول أثر الإعلام في التربية، والحلول المقترحة لعلاج سلبيات الإعلام لعدد من الكتاب؛ مثقفين، ورجال دين، وعدد من منسوبات وزارة التربية التعليم فجاءت نتائج الاستطلاع كالتالي:

إيجابيات وسلبيات الإعلام

حول إيجابيات الإعلام وسلبياته إلى الأستاذ الأديب (عدنان العوامي)، فجاءت إجابته بأن طريقة الإنسان - في استخدام الإعلام هي التي تحدد الأثر المرجو منه، قال:

لا يصح أن نصف بالسلب أو الإيجاب، أية آلة أو أداة أو وسيلة ابتكرها هذا المخلوق، بل يتوقف الحكم في القضية على ماهية التصرف في الأداة وكيفية استعمالها.

فالإعلام حاله كحال أي شيء في الوجود له حالان ضرٌّ ونفع ووسائل الإعلام أداته لا تخرج عنها بحال سواء المرئي أو المسموع، أو المكتوب؛ بل حتى نشرات الإعلان الدعائي يمكن أن تتحول إلى أداة ضارة رغم قصد النفع منها إذا وجهت وجهة الضرر.

إذن؛ الأمر برمته منوط بتوجيه الوسائل والأدوات، وما يتبقى هو دور الأسرة والأفراد ودوائر التربية في اختيار ما تراه مناسبا، فيما تشير المعلمة (معصومة آل حسين) بالقول:

إن وسائل الإعلام لها دور في توسيع مدارك النشء؛ فهي نافذة مفتوحة على العالم، ولها تأثير جيد على تحسبن سلوك الفرد بصورة حضارية، لكن انتشار وسائل الإعلام رافقها انتشار الكثير من الظواهر السيئة على المجتمع.

تتفق المعلمة (معصومة الهاشم) معها في الرأي فتقول: إن أهم إيجابيات وسائل الإعلام الحالية الإطلاع على آخر أخبار العالم: العلمية، والسياسية، والثقافية... الخ، لكنه، بالطبع، وسيلة ذات حدين؛ فكما أن له إيجابيات فله سلبيات.

ومن أبرز سلبيات الإعلام الانفتاح بدون رقيب على ثقافات الغرب والتأثر بأفلام الرعب والخلاعة.

ويأتي هنا دور الأسرة، برأيها، إذ لا بد من الحوار، وجعل التلفاز مكانا للالتقاء الأسري، فهي ضد انتشار التلفاز والانترنت في كل غرفة من غرف المنزل.

الإعلام وتحدي
وسائل التربية التقليدية

إن تأثير الإعلام المرئي في تحدي وسائل التربية التقليدية كبير، وعن ذلك تقول المعلمة مريم الصفار: لقد نجح الإعلام في التأثير على الأسرة، وصرفها عن طاعة الله، وأصبح الإعلام هو المربي الحقيقي لأجيال اليوم.

وهو المحدد لأنماط سلوكهم حيث وجه الأطفال نحو الترفيه، ومشاهدة الأفلام، والمسلسلات، وأخذ الضار دون النافع، وصرف الفتيات إلى الأزياء، وسعى - عبر وسائله المثيرة والمدروسة - إلى تفكيك الأسرة، وإذكاء روح التمرد على الشريعة، والعادات والتقاليد.

وفي سؤالنا عن الحلول المقترحة لهذا التأثير الإعلامي، أجابت: ينبغي أن يكون هناك وسائل عملية لحماية أولئك الأطفال، ولابد من توفير بديل إعلامي، وثقافي متميز للحفاظ على الهوية العربية والإسلامية، ولا نغفل، هنا، دور الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والمجتمع؛ إذ عليها جميعاً يقع العبء في إرشاد الأبناء لكيفية التعامل السليم مع هذه الأدوات الإعلامية.

مميزات وخصائص الإعلام

ويوضح لنا الأستاذ زكي أبو السعود أهم خصائص الإعلام فيقول: إن الإعلام يتميز بحجم وكمية المعلومات الهائل الذي يحتويه، والتجدد، والإثراء المستمر.

كما يعد سهولة الوصول إليه من أبرز خصائصه المتميزة، إلا أن لهذه الخصائص سلبيات عديدة منها أنه لا يفرق بين المتلقي سواء من ناحية الجنس، والعمر، والدين، والثقافة، ويقول كذلك: لقد استطاع الإعلام أن ينافس وسائل التربية الأسرية، والمدرسية؛ لأنه قادر على شرح الفكرة بصورة أيسر عن طريق المشاهدة التي تشرح وتوصل الفكرة بأيسر من اللغة الشفوية، أو القراءة، وإذا لم يستطيع المربي أن يستخدم وسائل مبتكرة جديدة فسيكون متأخراً عن الإعلام المرئي الذي يتطور بسرعة بسبب ارتباطه بالتطور العلمي والتكنولوجي الذي يعتبر من أكثر النشاطات تطوراً.

