لغة التشخيص
قراءة أولى لقصيدة (لو كنت لي بشراً ) للأستاذ الشاعر علي مكي الشيخ (أبو الحسن)
ماجد علوي الشريف * - 8 / 2 / 2011م - 1:52 ص - العدد (54)

لو كنت لي بشراً

هربَتْ ِإليكَ بلهفةٍ أشواقي

كحنينِ مشتاقٍ إلى مشتاقِ

إني شربتك قبل كأس مودتي

فوجدت عشقك يستثير مذاقي

وملأت أنخاب المودة بالهوى

من مقلتيك بنشوة استغراقي

وفتحت كراس المحبة بيننا

وإذا حنين الشوق في أوراقي

وحقيبة الوله المعتق أحرقت

وجداً، ويحلو العشق بالإحراق

يا أروع الكلمات بين دفاتري

هلا قرأت مدامع العشاق؟

ولكثر ما انسكبت رؤاك بخاطري

لَمحُوك في ثغري وفي أحداقي

قد سرَّبتك مشاعري في غفلة

 لدمي فحنت للهوى أعماقي

عانقت لحظة صمتنا فتحدثت

ما أجمل اللقيا ببعض عناق!

سكنتك أضلاعي فبحت لبعضها

ما قلته، يوما، لبعض رفاقي

الحب من كنف الإله منزَّل

ونبوءةٌ من مبدع خلاق

كنا نهرب عشقنا بفراقنا

فالحب قد يبقى ببعض فراق

غرستك أسمائي ببعض ملامحي

حتى اشتهتك حديقة الأشواق

سأوزع القسم الأخير على فمي

أنا في الهوى باق على ميثاقي

في داخلي عشق إليك مجذر

فالكون لو يفنى؛ هواك الباقي

الاثنين: 12/ 3/ 1430هـ

المقدمة

يرى بعض النقاد: (أن النقد الأدبي هو علم الأسئلة قبل أن يكون علم الإجابة، وأن النص الشعري كلٌّ متكاملٌ منفرد عن غيره، ومستقل بذاته وببنيته الداخلية، يتمتع بوَحدة فنية وفكرية)

ويتحدد حل المشكلة العلمية للنص بمنهج البحث وشخصية الباحث وخبرته وموهبته وحدسه النفسي.

كما يسمح تحليل النص بعدد من المداخل؛ لذلك فإن محور اهتمام الناقد هو القيمة الفنية الخاصة التي تجعل ذلك النص مؤهلاً لتحقيق وظيفة جمالية معينة، والنص لكي يحقق غايته الجمالية يجب أن يحمل عبء وظيفة أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية.

ولعل المنهج الأمثل لمواجهة النص الشعري يتمثل في المراحل الثلاث الآتية:

أ- ما قبل النص:

يدرس الناقد فيها شخصية المبدع بمؤثراتها ومعالمها المختلفة؛ ليستعين بها في فك النص وإشاراته، ودراسة الجو الذي أبدع فيه النص؛ لمحاولة الوصول إلى عوامل إبداعه ودراسة العنوان لينفذ إلى عالم النص شكلاً ومضمونًا.

ب- مع النص:

يقرأ الناقد النص قراءة توثيقية ومعجمية وعروضية؛ ليتعايش مع النص، ثم يقوم بتحليل النص من خلال الشكل والمضمون.

أما المضمون فيكون بتحليل معاني النص وأفكاره لينتقل إلى غرضه من صدق أو شرف أو ذم، وتحليل البناء الفني أو الوحدة الموضوعية في النص.

ج- ما بعد النص:

عرض عاطفة المبدع، ومذهبه الإبداعي، وما فيه من تأثير في الخلوص إلى بيان قيمة النص، وهذا المنهج مرن قابل للتطوير والتغير حسب مقتضيات النص.

المرحلة الأولى

النص الذي بين يدي لشاعر قفز بالقصيدة الوجدانية والولائية قفزة نوعية على مستوى المنطقة في عهدنا -حسب ما قرأتُ، ووقع بين يدي وتحت نظري - ليس فقط على مستوى القصيدة الرومانسية، فالشاعر ممن سار في هذا الاتجاه، بل لتجربته الفريدة وهي المزج بين مدرستين أو اتجاهين: الرومانسي والصوفي؛ فالشاعر خاض هذه التجربة النوعية بأقدام راسخة حيث نجح في تجربته مع قلة من أمثال جاسم الصحيح والشيخ علي الفرج وهذان الشاعران ممن تأثر بهما الشاعر، ورسم - بقلمه - بعضًا من ملامح تجربتهما الناجحة.

