أول مسح طوبوغرافي لرأس تنورة
جزيرة أبو علي ، وجزر أخرى عام 1912 ـ 1913 (1) إعداد الرائد البريطاني البحري E. J. Headlam
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 4:55 ص - العدد (1)

 
شُغلت مناطق الشرق، خصوصاً منطقة القطيف بموضوع الموانيء منذ قديم الزمان. وإذا كان ميناء الأحساء ( العقير) أكثر صلاحية من ميناء القطيف، فإن مشكلته تكمن في بعده عن المناطق السكنية المأهولة. أما ميناء القطيف، فقد أكّد تقادم الأيّام على عدم صلاحيته لرسو السفن الكبيرة التي أخذت تتعاطى مع الميناء. فتطوّر الزمان فرض استخدام سفن أكبر، وكان الميناء لا يتحمّل استقبالها.

بقيت هناك موانيء طبيعية صغيرة في العديد من المدن والقرى (موانيء جزيرة تاروت/ سيهات) ولربما كان هناك أكثر من ميناء تفوق في مزاياها ميناء القطيف نفسها، ويتوفر فيها العمق الكافي لاستقبال سفن أكبر.

وقد واجهت مشكلة ميناء القطيف الكثير من الجهات، لذا لم يكن غريباً أبداً أن يعتمد العثمانيون رأس تنورة كمرسى لقواتهم القادمة من العراق للإستيلاء على المنطقة عام 1871م. وقد أرسل مدحت باشا قبيل انطلاق حملته للإستيلاء على المنطقة فرقة من الكشافة لتحديد أنسب المواقع لإنزال الوحدات التي سترسل بحراً الى الأحساء، واستقرّ الرأي على أن رأس تنورة أنسبها(2) ، وكانت حركة القوات العثمانية القادمة من العراق تعتمد البحرين كنقطة وسط، ثم تستأجر قوارب أصغر لإنزال القوات في القطيف، وأيضاً العكس، حيث تتجمّع تلك القوات في البحرين قبل أن تستقلّ السفن الحربية الى غاياتها، وقد كان الإنجليز كثيراً ما يحتجون على استخدام محميّة البحرين لأغراض عسكرية، بغية تعويق حركة العثمانيين.

في حين كانت بعض سفن الركاب تختار رأس تنورة أو العقير بدل الرسو في القطيف. وحتى الإنجليز، فإن سفنهم وزوارقهم قلّما اقتربت من ذلك الميناء في أوج المدّ، وفي أكثر الأحيان تبقى على مسافة أميال طويلة من الشاطيء، أو تعسكر في رأس تنورة، خاصة في أوقات الحرج الشديد، مثل أيام حرب البادية التي وقعت عام 1908 على أثر حادثة الشربة الشهيرة.

ومن اللافت أن ميناء القطيف لم يكن ليحوز أهميّة كبيرة لولا أنه الميناء الطبيعي لأهله القريبين منه، أما رأس تنورة أو حتى الدمام، فمينائيهما وإن امتازا بعمقهما وتوفر الحماية لهما من الرياح، فإنهما يقعان في أمكنة مقفرة غير مأهولة، وكانت بعض الأماكن القريبة منهما ملجأً لقراصنة البحر.

لهذا لم يكن أمراً غريباً أن يجري التحوّل عن ميناء القطيف، الى موانيء أخرى، وكان هذا التحوّل قد بدأ منذ زمن بعيدٍ، في وقت لم تجرِ فيه أيّة تعديلات أو إصلاحات تغري أصحاب السفن بالرسو في ميناء القطيف.

وقد حاول العثمانيون الذين واجهوا المشكلة، ورغبة منهم بالوصول الى القطيف مباشرة دون المرور بالبحرين، حاولوا عام 1887 تأسيس ميناء تجاري في دارين، كيما تفرغ البواخر حملوتها هناك متفادية المرور عبر البحرين وإعادة شحن البضائع أو إركاب الركاب من هناك. غير أن الإنجليز توقعوا أن لا ينجح المشروع بالنظر للوضع الملاحي. وبالفعل لم يوفق المشروع(3) .

