ميناء رأس تَنُّورة
في العهد العثماني - 1288هـ
جلال بن خالد الهارون الأنصاري * - 8 / 2 / 2011م - 1:05 ص - العدد (54)

تمهيد

قد يعتقد الكثيرون من مؤرخي المنطقة الشرقية، فضلا عن العامة، بأن رأس تنورة، الميناء أو المدينة، ما هي إلا موقع من المواقع الحديثة التي تأسست تبعا لتدفق النفط الذي أثمر عن جهود التنقيب، وتوقيع اتفاقية الامتياز بين حكومة المملكة العربية السعودية ممثلة في وزير المالية السعودي الشيخ عبد الله السليمان، و المستر ل. ن. هاملتون عن شركة البترول الأمريكية ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا في 4 صفر 1352هـ، لذا فمن غير المستغرب أن ينصب اهتمام المؤرخين والإعلاميين المعنيين بمهمة إبراز تاريخ الساحل الشرقي من المملكة العربية السعودية على دراسة تاريخ قرى واحة القطيف المشهورة كدارين وتاروت والفرضة (القلعة) وعنك وسيهات، في حين أن عناية هؤلاء المؤرخين قد تتسع قليلا لتغطي جزءًا من التاريخ الحديث والمعاصر لمدن الدمام والخبر والجبيل.

فالجميع سلك هذا الطريق وهذا المنهج دون شعور منه، ولكن تبعا لسهولة البحث في تلك المناطق، وانبهاراً ببريق التاريخ البارز، خارج السياج الأمني لشركة أرامكو، في دارين وتاروت والقطيف... وغير ذلك، لذا أعتقد بأننا انشغلنا كثيرا عن مواقع أخرى مهمة، وأدرنا لها الظهر بما فيه الكفاية، فهذا التاريخ المهمل مهم ومكمل - في نفس الوقت -للتاريخ الأول، بل وجزء لا يتجزأ منه، حجب هذا الجزء من التاريخ منذ عشرات السنين خلف سياج مصفاة البترول في رأس تنورة، فهل يا ترى تستطيع هذه المقالة تجاوز ذلك السياج، والكشف عما غيب خلفه من تاريخ؟

نظرة عامة

يقع ميناء رأس تنورة في الجهة الشمالية الشرقية لمدينة القطيف، ويفصل رأس تنورة عن جزيرة تاروت وساحل مدينة القطيف، خليج شبه دائري مفتوح على الخليج من طرفه الجنوبي الشرقي المواجه لساحل مدينة الدمام الشمالي، في حين لا يتجاوز قطر هذا الخليج سوى بضعة كيلو مترات فقط، ويحد ميناء رأس تنورة، قديماً، من الجهة الشمالية عين ماء رحيمة، والتي كانت المصدر الوحيد للماء للبدو من قبيلة بني هاجر سكان تلك المنطقة في فترة ما قبل ظهور النفط، وتبعد هذه العين عن مركز الجمارك العثماني برأس تنورة محل الدراسة قرابة كيلومترين، تقريباً، إلى جهة الشمال، كما ويحد رأس تنورة من الشمال، أيضاً، صحراء مممتدة تكثر بها الشجيرات البرية الصغيرة المتفرقة، وتقع فيها منطقة الجعيمة، وقرية شعاب[1] ، وتمتد هذه الصحراء على طول الشريط الساحلي مسافة 150 كليومتر تقريبا حتى أطراف بلدة «عينين» القديمة أو ما يعرف حاليا بمدينة الجبيل، ويحد ميناء رأس تنورة من جهة الغرب خليج تاروت شبه الدائري الذي تحدثنا عنه سابقاً، والذي يفصلها عن عدد من القرى التابعة للقطيف، وهي مرتبة من الشمال إلى الجنوب على طول الشريط الساحلي المقابل لرأس تنورة، وهي أولا قرية صفوى ثم قرية العوامية ثم قلعة القطيف، وجميع هذه القرى يمكن مشاهدتها بسهولة من ساحل رأس تنورة، ويقع إلى الجنوب الغربي من رأس تنورة جزيرة تاروت، وبها القرى التالية مرتبة من الشمال إلى الجنوب، أيضاً، وهي: سنابس والزور، وتاروت، والربيعية، ودارين، ويمكن مشاهدة هذه القرى أيضا بسهولة من شاطئ رأس تنورة، ويحد رأس تنورة من جهة الشرق الخليج العربي.