وكما قال عنه الشاعر الشيخ عبد الكريم آل زرع: (لقد حَلَّقَ علي مكي عاليًا)[1] .

وأجد من المؤثرات التي وضعت بصمتها على قلم الشاعر كثرة قراءته الأدبية سواء في مجال الشعر أو كتب النقد، وقراءته لكتب الأخلاق والسير والسلوك مما صبغ شعره الوجداني والولائي بصبغة امتزجت بالرومانسية والتصوف، ولعل عناوين بعض قصائده تدل على ذلك مثل: (علمني كيف أكون)، (لو كنت لي بشرًا)، (تشتاق الجنة للجنة)، (نبوءة للعشق)، (حكايات لذاكرة الغيب)، وعنوان ديوانه المطبوع (مملكة التسبيح)، وهكذا نرى بعض عناوين قصائده تشير إلى ذات مضامين شعره وثقافته.

المرحلة الثانية

النص الذي نعيشه جاء كقالب رصين ممزوج بروحه المرهفة، وحين قرأته وجدت فيه بعض الكلمات المعجمية التي يعرفها من كانت له ثقافة متوسطة في اللغة العربية، ومنها:

أنخاب: مفردها نخب، وجاءت على وزن أفعال، وهي من أوزان جمع القِلة.

الوله، رؤاك، مجذر.

أما القصيدة فجاءت على البحور الخليلية، وهي من بحر الكامل:

متفاعلن متفاعلن، متفاعلن

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

وهذا الوزن من مميزاته أن إيقاعه الصوتي واحد متزن ليس فيه اختلاف بين تفعيلاته بحيث تكون الموسيقى متعادلة، ونغم واحد بخلاف بحر الطويل أو البسيط وغيرهما من البحور التي تكون تفعيلاتها مختلفة؛ بحيث لا تأتي على نسق واحد في إيقاعها الصوتي، أما على مستوى مضمون النص وشكله فقد جاء كقطعةٍ واحدةٍ متزنةٍ في الاتجاه خاصة من البيت الثاني إلى آخر النص حيث جاء كوحدة موضوعية متناسقة في لغته التصاعدية من غير تخبط في لغته، أو شذوذ حيث يقول الشاعر:

إنِّي شربتك قبل كأس مودتي

فوجدت عشقك يستثير مذاقي

ففي هذا البيت نجد لغة المزج بين الحبيب وعشقه، فكأنهما شيء واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما شيئان طبيعتهما مختلفة، فالحبيبُ محسوس (عقلي) والمودة أمر عقلي مَزَجَهُما في أمر واحد، وهذا من الاستعارة التخيلية التي تستثير القارئ من حيث صورتها الإبداعية، وهكذا يسير الشاعر في وصف إحساسه وعلاقته بمعشوقه خطوة بخطوة، ونجد ذلك في البيت الثالث في لغته التصاعدية؛ فبعد استثارة المذاق جاءت النشوة في الاستغراق، والنشوة بلوغ الشيء ذروته من خلال الحرارة، وحرارة إحساس الشاعر بحبيبه جعلته ينتشي إلى غاية الاستغراق، وهذا ما عكس البيت الرابع حينما بلغ الوله به درجة الاحتراق، وذلك بعد إحساسه بحرارة العشق، وهذا من قبيل ما ينطق به أصحاب المذاهب الصوفية في وصفهم مراتب عشقهم، وعبادتهم، وهذا انعكاس صورة ثقافة الشاعر على ما يصوغه بقلمه.

وتتصاعد لغة الشاعر في البيت الثامن حيث مزج عشق المحبوب وحبه بدمه من خلال مشاعره فجرى في عروقه مجرى الدم، فكان غذاء جسده وأعماقه من خلال قوله:

قد سَرَّبتْكَ مشاعري في غفلة

لدمي فَحَنَّتْ للهوى أعماقي

الحبُّ مِنْ كنف الإلهِ مُنزَّلٌ

ونبوءةٌ من مبدعِ خلاّقِ

قد يسأل أحدهم فيقول: (ماذا عن البيت الأول في القصيدة؟ فأقول: البيت الأول لدي عليه ملاحظة وهي أنَّ معادل الموضوع في هذا البيت، وهي (الأشواق) حيث كان موجَّها في وصف الشوق وانتقاله في البيت الثاني للحديث عن ذاته رغم وجود ياء المتكلم في خطابه، حيث عكس الخطاب إلى نفسه بقوله إني شربتك وهذا يمكن أن يخل بالوحدة الموضوعية للقصيدة.

