الرجل الذي عاش قبل 2500 عام
صالح الذكير * - 8 / 2 / 2011م - 1:20 ص - العدد (54)

 تندثر الوقائع إن لم تجد من يهتم بتسجيلها وتمحي صور الأشخاص والأمكنة إن لم تسطع ومضة ضوء عليها.. وفي الذاكرة الضوئية نحاول إحياء ما قد يندثر أو يمحي لو ترك لغياهب الظلمة والنسيان.

«أهل الإنسان يفرضون عليه ولكنه هو الذي يختار أصدقاءه»، حضرني هذا المثل الغربي وأنا أطلع على سيرة الشيخ محمد بن صالح الفارس، الذي كرس حياته لجمع الآثار وحفظ التاريخ على غير ما درج عليه الأدباء والعلماء، أي الاكتفاء بالتدوين والكتابة عنه فقط. كما يختار الإنسان أصدقاءه يختار هواياته، وسنرى كيف أن مجرد صدفة، أيقظت في الشيخ محمد (رحمه الله) حب الاستطلاع، ثم الحافز المادي الذاتي، يتحول إلى هواية وتصبح هذه الهواية نوعاً من العشق أنزلها من نفسه منزلة أبنائه وأهله، وأولاها حبه مثلهم تماماً.

عندما هممت بالكتابة عن هذه الشخصية الفريدة التي استوعبت تاريخ المنطقة الشرقية على مدى قرن من الزمن، راجعت ما كتب فيه وما ذكر عنه، فأدركت أنني لن أضيف جديداً، ولكن لا ضير في أن أذكر به وأعيد بعض جوانب من سرته، والذكرى تنفع المؤمنين، والمنفعة هنا تنحصر في جانبها الدنيوي، وكيف أن أحدنا يأخذ على عاتقه ما تعجز عنه الدول أحياناً.

راجعت بعض ما نشر عنه في صحفنا المحلية وفي صحف ومجلات خارج المملكة، فوجدت أنها جميعاً أجمعت على أن محمد بن صالح الفارس هو حقاً فارس؛ فهو لبعضهم مؤرخ تاريخي، ولآخرين جامع آثار، ولغيرهم عالم وأديب وشاعر، وهكذا أتوا على جميع الصفات التي يمكن أن تطلق على رجل أمضى عمره في جمع الآثار وحفظها وتدوين التاريخ بطريقة ملموسة تعيده حيًّا، ويمكن مشاهدته ولمسه.

ويصفه أحد كبار الصحفيين في مقابلة أجراها معه عندما جاء على رأس بعثة صحفية لكتابة استطلاع عن المنطقة قبل حوالي 15 سنة: «أقول كلمة حق أن الرجل موسوعة؛ فهو شاعر وناقد وكاتب قصة ومؤرخ» فإذا أضفنا هذا إلى هوايته في جمع الآثار التي تحولت إلى عشق، نرى إلى أي حد يستحيل الإتيان بشيء جديد عنه يرحمه الله.

نحن أيضاً نقول كلمة حق، هو أنني لما أتيحت لي مقابلة هذا الفارس، ودخلت متحفه، لم أتمالك أن أبدي الإعجاب بما شاهدت، ولكن إعجابي الأكبر كان بشخصيته وسعة علمه واطلاعه ورحلاته التي قام بها من أجل هوايته التي تحولت -كما قلت- لعشق لازمه حتى آخر يوم في حياته، بل إن وفاته -بعيداً عن البلد الذي أحب- كانت بسبب هذا العشق، واكتشاف المزيد الذي يمكن أن يضمه إلى متحفه، لدليل وشاهد على مدى تعلقه بهذا العشق.

خرجت من متحف الفارس وأنا أقول لنفسي: إنه لرجل تغلغل التاريخ فيه بصورة عملية، أي جمع الوثائق والصور والتحف والآثار التي تبقى شاهداً على أصالة تاريخنا وعراقة أهلنا.

وها أنا الآن -بعد مضي سبع سنين على وفاته يرحمه الله- أعيد شيئاً من سيرته التي كتب فيها الكثير، ولكنها جديرة -بين الحين والحين- أن نجلو عنها غبار الزمن لنراها ناصعة متألقة، وربما فريدة في تراثنا.

مولده ونسبه

ولد الشيخ محمد بن صالح الفارس في عام 1318هـ في القلعة في القطيف، وتربى في رعاية والده الحاج صالح بن حسن الفارس، ودرس في كتاتيب القطيف حين كانت الدراسة منحصرة في تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. لما بلغ الرابعة عشرة من عمره، التحق بالعمل لدى عمه الشيخ علي بن حسن الفارس الذي كان مديراً لبيت المال ومتضمناً جمارك المنطقة الشرقية، ووكيلاً للحكومة في أملاكها في القطيف والعقير والأحساء.