ومن الجدير بالذكر، أيضاً، وجود جزيرة صغيرة تابعة لرأس تنورة تسمى حالة زعل، وتقع إلى الشمال الغربي من رأس تنورة لا يفصلها عن هذا الرأس سوى عشرات الأمتار كما هو موضح بالخريطة التالية:

كانت رأس تنورة قبل ظهور النفط خالية من السكان، وذلك إذا ما استثنينا الموظفين الأتراك العاملين في ميناء رأس تنورة العثماني، مضافا إليهم مجموعة صغير من عشيرة المسارير - وهي فرع من بني هاجر، شبه مستقرين بالقرب من (عين رحيمة) حيث كان يوجد لهم بها، قديماً، مسجدٌ صغيرٌ، ومساكن مؤقتة يسكنون فيها في فصل الربيع، وأما في فصل الصيف فكانوا يسكنون في مساكنهم الدائمة في بلدة دارين، وبلدة الزور، علما بأن سكن بني هاجر هؤلاء في رأس تنورة لم يكن قديما وسابقا للعام 1288هـ، حيث تذكر الوثيقة العثمانية المحررة بتاريخ 12 ربيع الأول 1288هـ النص التالي[2] :

(بعد الوصول إلى رأس تنورة في يوم الخميس 4 ربيع الأول 1288هـ والخروج إلى البر تم التوجه إلى رحيمة إلا أنه لم يستقر هناك لعدم وجود مبان سكنية رغم وجود المياه الصالحة للشرب وأنهم لم يشاهدوا واحدا في رحيمة، وأفاد أنه استمر في الزحف نحو القطيف...).

 ومن كبار هذه الأسرة حاليا الشيخ سلطان بن درويش آل مسارير الهاجري المقيم حاليا في مدينة رحيمة[3] ، في حين كان يعقد في رأس تنورة سوق موسمي للبدو يبيعون به منتجاتهم البسيطة؛ كالأغنام، والدهن والأقط، والصوف، وغير ذلك، وربما كان وقت انعقاد هذا السوق في فصل الربيع من كل عام حيث أنه من المشهور نزول الحضر من أهالي دارين إلى رأس تنورة في فصل الشتاء والربيع للتنزه وجمع الفقع (الكمأة) وصيد الطيور والأرانب البرية بالبنادق والحبال بنصب الفخاخ، كما يوجد على ساحل رأس تنورة عدد محدود من الحضور الخاصة بصيد الأسماك والتي من أشهرها حضرة ناصر بن لحدان الفيحاني، فهذا باختصار شديد ما كانت عليه رأس تنورة قديما.

النشأة والتسمية

عرفت منطقة رأس تنورة بهذا الاسم قبل أكثر من 500 سنة على أقل تقدير، فمنطقة رأس تنورة في حقيقتها أقدم بكثير من مناطق ومدن خليجية أخرى حديثة كالدمام والكويت ودبي، وغيرها، التي تأسست في وقت متأخر، جداً، مقارنة بمنطقة رأس تنورة التاريخية، حيث وقفنا على ذكر الاسم رأس تنورة في العديد من الخرائط الأوربية القديمة التي يزيد عمرها على 500 سنة تقريبا ومن تلك الخرائط خريطة هولندية لملاح هولندي يدعى «نسخوتن» وضعها قرابة عام 1596م، وهذه الخريطة لا تزال محفوظة في مكتب محفوظات أرشيف الدولة العامة في هولندا[4] ، وكان الاسم كما ورد في الخريطة (Tenora)، ويقع - كما هو محدد في الخريطة - جهة الشمال من بلدة القطيف.

وأما بخصوص أصل إطلاق التسمية: «رأس تنورة» فالتسمية مكونة من شقين الأول «الرأس» وهي كلمة درج استخدامها في منطقة الخليج العربي لوصف أي لسان ترابي أو صخري يمتد وسط مياه الخليج مشكلا لساناً أو ذراعاً من اليابسة، ومن أمثلة ذلك رأس تنورة، و رأس الحد، ورأس أبوعلي، و رأس ركن، وغير ذلك.