وفي العشرينات الميلادية من القرن الحالي، هددت الحكومة السعودية على لسان فؤاد حمزة، بإنشاء ميناء رأس تنورة كرد فعل على الضرائب التي تفرضها حكومة البحرين البريطانية على تجارة الترانزيت(4) .

على أن ميناء رأس تنورة والجزر الواقعة في الشمال، كانت محطّ أنظار الإنجليز وأطماعهم، وقد زادت تنقلاتهم وحركة سفنهم العسكرية مع الأيام الأخيرة للدولة العثمانية، ولذا يبدو الأمر غريباً أن تجوب السفن البريطانية المنطقة وتمسحها مسحاً عسكرياً دون أن تجد من يعترضها أو يحتجّ على فعلها. وما فتئت مقيميّة بوشهر وبالذات في السنوات الثلاث الأخيرة للوجود العثماني في المنطقة (1910 ـ 1913) تطلب من قادة السفن البريطانية معلومات عن الموانيء وبينها رأس تنورة(5) .

والمسح غرضه عسكري، وهذا ما نلمحه من التقرير الذي نحن بصدد نشره، وميناء رأس تنورة الذي كان في طليعة اهتمام المسّاحين، شهد انزالاً بريطانياً شبه عسكري، قبل سنوات قلائل من المسح نفسه، حيث رست سفينة حربيّة ورفعت العلم البريطاني وتقدّمت بعروض الحماية للأهالي من غائلة البادية ومن الحكم العثماني نفسه، لكن الزعماء السياسيين والدينيين رفضوا العرض، وتوجّه بعض الأهالي الى رأس تنورة وحطموا سارية العلم.

كان رأس تنورة خالياً من أيّ سلطات، لكن لوريمر، يذكر في دليل الخليج، أن الحكومة التركية (كانت) تستعمله عند زيارة قواربها، وأنها احتفظت بمحطة للوقود قريباً من المرفأ(6).

فيما يلي نص المسح البريطاني لميناء رأس تنورة وغيره:

سرّي/ رقم 960، تاريخ 23 مارس 1913

من: الليفتانت ـ كولونيل السير بيرسي كوكس، المقيم السياسي في الخليج الفارسي.

الى: سكرتير حكومة الهند في الدائرة الخارجية، سيملا

.... فيما يتعلّق بإمكانات رأس تنورة وساحل القطيف، لي الشرف بأن أرفق طيّه النسخة الأصليّة لتقرير قيّم وممتع حول ميناء رأس تنورة ومداخله والطرق (البحريّة) المؤدية اليه، وهو التقرير الذي وضعه، بناءً على طلبي، الرائد البحري ي. ج. هدلام E. J. Headlam قائد السفنية الحربية بالينوروس Palinurus   المنهمكة حالياً في عمليات المسح الطوبوغرافي في تلك الأنحاء.

في عام 1897 (انظر: الفقرة السادسة، الصفحة الثالثة من: مجموعة التقارير السريّة، الدائرة الخارجية، ابريل 1905) وصف الدكتور قاسم عز الدين رأس تنورة على أنه ميناء بحري ممتاز، كما يشير تقرير الرائد البحري هدلام الى أن إمكانياته كميناء أعظم مما كان يُعتقد حتى الآن. أمّا المدّ والجزر والتيارات القوية المشار إليها في رسالة آمريّة البحرية المذكورة أعلاه، فلا يبدو أنها خطرة على حركة السفن والإبحار، وليس هناك من سبب يدفع الى الإفتراض بأن شواطيء رأس تنورة ربما تكون غير صحيّة أكثر من شواطيء البحرين أو شواطيء أي ميناء آخر على الساحل العربي.