المرحلة الثالثة

جاء النص -حسب ما وجدته- بالأمور التالية:

1- الصورة البيانية (البلاغية) جاءت أغلب القصيدة في صورها البلاغية بما يسمى بمصطلح الاستعارة، وذلك بقسميها الاستعارة التخيلية والتمثيلية، أو(المكنِّية والتصريحية)، وصورتين حملتا التشبيه، وصورة واحدة تجريدية.

2- كثرة الصور التي جاءت تعكس مدى حب الشاعر وعشقه لمحبوبه، بحيث لا يريد أن تغيب عنه صورة واحدة إلا وتنعكس على إحساسه.

3- عدم التصريح بمحبوبه، وإنما جاء ذكره بصورة الضمير وهذا يجعل السامع أو القارئ يفكر ويفكر من هو هذا المحبوب الذي هام به الشاعر بهذه الصور، وهذا من أفضل الصور البلاغية التي استخدمها القرآن في بعض آياته.

4- استخدم لغة التشخيص والتجسيد وإعطاء الحركة في بعض الموجودات العقلية مثل قوله: (هربت إليك بلهفة أشواقي)، (وملأت أنخاب المودة)، فأعطى المودة صورة الكائن المحسوس (وَفتحتُ كراس المحبة)، (وحقيبة الوله)، (عانقت لحظة صمتنا) وغيرها.

فالشاعر هنا اعتمد على عنصر التصوير بأنواعه المختلفة بحيث يتوزع بين نغمات الإيقاع، ولا يخفى أن القصيدة بإحدى مقاييسها تقاس بمدى طاقتها الإيحائية وتوظيفها في التوصل إلى أبعاد الرؤية الشعرية للشاعر، والتعبير عن مشاعره في صورة المحسوس لتقريبها من ذهن المتلقي.

وقد استخدم أسلوب التقديم والتأخير مثل: (هربتُ إليك، بلهفة، أشواقي) حيث أَخَّرَ الفاعل عن فعله وجعل الجار والمجرور بينهما وذلك لبيان أهمية المجرور الذي جاء فيه ضمير المحبوب لأهميته.

5- وفي البيت الخامس: (وحقيبة الوله المعتق أحرقت) نجد الشاعر ابتدأ بالنكرة والمعروف أنه لا يجوز الابتداءُ بالنكرة، ولكنَّ الشاعر هنا أضاف حقيبة إلى الوله حيث أن المبتدأ خصص هنا فجاز الابتداء به.

في البيت العاشر: (سكنتك أضلاعي) قدم الضمير (المخاطب) على أضلاعي، وذلك لبيان أهمية المعشوق.

البيت الأخير: (في داخلي عشق)، حيث أخر المبتدأ وقدم الجار والمجرور.

6- ملاحظة على البيت الأخير وخاصة على عجز البيت حيث يقول الشاعر: (فالكون لو يفنى هواك الباقي)

جاء الشاعر بكلمة (لو)، وهي أداة امتناع لامتناع، فالمنطوق جاء أنه حتى لو فني الكون فإن هواك يبقى، ولكن إذا نظرنا إلى مفهوم البيت فماذا نجد؟

فملاحظتي هي استخدام (لو)، والثانية مفهوم البيت بعد النظر إلى منطوقه.

الخاتمة

القصيدة جاءت بمجموعها قطعة جميلة ذات صياغة متوازنة في شكلها ومضمونها، ولعل الوزن فرض عليها أن تأتي بهذا الشكل من المتانة في اختيار الكلمات ذات الحروف القصيرة خاصة وأن تفعيلة الكامل كلها ذات صوت واحد بخلاف الطويل أيضًا.

وأخيرًا نجد في قصيدة تكرار بعض الكلمات مثل: العشق، الحب، الهوى، الكأس، وغيرها من الكلمات التي نراها في شعر الأستاذ علي، فهل كان قاموس الأستاذ اللغوي قليل الكلمات حتى يعتمد في جل قصائده، ويكرر مثل هذه الكلمات؟ طبعًا ليس الأمر كذلك؛ فهو ذو قاموس واسع من الكلمات، ولكن لماذا تتكرر مثل هذه الكلمات كثيرًا في شعره؟ فهل كان لتجربته الممزوجة بالرومانسية والتصوف أثر؟

[1]  الشاعر الشيخ عبد الكريم آل زرع، شاعر معروف، وقد سمعت هذه المقولة منه شخصياً.
كاتب
297984