فقيد القطيف
فؤاد نصر الله * - 8 / 2 / 2011م - 1:18 ص - العدد (54)

فقيد القطيف الحاج محمد بن صالح بن حسن الفارس أحد أبناء هذه المنطقة، وواحد ممن كُتبت أسماؤهم بحروف من نور في سجل تاريخ المنطقة، وذلك لعطائه الوافر، وسخائه الثر، وميزاته المختلفة.

فهو رجل ذو مواقف مشرفة لأبناء المنطقة، وله من الفضل العميم ما يعجز عن وصفه اللسان، ويكل عن إيضاحه البيان.

الحاج محمد بن صالح الفارس من مواليد القلعة بالقطيف سنة 1318هـ. وينتمي إلى أسرة عريقة لها جذور عربية أصيلة استوطنت القطيف منذ عدة قرون، وصار لها شأن كبير بين البيوتات الصالحة المنبت والمحتد.

وقد تسنمت الأسرة منصباً مرموقاً في المنطقة، وكان المرحوم الحاج علي بن حسن الفارس - عم فقيدنا الراحل - وكيلاً للحكومة على أملاكها في القطيف، ومتضمنا لجمارك القطيف والجبيل والعقير بالشراكة مع المرحوم علي بن منصور إخوان، وكلاهما من أعيان القطيف.

وبعد وفاة الأخير انفرد الأول بضمان الجمارك ووكالة الحكومة على أملاكها في القطيف، وأصبح الفقيد بمثابة أمين سر لعمه وهو في الخامسة عشرة من عمره، وهو سن صغير يدل على النجابة والذكاء الواضح.

كما أن فقيدنا شغل عدداً من المناصب المهمة خلال عمره المديد من بينها رئيس بلدية القطيف، وعمدة القلعة، هذا عدا عن أنه كان شخصية متميزة بعطائها السخي ودفاعها عن حقوق الكثيرين، ونكران ذاته وتناسى حاجاته.

 كل من اقترب من شخصية الفقيد عرف عنه الجدية في العمل، والرغبة في خدمة الناس، سواء من يعرفهم أو من يجهلهم؛ لأن العطاء طبع أصيل في نفسه، كما أنه كان يستقبل زواره فيكرم وفادتهم دون تململ أو سأم حيث يرى أن ذلك هو الشيء الطبيعي؛ لأن خدمة الناس ومباشرة شؤونهم تعمق صلات التراحم والتواصل والتكافل الحقيقي بين أفراد المجتمع الواحد مهما اختلفت المناصب أو تنوعت الأدوار أو تباينت الطموحات والرؤى.

أما على المستوى العائلي فكان فقيدنا قمة في المحبة والعطف والرأفة بالكبير قبل الصغير.

وكما أن سخاءه شمل الأباعد – مع تجاوز الاصطلاح؛ فالكل أهل – فقد شمل الأهل والأحبة والأصدقاء، وكان عنواناً للكرم الحاتمي.

كان قمة في العطاء، سخياًّ في منح زائريه تلك الابتسامة التي تفيض حنوا وعذوبة وثقة، إضافة إلى امتلاكه زمام الحديث دون تكلف أو اصطناع.

إن الفقيد كان ينحدر - كما أشرنا - من سلالة عريقة، وهذا منحه القدرة على التعامل - بكرم وأريحية - مع الجميع، كباراً وصغاراً، حيث حمل بين ضلوعه الرغبة في خدمة بني وطنه، والارتقاء بهم لآفاق من الصفاء والنقاء والعطاء الوافر، بعيداً عن أجواء الخلافات، والمشاحنات، وتخطِّي الحدود، وتجاوز الأصول، فتمنحنا الرضا والقدرة على إدراك عبقرية المكان في انطباع أثره على الطبائع والسلوك.

فإذا بنا نكشف - في لحظة فارقة - كلَّ معاني الوفاء، وفضائل الامتنان لجيل معلم قدم عطاءه دون انتظار كلمة شكر أو عبارة تقريظ.

 ظل الحاج محمد بن صالح بن حسن الفارس يمارس نفس الدور في العطاء الوافر مهما تقلَّب في المناصب؛ فقد كان منفردا بصفات إنسانية فريدة من بينها التفاعل مع مواطنيه، ومحاولة حلِّ مشكلاتهم وإيجاد الحلول التي تسمح لهم بحياة حرة كريمة.

لن نستطيع - خلال هذه اللمحة الموجزة - الكشف عن كل جوانب العظمة ونطاقات العطاء ودوائر البذل والتضحية في كلماتنا البسيطة، وكلمات مجايلينا وأصدقاء وتلاميذ الفقيد الكريم.

كلما كانت مشاعرنا صافية ونقية وشفافة يصعب أن نترجم ذلك إلى كلمات؛ فاللغة - مهما كانت متدفقة وصادقة - لا تسعفنا، كثيراً، في التعبير عن مشاعرنا العميقة في لحظات الإحساس بضراوة الفقد وترديدات الغياب.

صفحات ناصعة ومشرقة نبسطها أمامكم ربما لنستعيد الوجه السمح والروح المحلقة لابن القطيف البار الحاج محمد بن صالح بن حسن الفارس، الذي أضاء سماء بلده بفيض عطائه وكريم خصاله.

 وفي مجال الآثار والتراث؛ فقد حفظ تراث القطيف وآثارها، وبذل الغالي والنفيس في سبيل جمعها في متحف فريد على مستوى الخليج العربي.

كل ذلك جعل منه إحدى الشخصيات الوطنية المرموقة التي عُرِفت بأصالتها وسخائها وصمودها في مواجهة المحن والصعاب.

لن أطيل عليكم؛ فهناك العديد من المشاركات الشعرية والنثرية والتأملية ستكشف لكم عن جوانب مهمة من شخصية الحاج محمد بن صالح الفارس، طيب الله ثراه وأجزل له الثواب.

صحفي وأديب - السعودية.
370314