علماء الدين والشأن الثقافي
التحرير - 8 / 2 / 2011م - 1:00 ص - العدد (54)

من الطبيعي القول: إن الحياة الثقافية والفكرية في أي مجتمع، هي وليدة عوامل وأسباب عديدة ومركبة. إذ لا يوجد حراك ثقافي وفكري في أي فضاء اجتماعي، إلا وتقف وراءه العديد من الحواضن والعوامل التي أسهمت بنسب متفاوتة في عملية الحراك الثقافي والفكري.

وفيما يرتبط بالشيعة في المملكة، فإننا نعتقد أن شريحة علماء الدين كان لهم الدور الأساسي في غرس بذور الحياة الفكرية والثقافية في المجتمع. فهم ساهموا في تعريف أبناء المجتمع بالعديد من المعارف الثقافية، كما كان لخطبهم ودروسهم ومؤلفاتهم دورها ووظيفتها في تشجيع الحياة الثقافية والعلمية في المنطقة.

ويمكننا إيجاز دور علماء الدين في الحياة الثقافية على المستوى التاريخي في النقاط التالية:

1- المساهمة المباشرة من قبل العديد من علماء الدين في الحياة الثقافية، وذلك عبر الدرس والخطاب والتأليف والمجالس الأدبية والثقافية التي كان يعقدها العديد من علماء المنطقة.

2- احتضان العديد من الشعراء والأدباء، وحثهم وتشجيعهم على الإنتاج الثقافي والأدبي.

3- التواصل والانفتاح مع الحركة الثقافية والأدبية في العديد من المناطق والدول.

وبطبيعة الحال وبفعل هذه الحياة الثقافية والاجتماعية، وطبيعة التكوين الثقافي والأدبي لشريحة علماء الدين في المجتمع. كانت هناك عمليات استقطاب فكري وثقافي. إذ أن علماء الدين كانوا على الصعيد الفكري والثقافي ينتموا إلى مدارس وتوجهات متعددة.

مما جعل من عملية الاستقطاب حالة قائمة وشاخصة. ولكن وفي تقديرنا الشخصي أن تعدد التوجهات الفكرية والثقافية لعلماء الدين أفاد المنطقة على الصعيدين الثقافي والمعرفي، وساهم في دفع مختلف الشرائح الاجتماعية للتواصل والانفتاح على مختلف المدارس والتوجهات الثقافية الموجودة في ساحة الأمة. وعليه فإننا نعتقد أن من المهام الأساسية والمستديمة لعلماء الدين في منطقتنا ومجتمعنا، هي الاستمرار في تبني القضايا الثقافية، واحتضان الكفاءات الثقافية والأدبية والإبداعية، والمساهمة الفعالة في دعم وإسناد النشاط الثقافي والإبداعي بكل صوره ومستوياته..

لأن حيوية الحياة الثقافية في مجتمعنا، تنعكس إيجابا على كل عناصر الحياة في مجتمعنا..

وعلماء الدين بما يشكلوه من ثقل تاريخي ومركزية اجتماعية، هم أيضا مطالبون بخلق المعرفة الدينية الجديدة، التي تجيب على أسئلة عصرنا، وتوفر لأجيالنا الشابة المعارف الدينية برؤية ونمط جديد يحرك الساكن، ويستوعب الجديد، ويجيب على إشكاليات الراهن..

إننا نعتقد أن التفات علماء الدين في مجتمعنا إلى الشأن الثقافي العام، والتعاطي الفعال معه، سيساهم في تطوير هذا الشأن،، وسيدفعه نحو خيارات وآفاق جديدة..

ولكي تكتمل هذه المسألة، أرى من الضروري التطرق إلى شأن الحوزات العلمية في مجتمعنا، والدعوات النبيلة المتكررة بضرورة وجود مرجعيات دينية محلية إذا صح التعبير.

أما عن وجود مرجعيات دينية في داخل الوطن.. فإننا نعتقد بأهمية هذه المسألة، ونتصور أن هذه المسألة بحاجة إلى المقدمات التالية:

1- وجود حوزات علمية في داخل الوطن، تدرس مختلف المراحل العلمية، وتتوفر على استقرار قانوني واجتماعي صلب ومتين.

2- تشجيع وتنمية البيئة العلمية في المجتمع، وذلك لأنه لا يمكن خلق مرجعيات، بعيدا عن تنمية البيئة الاجتماعية باتجاه احتضان العلماء وتذليل العقبات أمامهم وتوفير كل مستلزمات البحث والدراسة والتحصيل العلمي.

3- التواصل والتعاون العلمي والمعرفي مع الحواضر العلمية الموجودة في ساحة الأمة. كما أن الجامعات لم تتطور إلا بالاستفادة من الخبرات الأكاديمية التي تم جلبها للتدريس في جامعاتنا.

كذلك لا يمكن بناء حوزة علمية قادرة على خلق مجتهدين، بدون الاستفادة من الخبرات العلمية الموجودة في الحوزات العلمية الأخرى. وعليه فإننا نرى أهمية تذليل العقبات التي تحول دون بناء معاهد دينية – شيعية والسماح لها بالاستفادة من الخبرات العلمية التي تساهم في عمليات البناء والتشييد العلمي.

232037