توقيع
 

 

رقم: 805

تاريخ: جزيرة أبو علي، 8 مارس 1913

من: الرائد البحري ي. ج. هدلام، قائد السفينة بالينوروس

الى: الليفتانت ـ كولونيل السير بيرسي كوكس، المقيم السياسي البريطاني والقنصل العام في الخليج الفارسي

بالإشارة الى كتابكم رقم 3468 (سري) المؤرخ في 26 ديسمبر 1912، وكتابكم رقم 662 تاريخ 25 فبراير 1913، الموجّه الى المعتمد السياسي في البحرين، والذي أرسلت نسخٌ منه إليّ. لي الشرف بأن أبلغكم بأن المعتمد السياسي في البحرين طلب إليّ أن أرسل تقريري إليكم مباشرة، تجنّباً لأيّ تأخير. وبناءً عليه، أرفق طيّه كلّ ما استطعت الحصول عليه من معلومات بخصوص النقاط الواردة في رسالتيكم، والتي آمل أن تكون ذات فائدة، كما أرسل رفقه نسخة من تقرير عن ميناء ومداخل رأس تنورة، حسب طلب المعتمد السياسي في البحرين.

رأس تنورة : من الواضح أن هذا الميناء هو واحد من أفضل الموانيء (الطبيعية) حماية على شواطيء الخليج العربية. فهو في مأمنٍ كاملٍ وتامٍ ومطلقٍ من جميع الرياح، والإبحار فيه سهلٌ على الرغم من ضيقه. إن الموقع والتعليمات المتعلقة بالدخول إليه والمثبتة على الصفحة 105 من (دليل الخليج الفارسي Persian Gulf Pilot) الطبعة الخامسة لعام 1908 صحيحة تماماً باستثناء نقطتين فقط: (أ) المنزل المتهدّم الذي كان قائماً على رأس تنورة لم يعدّ له وجود الآن. (ب) حركة المدّ والجزر ليست بالقدر الكافي من القوة أو عدم الإنتظام، بالشكل الذي تصوره الفقرة الأولى على الصفحة 106.

خلال شهري ديسمبر من عام 1912، ويناير 1913 كانت السفينة بالينوروس ملزمة بأن ترسو باستمرار في ذلك الميناء اتقاءً لتقلّبات الطقس، وقد جرت مراقبة دقيقة لتيارات المدّ والجزر هناك خلال كل زيارة قامت بها السفينة الى الميناء. وتُظهر النتائج أن المدّ العالي يتحرك على امتداد نهاية الميناء، حيث يسير الفيضان باتجاه شمالي ـ غربي، بينما يسير الجزر باتجاه الجنوب الشرقي بقوة تتراوح ما بين 1.5 و 0.5 عقدة حسب فصول السنة أو حركة المدّ والجزر. حين يرتفع المدّ، خاصة إذا هبّت ريح الشمال، فإن انكساراً للمدّ يتشكّل عند المدخل. أما خارج الرأس (رأس تنورة) فإن فيضان المدّ يبدو وكأنّه يشطر الى شطرين، كما هو مذكور في تعليمات الإبحار، ويتجه الجدول البحري الى الشمال والجنوب، لكنه لا يبلغ من القوة ما يجعله مصدر خطر أو إزعاج للإبحار (قيادة السفن وتوجيهها).

المزايا الرئيسية التي يتمتع بها رأس تنورة كميناء بحري هي:

(1) إنه يتمتع بحماية (طبيعية) كبيرة بحيث يمكن إنزال المسافرين والبضائع الى البرّ في جميع أحوال الطقس دون خطر أو تأخير.

(2) إنه لا يوجد حاجز وليس هناك طريق أو مدخلٌ معقّد.

(3) ليست هناك صخور بارزة من الشاطيء داخل البحر كما هي الحال في البحرين أو الكويت، ولا توجد ضفاف طينية كما هي الحال في دوحة خذامى Dahat Kathama حيث تبرز من تحت المياه حين ينخفض مستواها. وتستطيع القوارب في جميع أوقات المدّ والجزر أن تقترب من الشاطيء الرملي.

(4) وإن السفن تستطيع الإقتراب الى مسافة 100 ياردة من الشاطيء الرملي، وبهذا يمكن توفير الكثير من الوقت والجهد.