وسرعان ما أثبت قدرته وجدارته، فأصبح بمثابة الساعد لعمه، وقد تأثر بعمه علي الذي عرف بالكرم والسخاء، وببيته المفتوح للفقراء وبمساعدته المحتاجين غير القادرين على تكاليف الزواج.

لما توفي عمه في عام 1341هـ استمر في العمل بتوجيه مباشر من جلالة الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- وتولى إبان عمله مناصب متعددة، أولها وظيفة أمين عام صندوق المالية والجمارك وكاتب العدل بالإضافة إلى القيام مقام مدير الأملاك ومدير المالية في حال غيابهما، ثم عين بأمر من سمو الأمير سعود ابن جلوي -يرحمه الله- رئيساً لبلدية القطيف عام 1363هـ واستمر فيها حتى عام 1375هـ ثم أصبح عمدة القلعة ورئيساً لعمد قرى القطيف منذ عام 1374هـ، أي أثناء رئاسته للبلدية إلى عام 1388هـ حيث تقاعد عن العمل.

الجدير بالذكر أنه -أثناء عمله كأمين للصندوق- كانت تربطه علاقة صداقة بالشاعر المعروف خالد الفرج الذي كان مديراً للمالية، ثم أول رئيس لبلدية القطيف.

بدأت عنده هواية جمع التحف والنقود القديمة، وكل ما يتعلق بالتراث عند نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما قرأ في إحدى الصحف أنه تم بيع طابعين أثريين عثر عليهما في كنيسة «أيا صوفيا» بخمسة آلاف ليرة ذهبية، واستهواه الأمر، وكان حافزاً له ليسير في طريق، لم يعرها قبلُ كثير انتباه. ومن جمع الطوابع وإغراءاتها، تعدت هوايته الاهتمام المادي لتصبح علاقة عشق وهيام بالتراث والآثار والتاريخ. بذل في سبيل هذه الهواية الكثير من الجهد والمال وسافر من أجلها في كل أنحاء المملكة، كما سافر بحثاً عن كنوز التراث القديم إلى بلدان خارج المملكة؛ مثل مصر وتركيا والهند.

متحف في بيت المال

في استطلاع لمجلة «العربي»الكويتية عن القطيف، ذكر الكاتب في لقائه الحاج محمد بن صالح الفارس: أجمع كل من سألنا على أن نقوم بزيارة لمنزل محمد الفارس، رئيس بلدية القطيف السابق، وأحد جامعي الآثار القديمة لحضارة هجر والقطيف. قالوا لنا ستشاهدون في منزله أكبر متحف خاص بآثار المنطقة. ومن خلال الزيارة القصيرة، شاهدنا الكثير من الأبواب الأثرية التي كانت موجودة في قلعة القطيف ومسجلاً عليها تاريخ صنعها، وكذلك السيوف الذهبية وآثاراً من أيام الأتراك، ومن أيام البرتغاليين كلها تروي قصة تاريخ القطيف الطويل.

ويحتفظ محمد الفارس في متحفه بمجموعة من النقود الذهبية، تعتبر فريدة من نوعها. وهي تضم بعض المسكوكات الذهبية من أيام الحسين بن علي رضي الله عنه وإلى جانب التحف، توجد أيضاً بعض المخطوطات العربية القديمة التي تروي تاريخ القطيف وتاروت ودارين.

وهكذا كما يتضح حولت هواية جمع الآثار بيته الخاص إلى متحف حقيقي يقصده الزوار من المنطقة وخارجها، ويضم مجموعة قيمة من الآثار التي تنافس في أهميتها مقتنيات المتاحف الرسمية.

جلالة الملك فيصل يزور المتحف

زار هذا المنزل «المتحف» نخبة من أهم الشخصيات كانت حافزاً لمواصلة هذه الرحلة وتنمية هذه الهواية. كان على رأسهم جلالة الملك فيصل -يرحمه الله- وسمو الأمير محمد بن فهد بن جلوي -يرحمه الله- والقنصل الأمريكي في الظهران سابقاً، ورئيس شركة أرامكو سابقاً، والعديد من الشخصيات السعودية وكثير من موظفي أرامكو الأجانب إضافة إلى الكثير من عامة المواطنين.