ويقول كذلك: إن الانفتاح والسماح للحرية بأن تأخذ مكانها دون قيود، واستخدام وسائل الإعلام التربوية الهادفة بشكل أكبر وأكثر فاعلية، وعدم الخوف من الحقيقة، وأهمها الحقيقة العلمية، وبرأيه فأن المتلقي من الجيل النامي سيكون قادراً على مواجهة الاتجاهات المناهضة لطموحه متى ما كان المربي على دراية، ومعرفة بالمستجد، ولا يجد أبو السعود معادلة جاهزة، أو حلاًّ سحريًّا لصناعة إعلام أسري تربوي ناجح.

وفي رأيه أن التحدي يطلق الإنسان، وكذلك يخلق الشعوب، ولكي يكون الإعلام متناسقاً مع الواقع عليه أن يواجه الواقع لا أن يختفي عنه.

وعلى خلاف النضرة الاستقلالية المغلفة بجو من الانفتاح والحرية نجد توجهاً آخر عند سماحة رجل الدين السيد حيدر العوامي؛ فيشير سماحته بقوله: يسهم الإعلام بقتل الوقت عند أبنائنا وهو المسؤول عن توجيه رسائل عنف للشباب، كما أنه قد ضرب رقماً قياسياً في تخطي رسالة الدين والأخلاق والتربية، ويشير إلى أنه لا بد من وضع ضوابط، ويتمثل ذلك – برأيه - في تربية واعية ومؤسسة اجتماعية تضع نظاماً، وتمارسه بشكل جدي، وصحيح، وإعلام مقنن يستقي رسالته من مبادئ الدين الحنيف.

الإعلام وتأثيره
على السلوك والتفكير

لقد غير الإعلام في المجتمع أشياءً كثيرة ابتداءً من نمط التفكير إلى تغيرات طالت المظهر والسلوك العام.

تشير المعلمة زهراء العوامي بقولها: إن الخط الذي رسمه الإعلام، والمقاييس الخاصة حول المظهر أصبحت قاعدة يسير عليها معظم الأبناء، مثل رشاقة الفتيات وأناقة نجوم السينما. كما أن الانحراف عن المعايير الأخلاقية نجده واضحاً جليًّا فيه من خلال الفيديو كليب، وأفلام السينما الإباحية.

صحيح أن هناك قنوات جيدة لكنها قليلة، ويقع الدور على أصحاب رؤوس الأموال في استثمارها في قنوات متخصصة، وتربوية، بدل قنوات الأفلام والغناء المنتشرة بكثرة.

وتقول، أيضاً، إن وجود الإنترنت حاله كحال التلفاز كلاهما ضرورة، ولكن لا بد من المراقبة من قبل مؤسسات دولية، ومحلية كما أن نشر الوعي بين الناس لسلبيات الإعلام، وغربلة الإعلام وتقنينه، كل ذلك كفيل بمقاومة التأثير السلبي للإعلام.

كيف نواجه تحدي الغزو الإعلامي؟

وعن طرق مواجهة تحدي الغزو الإعلامي أجابت المعلمة (هرثة حبيل) بالقول:

إن استمرار النصح، والتوجيه للأبناء، وتنمية الرقابة الذاتية لديهم، وتعميق المفاهيم الدينية والأخلاقية - كل ذلك كفيل بوقاية الأبناء، وحصانتهم منذ الصغر، كما أن الإكثار من الجلسات الأسرية يعمل على حماية الطفولة، وصياغة شخصية الطفل بشكل سليم؛ فكلما كانت النشأة سوية، وتهدف إلى تأكيد الذات، وزيادة الثقة بالنفس أنتجت طفلاً ناقداً يتحلى برؤية منضبطة السلوك، قادرة على الحكم على الإعلام الوافد، والتعامل معه بطريقة صحيحة، وتقول، أيضاً، يجب علينا استغلال الإنترنت بصورة إيجابية، وزيادة المواقع الإسلامية، والتربوية، وتوضيح الأبعاد الاجتماعية، والنفسية لدى المستخدم؛ كل ذلك له الأثر في إنجاح دور الإنترنت الإيجابي.

الفضائيات بديل
لحضن الأسرة الدافئ

لقد أفقدت الفضائيات والانترنت حميمية أجواء التخاطب والحوار داخل المنزل، وعن طريق حل المشكلة أجاب الأستاذ جهاد الخنيزي بقوله:

إن الاجتماع على مجلس التلفاز وفتح الحوارات الجانبية - أثناء المشاهدة - يساهم في تفعيل الجانب الإيجابي للإعلام، ويحمل الأستاذ الخنيزي الإعلام جزءاً من المسؤولية تجاه انتشار مشاكل الشباب والعنف فيقول: لا بد من دراسة ظاهرة العنف، وتسليط الضوء على أسباب العنف، وإيجاد حلول لتلك الظاهرة تجعل الإعلام مشاركاً في حل الظاهرة بدل أن يكون سبباً فيها.

ويرى، أيضًا، أنه لا بد من وجود بديل إعلامي ملائم، ووصف القنوات والبرامج التربوية المتميزة بالقليلة، ويقول: يقع العبء على مؤسسات الدولة ومؤسسات التعليم المتنوعة الجامعية والثقافية لإيجاد القنوات والبرامج الهادفة.