أما السيئة الرئيسية فيه فهي: ضيقه، حيث لا يتجاوز عرض المياه العميقة فيه ربع الميل حسبما هو معروف حتى الآن، ولكن هناك طوله الذي يتجاوز الميل، مما يفسح مجالاً كافياً لرسو عدّة سفن. أما السيئة الثانية فهي ـ بالطبع ـ انعدام وجود المياه العذبة قريباً منه، مع أن هناك كميات وافرة من هذه المياه في القطيف وجزيرة تاروت على ما أعتقد.

المسافة بين رأس تنورة والقطيف عن طريق البرّ ـ حسب الخارطة الحاليّة ـ تبلغ حوالي ثمانية عشر ميلاً، وثمانية أميال عن طريق البحر. ولا يبعد الرأس عن جزيرة تاروت إلاّ أربعة أميال. غير أن المسافة الفاصلة بينهما مليئة بالجروف الصخرية ولا تستطيع القوارب الإبحار عبرها إلاّ حين يكون المدّ عالياً.

... أفضل مدخل الى رأس تنورة يميل غرباً ثم جنوباً ثم غرباً حول الرأس، ويمكن أن ترسو السفن على عمق ربع ميل داخل الميناء وبعيداً عن الشاطيء (حيث يمكن مدّ حبل من هذه السفن الى الشاطيء).

إن الجروف الصخرية الممتدة نحو الجنوب ظاهرة للعيان بشكل واضح، ويبدو أن القنال تضيق الى حدّ كبير بعد ميل أو بعض الميل من المدخل. ويبلغ ارتفاع المدّ في أقصاه حوالي أربعة أقدام، في حين تبدو الطرق المؤدية الى رأس تنورة من الجهة الشرقية خالية تماماً من جميع الأخطار بالنسبة للسفن التي لا يتجاوز عمق مرساها (قاعدتها داخل البحر) 18 قدماً.

... وبقدر ما أستطيع الحكم في هذه المرحلة من المسح، فإنه لا توجد أيّة أخطار ما بين النهاية الشمالية لفشت الجارم Fasht-al-Yarim (7) والعشيرة Ashira وضفاف بو أثامه Bu Athama التي لم يتم فحصها بعد. لا يجوز بحال من الأحوال الإقتراب من رأس تنورة من الجهة الشمالية، بين فشت بوسعفة Bu Saafa والساحل، لأن هذه المسافة تعجّ بالعديد من المناطق الضحلة، معظمها لا يزيد عمق المياه فيه عن ثلاث قامات.

في السادس عشر من فبراير، أو ربما في السابع عشر منه 1913، رست السفينة الحربية الفارسية راماني Ramani الى الجنوب الشرقي من رأس تنورة، وعلى بعد ميل تقريباً أنزلت 700 من المسافرين القادمين من البصرة الى القطيف. يبدو أنها ألقت مرساتها قريباً من حافة الجرف الصخري الممتد الى الجنوب من المدخل، لأن قاع البحر كان ظاهراً للعيان من تحت المياه المتكسرة وقريباً من الشاطيء.

الجُـزُر: تقع جزيرتا: الجريدة AL JIRAIDA والجنّة AL-JINNA على بعد بضعة أميال الى الشرق، أبعد مما تصوّره الخرائط المتوفّرة. هاتان الجزيرتان صغيرتان رمليتان تغطيهما حجارة صغيرة وتحيط بهما الجروف الصخرية. الجنّة هي الأكبر، ويمكن اللجوء الى خلجانها الصغيرة اتقاءً لريح الشمال، أو اتقاءً لكنس (كوس؟) الجريدة KANS AL JIRAIDA فهي صغيرة عميقة المياه، ولكنها لا توفر أي حماية أو القليل منها. يبدو أن هذا المكان موقع تتوالد فيه وتتكاثر طيور الغاق CARBO فقد وجدنا الآلاف منها هناك تضع بيوضها وتربي صغارها في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر الماضي. ويستخدم الصيادون جزيرة الجنّة لتجفيف الأسماك وتقديدها (تمليحها).

أعتقد أن جزر القراين AL- KARAIYIN والقرن AL- KRAN والهرقوز HIRKUZ وجزيرتي عربي وفارسي، وضعت على الخارطة بعيداً الى الغرب عن مواقعها.

