لقاء مع: الشيخ الذي يعيش بين آثار التاريخ

التاريخ كلمة تختصر قصة صراع الإنسان وتفاعله مع أبعاد الزمان والمكان منذ الأزل، فكم من أمم لمعت نجومها ثم خبت، وكم من حضارات سادت ثم بادت، فهذا التاريخ شاهد حي لمسيرة الإنسان بخيره وشره، بقوته وضعفه.

ولعل المواعظ والعبر التي يستخلصها الإنسان المعاصر من مسيرة التاريخ الطويلة قد تبرر المجهودات الضخمة التي تقوم بها الحكومات والمؤسسات العلمية لسبر أغوار الحضارات القديمة، ولكشف كنوزها وروائعها المطمورة في الأرض، ولكن قد يحدث أن تكون المقتنيات الأثرية هواية لأحد الأشخاص الذين يستهويهم الماضي، وقد تزيد المفاجأة حينما يكون هذا الهاوي، رجلاً كالشيخ محمد صالح الفارس، والذي حول منزله في القلعة بالقطيف إلى متحف صغير، حيث أواني الفخار التي تعود إلى الحضارة الفينيقية، وقطع النقود القديمة.

وعندما يحدثك هذا الشيخ الذي يعتبر من أوائل المهتمين بجمع الآثار في المنطقة الشرقية، عن معاناته وتجاربه في هذا المجال، تدرك مدى الحاجة الماسة لإجراء مسح تاريخي شامل، يميط اللثام عن أسرار الحضارات الأولى التي قامت شرق الجزيرة العربية، ولا سيما بعد الاكتشافات المهمة في البحرين وسائر بلدان الخليج التي ترتبط بالمنطقة الشرقية بوشائج التاريخ والجغرافيا. وفي محاولة لتسليط بعض الأضواء على هذا الجانب كان لنا هذا اللقاء مع الشيخ الفارس:

- من المعروف أنك من أوائل الأشخاص في المنطقة الشرقية الذين اهتموا باقتناء القطع والمقتنيات الأثرية، فهل لك أن تحدثنا عن الدوافع التي دفعتك إلى تلك الهواية النادرة؟

لقد كان الدافع إلى ذلك هو الهواية الشخصية والفوائد الجمة التي أستطيع الحصول عليها، ويأتي على رأسها الثقافة العامة التي لا تخلو من الطرافة أحياناً، ومن المعلوم أن أفضل طريقة للتعرف على حضارة ما هو تتبع دراسة البقايا المادية والأشياء التي كانوا يتداولونها.

- حالما يدخل الزائر بيتك لأول مرة، يخال نفسه في متحف، فما هي أهم محتويات هذا البيت - المتحف؟

لو ألقيت نظرة بسيطة مثلاً على المحتويات الأثرية الموجودة في هذا البيت لرأيت خليطاً من الآثار والبقايا مما تيسير لي الحصول عليه، بعضها يعود إلى الحضارات الأولى التي قامت في المنطقة مثل الجرار الفينييقية التي يزيد عمرها على ألفي سنة، والبعض الآخر يعود إلى العصور الإسلامية مثل «النقود العباسية والفاطمية»، وكذلك هناك بعض الأواني والتحف والصناديق القديمة المعروفة محليًّا «بالمبوَّتة» التي كانت تجلب منا الهند، والأشياء التي كان يستعملها الجيل القديم، حتى وقت ليس ببعيد.

- لعل من المفيد أن نذكر أن الاهتمام بالآثار، والثروة التاريخية في منطقة الخليج والجزيرة لم يبرز إلا في السنوات الأخيرة فقطـ، فما هو سبب اهتمامك المبكر نسبياً بهذا الأمر؟

لعل شيئاً من ذلك يعود بشكل مباشر إلى أنني قرأت في إحدى الصحف قبل خمسين عاماً ونيف أن الحكومة الكمالية التركية التي جاءت عقب حكومة الباب العالي في استنانبول، قد ابتاعت عدة طوابع بمبلغ خمسة عشر ألف ليرة تركية، تم العثور عليها في كنيسة «أيا صوفيا» باستنبول باسم السلطان بايزيد، وقد استرعى ذلك انتباهي وحفزني على الاهتمام بالآثار بشكل عام، وبذلت من أجلها الكثير من الوقت والمال والجهد.