مقتنيات من قبل الإسلام

من أبرز مقتنيات المتحف نقود يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، بعضها من الذهب الخالص ودنانير تعود إلى عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وأخرى تعود للعصر العباسي الفاطمي، وأوان من عهد الفينيقيين، وجدت في جزيرة تاروت عمرها لا يقل عن 2500 عام، وسيوف قديمة بعضها مطلي بالذهب أحدها عمره أكثر من 200 عام، بالإضافة إلى بنادق قديمة ودلال وأوان وسلال وأبواب وتماثيل ومخطوطات، وصور تاريخية وكثير من المقتنيات القديمة المتنوعة. كما حوى المتحف عدداً كبيراً من قطع الأثاث القديمة شملت الصناديق ذات الأدراج السرية ودواليب الملابس والأسرة القديمة. ومما يدل على امتزاج حياته بالتراث أنه كان ينام حتى آخر حياته على واحد من هذه الأسرة التي لا يقل عمرها عن 150 عاماً.

حفظ الآثار والتاريخ

ساهمت مجهودات الحاج محمد الفارس في نشر الآثار وحفظها في منطقة الخليج، فقد أهدى بعض المقتنيات المكررة لدار الآثار السعودية وجامعة الملك سعود، كما تبرع بآثار أخرى إلى متحف العين في الإمارات، واشترى منه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بعض النقود القديمة. واشترى المتحف الإقليمي في الدمام مجموعة لا بأس بها من آثار المتحف. أسهم متحفه المفتوح دائماً بدون مقابل لجميع الزوار بدور كبير بنشر الوعي بتاريخ المنطقة وزيادة الاهتمام بآثارها. ومن أجل تطوير هذا الدور تقدم بطلب قطعة أرض لإقامة متحف خاص عليها يكون أكثر ترتيباً، نظراً إلى ضيق المكان في بيته وكثرة الموجودات، ولكن تأخر الرد ولم يتمكن من تحقيق الطلب في الوقت المناسب.

حبه للمطالعة

من اللافت للنظر ثقافة هذا الرجل الذي ولد قبل أكثر من 100 عام قبل وجود المؤسسات التعليمية، وقبل أن ينتشر التعليم مع نهضة البلاد المباركة، فمع أن تعليمه المنهجي لم يتعد الكتاتيب القديمة، إلا أنه كان واسع الثقافة والاطلاع ليس بالتاريخ فقط، ولكن في كثير من مجالات الأدب والثقافة، كان متابعاً لآخر تطورات التاريخ والأحداث في زمانه، كان يقرأ الكتب والمجلات ويشاهد التلفاز إلى آخر أيام حياته، كما كان يكتب أحياناً في الجرائد اليومية لمناقشة بعض القضايا المطروحة، داعماً وجهة نظره بالحجة القوية والمنطق السليم.

تشجيعه للعلم

اشتهر عنه أيضاً تشجيعه للعلم والأدب، ومنح الجوائز للطلاب المتفوقين والمبدعين، فقد كان يداوم على زيارة المدارس ويتفقد أحوال الطلبة، ويقدم الهدايا للمتفوقين منهم. كما كان يحضر المناسبات التعليمية والاحتفالات المدرسية، ويمنح الجوائز للمشاركين في النشاطات الأدبية والفنية. وقد حاول تشجيع الأدب النسائي حيث أبلغ المدارس عن استعداده لمنح جائزة لأية طالبة لديها موهبة في نظم الشعر.

الاعتداد بالنفس والاعتماد عليها

عرف عنه يرحمه الله حبه الشديد لعائلته، ولكنه مع ذلك كان محبًّا للاستقلالية والاعتماد على النفس، عاش بمفرده في متحفه ليكون قريباً من آثاره ومتواجداً دوماً للترحيب بزواره، وحتى حينما كان يصاب بأزمات مرضية كان يصر على أن يبقى في منزله خوفاً من أن يصبح عالة على أولاده، ظل إلى آخر أيامه يسافر إلى خارج البلاد بمفرده، وكان مع كثرة أبنائه وأحفاده الذين يصل عددهم إلى ما يقارب مائة شخص، يحرص على أن يزورهم بانتظام، ويعودهم حين يمرضون وعطي كل واحد من الأطفال هدية يوم العيد وعندما يرجع من السفر. كما كان يتفاعل -مع قضايا المجتمع- ويساهم بكل إمكانياته في حل المشاكل الشخصية والعامة في المجتمع.

محراب الناسك

بعد التقاعد تفرغ لمتحفه الخاص الذي كان يضم أهم مجموعة من الآثار في المنطقة كتفرغ الناسك في محرابه، فكان نادراً ما يبرحه، ويمضي فيه جل وقته، إما لاستقبال زواره أو الاهتمام بشؤون عائلته ومجتمعه، أو في القراءة والاطلاع على الكتب في مكتبته التي تضم عدداً من المخطوطات القديمة ومجموعة كبيرة من الكتب القديمة والحديثة.

إلى جوار الذاكرة

لشغفه الكبير بآثار الهند دأب -حتى أيامه الأخيرة- على زيارتها مرة أو مرتين في العام.