الحقيقية، ولكن لم تتوفر لي الفرصة بعد لأتأكّد من هذا بالقدر الكافي الذي يسمح لي بإبداء ملاحظات دقيقة.

جزيرة أبو علي: بالإمكان إيجاد مرسى جيد الى الجنوب من هذه الجزيرة، مرسى يوفر حماية كاملة من ريح الشمال. هناك ضريحٌ مهدّم مقام على تلّة صغيرة، هو أول ما يلفت نظر المقترب بحراً من تلك الجزيرة. وأفضل موقع للرسو، وعمقه 4 ـ 5 قامات واقع الى الجنوب من رأس الجزيرة أو الضريح. لكن المياه سرعان ما تزيد ضحالتها عند حافة الجرف الصخري الذي يمتد من الشاطيء ولمسافة نصف ميل بعيداً عنه. كما أن هناك بروزاً صخرياً آخر على الساحل الى الشرق من القبر/ الضريح يمكن أن يوفر الحماية للقوارب المحليّة الصغيرة، ويقيها من كلّ الرياح، لكن لا يوجد أي مأوى للسفن الكبيرة في هذا الخليج من رياح الكنس KANS ( الكوس؟) حين يعلو الموج ويقتحم الخليج. إلا أن هناك مرسى جيداً يتمتع بالحماية كافية من رياح الكنس يمكن توفيره عن طريق الرسو في مياه عمقها 4 قامات على بعد حوالي 3 أميال من الشاطيء، وذلك بوضع القبر كنقطة بصر ترسو السفينة الى الجنوب الشرقي منها. وعند الإلتفاف حول اللسان الممتد داخل البحر يجب اتخاذ أقصى الحيطة والحذر بحيث تبتعد السفينة عن نهايته الشرقية، لأن المياه تصبح ضحلة بسرعة كبيرة هناك، كما تتضارب الأمواج العاتية في الطقس الرديء. لا يجوز الإستدارة حول ذلك اللسان إلا على بعد أربعة أميال على الأقل من القبر/ الضريح.

أستدلُّ من مظهر النباتات والخضار المحيطة بالقبر أنه لا بدّ من وجود ماءٍ عذب في الجزيرة، وكذلك من حقيقة وجود بدو كانوا يخيمون هناك مع جمالهم وحميرهم وقطعان الغنم والماعز. إلاّ أنني لم أتمكن من التأكد ما إذا كان هناك ماء أم لا بسبب الموقف غير الودّي الذي أظهره هؤلاء البدو تجاهنا، كما ذكرت في رسالتي رقم 794 تاريخ 20 فبراير 1913.

حين تكون حركة المياه جزراً تتوافد الآلاف المؤلفة من طيور الغاي COMORANTS/ CARBO لتستوطن اللسان الرملي الطويل الذي يطفو على سطح الماء المنحسر عندها ليوفر لتلك الطيور مرتع غذاء خصب.

في الخليج الواقع بين جزيرة أبو علي ورأس بديّه RAS  BIDDIYA شاهدنا عدّة فصائل من نوع (السمك الأسود) طول السمكة منها 15 الى 20 قدماً.

في الخامس من مارس 1913 رست السفينة بالينوروس على بعد ثلاثة أميال تقريباً الى الشرق من رأس بديّه، وفي صبيحة اليوم التالي دخلتُ الخور على ظهر زورق  وتوجهت الى جزيرة العماير ـ دوحة المسلميّة الواقعة على بعد أربعة أميال الى الغرب من رأس بديّه.

يبلغ امتداد هذه الجزيرة (العماير) حوالي الميل، وتقع عند رأس الخور، وتتألف من تلال رملية منخفضة أُقيمت فوقها قرية صغيرة تحيط بها بضع أشجار. علمنا أن عدد سكان تلك القرية والمنطقة المحيطة بها هو حوالي 700 شخص، لا يسكنها منهم حسب اعتقادي أكثر من مائتين. وهم جميعاً من العرب والزنوج الذين يمتهنون الصيد، وقد شاهدنا عدداً كبيراً من الزوارق مرفوعة الى الشاطيء الرملي، كما توجد كمية قليلة من المياه العذبة في الجزيرة ولكنها مياه مالحة، ويقول أهل الجزيرة أنها مياه غير صحيّة.