وبما أن هذه التسمية مرتبطة بالسواحل لذا فنعتقد بأن مصدر إطلاقها «هنا» البحارة في منطقة الخليج، وأما بخصوص الشق الثاني من التسمية، فيذكر الأستاذ صالح القعود[5]  بان كلمة «تنورة» نسبة إلى وجود دوامة بحرية أشبه ما تكون بالفرن (التنور)، وذلك في موقع ما بالقرب من نهاية حافة الرأس الجنوبية لذا كانت البحارة تتحاشى الاقتراب من هذه المنطقة أو التنور[6] ، ونحن لا نؤكد أو ننفي صحة هذا التفسير ولكننا وقفنا على نص ربما يدعم فرضية الأستاذ «القعود» بوجود «التنور» أو الدوامة البحرية، وحذر البحارة منه وذلك بالاستشهاد بنص التحذير التالي نقلا عن مخطوطة «مجاري الهداية»:

(من رأس الجعيلية إلى رأس تنورة المجرى في مطلع الإكليل، إلى أن يصبح عمق البحر 11 – 12 قامة، وهنا غيِّر في المجرى إلى ما بين مطلع العقرب والحمارين، وستشاهد رأس تنورة، وهو بندر يحميك من جميع العواصف، واستعمل فيه مرساة غربية؛ لأن البندر قاعه رملي. أما في رأس الماشية وهو صخري مغطى بالرمل فالتيار فيه قوي جدا، فاحذر الاقتراب من رأس تنورة وأنت في مجراك)[7] .

علما بأن هذه الفرضية يعتريها بعض الضعف وفقا لرأي أخر للأستاذ عدنان العوامي [8]  الذي يرى بأن الأسماء المرتجلة غير قابلة للتعليل، ويقول بأن هذا التعليل لو كان صحيحا لوجب أن يكون الاسم (رأس التنور) وليس (رأس تنورة)؛ لأن التنور مذكر حتى في اللهجة، فما هي علة الإضافة المؤنثة لعلم مذكر؟

مبنى الميناء العثماني

يعتبر مبنى الميناء العثماني في رأس تنورة أهم معلم تاريخي في بلدة رأس تنورة قبل إزالته أخيرًا، وكان يقع، تحديدا، في منتصف الساحل الغربي للرأس الترابي المسمى برأس تنورة وتتجه واجهة المبنى صوب جزيرة تاروت، وكثيرا ما تردد ذكر هذا المبنى في العديد من الوثائق العثمانية والانجليزية، ومن ذلك وصف المؤرخ الانجليز ج. ج. لوريمر له بالنص التالي[9] :

(رأس تنورة، كان يوجد بها مرفأ كانت تستعمله الحكومة التركية عند زيارة قواربها للقطيف، وقد احتفظ الأتراك بمحطة للوقود قريبا من المرفأ).

ومن خلال استعراض الدكتور عبد الله بن ناصر السبيعي لعدد كبير من الوثائق الواردة في كتابه المسمى «الحملة العسكرية العثمانية»، والذي تحدث فيه، تفصيلاً، عن أخبار الحملة العثمانية المرسلة إلى القطيف والاحساء عام 1288هـ، نستطيع أن نستنتج من هذا الكتاب الأسباب الرئيسية التي دفعت الحكومة التركية إلى إنشاء هذا المبنى في رأس تنورة عام 1288م، حيث أن الدكتور السبيعي كان يذكر بان الوالي أحمد مدحت باشا واجه العديد من الصعاب أثناء عملية نقل الجنود من الكويت إلى القطيف، وكانت أهم هذه الصعاب الأمور التالية:

1 - انتشار مرض الكوليرا والملاريا في القطيف وقت وصول الحملة العثمانية؛ مما أعاق إمكانية دخول الجيش للبلدة، وبالتالي نتج عن ذلك تفكير أحمد مدحت باشا في إنشاء بلدة جديد للقطيف تكون بجوار بلدة القطيف القديمة[10] .

