صور من العطاء والوفاء
سعيد علي الشواف * - 8 / 2 / 2011م - 1:28 ص - العدد (54)

رحمك الله يا أبا صالح. الناس -في أي مجتمع- ثلاثة، شخص يعطي مجتمعه أكثر مما يأخذ منه، وهذا الشخص ايجابي الانتماء إلى مجتمعه، وشخص يأخذ من مجتمعه أكثر مما يعطيه، وهذا شخص نقول عنه إنه سلبي الانتماء إلى المجتمع، وثالث يكاد أن يتساوى عطاؤه لمجتمعه مع أخذه منه، وهذا شخص نقول عن انتمائه لمجتمعه أنه انتماء غير إيجابي، وإن كان لا يصل إلى حد الانتماء السلبي إلا أنه انتماء غير فعال. وتتراوح درجات الانتماء والعطاء والأخذ بين الأشخاص، وعلى ذلك يقرر المجتمع المكانة الاجتماعية لكل عضو من أعضائه، خلال حياته وبعد مماته.

وأنت يا أبا صالح، تغمدك الله بواسع رحمته، كان انتماؤك لمجتمعك قويًّا، وكانت عطاءاتك لمجتمعك تفوق ما أخذته منه، خلال حياتك، وحتى مماتك. فحياتك كانت مليئة بإضاءات اجتماعية وإنسانية كثيرة مما يجعل ذكراك محفورة في ذاكرة مجتمعك الصغير، ويجعلك في مكان اعتزاز واحترام أبناء وطنك الكبير، لقد كنت ظاهرة تجلى فيها كثير من المعاني والأحاسيس التي تجعل منك حقًّا إنساناً غير عادي، نفتقده بعطاءاته ونتذكره بإنسانيته وأريحيته.

وعلى الرغم من تعدد صور الانتماء والعطاء والمشاركة الاجتماعية للفقيد، إلا أنني أخص من عطاءاته ووفائه لمجتمعه بعض الصور الرائعة التي مست حياة الكثيرين من أبناء هذا المجتمع، وطالت أبعاداً خارج هذا المجتمع الصغير، حتى وصلت خارج مجتمعنا الكبير، ولأنها إضاءات تمتد مع امتداد الأيام تحكي قصة حياة فرد مارس العطاء والوفاء وإيجابية الانتماء.

الأولى من هذه الصور صورة لا تزال ترتسم في ذاكرة الكثيرين من أبناء هذا المجتمع الذين كانوا بالأمس تلامذة على مقاعد الدارسة،حيث كان الفقيد يرحمه الله يداوم على زيارة المدارس ويتفقد أحوال الطلبة ويقدم الهدايا والجوائز للمتفوقين منهم، وكان يحرص أن لا تمر المناسبات التعليمية والاحتفالات المدرسية إلا ويسجل حضوراً فعالاً فيها، كانت مثل تلك المشاركات تبعث روحاً من التواصل والتعاون بين المجتمع والمدرسة، وأتذكر أننا كنا صغاراً في عمر الزهور، وكانت مثل هذه الصورة تثيرنا كثيراً، وتخلق فينا طموحاً وتنافساً شريفاً للتفوق. وها نحن اليوم نسجلها لك -يا أبا صالح- صورة رائعة من الحس الرفيع بقيمة العلم ورعاية الأبناء وممارسة المسؤولية الاجتماعية. إنها ستبقى صورة ذات دلالة وتأثير فيها أروع أشكال العطاء والوفاء لمجتمعك، الذي هو بدوره يرد لك ذلك بالذكر الجميل، ويقدر فيك حسك الاجتماعي الرائع الذي يجعلنا ننظر إليك على أنك كنت إنساناً غير عادي. رحمك الله يا أبا صالح وطيب ذكرك وثراك.

صورة أخرى يتجلى فيها نوع رائع وفريد من العطاء لهذا المجتمع، ولهذا الوطن، جاء من خلال تفاعله، يرحمه الله مع التاريخ والثقافة والتراث، وعشقه وإعجابه بإبداعات الإنسان، أنى كان خاصة إنسان الحضارات القديمة إذ كان يعشق فنها وتراثها وآدابها وثقافتها، وكانت اهتمامه -يرحمه الله- بهذا الجانب اهتماماً كبيراً، يُثريه حس جمالي وإنساني وتذوق رفيع، وكان يشرك الناس الداني منهم والقاصي للتمتع والاستفادة من مقتنياته وخصوصياته التي تُكون في مجموعها متحفاً وثروة إنسانية فريدة، ولقد تحدث عن ذلك أكثر من كاتب وصحفي وطالب وأستاذ وزائر. وعلى الرغم من تنوع مقتنياته، يرحمه الله، إلا أنه كان يهتم أكثر ما يهتم بكل ما له صلة بتاريخ وثقافة وحضارة منطقة الخليج بصورة عامة، والقطيف بصورة خاصة. يشهد له من زاره من الأساتذة والكتاب، ومن حاوره من رجال الصحافة والإعلام. إنه رحمه الله كان واسع الثقافة والدراية بالثقافات والتاريخ القديم والمعاصر، فكان يتحدث عن حضارة الإنسان الصيني والإنسان المصري القديم والإنسان الفينيقي والآشوري والروماني واليوناني وغيرهم وعن الأقوام التي قطنت منطقة الخليج قديماً، حديث المطلع المتمكن. وكان يتخلل الحديث عرض لروائع التحف والآثار والقطع الفنية التي يضمها متحفه الثمين. فيشد انتباه المستمع ويزيد من تشوقه وتعطشه، ويضفي على المجلس مزيداً من الهيبة والإجلال. ولأنني حضرت مجلسه يرحمه الله أكثر من مرة، وشهدت مثل هذه الصور من العطاء الثقافي والإنساني تتكرر، لا إخالني أجافي الحقيقة، إذا قلت بأن مجلس أبي صالح كان بحق نافذة صغيرة تطل على أكثر من زاوية من الحضارة والثقافة والمعرفة. إن هذه الصورة تسجل وفاءك وحسك الرائع لحضارة الإنسان، وللتاريخ والعلم والثقافة، فرحمك الله يا أبا صالح، وأسكنك فسيح جناته. إن مثل هذه الصورة تجعلك -يا أبا صالح- إنساناً غير عادي، وتجعل عطاءك لمجتمعك غير عادي، وتسجل لك ذكراً طيباً ومكانة رفيعة ومقاماً كريماً.

ولأن الوقت لا يتسع لاستعراض المزيد من صور العطاء والوفاء التي كانت أيامك عامرة بها، فإني أكتفي بالقول بأنك كنت مثالاً للإنسان الذي يعطي مجتمعه أكثر مما يأخذ منه، وكانت حياتك يرحمك الله حياة تجعل أبناء هذا المجتمع الوفي يفتقدونك ويفتقدون عطاءك وإنسانيتك، ويدعون لك بالمغفرة والرحمة ويقولون لك: سلام عليك يوم ولدت ويوم مُت ويوم تُبعث حيًّا.

كاتب - السعودية.
370314