السيد حيدر الحلي([1])
والرؤية القَبَلِيَّة للقضية الحسينية
محمد الخباز * - 8 / 2 / 2011م - 1:54 ص - العدد (54)

يقول علي الوردي واصفاً حال العراق في القرن التاسع عشر: >وعندما حل القرن التاسع عشر أخذت رياح التمدن والتجديد تأتي من جهة الغرب، عن طريق مصر والشام، وقد وقع العراق تحت تأثيرها شيئاً فشيئاً<[2] .

ومن أهم الأسباب التي ساعدت على ذلك فتح نابليون لمصر، وحركة التنوير التي قادها محمد علي باشا هناك، والتي انتقل تأثيرها للعراق، >وبذا أصبح العراق ميداناً للصراع بين التراث الاجتماعي الذي كان سائداً فيه قديماً وما جاء به الزمن من تيار حضاري<[3] .

وما يميز هذا التراث الاجتماعي - في رأي الوردي - أمران: التعصب الطائفي، والمد البدوي، اللذان هما - في الحقيقة - وجهان لشيء واحد >فالطائفية ليست ديناً إنما هي نوع من الانتماء القبلي إلى مذهب أو شخص معين، والفرد الطائفي - حين يتعصب لمذهبه - لا يهتم بما في المذهب من مبادئ خلقية وروحية، فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكل ما يهتم به هو ما يوحي به التعصب من وَلاء لجماعته، وعداء لغيرهم، إنه - بعبارة أخرى - ينظر إلى طائفته كما ينظر البدوي إلى قبيلته”[4] .

وقد استفحل المد البدوي في العراق في القرن الثامن عشر، وذلك بسبب ضعف الحكومة، فكان الحكم الحقيقي في يد الاتحادات القبلية، وحين أتى القرن التاسع عشر برياح التجديد، قامت الحكومة بمحاولة فرض سيطرتها على العشائر، مما أدى إلى نشوب صراعٍ بين الحكومة والشعب.

ويذكر الوردي أن من أهم الأمور التي دار حولها الصراع بين الحكومة والشعب في القرن التاسع عشر هو نظام التجنيد الإجباري، يقول: >فقد حاول الوالي عمر باشا في عام 1858م أن يفرض التجنيد على السكان، وكان ذلك أمراً جديداً عليهم،... وقام بعضهم بما يشبه الثورة عليه<[5] .

وبسبب هذا الرفض الشعبي لاتجاه الحكومة التغييري؛ كان العراقيون ينظرون للحكومة على أنها عدو لهم، وقد كان الفرد العراقي: >مستعداً أن يتحمل أعظم المشاق في سبيل العصبية التي ينتمي إليها... ولكنه عندما تطلُب منه الحكومة شيئاً لا يستجيب لها، وكثيراً ما يحاول النكاية بها بدلاً من التعاون معها<[6] .

وقد عاصر السيد حيدر الحلي، في هذه الفترة، الوالي العثماني مدحت باشا الذي رغم قُصر حياته التي انتهت باغتياله، إلا أنه ساهم بحدوث أعمال مهمة غيرت مجرى التاريخ العثماني، حسب تعبير الوردي؛ فقد اشتهر بكفاحه في سبيل الحركة الدستورية، وسعيه للقضاء على الفساد الإداري، واهتمامه بالتطوير العمراني، وغير ذلك.

غير أن ولعه بالتغيير، والتجديد كان ينقصه البصيرة بواقع المجتمع العراقي، وحيثياته، وكيفية التعامل معه لإحداث التغييرات بشكل هادئ وصحيح دون فرضها فرضاً، مما أدى إلى أخطاءٍ كبيرة، بسبب استخدامه العنف ضد الشعب.

فعندما قام مدحت باشا بفرض التجنيد على الشعب لم تلبث أن قامت ثورة شعبية في بغداد، استطاع أن يقمعها، لكنها أعقبت ثورة أشد في وسط الفرات عُرفت بواقعة: (الدغارة)، وإن كانت هذه الثورة لم تكن بسبب التجنيد؛ بل بسبب فرض الضرائب، وقد انتهت بانتصار الحكومة، وشنق رئيسين من رؤساء القبائل، بعد أن راح ضحية هذه الحرب أعداد كبيرة.

وهكذا لم يكن لدى مدحت باشا حلٌّ لأي ثورة سوى السيف الذي أعمله في الشعب إعمالاً.