2 - صعوبة وصول السفن الحربية العثمانية الكبيرة إلى موانئ القطيف بسبب ضحالة المياه، مما اضطر الوالي إلى إبقاء السفينة الحربية الكبيرة «بابل» بالقرب من سواحل رأس تنورة والاقتراب من موانئ القطيف بالسفن الصغيرة[11] .

كل هذه الأسباب وغيرها قادت الوالي العثماني إلى الالتفات والتفطن إلى أهمية موقع رأس تنورة كموقع مميز لإنشاء ميناء جديد عسكري وتجاري يخدم منطقة القطيف، وربما كان المشروع طموحا بشكل أكبر من ما تم تنفيذه على أرض الواقع حيث أنه من الممكن أن تكون الخطة هي إنشاء ميناء ومدينة حديثة لإقامة كبار التجار التابعين لقضاء القطيف فيها، بدل من المدينة التي تقرر إنشاؤها بالقرب من القطيف القديمة، وبالفعل أتم العثمانيون إنشاء المبنى العثماني محل الدراسة، لكن لم يتم إنشاء شيء أخر غيره في رأس تنورة.


أجزاء مبنى الميناء برأس تنورة

من السهل، جدًّا، دراسة الأجزاء الرئيسية للمبنى من خلال دراسة الصور الفوتوغرافية المتوفرة لدينا لهذا المبنى، فهي توضح أن هذا المبنى مكون من مبنى مستطيل الشكل عرضه قرابة الأربعة4 أمتار تقريباً، وطوله قرابة العشرين (20) مترا مكون من طابقين، الضلع الطويل لهذا المبنى يفتح ناحية الشرق مستقبلا جزيرة تاروت وساحل القطيف، ويقع في منتصف الضلع الطويل لهذا المبنى مدخل مربع الشكل عرضه ثلاثة أمتار، وهو عبارة «ليوان» في الطابق الأرضي يمثل المدخل، وغرفة في الطابق الثاني، ويتصل هذا المبنى من الجهة الجنوبية له بمبنى أخر كبير، مستطيل الشكل، أيضاً، عرضه قرابة الخمسة عشر (15) متراً، وطوله قرابة خمسة وثلاثين (35) مترا تقريبا، مكون من طابق واحد فقط، كما هو موضح في الصورة رقم (1) المرفقة أدناه.


وقفنا - أيضاً، في مكان آخر - على تفاصيل ومكونات هذا المبنى، في أحد المصادر التاريخية المتضمنة وصفا دقيقاً إلى حد ما، نقلا عن الوثائق العثمانية المحررة عام 1288هـ وبالنص التالي:

(وكان أحمد مدحت باشا يعتقد أن أهم ما يجب عمله هو الاهتمام بموانئ المنطقة والبدء بإنشاء مستودع للفحم الحجري، ومستودع للعتاد والمهمات العسكرية، ومساكن للجنود في ميناء رأس تنورة التي يرى أهميتها الإستراتيجية، وأنه تنقصها توفر الماء العذب، مما جعل الخيار المتاح للعثمانيين هو سحب الماء من عين رحيمة التي تبعد مسافة ثلاث ساعات أو تحلية الماء بواسطة آلة تستورد لهذه الغاية) [12] .

بالفعل تم مباشرة عملية البناء في هذا المشروع قرابة عام 1288هـ والانتهاء منه ربما منتصف أو نهاية العام 1289هـ، كما ونعتقد بأن فرقة البنائين التي ورد خبر وجودها مع الجيش العثماني هي من قام بالعمل وإتمام البناء، فإني – وأنا مهندس معماري - لاحظت تميزا في هذا المبنى من حيث الدقة في البناء، واختلاف الطراز المعماري جذريا عن باقي الأنماط المعمارية السائدة في مباني تلك الفترة، فقد كان هذا المبنى يحتوي على بلكونات، أو شُرف خارجية تطل على الساحة الأمامية للميناء تحتوي على موانع مصنوعة من الحديد المشغول، وهذا الطراز لم تعرفة المنطقة، ولكنه طراز مشهور ربما في مناطق أخرى غير القطيف كالبصرة وبغداد والشام، كذلك نظافة واستواء التكسية الخارجية لجدران الواجهة، مع وجود شعار الدولة العثمانية المتمثل بالنجمة والهلال أعلى مدخل مبنى الميناء، بالإضافة الى تصميم المستودع الكبير الذي من الواضح أن تقنية تغطية السقف الخاص به كانت بتقنية بناء متقدمة.