- من خلال المقتنيات الأثرية التي بحوزتك ما هي أهم الأشياء التي تفخر باقتنائها، وهل حصلت على مسكوكات نقدية قديمة في منطقة القطيف؟

في الواقع إنني أنظر إلى المحتويات الأثرية التي بحوزتي نظرة الأب إلى أولاده، بحيث لا فرق بين قطعة وأخرى، وقد حدث أن تم اكتشاف مجموعة من النقود الصينية في منطقة القطيف تُبيِّن وجود نوع من المبادلات التجارية بين الحضارات التي نشأت في الخليج العربي وتلك التي قامت في بلاد الشرق الأقصى.

- لقد كنت في يوم من الأيام مديراً لبلدية القطيف وتوابعها، فهل أثر ذلك المنصب في هوايتك في جمع الآثار؟ وهل تعتقد أن البلدية يجب أن تضطلع إلى حد ما بهمة الحفاظ على الآثار؟

لقد كنت هاوياً لجمع الآثار قبل أن أصبح مديراً للبلدية.. ولقد حاولت من خلال ذلك أن أحافظ قدر الإمكان على سلامة بعض المعالم الأثرية في القطيف وذلك عن طريق نقل الأبواب الرئيسية المحيطة بالقلعة، كما تم اكتشاف عدة مقابر ومعالم أثرية قديمة أثناء شق طريق دارين - سنابس، ولكن يجب أن لا ننسى أن متطلبات النمو العمراني تتطلب أحياناً كثيرة التضحية بالطابع المحلي المعماري.

ومما لا شك فيه أن البلدية تتحمل مسؤولية هامة في المحافظة على الآثار والطابع المحلي لبعض المعالم والمباني التي هي أولاً وأخيراً مرآة واقعنا الحضاري والإنساني، وذلك لا يتأتى إلا عن طريق المحافظة على وجود بعض المعالم القديمة وترميمها كالقصور والمساجد الأثرية ومن ذلك قصر جاسم عبد الوهاب بدارين وبعض الأماكن الأثرية في الأحساء.

- دراسة القطع الأثرية وتقييمها يحتاج إلى خبرة علمية، فهل لديك حصيلة علمية مناسبة تساعدك في هذا المجال، أم تستعين بأحد المختصين؟

مما لا شك فيه أن عملية التقصي العلمي للآثار تتطلب كفاءات علمية واستعدادات جمة، وتستغرق زمناً طويلاً ومالاً كثيراً، فمثلاً بعض القطع الأثرية التي أحصل عليها لا أستطيع أن أفك رموزها إلا عن طريق بعض المختصين مثل تحديد عمر بعض الجرار الفينيقية، وكذلك بعض المسكوكات النقدية، وبالكاد أستطيع قراءة الكتابة الكوفية الموجودة على بعض المسكوكات الإسلامية، ولكن بحكم الخبرة والتجربة أستطيع بشكل عام أن أميز الغث من السمين في هذا المجال وقد قالوا قديماً: «من تردد في شيء أوتي حكمته».

- نتيجة للشهرة والتجربة التي تكونت لديك في مجال جمع الآثار، أين توجد أغنى المواقع الأثرية في المنطقة الشرقية؟ وما مدى تجاوب السكان المحليين في التعرف عليها واكتشافها؟

أعتقد أن منطقة الخط بشكل عام غنية بالمواقع الأثرية ومنها منطقة «ثاج» التي تقع بالقرب من مدينة الجبيل وكذلك جزيرة تاروت التي كانت تعرف لدى الفينيقيين باسم «تيروس» ودارين والعقير وجميع هذه المرافئ المتناثرة على الخليج كانت همزات وصل مهمة في الطريق البحري التجاري الطويل لنقل التوابل والبخور والحرير من منطقة الشرق الأقصى إلى البحر المتوسط منذ الألف الثالث قبل الميلاد. وإذا أضفنا إلى ذلك القرى والواحات التي طمرتها الرمال الزاحفة بشكل مستمر نحو الشرق، لأدركنا أن الكثير من المعالم الأثرية يقبع تحت هذه الرمال. وأبرز مثال على ذلك أبراج وقنوات الري القديمة التي لا تزال تقاوم عاديات الزمن في منطقة البدراني غرب واحة القطيف، والتي تعطينا دليلاً على تقدم أنظمة الري آنذاك. وقد يحدث أن يكتشف أحد الفلاحين جرة قديمة أو قطعة أثرية، أثناء فلاحته لأرضه أو أثناء بناء بيت جديد.