جزيرة جنّه : من العماير توجهنا الى جزيرة جنّه، مصطحبين معنا الكاتب الزنجي لشيخ جنه الذي رغب في العودة الى هناك، وفي الطريق أخبرنا أن أهل جزيرة العماير كانوا يريدون منعنا من النزول الى جزيرتهم، ولكنه أقنعهم أننا أصدقاء، وبأن يبعدوا بنادقهم (عنا). نحن لم نرَ ولم نلحظْ أيّة بوادر عداء خلال فترة وجودنا القصيرة في الجزيرة. وقال لنا مخبرنا إن هناك صدامات تقع باستمرار بين سكان الجزيرتين وأن أهل العماير (أغبياء جداً ومغرمون بالشقاق والخصام الى أبعد حد). ولكن بما أن المبلّغ نفسه من جنّه فربما يفسّر هذا رغبته في إقناعنا بأن قرويي العماير يميلون الى العداء وعدم الود.‍

تقع قرية جنة عند النهاية الشمالية للجزيرة التي تحمل نفس الإسم، وعلى سفوح بعض الجروف الصخرية. وتبدو القرية أكبر بقليل من العماير، ويوجد على قمّة الجزيرة، على ارتفاع 35 قدماً، حصنٌ كبيرٌ له برجٌ دائريٌ في الجزء الشمالي منه، يمكن رؤيته من عرض البحر. المياه العذبة وفيرة في جنّه، ويستخرجها الناس من الينابيع، وقد قيل لنا إنها مياه من نوعية ممتازة، إلا أن الطقس كان سيئاً جداً لسوء الحظ، وكنتُ على استعجال للعودة الى السفينة، فلم يتوفر لدي الوقت الكافي للتحقّق من هذا الأمر بالقدر الذي رغبته. أما سكان جنّه فصيادون أيضاً، وقد شاهدنا عدداً كبيراً من القوارب على الشاطيء الرملي.

لا توجد حالياً قوات تركية لا في جنّه ولا في العماير، وحين تتواجد تلك القوات يكون قوام الحامية العسكرية عادة 40 جندياً في جنّة و20 في العماير، وقد رحل هؤلاء قبل حوالي ستة أشهر، ولكن يتوقع أن يعودوا بعد أربعة أشهر من الآن(8).

تخضع جزيرة العماير لشيخ جنّة، ويمارس شيخ القطيف (القائمقام) السلطة على كليهما، ولكنّ شيخ جنّة ـ وحسبما فهمنا ـ يعتبر نفسه ندّاً لشيخ القطيف، ومستقلاً تماماً(9) .

إن أفضل مرسى للسفن التي تزور جنّة والعماير يبعد حوالي خمسة أميال الى الشمال الشرقي من حصن جنّة، وعمق مياهه يتراوح بين أربع وخمس قامات. فإذا اتجهنا الى الشاطيء مبتعدين عن هذا المرسى فسيعترضنا حاجز من المياه الضحلة شكلته الضفاف الرملية الشاسعة والجروف الصخرية العديدة الممتدة نحو الشمال ونحو الجنوب. هناك مأوى طبيعي لحماية السفن من ريح الشمال والكنس، خلقته الكثير من الضفاف المتجهة شمالاً، وكذلك جزيرة ابو علي في الجنوب، لكنها حماية ضعيفة.

بقدر ما استطعت التأكّد خلال الفترة القصيرة التي قضيتها هناك، فإنه لا يوجد مدخل عميق المياه للخور، ولكن ما أن نتجاوز الحاجز ـ الذي يبلغ عمقه قامة واحدة فقط عند انحسار الماء أثناء الجزر ـ حتى نصل الى مياه كثيرة أعماقها تتراوح بين 6 ـ 7 قامات.

وهناك أيضاً قنال عميقة ولو أنّها خدّاعة مرهقة بعض الشيء، تصل الى العماير تقريباً مهما كانت حالة المدّ والجزر. وحين يرتفع المدّ تستطيع القوارب الوصول الى القرية نفسها. أما الضفاف الرملية والجروف الصخرية في الخور ـ وهي كثيرة جداً ـ فيمكن رؤيتها عموماً، وكذلك تجنّبها بسهولة.

