فارس الواحة
محمد بن صالح الفارس 1318 - 1413هـ
هيئة التحرير - 8 / 2 / 2011م - 1:16 ص - العدد (54)

كما القراءة عن الشخصيات والرواد في مختلف المجالات شائقة وممتعه؛ فإن الكتابة عنها، أيضاً، شائقة وممتعة، ولا سيما إذا كانت تلك الشخصية صاحبة إنتاج وانجاز مميز.

وقد اعتاد أكثر أرباب التراجم - من الكتاب في منطقتنا – أن يترجموا لعلماء الدين، ولا سيما البارزين والمجتهدين منهم، وقلَّ أن كُتبت تراجم شخصيات أخرى بعيدة عن سلك العلماء.

أما نحن، في الواحة، فقد دأبنا – ومنذ الأعداد الأولى - على اختيار أصناف أخرى من المبدعين؛ فكتب المرحوم السيد علي العوامي في زاوية خاصة به تحت عنوان (رجال عاصرتهم)، وأصدرت الواحة أكثر من ملف لشخصيات اجتماعية وأدبية رائدة من القطيف ومن الأحساء وغيرهما؟

الواحة مع الفارس

نحن هنا أمام شخصية رائعة وفريدة في وطننا السعودي، ومع أنها (عظامية) المنشأ بحكم انتمائها إلى بيت سامقٍ شرفاً، ورفعة، وعراقة، إلا أنها تعدُّ شخصية عصامية بمقاييس الظروف المحيطة والموضوعية لطبيعة الحقبة الزمانية والجغرافية لفارس هذا الملف؛ إنه الحاج محمد بن صالح الفارس، المولود في القطيف من 1318 والمتوفى في بمبي سنة 1413هـ.

وإذا كان من علة للحماسة التي نبديها في الواحة تجاه هذا الرجل؛ فإنما لأننا نرى أنا نشكل امتداداً لمسيرة مهمته الثقافية والتراثية بمفهومها الأوسع والأشمل؛ ليشمل اهتمامنا في الواحة بكل الفنون الجميلة من مسرح وتمثيل ورياضية ورسم وموسيقى وما إلى ذلك من إبداعات إنسانية.

هذا الفارس؛ محمد بن صالح الذي انبرى - منذ أكثر من ثمانية عقود - مسخرا الجهد والمال في زمن القحط؛ لإبراز فن المحافظة على التراث في زمن كان عامة الناس منهمكين في تحصيل قُوتهم اليومي، والبحث عن الأمن المفقود يومها.

استطاع، بجدارة، أن يؤسس فن الحفاظ على التراث والآثار كهواية شاقة وممتعة في ذات الوقت، شاقة؛ لأنها تتطلب المال والسفر والوقت وهذا ما ستراه - أخي القارئ الكريم - لو تمعنت في أسطر هذا الملف، وممتعة؛ لأن صاحب المهمة ومشاهدها ومراقبها يمكنه أن يشم عبق التاريخ من خلال رؤية بالعين المجردة.

يمكن لأي قارئ أن يستشعر الروح الوطنية، وحب هذا الفارس لوطنه وأرضه وإنسانها، وذلك من خلال اقتنائه آثاراً لا تخصه شخصياًّ، ولا تخصُّ عشيرته، وإنما هي لكافة بني قومه، فحافظ وحافظ على ما أمكنه المحافظة عليه من مسكوكة وآنية هنا، ووثيقة وبندقية هناك، وما إلى ذلك من أثر وتحف.

استطاع المرحوم محمد بن صالح الفارس أن يثبت - من خلال انجازه واهتمامه - أن إنسان هذه الأرض قديم قدم التاريخ، يحب أرضه التي احتضنته، وترعرع فيها، ويفتخر بها أيما افتخار، وأيما اعتزاز، حتى قال في إحدى مقابلاته الصحفية: (إنني أنظر إلى جميع القطع الأثرية التي في حوزتي نظرة الأب الى أبنائه، لا فرق بين هذا وذاك في المعزة والحب، وبالمناسبة فإن أمتع فترات حياتي هي التي أقضيها، حالياًّ، مع هذه المجموعة من التحف والآثار[1] .

صاحب الذكرى وإن كان قد ركز على تراث منطقته المحادية للساحل الشرقي من بلادنا العزيزة الا أنه، كهاوٍ، تعدى الآفاق الجغرافية والتاريخية، فكانت لديه عملات ومسكوكات قبل عهد الإسلام، وطوابع للدولة التركية، وبعضاً من الصحف المصرية القديمة، منها الأهرام، وروز اليوسف، ومجلة اللطائف المصورة المصرية[2] .