اللافت في الموضوع أن الحلي قد مدح هذا الوالي بعد هذه الحادثة بعدة قصائد، إحداها يقول فيها:

أثنت عليك، بأسرها، الدولُ

وتشوَّقتك الأعصرُ الأُولُ

قلْ للقبائل لا نعدُّكم

جمعَ القبائل كلّها رجل

يا ابن الوزارة أنت أوحدُها

لا راعها بفراقك الثكلُ

في دولةٍ صلحتْ وزارتها

لكَ فهي تحسدُها بك الدولُ

والثانية يقول فيها:

رواقكَ ذا لا بل وليجة خادرِ

بل الليثُ يخطو دونه خطو قاصرِ

لك العسكر الجرار والهيبة التي

مخافتها تكفي لجرِّ العساكرِ

يا ابن الوزارة أنت أوحدُها

لا راعها بفراقك الثكلُ

فسيفك فيها ناثرٌ غير ناظمٍ

ورمحك فيها ناظمٌ غير ناثرِ

بل إن الحلي قد وصف مدحت باشا - في إحدى رسائله - بأنه >ألحف بيضة الإسلام جناح ظله، وأقام دون حوزة الملك سداًّ من زُبُر آرائه ونصله، ومدَّ غطاء الأمن على الدين، وبسط العدل على جميع المسلمين حتى هتف لسان العراق: “الآن بزغت شمس العدل باهرة الإشراق<[7] ، وهي معانٍ نظمها مع غيرها في قصيدة ثالثة مدحه بها، مطلعها:

أحق بالعز من لا يرهب الخطَرا

ولا يعاقد إلا البيض والسُّمُرا

ويظهر لنا أن العوائل الشيعية الكبيرة في ذلك الزمان؛ كآل كبه، وآل القزويني، اللتين كان الحلي ينظم فيهما الكثير من قصائده، كان هواها مع الحكومة العثمانية، وكان بعض أشرافهما يحثُّ السيد على نظم هذه القصائد في الولاة العثمانيين كالسيد مصطفى آل كبه، والسيد ميرزا جعفر القزويني.

ولا يمكننا الجزم بالسبب الحقيقي لهذا الميل، هل هو بسبب الإصلاحات العمرانية التي قام بها مدحت باشا في المناطق الشيعية؛ كرصفه للطرق في كربلاء؟ أم بسبب وجود علاقات ومصالح بين الطرفين؟ أو بسبب عداوةٍ بين ساكني الحضر وساكني البدو كما يذكر الوردي؟

غير أن ما يمكننا الجزم به هو أن الحلي لم ينظم هذه القصائد لوعيه بقيم الحضارة، ومناصرته لثقافة التمدن، ورفضه لقيم البداوة، ومعارضته لثقافة القبيلة؛ ذلك أننا سنجد أن أنساق الثقافة القبلية الراسخة في ذلك الزمان كانت حاكمة لفكر الحلي، ومؤطِّرة لرؤيته، وهو ما سيتجلى في معالجته لواقعة الطف في مراثيه كما سنبين لاحقاً.

يُعلق الوردي على مدح الحلي لمدحت باشا بقوله: >نقف هنا لنتساءل: كيف جاز للسيد حيدر الحلي - وهو المعروف بالفضل والعزوف عن الدنيا - أن يمدح والياً عثمانياًّ قضى على ثورة شعبية، وشنق زعماءها؟! الواقع أن هذا الذي فعله قد يدعو إلى العجب في زماننا، أما في زمانه فكان الأمر مألوفاً لا داعي للعجب منه.

إن أكثر الشعراء - أو كلهم تقريباً - كانوا على هذه الشاكلة؛ إذ هم يمدحون، ويذمون، فلا يبالون بما في قولهم من غلو، أو باطل، أو كذب.

وجرى الكتاب على ذلك، أيضاً، حيث شغلتهم عباراتهم المنمقة المسجوعة عما في الحياة من حقائق صارخة؛ فقد كان العرف السائد بين الناس هو أن يكون الاهتمام بجودة النظم، وتنميق العبارة، أكثر من الاهتمام بما وراء ذلك من حق أو باطل، وما زال بعض الشعراء والكتاب يسيرون على هذه الوتيرة حتى الآن<[8] .

والحقيقة أن تعليق الوردي يثير مشكلة أدبية شائكة نوعاً مَّا، هي الفرق بين الشعر كنص جمالي، والشعر كنص ثقافي، لكننا لن نعالج هذه المشكلة هنا؛ لأن ذلك سيخرجنا عن موضوعنا الرئيس، فنكتفي بالإشارة إلى أن الغذامي في كتابه (النقد الثقافي) قد عالج هذه المسألة بتفصيلٍ أكثر، يجمل بالمستزيد الرجوع له.

نعود إلى الحلي ومدحه الذي أوردناه قبل قليل.

إننا نلاحظ أن هذا المدح لا يختلف، كثيراً، عن مدح القدماء لملوكهم الذين كانوا يحاربون بالسيف والرمح، ويلبسون العمائم، ويقودون الجيوش الجرارة لقتل الأعداء دون رحمة، أي إن آثار الحضارة لا تبدو ظاهرة في شعر الحلي، بل آثار البداوة.