كل هذا يدفعنا إلى التفكير في أمور عدة منها مهارة البنائين، ومدى الإصلاح والتجديد الذي كانت تود الدولة العثمانية تجسيده في هذا المبنى.

على كل حال فإن النص السابق قسم مبنى ميناء رأس تنورة إلى الأجزاء التالية:

1 - مستودع للفحم الحجري.

2 - مستودع للعتاد.

3 - مركز لإدارة المهمات العسكرية.

4 - مساكن للجنود.

5 - آلة تحلية الماء.

6 - موقع رفع العلم العثماني أعلى مدخل الميناء.


صورة مرفأ رأس تنورة العثماني
من جهة البحر

1 - المستودع الكبير

من الواضح جدا في الصور احتواء مبنى المرفأ على مستودع تقدر مساحته الإجمالية بـ 200 متر مربع، وهذا يتضح لنا من النسبة والتناسب في أبعاد تلك الصورة، ويلاحظ - كذلك من طريقة التصميم - أن هذا الجزء الخلفي من مبنى المرفأ كان بالفعل مستودعاً، نظرًا لعدم وجود النوافذ إلا في الجزء العلوي منه، و هذا دليل على اقتصار استخدام النوافذ للإضاءة فقط، كما أن ارتفاع النوافذ بهذه الكيفية يحد من إمكانية تسلل اللصوص.

ومن نص الوثيقة العثمانية المشار إليها أعلاه نعلم بأن هذا المستودع كان يحتوي على، كميات كبيرة من الفحم الحجري، وعدد آخر من المعدات الحربية، وهذه المعدات نعتقد بأنها عبارة عن ذخيرة وأسلحة وأدوات أخرى متنوعة خاصة بالسفن العثمانية - كقطع الغيار، مخصصة لصيانة السفن البخارية والتي منها المركب البخاري «زحاف»، و»مريخ» الذين كانا يخدمان في هذه المنطقة للتأكد من تقيد السكان بالأوامر العثمانية، والتأكد من استمرار رفع العلم العثماني على المباني الإدارية بمختلف المدن والقرى، كما وكان هذا المستودع يحتوي، أيضاً، على كميات من الزيوت والحبال والمؤن الغذائية التي تحتاج إليها، السفن العثمانية، بالإضافة إلى بعض البضائع والبريد وما إلى ذلك.

2 - مركز إدارة المهمات العسكرية

نعتقد بان مركز إدارة المهمات العسكرية التي تعني هنا مكاتب للضباط ومدير الميناء، الخ، كانت في المبنى المستطيل المكون من طابقين حيث توجد في الطابق الأرضي، غرفتان تتسع كل غرفة لثلاثة أشخاص كحد أقصى، كما ويوجد في الطابق الثاني أيضا ثلاث غرف أخرى تتسع كل غرفة أيضا لثلاثة أشخاص، وعليه يكون أجمالي عدد الإفراد العثمانيين العاملين في هذا المبنى قرابة (15) فردا.

3 - مساكن للجنود

لا يوجد على ساحل رأس تنورة سوى هذا المبنى؛ لذا لا نعتقد بأن الدولة العثمانية أتمت إنشاء هذه الجزء من المشروع، حيث أن مبنى كهذا قد يتسع لـ 15 فردا لا بد لهم من توفر مساكن تحتوي على غرف للنوم، ومطبخ كبير لخدمة جميع الإفراد، ودورات مياه، وكل ذلك لا يمكن أن يتوفر في مبنى الميناء محل الدراسة، لذا نعتقد بأن الدولة العثمانية اكتفت بتقسيم ساعات الخدمة بين صباحية ومسائية، في حين يكون مكان إقامة الجنود على الساحل المقابل أما في قلعة دارين أو قلعة القطيف، وعليه يمكننا تخيل منظر الجنود وهم ينتقلون في سفينة صغيرة نهاية ساعات العمل إلى جزيرة تاروت للاستحمام في «حمام باشا»، ثم الانتقال إلى قلعة دارين للاستراحة.

