وقفات مع المرحوم محمد بن صالح الفارس
مهدي محمد السويدان * - 8 / 2 / 2011م - 1:24 ص - العدد (54)

كان رحمه الله تعالى يتمتع بروح مملوءة بالنبل والكرامة والكرم والشهامة والنخوة والمروءة، وكان لا يعرف الكبر ولا التكبر ولا التعالي حتى على أدنى الناس، بل إنه يحب من كان يزوره ويقدر من يسلم عليه ويكبر من تقرب منه ويحترم حتى الطفل الصغير ويعطف على الفقير ويتواضع لكل الناس على اختلاف طبقاتهم ومدارك وعيهم، ويحفظ كرامة كل إنسان فلا يذكر أحداً إلا بخير ولا يحمل -حتى على من كان يؤذيه- وجداً أو ضغينة أو تأثراً وإنما كان دأبه التسامح وهدفه نفع الآخرين، فمن كانت هذه ميزاته فإنني في الحقيقة أعجز عن وصف سجاياه الحميدة وخصاله السامية ونفسه المعطاء التي تُخصب جدب كل قاحل وتجذب بالأخلاق كل متبرم وتؤنس بالحديث والإقبال كل متضجر وتبهج نفس كل عاشق للإنسانية التي لا تضع لنفسها في كفة الميزان أي معيار إلا بما تحققه من خير للإنسان.

وإن هذه السجايا تتمثل في أبنائه البررة وأفراد أسرته العريقة في الشرف، الشامخة في القيم التليدة في العز لأنها ورثت ذلك من الآباء والأجداد المعروفين بتجسيد الأخلاق الفاضلة والإخلاص لكل الناس دونما تصنع أو تخلق أو مداراة لأحد أو مراءاة لمظهر، بل إن هذه السلوكيات كانت للمرحوم منهجاً ولا زالت في أبنائه الأخيار وأفراد أسرته الكرام وكأنما كانت ولا تزال لهذه الأسرة الكريمة طبعاً نبيلاً من طباعها المميزة وجبلة لكل منهم لا يحيدون عنها بأي حالٍ من الأحوال.

ولكن المرحوم محمد بن صالح الفارس رحمه الله وتغمده بواسع الرحمة وأسكنه الفسيح من جنته كان مع مكانته الشخصية في المجتمع وأوساط البلاد يمتاز بميزات جمة أذكر منها اثنتين للتدليل عليها باختصار.

1- آثاره

كان رحمه الله تعالى مهتمًّا بالآثار التي جعل بها القطيف ظاهرة من مظاهر الوعي الثقافي لدى الرأي العام مما جعل الرواد يزورون القطيف بين الحين والآخر ليشاهدوا ما لديه من الآثار القديمة التي خصص لها بيتاً يستقبل فيه الزوار من داخل البلاد وخارجها بدون أي مقابل، بل إنه يستضيفهم ويقوم بتكريمهم ويحسن وفادتهم بعدما يعرض عليهم تلك النقود الثمينة النادرة والتحف الغالية والآثار القديمة، ويشرح لهم -بكل ثقافة ووعي وإدراك- الهدف من تجميعه لتلك الآثار وعصورها وأدوار أهلها المعاصرين لها، من أجل أن يعطي المشاهد نبذة تاريخية عن تلك القطع ومعاصريها وبلادها وأهمية النهضة والتقدم والحضارة فيها، فيخرج من عنده المشاهد بانطباعات ممتازة عن القطيف وأهلها ببركة هذه الشخصية الفذة وبسبب متحفه الكبير.