ولو دققنا النظر في لاميته السابقة لوجدناها مشابهة لقصيدة المتنبي في مدح بدر ابن عمار، والتي يقول فيها:

سارَ وَلا قَفرَ مِن مَواكِبِهِ

كَأَنَّما كُلُّ سَبسَبٍ جَبَلُ

أَنتَ لِعَمري البَدرُ المُنيرُ وَلَـ

كِنَّكَ في حَومَةِ الوَغى زُحَلُ

مِثلُكَ يا بَدرُ لا يَكونُ وَلا

تَصلُحُ إِلاَّ لِمِثلِكَ الدُوَلُ

وأعتقد أن الكثير من شعر الحلي يُمكن أن نجد لهُ شبيهاً في التراث، لكن موضوعنا هنا ليس هذا.

ما أريد أن أقولَه أن هذا التشابه بين شعر الحلي وشعر القدماء ليس، فقط، تشابهاً في القوافي والألفاظ والمعاني، بل هو نِتاجُ تشابهٍ في الثقافة القبلية التي كانت تؤطِّرُ رؤية القدماء لمواضيعهم المعالجة في شعرهم والتي هي مؤطِّرة، أيضاً، لرؤية ابنهم الحلي الذي ورث ليس أشعارهم فقط بل وثقافتهم أيضاً، رُغم الفاصل الزمني بينهم وبينه، ورغم معاصرته لبدايات تَكوُّن ثقافة مختلفة لا نجد لها أثراً في شعره.

وسيكون مدارُ تحليلنا مراثيه في جده الحسين التي تعتبر أجود شعره، لنبين طبيعة الرؤية القبلية الموجودة لدى الحلي، رغم أن موضوع رثاء الحسين لا علاقة له - في الظاهر - بموضوع القبيلة وأعرافها وتقاليدها، لكن ثقافة القبيلة - حين تكون نسقاً ثقافياًّ ضامراً لدى شخصٍ - فإنها تظهر في معالجته لأي موضوع مهما كان بعيداً عن موضوع القبيلة، لكنها لا تظهر بجلاءٍ، أحياناً، بل متسترةً بالخطاب الجمالي الذي لا يستطيع القارئ العادي أن ينفذ إلى ما وراءه - كما يشير الغذامي في نقده الثقافي - وهذه هي حيلة الأنساق الثقافية التي تظل تتسرب من جيلٍ إلى جيل في الخطاب الشعري.

ولبيان الرؤية القبلية للحلي في مراثيه سنقسم الكلام على عدة مظاهر مترابطة في الواقع؛ لأنها تتظافر لتكوين الرؤية القبلية، لكننا سنتكلم عن كل مظهر على حدة، وهذه المظاهر هي:

أولاً - الشجاعة كقيمة عليا

يقول المتنبي:

مُتَبَسّماً لعُفاتِهِ عَنْ واضِحٍ

تَغْشَى لَوامِعُهُ البُروقَ اللُّمّعَا

مُتَكَشّفاً لعُداتِهِ عَنْ سَطْوَةٍ

لوْ حَكّ مَنكِبُها السّماءَ لزَعزَعَا

يتمحور الفكر القبلي حول قيمتين أساسيتين تقعان في أعلى السلم القيمي لديه، وهما: الشجاعة والكرم وما ارتبط بهما. فكانت قيمة الرجل - في نظر القبيلة - >تقاس بمقدار ما يبدي من نخوة وسخاء في عشيرته من جهة، وما يبدي من شجاعة وإقدام في غزو الآخرين من الجهة الأخرى<[9] ، وذلك بسبب طبيعة الحياة التي تعيشها القبيلة؛ فهي تعيش في حروبٍ مستمرة يأكلُ فيها القوي الضعيف، فيكون وجود الشجاعة هو سبب رئيسي في وجود الجماعة واستقلالها وعزتها، وانتفاؤها يؤدِّي إلى هلاك القبيلة وذلتها، أما الكرم فتفرضه طبيعة الحياة القاسية، والترحل في الصحراء الذي يُحوج إلى التزود من الغير، ولذلك أنت تجد - في قراءتك للتراث - أن هاتين الصفتين لا تخلو منهما قصيدة، بل - في كثير من الأحيان - ستجدهما تحضران بجانب بعضهما البعض، كما في أبيات المتنبي السابقة.

غير أن قيمة الشجاعة في البيئة البدوية تكون هي القيمة العليا، أي أنها تكون في أعلى سلم القيم لدى المجتمع، وهي قيمة رئيسية قلما تخلو منها قصيدة من قصائد المدح أو الفخر أو الحماسة، في حين أن القيم الأخرى لا يكون حضورها رئيسياًّ ومركزياًّ بشكل عام.

وإذا رجعنا إلى مراثي الحلي، سنجد أن قيمة الشجاعة تحتل المساحة الأكبر في مراثيه كركيزة أساسية تنبني عليها القصيدة بشكلٍ عام.