4 - مكان رفع العلم العثماني

قبل أن أبحث في موضوع هذا المبنى كنت قد قرأت نصاًّ تاريخيًّا منشورا في مجلة الواحة[13]  يحتوي على الخبر التالي:

(ميناء رأس تنورة الذي كان في طليعة اهتمام المسلَّحين، شهد إنزالا بريطانياًّ شبه عسكري، قبل سنوات قلائل من المسح نفسه، حيث رست سفينة حربيّة، ورفعت العلم البريطاني، وتقدّمت بعروض الحماية للأهالي من غائلة البادية، ومن الحكم العثماني نفسه، لكن الزعماء السياسيين والدينيين رفضوا العرض، وتوجّه بعض الأهالي إلى رأس تنورة وحطموا سارية العلم).

عند قراءتي لهذا النص لأول مرة قبل بضع سنين والذي كان يتحدث عن رفع الانجليز للعلم البريطاني في رأس تنورة خلال الأحداث التي رافقت ثورة البدو وحصارهم للقطيف قرابة عام 1326هـ، كنت أتصور أن السفينة البريطانية رفعت العلم البريطاني على الكثبان الرملية في رأس تنورة، ولكني اليوم، وبعد كتابة هذا البحث أصبحت أعلم بأن العلم رفع على مدخل مبنى ميناء رأس تنورة في الموقع الواضح في الصورة رقم (2)، ومن ذلك نستطيع معرفة موقع الصارية المخصصة لرفع العلم العثماني، الواقعة، تحديداً، أعلى مدخل الميناء مباشرة.

موظفو ميناء رأس تنورة العثماني

كان من أشهر الموانئ العثمانية الهامة في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية ميناء العجير (العقير)، والقطيف، ثم يأتي في المرتبة الثانية ميناء دارين، وميناء الزبارة، وميناء الدوحة، وميناء رأس تنورة، وكانت هذه الموانئ تدار من قبل مجموعة أفراد من أهمهم التالي:

1 - مدير الميناء

مدير الميناء أو (ليمان دائرة سي) وفقا للغة التركية، ويشترط في مدير الميناء أن يكون مجيدا للغة العربية مع سابق الخبرة في أعمال إدارة الموانئ، وتنحصر مهمة هذا المدير في الإشراف على الميناء وتفتيش الأجانب القادمين والمسافرين عامة، وصرف تصريحات السفر التي يفرضها النظام العثماني على المسافرين كافة، وكانت قيمة تلك التصريحات في اللواء روبية هندية[14] .

2 - رافع العلم

يذكر الدكتور عبد الله ناصر السبيعي في كتابه (الحكم والإدارة في الاحساء والقطيف و قطر) أن الحكومة العثمانية عينت في كل ميناء رئيسي موظفاً مختصاًّ مهمته رفع العلم العثماني في أيام العطل والأعياد الرسمية[15] ، ووفقا لرواية أخرى محلية يذكر أن العلم العثماني كان مرفوعاً، أيضاً، على برج «أبو الليف» الواقع في الخليج الصغير المحصور بين جزيرة تاروت والقطيف، وكان على البحارة الانحناء حال الاقتراب من العلم العثماني، ومن لا يفعل ذلك تتم معاقبته، وربما الشيء نفسه كان يحدث حال الاقتراب من العلم العثماني في مبنى رأس تنورة[16] .

3- مأمور الجمارك:

يوجد في كل ميناء مأمور جمارك مهمته تحصيل الرسوم الجمركية، ويساعده في أداء هذه المهمة أمين الخزينة، وكاتب، وحراس، وسعاة بريد.

4 - مأمور الحجر الصحي

يسمى الحجر الصحي في تلك الفترة « الكورنتينا»، وكانت مهمة المأمور الصحي منع الزوار والمغادرين من الميناء في حالة اجتياح البلاد وباء ما كالكوليرا أو الطاعون، كما ويوجد في الميناء، أيضاً، صيدلية للقيام بالإسعافات الأولية في تلك الموانئ لخدمة السفن العثمانية والمسافرين المارين بتلك الموانئ.