كما يجب عليها أن تكون أكثر جاذبية وحيوية وتبتعد عن الجمود والنمطية.

وفيما حمل البعض الإنترنت والفضائيات مسؤولية إحداث فجوة بين جيل اليوم وجيل الأمس نجد البعض الآخر له رأي مختلف.

يقول المهندس السيد أحمد شرف العوامي: إن اختلاف لغة التخاطب بين الآباء والأبناء، وعدم فهم متطلبات الأبناء، وعدم وجود مؤسسات تجمعهم؛ هو السبب في البعد عن الحوار والتواصل، وليس وجود الإنترنت والتلفاز؛ بدليل أن بعض المجتمعات رغم تلك الوسائل إلا أن تأثيرها ضمن التطور الاجتماعي الطبيعي الذي لا يتحدى قيم الأسرة، وفي رأيه أن الدراسات المتخصصة لتقريب وجهات النظر بين الجيلين يساهم في إيجاد الحلول لذلك.

التربية والإعلام الموجه

وعن الإعلام الموجه، وأثره على التربية يقول الأخصائي الاجتماعي في دار الرعاية الاجتماعية الأستاذ مهدي أبو الرحي: إن تحدي الإعلام لوسائل التربية كبير؛ فمن خلال الدراسات الاجتماعية والأبحاث ثبت أنَّ الإعلام له أثر فعال في تغيير الفكر، والتقاليد، والأعراف، ومن هنا نشأ الإعلام الموجه، واستخدم في التربية العسكرية للطفل حيث يتخرج الطفل بعد سنوات آلة مدمرة تخدم أهدافًا معينة.

وعند السؤال عما ذا نفعل لمواجهة التحدي، قال: يجب علينا أن نتحدى الإعلام بالعلم، والمعالجة بالابتكار، وتقبل أفكار الآخرين بمرونة.

وعن سر جاذبية وسائل الإعلام قال: إن هذه الجاذبية لم تتولد من فراغ، فهناك متخصصون في الهندسة التربوية، ومتخصصون في الإعلام والتربية وعلم النفس، كلهم يعملون معاً لجعل وسائل الإعلام أكثر جاذبيةً وإغراءً.

وعن تفعيل دور الإنترنت باعتباره أكبر وسيلة اتصال، قال: لكي نحارب وسائل الإعلام الموجه والسلبي لا بد أن يكون هناك برمجة للنت المنزلي، وفلترة لوسائل الإعلام المختلفة بشكل دائم.

وخلاصة القول: إن الإعلام أداة لا يمكن الاستغناء عنها في زمن متسارع ينمو في جميع الاتجاهات بشكل مطرد ودائم.

وهو باعتباره طوفاناً يزخر بالعديد من الأخبار والعلوم والمعارف، سواء كانت مفيدة أو ضارة؛ فهو -في الوقت نفسه - أصبح أداةً لا يمكن تجاهلها أو إلغاؤها، والحل يكون بالتكيف معها عن طريق زيادة ثقافة الأفراد ومعرفتهم وإطلاعهم.

أما عن كيفية تفعيل دور الإنترنت والتلفاز لكي يكون وسيلة تربوية فاعلة فلابد من تعاون جميع الأفراد والمؤسسات لإنتاج برامج تربوية متخصصة، وعليه فأن احتضان الأسرة للأبناء، واحتواء مشاكلهم ومحاولة تفهم متطلباتهم، وإيجاد بديل مناسب - من أندية وبرامج تثقيفية ورياضية - يسهم في حل الكثير من جوانب هذه المشكلة، كما أنه يعكس الصورة الإيجابية للإعلام، ويسير به نحو إعلام هادف وفعال، ويتمثل ذلك في إدخال الإعلام المرئي في الفصول الدراسية، وأخذ الجانب الإيجابي منه تحت إشراف مؤسسات التعليم المختلفة بحيث يجعل منه مادة جذابة ومشوقة وهادفة في الوقت نفسه؛ لأنه أضحى اللغة التي يتخاطب بها الأبناء، ويجيدون التعامل معها.

وكما أن الإسراف في أي أمرٍ؛ مذموم، وكذا ترك الحرية المطلقة للأبناء، سواء في اختيار المادة الإعلامية، أو الوقت المفتوح للاتصال مع الإعلام هو أمر مذموم أيضاً.

فإذا حققنا تلك المطالب نكون قد جعلنا من الإعلام وسيلة تخدم التربية، وتصنع جيلاً واعياً يتفهم احتياجاته، ويخدم وطنه ومجتمعه.

فالشكرً الجزيل لكل السادة المشاركين والسيدات المشاركات في التحقيق.

[1]  مجلة المعرفة التابعة لوزارة المعارف، العدد 24 ربيع الأول 1428هـ، ص: 54.

[2]  مقالة بعنوان (الرسوم المتحركة وأثرها على تنشئة الأطفال) للكاتب (نزار محمد عثمان) شبكة المشكاة الإسلامية نقلاً عن: Jack g.shaheen, the Arab TV, university of popular ohio, 1984,p21

http://www.meshkat.net/new/list.php?catid=5
كاتبة ومربية - السعودية.
239864