فحين يصف الحسين أو بني هاشم فلن تجده يتكلَّم عن حُسن أخلاقهم، أو عن حُسن وجوههم، أو عن سعة علمهم، أو عن رجاحة عقلهم، أو غير ذلك، إلا لماماً، لكنك، حتماً، لن تجد قصيدة إلا ويصفهم فيها بالشجاعة، والأنَفَة، والحمية، ورفض الذل، والبأس في القتال وغير ذلك، وهناك من القصائد ما لن تجد فيها غير كلامه عن الشجاعة، وهو ما يعني أن الصورة الأساسية للحسين في ذهن الحلي هي صورة الفارس الشجاع، وهو ما يعني أن القيمة العليا في ذهن الحلي هي قيمة الشجاعة التي لا تدانيها أيُّ قيمة أخرى، يقول الحلي واصفاً الحسين:

بأَبي طامحاً بطرف إباء

لم تجُل وسطه لِضيم قذاةُ

مُنتضٍ للوغى صَفيحةَ عَزمٍ

وهو تلك الصفيحة المُنتضاة

ثم يعرج على بني هاشم بقوله:

كفلتهم بحجرها الحرب قِدماً

والمواضي عليهم حانيات

وإذا ما انتسبتُهم ففتاهم

أبواه الهيجاء والمرهفاتُ

إن تصوير الحلي لفتيان بني هاشم على أنهم تربوا في حجر الحرب، وأنهم ينتسبون إليها وإلى السيوف التي يقاتلون بها، بدل أن ينتسبوا إلى آبائهم الواقعيين، هو بَدَلٌ تخييلي يُفضي إلى تأكيد مركزية الشجاعة كقيمة، ولذلك نجد أن الحلي يكرره في موضع آخر بقوله:

يا فِئَةً لم تدرِ غير الوَغى

أُمًّا ولا غير المراضي أَبا

وهو معنى لا يخفى أنه مأخوذ من الثقافة الحربية التي يتحدر الحلي منها، ونجده متكرراً عند كثير من الشعراء، يقول المتنبي مثلاً:

وَإِن عَمَرتُ جَعَلتُ الحَربَ والِدَةً

وَالسَمهَرِيَّ أَخاً وَالمَشرَفِيَّ أَبا

وقد لا يكتفي الحلِّي بوصفه للشجاعة؛ بل يتفرع منها لصفات متفرعة منها، كصفة الإباء، يقول مثلاً واصفاً الحسين:

لقد مات لكن ميتةً هاشميَّةً

لهم عُرفت تحت القنا المتقصّد

كريمٌ أبى شمَّ الدنيَّة أنفُه

فأشمَمه شوك الوشيج المُسدّد

أرى أنَّ ظهرَ الذلّ أخشنُ مركباً

من الموت حيثُ الموت منه بمرصدِ

فصفة الشجاعة - كما قلت - هي صفة مركزية في وصف بني هاشم نادراً ما تجد الحلي ينصرف عنها لصفة أخرى، مثل قوله واصفاً بني هاشم بالشجاعة والكرم:

أهاشمُ لا يوم لكِ ابيضَّ أو تُرى

جيادُك تُزجي عارضَ النقع أغبرا

بني الغالبيين الأُلى لستُ عالماً

أأسمحُ في طعنٍ أكُفُّك أم قِرى؟

ثانياً - النسب القبَلي

قال رجل من نمير:

أنا ابن الرابعين من آل عمرو

وفرسان المنابر من جناب

فآبائي سراة بني نمير

وأخوالي سراة بني كلابِ

نُعرِّضُ للسيوف إذا التقينا

وجوهاً لا تعرض للسبابِ

إن الشاعر العربي لم يكن يفتخرُ بنسبه لمجرد الثناء على آبائه، ومدح قبيلته فقط؛ بل لأن هذا الثناء على الآباء هو ثناء على الذات؛ ذاك أن الثقافة العربية تعتقد أن العلاقة القيمية بين الفرد وآبائه هي علاقة ذات اتجاهين؛ فالابن الكريم يدل على آباء كرام حتى لو لم نعرفهم، والآباء الكرام يدلون على ابن كريم حتى قبل أن يُنجبوه، إن العلاقة هنا حتمية. يقول المتنبي:

أَفعالُهُ نَسَبٌ لَو لَم يَقُل مَعَها

جَدّي الخَصيبُ عَرَفنا العِرقَ بِالغُصُنِ

لذلك فإنك تجد بعضهم - حينما يهجو شخصاً - لا يتعرَّضُ لصفاته الشخصية أحياناً، بل يكتفي بذم قبيلته؛ لأن نفْيَ الكرم عن القبيلة هو نفي للكرم عن الشخص المنتسب لها؛ فأن يكون الولدُ كريماً والآباء غير كرام فذلك شذوذٌ عن القاعدة، أما القاعدة فهي أن الكرام لا تنجب إلا الكريم، وأن اللئام لا تنجب إلا اللئيم، يقول الفرزدق:

أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم

إِذا جَمَعَتنا، يا جَريرُ، المَجامِعُ

بِهِم أَعتَلي ما حَمَّلَتني مُجاشِعٌ

وَأَصرَعُ أَقراني الَّذينَ أُصارِعُ

أَلا تَسأَلونَ الناسَ عَنّا وَعَنَّكمُ

إِذا عُظِّمَت عِندَ الأُمورِ الصَنائِعُ

وَكُلُّ فَطيمٍ يَنتَهي لِفِطامِهِ

وَكُلُّ كُلَيبِيٍّ، وَإِن شابَ، راضِعُ

إِذا قيلَ أَيُّ الناسِ شَرُّ قَبيلَةً

أَشارَت كُلَيبٌ، بِالأَكُفِّ، الأَصابِعُ

هكذا يقرر الفكر القبلي: أن المكارم وراثة يرثها الأبناء عن الآباء، وتورثها الآباء للأبناء، إن الفرد هنا محكوم بأن يكون من الكرام أو اللئام قبل أن يولد، وإنه لا قيمة ذاتية له، بل قيمته هي قيمة قبيلته، ونسبه، وآبائه.

وإذا رجعنا إلى الحلي وجدنا صدى هذا الفكر يتردد؛ يقول الحلي مفتخراً بنفسه:

وما عشقتُ سوى بِكْرِ العلى أبداً

ولست أخطبها إلا بذي شُطَبِ

وإنها لمساعٍ لا نظير لها

ورثتها عن أبٍ من هاشمٍ فأبِ

ولذلك نجد الحلي يستحضر النسب كلما أراد الثناء على شخص؛ يقول مثلاً:

تستنهض الحجةَ المهدي مَن خَتمَ الـ

له العظيم به آباءه الحججا

مِن نبعةٍ تثمرُ المعروفَ مورقةٍ

في طينة المجد ساري عِرقِها وشجا

الفارجين مَضيق الكرب إن نُدبوا

والكاشفين ظلام الخطب حين دجا

إن ضلَّلتهم سماء النقع يوم وغًى

كانت وجوههم في لَيلها سُرجا

ونلاحظ كيف أنه - في وصفه للقبيلة - استحضر صفة الشجاعة مباشرةً، لما لها من مركزية، كما شرحنا، ليدل بها على قيمة الممدوح، هكذا كان وصفه كذلك لبني هاشم، فهم شجعان؛ لأنهم من أسرة شجاعةٍ وحربٍ وسيوف ورماح:

المَطاعينُ إذا شبَّت وغًى

والمطاعيمُ إذا هبَّت شِمالا

والمحامينَ على أحسابهم

جُهدَ ما تحمي المغاويرُ الحِجالا

أسرةُ الهيجاءِ أتراب الظبى

خُلفاءُ السمر سَحباً واعتقالا

وكما يمثل استحضار النسب في المدح ركيزة أساسية؛ فهو، كذلك، في الذم؛ لأنه ناشئ من قاعدة ثقافية ثابتة، وهي - كما بينا - ارتباط قيمة الأبناء بقيمة الآباء، يقول الحلي في ذم بني أمية، مستنكراً أن يكونوا أصحاب مكانةٍ عالية تستحق الملك وهم أبناء حسبٍ وضيع:

أُميَّة، غوري في الخمول وأنجدي

فما لكِ في العلياء فوزةُ مَشهدِ

هُبوطاً إلى أحسابكم وانخفاضِها

فلا نسبٌ زاكٍ، ولا طيبُ مَولدَ

فماذا الذي أحسابكم شَرُفت به

فأصعدكم في الملك أشرف مَصعد؟

بني عبد شمسٍ لا سقى الله جُفرةً

تضمّكِ والفحشاءَ في شرّ مَلحدِ

ألمَّا تكوني من فجوركِ دائماً

بِمشغلةٍ عن غصب أبناء أحمد

ثالثاً - إثارة حمية القبيلة

قال قريط بن أنيف:

لو كنتُ من مازن لم تستبِحْ إبلي

بنو اللقيطة من ذُهل بن شيبانا

إذا لقام بنصري معشر خشن

عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

بناءً على قاعدة القيمة النَسَبية للفرد كما تقررها الثقافة القَبَلية نستطيع أن ندرك سِرَّ الإلحاح الشديد من قِبَلِ الحلي على تكرار النداءات القَبَليِّة التي يطلقها في مواطن كثيرة من مراثيه؛ إنهُ يذكِّرُ أبناء هاشم بنسبهم دائماً في معرضِ لومهم على سكوتهم عن قتال من اعتدوا عليهم، فهم تارةً أبناء نزار، وهم تارةً أبناء لؤي، وهم تارةً أبناء فهر، وهم تارةً أبناء غالب، وذلك أنه من العار - في الثقافة القبَلية - أن يتنكَّبَ الفردُ عن الطريق الذي رسمه أجداده؛ فإذا كان أجداده شجعان فعليه أن يكون شجاعاً، وإذا كانوا كرماء فعليه أن يكون كريماً، إن التشابه مع الآباء هو شرطٌ وجودي على الابن أن يحققه، وإن لم يفعل ذلك فإنه سيجلب العار للقبيلة، ولا يستحق أن ينتسب إليها.