فجمعه للآثار واقتناؤه للتراث لم يكن وليد الصدفة، وإنما كان وليد المحبة للماضي وأهله وللتعرف على إنتاجيتهم ومجهودات عطائهم ومستويات حياتهم، ولاستيعاب أفكارهم ومعنويات قيمهم. بنفس نذرت أيامها وما تملك لجمع شيء من ذلك مع مشقة التنقلات وبذل الأموال والتضحية بالأوقات وهي أغلى الأثمان؛ لأن كل شيء قد يعوض إلا الوقت فإنه لا تعويض له إلا بما ينجزه من بذله في تحقيق ما يبقي له من بعده من الذكر الجميل، مما جعل المرحوم لا يبخل على ما آمن به من حفظ التراث وإظهار البلاد بالمظهر اللائق بسمعتها والمحافظة على مكانتها وجلب الزائرين لها من أنحاء العالم، للتعريف بها قبل أن ينهج من تأثر به وسار على خطاه، حيث أنه كان يرحمه الله تعالى الرائد الأول لجمع الآثار في القطيف، بل إنه أستاذ لمن جاء من بعده ومدرسة لأهل هذه الهواية حيث لم يسبقه أحد من الأفراد بتخصيص بيت لذلك حتى الآن.

2- إيمانه بعقيدته

كان رحمة الله عليه عميق الإيمان قوي الإرادة لا يحيد عما يؤمن به بأي حال من الأحوال حتى ولو ضحى بماله ووقته ونفسه فإنه لا يتراجع عما يراه حقًّا أبداً بل يزداد فيه صلابة وعناداً، وهذا ما عرفته منه شخصيًّا، لذلك أورد لكم باختصار قصة واحدة مما عرفته كدليل على ما أقول.

خصص إحدى سفراته رحمه الله تعالى إلى جمهورية مصر العربية لمقابلة الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي مؤلف كتاب «علي إمام المتقين<، وذلك من أجل معرفة الأسباب التي جعلت الكتاب يخرج غير متوافق مع ما نشره من حلقات في جريدة الأهرام المصرية خلال شهر رمضان المبارك مدة عامين، وبعد مدة طويلة كان فيها رحمه الله تعالى في القاهرة يحاول مقابلة الأستاذ الشرقاوي لم يقتنع بها المرحوم وذلك بدافع الولاء والمحبة لعلي وبنيه عليهم السلام والتمسك بوعي بأحقيتهم الواقعية وهم من انتدبهم الله لمودتهم والصلاة في الصلاة عليهم، مما جعل المرحوم يطلب من الأستاذ الشرقاوي إعادة طبع الكتاب في بيروت كما نشره في الأهرام على حسابه «من جيبه الخاص< دونما مقابل حتى ولا بنسخة مجانية واحدة، ولما رجع إلى الوطن العزيز بالقطيف بعث له نصف المبلغ المتفق عليه لطباعة الكتاب على أن يسدد الباقي له فور طباعته ولكنه تلقى الإجابة بالرفض لأسباب تخص الأستاذ الشرقاوي فأراد أن يرجع إليه بمصر ولكن المرحوم صرفته الظروف بعض الوقت حتى توفي الشرقاوي رحمه الله تعالى، فندم أبو صالح على هذا التأخير الذي اعتبره تقصيراً منه في عدم المسارعة لتحقيق ما كان يؤمن به.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الإخلاص للعقيدة والبذل فيما يراه حقيقة واقعية دونما مجاملة أو محاباة، فرجل يسافر من بلده من أجل مناقشة مؤلف ويعرض عليه أموالاً طائلة لإعادة طباعة كتابه كما نشره في الجرائد حينما وجد فيه التقليل أو التغيير أو حذف بعض العبارات التاريخية الواقعية كما هي موجودة في بطون الكتب المعتبرة، لشيء يبرهن على عمق العقيدة وصلابة الإيمان وصدق الولاء. وإلا لماذا لم يهتم غيره باهتمامه هذا رحمه الله تعالى؟

فبمثل هذه الوقفات سيخلد إن شاء الله وبأنجاله الكرام صالح وإخوانه حفظهم الله تعالى، تغمده الله بالعفو والمغفرة والرضوان وصب عليه شآبيبب الرحمة وأسكنه بإحسانه الجنان، وخلف على فاقديه بالأجر الجزيل والثواب الكثير وألهمهم الصبر والسلوان، وخلف الله على البلاد وأهلها بالخلف الصالح وكفاكم والبلاد وأهلها كل سوء وكرب ومكروه.

القطيف
370314