وقد وافاه الأجل المحتوم هناك حيث انتقل إلى جوار ربه يوم الأربعاء 15 محرم 1413هـ في بومباي، نقل جثمانه بالطائرة إلى وطنه الحبيب، ودفن في مقبرة القطيف، فعلى تراب هذه المدينة أقام متحفه، وفي ترابها يسكن جثمانه، رحمه الله وأسكنه فسيح جناه.

رجل في الذاكرة

يتذكر حفيده الدكتور هشام كمال الفارس فيخبرنا بأن جده (أبو صالح) يرحمه الله كان يشجعه على القراءة باستمرار، وإليه يرجع -بعد الله ووالده- الفضل في غرس حب القراءة في نفسه منذ الصغر، وكانت مكتبة الجد مفتوحة له، ما أن ينتهي من قراءة كتاب حتى يكون جده قد أعد له آخر للقراءة، وكانت سلسلة الكتب الإسلامية هي المفضلة لدى الجد والحفيد.

وقد أخذ الدكتور هشام عن جده عادة حسنة، وهي أنه كلما انتهى من قراءة كتاب رسم على غلافه علامة خاصة يعلم منه أنه قد أتمه، وكان -كجده- يضع العلامات والملاحظات على حواشي الصفحات.

وأما الشعر، فقد كان له منزلة خاصة في نفس الجد، ومنه اقتبس الحفيد، وأخذ عنه هذه الهواية، وكثيراً ما كان يدخل في مساجالات شعرية معه، وغالباً ما كان الجد يتغلب على الطالب في تلك المساجلات، ويذكر الدكتور هشام أيضاً أن جده كان يشجعه على استقبال الزوار ويطلب منهم البقاء في مجالسهم ليتعلموا أصول الضيافة والمجاملة والاستفادة من الأحاديث.

أما صهره محمد أبو السعود، فيتذكر العم محمد بأنه كان ظاهرة فريدة تجلت فيها أحاسيس إنسانية عظيمة قلما تجتمع لأحد، فذكراه متجذرة في وجدانه، وتتزاحم الصور في ذاكرته، فهو العمدة المهيب، صاحب الكلمة والشأن، وصورة الرجل الذي التصق في التراث، ولاسيما ما يتعلق بالقطيف.

لقد أحب الشيخ أحفاده حباً لا يعادله حب، ولاسيما عندما تلم بأحدهم وعكة، فيصبح الأثير عنده، والصورة التي ترتسم في مخيلة الأبناء والأحفاد، صورة رجل محب معطاء افتقده الأهل برحيله إلى دار الخلود.

ختام القول

ليس مستهجناً أن يكرم الوطن أبناءه الذين قدموا له ما يجعلهم جديرين بذلك، ولكن في تكريم بعضهم يصبح الوطن نفسه هو المكرم، وهذا ما يتضح من الكتابة عن محمد الفارس يرحمه الله عاشق التاريخ وجامع الآثار.

لم يترك الفارس لنا تراثاً قضى العمر في جمعه فقط، بل ترك ذرية صالحة لم تكتف بما ترك من ذكرى حية تجسَّد فيها الوطن وتاريخه، بل تسلحت بالعلم لتضيف إلى مآثر الراحل ما يبقي ذكره حياً وخالداً.

وأرى -من قبيل الاعتراف بالواجب، وحق أولئك الذين يذكرون به- أن أشير معترفاً بدور الدكتور هشام الفارس، حفيد الحاج محمد الفارس، وبدور الأستاذ محمد عبد الصاحب أبو السعود في الكتابة عن رجل ساهم في تخليد تاريخنا، لنسدي له نحن بدورنا ما يستحق.

في كتيب في ذكرى الفارس ضم قصائد ومقالات تؤبن الفقيد في ذكرى أربعين وفاته قال الشاعر الأستاذ فؤاد نصر الله:

أتترك متحفك المستنير

ليبكيك إرثك إذ تلحد

وتبكيك آثار مجد القطيف

ويبكيك للمجد من شيدوا

وأنت أيا راحلاً للخلود

تراثك في غده أخلد

يظل مدى الدهر هذا التراث

يمجد فيك ويستطرد

ستظل الذكرى ماثلة في آثار باقية تشهد على روعة التاريخ وعظمة الأجداد، وتشهد للفارس الراحل بمآثره الباقية أبداً.

هوامش

- معلومات وأحاديث من الدكتور هشام الفارس، حفيد الفقيد والصديق الأستاذ محمد عبد الصاحب أبو السعود.

- مجلة العربي الكويتية وصحيفة الجزيرة، ومقالات متعددة في الصحف والمجلات.

- كتيب في ذكرى الفارس.

عضو اتحاد المؤرخين العرب.
370314