      على هذه القاعدة ترتكز نداءات الحلي لبني هاشم لإثارةِ حميتهم، ولو انتفت هذه الفكرة لما كانت لهذه النداءات أية قيمة تذكر، ولما وجدناها تتكرر بشكلٍ مُلحٍّ ولافت؛ يقول الحلي ناسباً بني هاشم للؤي ولنزار، ومستنكراً عليهم عدم وفائهم لسيرة آبائهم، وهو ما يعني وصمةَ عارٍ وفق الثقافة القَبَلية، سيتخذها الأعداء وسيلةً للشماتة:

ما هاشم إن كنتَ تسألُ هاشمٌ

بَعد الحسين، ولا (نزار) نزارُ

ألقت أكفّهُم الصفاحَ، وإنَّما

بشبا الصوارِم تُدرك الأوتارُ

(أبني لِويّ) والشماتةُ أن يُرى

دمكم، لدى الطلقاءِ، وهو جُبارُ مَصعد؟

أتوانياً ولكم بأشواط العُلى

دونَ الأنام الورد والإِصدار

ماذا القعود وفي الأُنوفِ حميّةٌ

تأبى المذلَّةَ والقلوبُ حِرارُ؟

أتطامنت للذلّ هامةُ عِزّكم

أم منكم الأَيدي الطوالُ قِصارُ

ويقول أيضاً ناسباً بني هاشم للؤي ومضر، يدعوهم لتنكيس أطرافهم، ولف رايتهم؛ إذ لا وجه لهم ليرفعوه أمام الناس، وليقاتلوا به، بعد أن جرى ما جرى عليهم وهم لا يحرِّكون ساكناً:

لتلوِ (لويُّ) الجيدَ ناكسةَ الطرفِ

فهاشمها بالطف مهشومة الأنفِ

ويا (مضرُ الحمراء) لا تنشري اللوا

فإنَّ لِواكِ اليوم أجدر باللّف

بني البيض أحساباً كراماً وأوجهاً

وساماً وأسيافاً هي البرق في الخطفِ مَصعد؟

ألستم إذا عن ساقها الحرب شمَّرت

وعن نابها قد قلَّصت شفة الحتفِ؟

فكيف رضيتم من حرارةِ وِترها

بماء الطُلا منكم ضبا القومِ تستشفي؟

ويقول، أيضاً، ناسباً إيَّاهم لغالب:

حيَّ على الموتِ بني غالبٍ

ما أبرد الموت بِحرِّ الظبى

قُومي فأما أَن تُجيلي على

أشلاءِ حربٍ خيلك الشُزَّبا

أَو ترجعي بالموت محمولةً

على العوالي أغلباً أَغلبا

أما في أماكن أخرى فينسبهم لفهر، مذكِّراً إياهم بمجد آبائهم، وهو المجد الذي استبدله الأبناء بالذل:

يا آل فِهرٍ، أين ذاك الشبا؟!

ليست ظُباكِ اليوم تلك الظبى

للضيم أصبحت وشالَت ضُحًى

نَعامةُ العزِّ بذاك الإِبا

ما الذلّ -َ كلّ الذل - يوماً سِوى

طرحكِ أثقال الوغى لُغّبا

قاصداً - من كل ذلك - إثارة حميتهم، والتجهيز للثورة، بدل الجلوس، وذرف الدموع:

قوِّضي، يا خيامَ عليا (نزارٍ)،

فلقد قوَّض العمادُ الرفيعُ

واملئي العينَ، يا أُميَّة، نوماً

فحسينٌ على الصعيدِ صريعُ

ودعي صَكّةَ الجباهِ، (لويٌّ)،

ليس يُجديك صكُّها والدموعُ مَصعد؟

أفلطماً بالراحتين؟! فهلاَّ

بسيوفٍ لا تتقيها الدروعُ؟

رابعاً - التعريض بسبي النساء

يقول عمرو بن كلثوم:

(ورثنا) المجد قد علمت مَعَدٌّ

نطاعن، دونه، حتى يبينا

بشُبَّان يرون القتل مجداً

وشِيبٍ في الحروب مجرَّبينا

على آثارنا بيضٌ حسانٌ

نحاذر أن تُقسَّمَ أو تهونا

يقتن جيادنا، ويقلن: لستم

بُعُولتَنا إذا لم تمنعونا

أن تُسبى نساء قومٍ فليس لذلك إلا معنىً واحدٌ هو أن هؤلاء القوم هم أذلة، وليسوا أعزة؛ لذلك وجدنا أن عمرواً بن كلثوم يقرن صفة المجد الموروث من الآباء بحماية نسائهم، أي إن الأمرين مترابطان، وزوال أحدهما يعني زوال الآخر؛ لهذا يعيِّرُ الفرزدق جرير بقوله:

وَلَم تَمنَعوا يَومَ الهُذَيلِ بَناتِكُم

بَني الكَلبَ وَالحامي الحَقيقَةَ مانِعُ

غَداةَ أَتَت خَيلُ الهُذَيلِ وَراءَكُم

وَسُدَّت عَلَيكُم مِن إِرابَ المَطالِعُ

دَعَت يا لَيَربوعٍ وَقَد حالَ دونَها

صُدورُ العَوالي وَالذُكورُ القَواطِعُ

الحلي لا يغفل هذه القيمة، في سبيل تحقيق هدفه من إثارة حمية بني هاشم:

أَصبراً وبيضُ الهندِ لم يُثن حدّها

ضِرابٌ يَردّ الشوس تُدمى رقابها

وتِلكَ بأَجراعِ الطفوفِ نِساؤكم

يَهدُّ الجبالَ الراسيات انتحابُها

حَواسرَ بين القوم لم تلقَ حاجباً

لها اللهُ حَسرى أين منها حِجابها!؟

هواتفُ من (عَليا قريشٍ) بعصبةٍ

قَضوا كسيوفِ الهند فُلَّ ذُبابها

أفتيان (فِهرٍ) أين عن فتياتِكم

حميَّتكم والأُسد لم يُحم غابها

إن بني هاشم الذين ورثوا المجد من فهرٍ مُستنكرٌ عليهم - من قِبل الحلي - السكوت على أن تسبي الأعداء نساءهم:

أللهُ يا هاشمُ! أين الحمى؟

أينَ الحفاظُ؟ المرُّ أين الإِبا؟

أَتشرقُ الشمس ولا عينُها

بالنقع تعمى قبل أن تغربا؟

وهي لكم في السبي كَم لاحظت

مصونةً لم تبدُ قبل السِبا

إن ذلك في نظر الحلي من العجائب:

وبناتُ فاطمةٍ غدت

حَسرى تجاوَبُ بالنياح

عجباً لها تغدو سبا

وهي من (حيّ لقاح)!

ذاكَ أن مجد الآباء - الذي يفترض من الأبناء الحفاظ عليه - قد ضاع، وعلامةُ ذلك هو سبي النساء، الذي هو علامة على ذل أبناء أصحاب العرانين العلى، والعرنين ما هو إلا رمز للعزة، وما كسره إلا رمز للذلة:

واهاً عرانينَ العُلى

عادت أُنوفكم جديعه!

ما هزَّ أضلعَكم حدا

القوم بالعيس الضليعه

حَملت ودائعُكم إلى

مَن ليسَ يعرفُ ما الوديعه

أي أن عِظَمَ مصيبة سبي النساء ليس كامناً في ذات المصيبة، بل في أن هذه المصيبة علامة على مصيبة أعظم، ألا وهي هوان القبيلة، ولذلك أنت تجد أن الأمرين مقترنان في شعر الحلي: ذكرُ سبي النساء وذكر مجد الآباء الضائع والمُستبدل بهوان الأبناء.

خامساً - التفسير القبلي لواقعة الطف

 بعد أن اتَّضحت، لدينا، معالم الثقافة القبَلية في شعر الحلي في ما سبق؛ نستطيع أن نفهم سبب تفسير الحلي لما جرى في كربلاء على أنه صراع قبلي، بين قبيلتين هما: بني هاشم وبني أمية، وهو الصراع الذي كان موجوداً قبل النبي، وظل موجوداً في حياة النبي، واستمر بعد رحيل النبي، وعلامة استمراره - في نظر الحلي - هي واقعة كربلاء التي يلخصها في قوله:

أبا حسنٍ حربٌ تقاضتك دَينَها

إلى أن أساءت في بنيك التقاضيا

إن واقعة كربلاء لا تمثل - في نظر الحلي - صراعاً بين الخير والشر، أو بين العدل والظلم، أو غير ذلك؛ إنها صراع بين قبيلتين: قبيلة بني هاشم التي أصبحت في قمة الهرم بالسيف الذي أخضعت به بني أمية، وقتلت شرفاءهم وأذلت أعزاءهم، وقبيلة بني أمية التي أخذت وِترَها من بني هاشم بعد موت النبي، فاستخدمت نفس طريقة بني هاشم؛ ألا وهي السيف، فقتلوا شرفاءهم، وأذلوا أعزاءهم.