كمٌّ هائلٌ من الأواني الفخارية ذات النقوش الإسلامية والصناديق العتيقة، والقوارير الزجاجية التي أكد بعض الخبراء أن عمرها يزيد عن 2500سنة[3] .

عندما تقرأ ما يقوله المرحوم الفارس - قبل أكثر من 30 سنة - تدرك قدر الوعي الفكري والثقافي الذي يتمتع به (رحمه الله)، حتى لتحسبه يتحدث إليك بلغة العالم الأكاديمي، وإن كان المبرِّز في عمله الإداري منذ يفاعته يوم التحق بدائرة (مالية الحكومة العربية الحجازية)، أميناً لصندوقها في القطيف قبل ما ينيف على الثمانين عاماً، أي منذ توحيد المملكة ابتداء من يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351هـ،22 سبتمبر 1932م، أو قبل ذلك ببعض الزمن، كما تشير إل ذلك بعض وثائق الواحة.

تقلب الفارس في مناصب عدة وهامة، فعين رئيساً لبلدية القطيف، وعمدة للقلعة حاضرة القطيف، في حقبة من الزمن كان منصب العمدة منصباً ذا أهمية وخطر، إذ كان هو واسطة العقد، حقيقة، بين المواطن والدولة.

 حينما تقرأ، مثلاً، رأيه المنشور في مجلة الشرق فيقول: (هناك بعض القطع استطيع فك رموزها لا عن طريق المختصين وخاصة عند تحديد عمر بعض الجرار والأواني القديمة جداً وكذلك بعض المسكوكات النقدية الأجنبية بالذات[4] .

كان يحرص على الاحتفاظ بتلك المقتنيات في داره التي حولها الى متحف شخصي بالقطيف في زمن انعدمت كل المتاحف.

وكان - في لحظات - محل أنظار الزعماء كما يقول: إن الشيخ زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة قد عرض عليه إدارة الآثار في الإمارات فاعتذر خشية ظن السوء[5] ، بلحاظ ما يمتلكه من الآثار.

يعكس لنا ذلك وعيه وحسه الوطني الذي طالما حافظ عليه، ولكنه كان يتألم، ويُقرأ بين كلماته الأسى - كل الأسى - لضعف الوعي بالآثار والتراث في بلادنا، فيقول عن تقييم إدارة الآثار التي قيمت مقتنياته بثمن بخس:

لست مستعداًّ لأن أبيع بهذا السعر البخس، علاوة على أنني لا أشارك في المعارض الدولية؛ لأنه ليس من حقي كمواطن أن أبيع تاريخي للغير مهما كان العرض[6] .

كلامه هذا كان قبل عقود، ونحن اليوم نرى ونشاهد كيف يتسابق سماسرة العالم ومحترفو سرقة الآثار في النهب لتلك المسكوكة وذلك الحجر وكل ما هو صم وطلسم وخرافي؛ ليصنعوا منه أسطورات بعد تفكيك أسرار الماضي من أجل الحاضر والمستقبل.

ذاك هو محمد بن صالح الفارس، الذي لا نعلم إن كانت الصدفة وحدها هي التي بعثت به إلى هذا العالم، أم إنه هاوٍ هواية تسير في عروقه وحتى النخاع، والنتيجة انه محب للماضي وللتاريخ وعبقه، فقد كانت البداية كما يقول: (إعلان في إحدى الصحف عن عزم الحكومة التركية الكمالية بيع طابعي بريد يرجع تاريخهما إلى عهد السلطان العثماني بايزيد عثر عليهما في جامعة صوفيا، وقد بيع الطابعان بـ 150 الف ليرة تركية ذهبية، وهذا ما حفزني لجمع الأشياء القديمة و نبهني لجمع الآثار والأشياء القديمة[7] .

[1]  مجلة الشرق، العدد 46، في 3 شوال 1399هـ.

[2]  صحيفة الجزيرة، عدد 4868، في 16 جمادى الأولى 1406هـ.

[3]  المصدر.

[4]  المصدر.

[5]  مجلة الشرق، العدد 46، في 13 شوال 1399هـ.

[6]  المصدر.

[7]  صحيفة الجزيرة، عدد 4868، في 16 جمادى الأولى 1406.
370314