رخـصـــة قـــــلـم
مبارك بوبشيت * - 13 / 10 / 2007م - 6:34 م - العدد (46)
القلم، هذا الذي لا يتعدى طوله الشبر، طويل الباع، يتناول البعيد العبيد ويضعه تحت سنِّه دون أن يعترف بالمسافات الجغرافية، والأبعاد المكانية، لأنه قناة عقل كاتبه، والعقل معجزة رب العباد. القلم، هذه الآلة الجامدة، تنبض بالحياة، ويسيل منه نهر جار من مياه الحياة التي قد تنقذ شعوباً، وقد يسيل منه سم زعاف يهلك الحرث والنسل. هذه الآلة الجامدة تنبض، وتنبض بنبض صاحبها، فبقدر ما في صدر صاحبها من دفء وحياة وعطاء؛ يظهر ذلك من خلال مداد قلمه. ذلك المداد الأسود الذي طالما حمل إشعاعات النور، نور العلم والهداية والرشاد والإرشاد إلى من هم بحاجة إليه. القلم، هذه الآلة النحيلة، العجفاء، الجوفاء، التي لو ضربت بها طفلاً لم تؤلمه، كم قتل وقتل؟ وكم أباد وأباد؟ إنه أخطر سلاح عرفه الإنسان، حيث إن أخطر سلاح عرفته البشرية هي الكلمة، والكلمة مسموعة، ومكتوبة، والمكتوبة أخطر لأنها تبقى، وتبقى ما بقي الكتاب، فما دام السلاح له (رخصة استعمال) فلماذا أهملت دول العالم (القلم) ولم تصنفه ضمن المحضورات وترغم كل من يحمله أن يحمل رخصة له؟ رحم الله المنفلوطي حين قال عن القلم: كم أثار اليراع خطبا كمينا وأمات اليراع خطبا مثارا قطرات من بين شقيه سالت فأسالت من الدما أنهارا كان غصنا فصار عودا ولكن لم يزل بعد يحمل الأثمارا كان يستمطر السحاب فحال الأمر فاستمطر العقول الغزارا وكما يقال في الأمثال: (بجرة قلم) هذه الجرة التي أقامت حضارات، وأبادت حضارات. فما حضارات اليونان والإغريق والفراعنة غير (جرة قلم )، وما الحرب العالمية الأولى والثانية غير (جرة قلم)، وما غزو الكويت إلا (جرة قلم). هذا القلم الذي يصنع المعجزات في كلا الاتجاهين؛ اتجاه البناء والتعمير ونفع الإنسان وعمارة الكون، واتجاه الخراب، والدمار، والأهوال الجسام التي يشيب منها الولدان، فما قوانين الجاذبية لنيوتن، والنسبية لأنشتين غير حبر على ورق من (جرة قلم) تعلمها الناس وطبقوها حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تكنولوجيا لا تزال تستخدم بصمات (جرة قلم) العلماء، وما هيروشيما ونجازاكي وغيرهما من الدمار الشامل غير بصمات (جرة قلم) من قائد متهور لم يرع حرمة هذا القلم. القلم، هذا الذي تطور من كونه عودا من قصب إلى ريش من طيور إلى خشب وحديد وذهب وبلاستيك. هذا الساكن العاقل الهادئ المستكين فوق الطاولة، أو في جيب صاحبه بجانب قلبه النابض، وكأنه يسمع همس ذلك القلب فينتظر أن تنقذه الأنامل، وتحمله في هدوء ووقار لتعطيه حرية الحركة على الورق فيسكب احتقاناته التي اختزنها في قلب صاحبه، ويفضح أفكاره وهواجسه.
* كاتب
203227