قصيدة (خطأ في الشبيه نموذجا)
عبد العزيز البخيت غواية السرد وسلطة التراث
د. هايل محمد الطالب * - 6 / 2 / 2011م - 2:28 م - العدد (53)

لعل أهم ّ مايميز نص (خطأ في الشبيه) للشاعر السعودي عبد العزيز البخيت – وهو، بطبيعة الحال، ما يميز تجربته عموماً - أنه نصٌّ مولع بالسرد، ومولع بالتناصات المغايرة، وأريد بالتناصاَّت المغايرة؛ قدرة النص لديه على التعامل - في أحيان كثيرة - مع المعطى التراثي، ديني أم غير ديني، بمنطق الامتصاص؛ أي تشرّب الحالة المتناص معها، وإعادة تركيبها بما يخدم السياق السردي للنص، وأعتقد أن قضية التناص المباشر مع النص القرآني عند البخيت، وعند غيره من الشعراء تثير تساؤلات عدة لعل في مقدمتها قدرة التناصات على الإدهاش، ولاسيما عند استخدام التناصات المألوفة التي باتت رائجة بالنقل بين الشعراء لا بالاكتشاف، ولاسيما التناصات مع قصة صلب المسيح، والكهف، ويوسف، ومريم، والقربان (الأضحية) التي يمكن وصفها بأنها باتت نصوصاً فعالة بقدرتها الدائمة على إغواء السرد الشعري.

لذلك قلما نجا منها شاعر، على اختلاف وبون كبيرين بين الشعراء في حرفية التعامل معها، ومن هنا يجب إعادة النظر عند الشعراء في زاوية التعامل معها، شعريًّا، للابتعاد عن التشابه، أو - على الأقل - البحث عن مناطقَ أخرى جديدة للتناص، وهذا ما سيقدم النص المثقف، القادر على الحوار المنتج الذي يولِّد شعرية مختلفة.

حاول الشاعر البخيت - في النص الذي بين أيدينا - التخلص من عبء التناص، وإلفة المتلقي للرموز والحوادث المتناص معها، بالانتقال إلى الذاتي، فالشعر يعبر عن دواخله، ويوظف ما يخدم الحالة في ذلك.

من هنا جاء التناص التراثي سلساً محرِّضاً، ولم يكن في سياق التزيين الكلامي الزائد، وهذا ما نلمح أول تجليِّاته في العنوان المخاتل (خطأ في الشبيه) بكل ما يحمله من موروث ماثل في ذهن المتلقي الذي سيذهب إلى فكرة الصلب، ولكن قراءة النص ستحيل القارئ إلى الذات الشاعرة، وبالتالي فالشاعر - بذكاء - يستخدم العنوان الموحي بمرجعية معروفة للقارئ؛ ليأخذه إلى مناطقَ دلاليَّةٍ أخرى تخيِّب أمل المتلقي بالمعروف لديه، وتحيله إلى معانٍ أخرى تصبُّ في خانة الذات الشاعرة التي - وإن استخدمت التناص التراثي مع قصة الصلب - إلا أنها ما أرادت إلا ذاتَها، ووصفَ معاناتها، فالهم هنا فردي، حياتيٌّ، متعاكس مع مراد العنوان الساكن في المرجعية التاريخية.

فالخطأ هنا في الشبه هو خطأ واقع على الذات الشاعرة التي تشكِّل البؤرةَ الأساسية للنص، ومن هنا انصهرت كل التناصَّات في خدمتها، فانحرفت عن سياقها المرجعي؛ لتدخل في توظيف جديد.

من هنا كان السياق المقارن، المؤلم بين حال الشاعر الاغترابية (يوسف الجديد) وقصة يوسف المعروفة (يوسف في القص الديني)، فإذا كان ألم الخيانة، والوحدة، وتخلِّي الأخوة جامعًا مشتركًا بين الشاعر ويوسف، فإن الإضافة الدلالية على يوسف الجديد أن مصر الشاعر لا أحد فيها ليستقبله، ويساعده على الاستمرار بالحياة، يقول:

«للرِّيح أجنحةٌ تُطيِّرها

ولي البعد

فإذا سمعتِ عُواءَها

فأنا الذي أعدو

فخذي ثيابي

لا أبي أعمى “فألقيا عليه”

ومصر لا أحد بها

هذي مفاتيحي

على أطراف أنملة تخف بحملها

وينوء بي وطني

ودمي نخيل»

