حول قرن من الزمان
حسن علي الزاير * - 8 / 2 / 2011م - 1:25 ص - العدد (54)

تعود الناس مجالس العزاء... يذكرون مناقب المتوفى.. شيء من الدعاء والاستغفار.. شيء من القرآن الكريم.. سيرة الصالحين والأولياء.. ويردد أكثرهم من الذكر الحكيم ما يشرح سر الموت والحياة، ومن الشعر حيث ولعُ الكثيرين. لا أدري أكثرهم لا يقرأ الشعر فقط ولكن يعشق مدفوعاً أن يقوله، ويكرر الخطيب:

وتلاشى في بقايا العبد رب الصولجان

وآخر يعيد:

يموت راعي الضأن في سربه... ميتة جالينوس في طبه

لكل شعور عاطفي وقود يشعله ولكل شعور عاطفي أيضاً وقود يمحوه من الوجود. أما مضمون هذه المناسبة فهو إصغاؤنا لمن يروي قصة تروي قرابة قرن من الزمان. ابن العاشرة وابنة العشرين وربما يزيد على ذلك بعقود يتوقون لمعرفة ما جرى بين ساعات ذلك القرن لأنهم ليسوا أحد الممثلين أو المشاهدين لمسرحياته.

يقول البعض إن هواية السير لديك لم تكن مجرد رياضة ولكن كانت استعادة لشريط الذكريات، بين المالية والميناء والبلدية حيث كانت سنين عملك فيها الكثير من اهتمام الكثيرين، صيد الأسماك، الغوص واللؤلؤ، عقد اللؤلؤ في جيد الحسان تتعب أو تسهر أو تموت من أجل تحصيله الزنود السمر، وعند الفاقة يكون لرغيف الخبز بريق كالذي نراه في عقد اللؤلؤ.

لقد زاد اهتمامك لسنين طويلة بجمع الآثار، وإن كان اهتمام المتاحف ينصب على مجموعات أثرية مصنفة ترتبط بجداول زمنية معينة، إلا أنك لم تكن مسؤولاً عن الربط بين العصور والمداخل التاريخية، بقدر ما تعنى بحركة الأشياء وما تعني من دلالة، أثاث قديم، أبواب كتب عليها بعض الذكر أو الشعر أو الحكمة، نقود تاريخية، صور شخصيات مختلفة، مجموعات تحتاج إلى تحليل وتأمل. ماذا يعني سيف من الذهب كتب عليه وعلى غمده بعض ما ورثه الإنسان من بديع الكلمة؟ وماذاتعني قطعة نقود ترددت في جيوب البشر في مصادر متضاربة ومتباعدة حتى وصلت إليك وقد أنهكها الترداد حتى استقرت لتكون قطعة أثرية؟

ومن سنين وأنت تتحدث عن رحلة مصر والهند وكلاهما يحمل الكثير من قصص الحضارة. كنت مشتاقاً إلى معرفة الأسرار من قصص الحضارة أو الغرب من حياة الإنسان، ومطافك بالهند له صدى البحث عن أسرار التاريخ، إنه يذكرنا بمعبد «كاجوراو< فيها والذي تزاحمت فيه تماثيل الإنسان في جميع أوضاعه وأشكاله، ويأتي قول الشاعر:

قالت وقال الوعد للأحلام

ما آن الأوان

كاجوراو لولا الذل والحرمان

ما كان الجبان

وإلى الغرب الجنوبي من منزلك يقف مسجد المنارة، لمسته يد الأيام بيد الحنان والشفقة فتركته دلالة تاريخية، ترى ماذا أثار في نفسك وهل كانت لك معه وقفة تأمل قبل أن يأذن بالرحيل؟ كان رقيباً على حركة المارة يروي عن أيامهم وأعمالهم وهمومهم ما يقال وما لا يقال.

كنت تسير في القلعة وكأنك تتذكر خطوات من سبق أو تسترجع حكايا المارة. وأخيراً تعود إلى بيتك مروراً بالجامع حيث بائعات الحليب واللبن والتين والرمان والعنب، كان ولا يزال الورد والياسمين تعبيراً للربيع والعشق ودلالة أن أبناء القطيف يشدهم الكد والعمل والبحر والزراعة وهموم الحياة الأخرى ويرهقهم طول العناء فيلتمسون ملاذاً في عطاء الربيع وابتسامة الورد وعبق الطيب. تحدثتُ في مجلس بعض المسنين، لا زالوا يذكرون بائعة الورد والياسمين بالرغم من مرور أكثر من سبعين عاماً، ويتذكر بعضهم فيقول كان للورد والنرجس لون خاص يذكرنا بالبساطة وطيبة البشر، وكان ينهبنا شعور بالانتماء والحياة وشعور آخر لا نستطيع أن نحدده ولكن ندرك أثره ونتمناه أن يدوم.

رحمك الله، لقد كنت سطراً من كلمات تزاحمت متناغمة أو متنافرة عبر قرن من الزمان.

كاتب - السعودية.
370314