والى الجنوب من العماير نجد أن الإنحدارات الصخرية المطلّة على البحر من اليابسة تنتهي فجأة، وفي جنّة تبرز الضفاف الرملية والطينية من تحت المياه الضحلة لمسافة طويلة قبل الوصول الى القرية، غير أن هناك ذراعاً قصيرة للخور تمتد الى الشمال الغربي من الجزيرة، الأمر الذي يسمح للقوارب بالإقتراب حين يكون المدّ عالياً.

إذا أردتَ الإقتراب من جنّة، فعليك أن تمرّ عبر المدخل، مدخل الخور الضيق الواقع بين رأس بديّه والجروف الصخرية والضفاف الرملية الممتدة من جزيرة جنّة الى داخل البحر، والتي يمكن تمييزها ومشاهدتها بسهولة حتى حين تكون مياه البحر عالية. ثم اتبع الذراع الرئيسية للخور باتجاه غربي/ جنوبي/ غربي الى أن تصبح القرية الى الجنوب منك، ثم وجّه سفينتك نحوها، مع البقاء قريباً من الضفاف الرملية الممتدة على الجانب المطلّ على البحر. أما إذا أردتَ التوجّه الى العماير بعد عبور المدخل، فيتوجب البقاء محاذياً لذراع الخور الرئيسية ثم توجية السفينة باتجاه النهاية المفاجئة للذراع الى الجنوب من الجزيرة، وحين تصبح قريباً من اليابسة، وجّه دفّة السفينة باتجاه الجزيرة.

من ناحية البحر، ومن الجريدة والجنّة باتجاه أبو علي ورأس بديّه، لم نعثر حتى الآن على مياه ضحلة أو مواقع خطرة، لكن يجب إظهار عناية وحذر فائقين عند الإبحار في المناطق التي لم يتمّ مسحها بعد.

توقيع/ إدوارد هدلام

8 / 3 / 1913
 


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(1) انظر: مصدر التقرير: وثائق وزارة الهند في لندن

I. O. R   L/ P&S/ 11/ 53 / (E 1766, 1913)

( 2 ) انظر: تاريخ العراق الحديث، عبد العزيز نوار، ص 417. 

(3) انظر التقرير الإداري السنوي لمقيمية الخليج في بوشهر لعام 1887 ( I. O. R   V/23/53).

( 4 ) انظر: الخليج العربي، جمال زكريا قاسم، صفحة 233.

(5) راجع الوثيقة I.O.R  R/ 15/ 1/ 610 لمعرفة كنه بعض هذه الإتصالات والمراسلات بين السفن الحربية والمقيمية في بوشهر.

(6) انظر دليل الخليج، القسم الجغرافي ، ص 3671.

(7) الجارم، ويقلب الأهالي الجاء الى ياء، والفشت المرتفع من الأرض وسط البحر، يغمر بالماء أثناء المدّ، ويظهر كجزيرة أثناء الجزر.

(8) لا يبدو أنهم عادوا، لأنّ الملك عبد العزيز سيطر على المنطقة.

(9) خوفاً من وقوع الإضطرابات بتحريض الإنجليز، دعّم العثمانيون تواجدهم في جزر بوبيان وأم قصر وأرسلوا قوات الى العماير. وكتب مبارك الصباح، أمير الكويت الى المقيم البريطاني في بوشهر في 14/4/1902 الموافق للعاشر من محرم 1320 هـ يقول: [في هذه الأيام بعث الأتراك من القطيف، ثلاثين جندياً برفقة بن جمعة الى جزيرة العماير، لأجل أن يبقى الجنود هناك، ولكن السكان لم يسمحوا لهم بالبقاء، لذلك عاد الجنود الى القطيف، وبعدئذ أقاموا مع ابن وهب في دارين] انظر F0. 78/5252 رسالة من كمبل الى هـ.س. بارنر في حكومة الهند.

 

307189