ولا يخفى السياق الخطابي الجديد هنا، فالعرف - في مثل هذا التناص - أن يكون المخاطب مذكَّراً - الأب غالباً، كما نلحظ عند محمود درويش وشوقي بزيع، وغيرهما - ولكن الشاعر اختار الأنثى ليدخلنا في سياقٍ أكثرَ درامية ووحشة؛ فالشكوى، هنا، للأنثى، ثم سينحرف النص عن التناص المألوف لقصة يوسف ليجنح لقص سيرة الذات الشاعرة وتوجُّعاتها، وآلامها في رحلة البحث عن منابت الرغيف وجنة الماء، وليبين لنا المفتاح الدلالي للنص - كما ورد في العنوان - عبر تقديم تأويل لسبب الخطأ في الرواية المتمثل بأن الرواة رووا قصة مع خطأ في اسم بطلها، فالبطل هو الشاعر من باب إسقاط القصة على نفسه، وهنا يقدّم لنا الشاعر المسوِّغ الدلاليَّ للعنوان فهو، ببساطة، لا يروي شبهة المسيح، ولا شبهة الحادثة التاريخية الواقعة ليوسف، وإنما يرى الشبهة في الاسم فقط مع تشابهات واختلافات على صعيد الذات الشاعرة، فالرواية الأخرى الصحيحة المسندة للشاعر هي رواية الذات الشاعرة.

من هنا كان خطأ الرواة الذي يراه الشاعر بلعبة فنية لا تخلو من طرافة، وحنكة، يقول:

«غير أني غارق في التيه

أبحث عن منابتَ للرغيف

وجَنةٍ للماء

تبعد قدر لا شيئين من ظمئي

فلا نكد الحكاية جف عن طيني

ولا بلَّ اليمانيون رائحة اليباس

كأنما خطأ تتبَّعه الرواة، فكان لي»

ثم ينتقل النص إلى المزاوجة بين خطاب الأب عبر التناص المعروف، وبين خطاب الذات الذي يسرد فيه موقف الذات، وحالتها، وغربتها، متابعاً في تفسير حالة الشبه، وتبدأ سيرة الذات:

«وأبي يهمُّ وما رأى شيئاً ليذبحني»

ثم بالانتقال إلى العلاقة مع الوشاة، وما ترويه عرَّافة الشاعر وكاهنته الشعرية:

« لكن عض ساقي الوشاة

فعذت من لغتي

بما قرأتْه كاهنة الطيور

فلم أجد معنى لأوغل في غد»

ثم ينوِّع الشاعر الخطاب عبر الانتقال إلى صيغة مخاطبة الذات، وهي الصيغة الدرامية التي تعبر عن حالة اليأس، ليختم الشاعر نصه برؤية أخرى للشبيه الوارد في العنوان، وهو لا يخرج عن دائرة الذات الشاعرة، ولكن برؤيا أخرى، يقول:

«... لعل وجهي لا يرى شبها يليق بموته

حَدْس ينبِّئني بما في كف قارئتي

أحسُّ بصوته المخبوءِ بي

لا شيءَ يشبهني

لا وجهي على المرآة يشبهني

وعلوتُ يحملني الصليب

ولا شبيه

وجذع أمي لم يزل يهتز من خلفي

فأسقط

لا بُراقُ اللهِ يرفعني إليه

ولا الندامة»

ولا تخفى في هذا المقطع - الذي يشكل نهاية النص - القدرة العالية على امتلاك الرؤية الفنية عند الشاعر؛ عبر التكثيف الشديد في السرد لتناصات عدَّة، وهذا ما يجعل النص ينتمي إلى الحداثة الشعرية بقوة، تلك الحداثة التي تمتلك رؤيةً فنيَّة للغة والتراث والفن؛ فالنص، ببساطة، هو قراءة درامية للشبه، وظَّفت تناصات عدة في سردها، ونسجت فيها نصاًّ وقعت الذات الشاعرة فيه في موقع استلهام الرموز والقص التراثي؛ لتقديم مقولة الذات، بعيداً عن أي قراءة تراثية للرمز، أو توظيف عابر، فكل ما في النص ورد لتقديم مقولة الذات الشاعرة، وانصهر فيها، وهذا ما يجعل من صوت (الأنا) في النص هو صوتنا جميعاً عندما نقرأ النص، فكلنا سيصبح الشبيه، وربما هنا يكمن السر الجمالي في السرد الذي يعتمد ضمير المتكلم؛ لأنه ضمير كل القراء والمتلقين.

إنها غواية الشعر، وفتنته التي لا تنتهي.

ناقد، من سوريا - مقيم بالسعودية.
297984