5 - مأمور المستودع

يوجد، أيضاً، في كل ميناء مسؤول إداري رفيع المستوى توكل إليه مهمة إدارة المستودعات التابعة للميناء، هذه باختصار شديد أهم الوظائف التي يشترط توفرها في أي ميناء عثماني في تلك الفترة، وعليه يكون من المفترض توفرها، أيضاً، في ميناء رأس تنورة محل الدراسة.

أهم الأحداث التاريخية التي وقعت بالقرب من رأس تنورة:

من أبرز الأحداث التاريخية التي وقعت بالقرب من سواحل رأس تنورة وسجلها لنا التاريخ معركة حدثت عام 1112هـ بين عرب العتوب والهولة بالقرب من جزيرة البحرين وخلال هذه المعركة انهزم العتوب[17]  أولا إلى رأس تنورة وطاردتهم سفن عرب الهولة[18]  وآل مسلم إلى رأس تنورة، واشتبكت الطائفتان في رأس تنورة، وبعدها فر العتوب إلى بندر الديلم على الساحل الفارسي، ثم إلى البصرة واستقروا أخيراً في بلدة القرين شمال الخليج، وأسسوا هناك بلدة الكويت التي تطورت عنها الدولة الحديثة.

وأما الحدث الآخر فهو مقتل الشيخ سلطان بن سلامة زعيم عشيرة آل بن علي في ميناء رأس تنورة على يد جماعة من قبيلة العمامرة، فرع من قبيلة الدواسر في البحرين، وقصة هذه الحادثة وباختصار شديد: تعرضت عشيرة آل بن علي، المقيمة في ميناء الزبارة العثماني، شمال دولة قطر للقصف من قبل البوارج الانجليزية بقيادة الكابتن كاسكين عام 1113هـ، مما اضطر الشيخ سلطان بن سلامة البنعلي إلى السفر إلى القطيف، ومقابلة القائم مقام العثماني هناك، وخلال هذه السفرة حصل الشيخ سلطان على خطاب يتضمن ما تعرضت له عشيرة آل بن علي من قتل وتشريد على يد السلطات البريطانية خلال تلك الأحداث، وكان من المقرر سفر الشيخ سلطان إلى البصرة لإيصال تظلمات عشيرته إلى مسامع الباب العالي، وفي أثناء سفره هذا مر بميناء رأس تنورة، محل الدراسة، بقصد الاستراحة وقضاء بعض الحاجيات الضرورية اللازمة للسفر، ووفقا لرواية نادرة جدا نوردها هنا إتماما للفائدة، تفيد الرواية بأن البدو كانوا يعقدون سوقا لهم بالقرب من مبنى الميناء برأس تنورة، يبيعون فيه الأغنام والدهن والصوف، للسفن المارة، وبينما الشيخ سلطان يتجول في هذا السوق لقضاء بعض الحاجيات، كانت عيون اثنين من رجال آل عمار ترصده، وهؤلاء كانوا محمد بن ماجد العماري، وابن أجبال العماري، وما أن سنحت لهم الفرصة حتى صوبوا بنادقهم إلى الشيخ سلطان البنعلي وأطلقوا عليه النار وأردوه قتيلا[19] .

نهاية الميناء العثماني بإنشاء مصفاة البترول:

ظل هذا المبنى سليما حتى بعد استيلاء الملك عبد العزيز آل سعود على الأحساء والقطيف عام 1331هـ، حيث جاء وصف هذا الميناء قرابة عام 1357هـ زمن الملك عبد العزيز بالنص التالي:

(وقبل ثلاث سنوات كان صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود منهمكا لبناء رصيف للسفن في رأس تنورة ليتم فيه تفريغ البضائع التجارية التابعة للقطيف ونجد بشكل مباشر، وقام بحفر بئر ارتوازي هناك، بعد ذلك لا علم لدي هل تم الانتهاء من أعمال التشيد في ذلك الميناء وهل أصبح جاهزا أم لا....) [20] .