- هل هناك نوع من التنسيق بينك وبين المسؤولين في إدارة الآثار للاستفادة من المكتشفات الأثرية؟

يحدث كثيراً أن أقوم بعرض المجموعات التي أحصل عليها على المسؤولين في إدارة الآثار وقد سبق أن ابتاعوا مني ثلاث مجموعات من المسكوكات النقدية وبعض المقتنيات الأثرية الأخرى، وقد عرضت في المتحف الوطني للآثار بالرياض، كما اشترت جامعة الرياض مجموعة أخرى تتألف من الجرار الفينيقية. وبشكل عام هناك نوع من الاتصال الشخصي بيني وبين المسؤولين في إدارة الآثار.

- سمعنا منذ بعضة أعوام أن شركة أرامكو قد اكتشفت بطريق الصدفة قبراً تاريخياً يعود إلى العصور التاريخية السحيقة في منطقة «جاوان» على الطريق بين رأس تنورة وصفوى، فهل قدم لك هذا الاكتشاف فائدة في مجال هوايتك؟

منذ بضعة أعوام اكتشفت أرامكو بطريق الصدفة قبراً تاريخيًّا يعود إلى فترة الحضارات السحيقة التي نشأت في المنطقة، وذلك عندما كانت تمهد الطريق اللازم لمد خط لأنابيب الزيت بالقرب من منطقة جاوان الواقعة بين رأس تنورة وصفوى. وقد اكتشفت في القبر عدة جماجم يقال إن من بينها ملك جاوان القديم وأسرته، وبعض القطع الذهبية وبعض الصناديق المملوءة بالمقتنيات الأثرية وعدة سيوف أخرى، كما وجدت أيضاً قلادة تنتظم بها عدة أصناف من الأحجار الكريمة التي جلب بعضها من مناطق بعيدة، مما يدل على قيام علاقات تجارية بين المنطقة وحضارات أخرى بعيدة في العالم القديم، وقد قامت أرامكو بعرض هذه المكتشفات في عمارة ابن درويش بالدمام آنذاك ثم سلمت لدائرة الآثار، ولا يزال القبر قائماً حتى الآن في منطقة جاوان.

- منطقة الخليج تؤلف وحدة جغرافية وتاريخية واحدةـ، وقد جاءت الاكتشافات المهمة في دلمون بالبحرين، والاكتشافات الأخرى في جزيرة فيلكا بالكويت وغيرها لتؤيد ذلك، فهل بينك وبين المسؤولين هناك نوع من التعامل؟

مما لا شك فيه أن وحدة الأصول التاريخية والجغرافية تتطلب إقامة نوع من التعامل والتعاون بين المهتمين بالآثار في المنطقة عموماً، وهذه من المهام التي يقوم بها المسؤولون وذلك في سبيل إجراء مسح شامل ومتكامل يوضح الصورة الحقيقية للحضارات العريقة التي قامت يوماً ما على الخليج وتفاعلت مع الحضارات الأخرى.

ومن المهم التنويه هنا أن البعثة الدانماركية التي اكتشفت المدينة الفينيقية في دلمون بالبحرين التي كانت تعرف بأرض الخلود، قد قدمت دليلاً ساطعاً على عراقة منطقة الخليج بشكل عام.

وأما بالنسبة لي شخصيًّا فقد حدث مرة أن اكتشف في مدينة «العين» بأبو ظبي بعض الآثار ومنها «غزال ذهبي وقد صدف أن دعاني أحد الأشخاص ممن كانوا على معرفة جيدة بي وبشغفي وباهتمامي البالغ بالآثار، لزيارة مدينة العين، للتعرف على هذه الموجودات القيمة التي كانت النواة الأولى لإنشاء متحف وطني هناك.

وقد أهديت المسؤولين هناك بعض المسكوكات النقدية للمساهمة في هذا المجهود وكان من بينها دنانير عباسية وأموية وبيزنطية وغيرها.

- كيف نستطيع إشراك الجمهور في الاستفادة من القيمة التاريخية والحضارية لهذه الآثار، وهل تعتقد أن إنشاء متحف في منطقة القطيف مثلاً أو في سواها من المدن يسهم في ذلك؟

في الواقع هناك عدم إدارك حقيقي من قبل الناس، للقيمة الحضارية للآثار بشكل عام حيث يعتقد البعض أن كل ما هو قديم هو بالضرورة غير مفيد، ولكن الواقع يقول: إننا لن نستطيع فهم وتطوير حاضرنا، إلا إذا فهمنا ماضينا، وأخذنا جيده، وأصلحنا رديئه.

وها نحن نرى الأجانب يتزاحمون على شراء وجلب تراثنا ورموز تاريخنا، فالأولى أن نكون أول من يهتم بذلك. وخير وسيلة لذلك، هي إنشاء المتاحف الأثرية والشعبية في مدن المملكة، والمحافظة على سمات شخصيتنا وتراثنا الأصيل.

370314