وبعد أن تم اكتشاف البترول في المملكة العربية السعودية عام 1357هـ، وقع الاختيار على ميناء رأس تنورة ليكون ميناءً مجهزا لتصدير النفط الخام الى مختلف دول العالم، وفعلا استكمل هذا الميناء، وتم تصدير أول شحنة من الزيت الخام منه على الناقلة «د. جي. سكوفيلد» في 11/03/1358هـ، وبذلك انتهى ميناء رأس تنورة العثماني؛ ليحل مكانه ميناء رأس تنورة السعودي الذي يضم حاليا أكبر مصفاة نفط في العالم[21] .

 


الملك عبدالعزيز على ظهر السفينة د. جي. سكوفيلد خلال زيارة له في رأس تنورة وذلك في مايو عام 1939م

[1]  شعاب، بلدة قديمة أسسها البداة من العجمان والمرة والقحاطين والهواجر، انظر: (رأس تنورة)، صالح محسن القعود، سلسلة (هذه بلادنا)، إصدار الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ط1، 1411هـ، ص: 46.

[2]  الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر 1288هـ-1331هـ، د. ناصر عبد الله ناصر السبيعي، مطابع الجمعة الالكترونية، الطبعة الأولى، 1420هـ، ص: 74.

[3]  رأس تنورة الماضي و الحاضر، صالح محسن فهد القعود، مطابع الصناعات المساندة، الجبيل، الطبعة الأولى، جمادى الأولى، 1410هـ، ص: 31.

[4]  نشاة الكويت، ب. ج. سلوت، مركز البحوث والدراسات الكويتية، دولة الكويت، الطبعة الأولى، 2003م ، ص: 33.

[5]  . رأس تنورة، صالح بن محسن القعود، مرجع سابق، ص: 15.

[6]  رأس تنورة، صالح بن محسن القعود، مرجع سابق، ص: 15.

[7]  مجاري الهداية "النايلة"، للربان راشد بن فاضل البنعلي، تحقيق ومعالجة د. جاسم الحسن، ودراسة د. أنور عبد العليم، مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، دولة قطر، الطبعة الثانية، 1994م، ص: 114.

[8]  مدير التحرير بمجلة الواحة.

[9]  دليل الخليج، القسم الجغرافي، ج. ج. لوريمر، قسم الترجمة بمكتب صاحب السمو أمير دولة قطر، جـ7/2446.

[10]  الحملة العسكرية العثمانية على الأحساء والقطيف وقطر 1288هـ-1331هـ، مرجع سابق، ص: 131.

[11]  المصدر نفسه، ص: 130.

[12]  المصدر نفسه، ص: 137.

[13]  متابعة الدور البريطاني بشأن وقعة الشربة وحصار القطيف 1908م، مجلة الواحة، بيروت، العدد الأول.

[14]  الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني 1288هـ - 1331هـ، تأليف عبد الله ناصر السبيعي، مطبعة الجمعة الالكترونية، الطبعة الأولى، 1420هـ، ص: 215.

[15]  المصدر نفسه، ص: 216.

[16]  رواية خليفة بن أحمد السادة، نقلاً عن لفظ المرحوم أحمد بن هارون، من أهالي دارين، عاصر تلك الفترة وتحدث عنها.

[17]  العتوب: تحالف مجموعة من العشائر من أشهرها آل خليفة، وآل صباح، وآل جلاهمة، وآل بن علي (سليم و المعاضيد)، وآل رومي، وآل غانم، وآل قناعي، وغيرهم.

[18]  الهولة: تحالف مجموعة من العشائر من أشهرها القواسم، وآل علي، وآل حرمي، وآل عبيدلي، وآل نصوري، وآل مالكي، وآل تميمي، وآل مرزوقي.

[19]  قلائد النحرين في تاريخ البحرين، تاليف ناصر بن جوهر الخيري، تقديم ودراسة عبد الرحمن عبد الله الشقير، دار الأيام للنشر، مملكة البحرين، الطبعة الأولى 2003م، صفحة 401، بالإضافة إلى رواية رجال من عشيرة آل عمار.

[20]  موانئ وجزر الخليج الفارسي، تاليف أحمد فرامرزي، ترجمة وتحقيق وإخراج، الدكتور صادق الشريف العسكري، دار التعريب – دبي، الطبعة الأولى، ص: 25.

[21]  راس تنورة الماضي والحاضر، صالح عبد المحسن القعود، مرجع سابق، ص: 40.
كاتب
305234