إن واقعة كربلاء بهذا المنطق ما هو إلا دَينٌ كان على بني هاشم أن يدفعوه لبني أمية:

فوديعة الرحمن بين عباده

قد أودعته (أميَّةٌ) رمضاءها

إذ ألقَح (ابنُ طليقِ أحمدَ) فتنةً

وَلدت قلوبُهم بها شحناءها

حَشدت كتائِبَها على (ابن محمدٍ)

بالطفّ حيثُ تذكَّرت آباءها

الله أكبر يا رواسي هذه الـ

ـأرضِ البسيطةِ زايلي أرجاءها

يَلقى (ابنُ منتجع الصلاحِ) كتائباً

عَقدَ (ابنُ مُنتجع السفاحِ) لِواءها

إن كربلاء هي حربٌ بين أبناء كان آباؤهم يتحاربون في السابق، فمحمد انتصر على أبي سفيان، والآن جاء ابن أبي سفيان لينتصر على ابن محمد:

أَهاشمُ، تَيمٌ جلَّ منكِ ارتكابُها

حرامٌ بغير المُرهفاتِ عتابُها

فقل (لِنزارٍ) سَوِّمي الخيل، إنَّها

تحنُّ إلى كرِّ الطِراد عِرابُها

حرامٌ على عينيكِ مضمضةُ الكَرى

فإنَّ لَيالي الهمِّ طال حسابها

فلا نومَ حتَّى توقَد الحرب منكُم

بملمومةٍ شهباءََ يُذكي شهابها

تَساقى بأفواهِ الظبى مِن (أُميَّةٍ)

مُدام نجيعٍ والرُؤس حُبابها

عَجبتُ لكم أن لا تجيش نفوسكم

وأَن لا يقيئَ المرهفاتِ قِرابُها

وهذي (بنو عَصَّارة الخمرِ) أصبحت

على مِنبر (الهادي) يَطنُّ ذُبابها

رَقدتِِ، وهبَّت منكِ تطلبُ وِترها

إلى أن شَفى الحِقد القديم طِلابُها

إنها دائرةٌ تدور، فالأيدِي التي ثناها علي بن أبي طالب عادت لتثني أيدي أبناءه:

غريباً أرى يا غريب الطفوف

توسُّدَ خدَّيك كثبانَها

وقتلك صبراً بأيدٍ أبوك

ثناها وكسَّر أوثانها

هذه الرؤية القبلية لواقعة كربلاء هي التي تفسر لنا سبب تكرار لفظة (بني) في وصفه لأيٍّ من الفريقين المتقاتلَين، فالفريق الأول هم بنو هاشم، وبنو محمد، وبنو منتجع الصلاح... والفريق الثاني هم بنو أمية، وبنو منتجع السفَاح، وبنو حرب، وبنو مروان، وبنو الطلقاء...

إن هذا التكرار اللافت للنظر لهو استحضارٌ - من جهةٍ - لقانون القيمة القبَلية للفرد الذي شرحناه سابقاً، حيث أن الآباء الصالحين أنجبوا أبناء صالحين، والآباء الطالحين أنجبوا أبناء طالحين كذلك، وهو - من جهة أخرى - تأكيد على الرؤية القبلية لواقعة كربلاء التي كانت بين (أبناء) لآباء كانوا يتقاتلون من قبل، والجهتان هما دلالة على ترسُّخ نسق الثقافة القَبَلي عند الحلي، حيث جعله يفسر كل شيء بمنطق القبيلة:

فإنَّ دماكم طِحنَ في كلّ معشر

ولا ثارَ حتَّى ليس تبقين معشرا

فقلْ (لنزارٍ) ما حنينُكِ نافعٌ

ولو مُتِّ وجداً بعدهم وتزفّرا

حرامٌ عليك الماء ما دام مورداً الكَرى

(لأبناء حربٍ) أو ترى الموت مصدرا

(أللهاشميّ) الماءُ يَحلو ودونه

ثَوَتْ قومه حرّى القلوب على الثرى

وتهدأ عينُ (الطالبيّ) وحَولها

جفونُ (بني مروانَ) ريّا من الكرى

سادساً- مركزية الثأر في الرؤية القبلية

تقول كبشة أخت عمرو بن معد يكرب:

أرسل عبد الله إذ حان يومه

إلى قومه أن لا تخلُّوا لهم دمي

ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكراً

وأترك في بيتٍ بصعدة مظلم

فإن أنتم لم تقتلوا واتَّديتمو

فمشوا بآذان النعام المصلم

ولا تشربوا إلا فضول نسائكم

إذا أنهلت أعقابهن من الدم

هل بنا حاجةٌ لأن نتساءل بعد أن عرفنا ما عرفنا ماذا كان يريد الحلي من استثارته لحمية بني هاشم، وتذكيرهم بأمجاد آبائهم، وشجاعتهم، والتعريض بسكوتهم على سبي نسائهم الدال على هوانهم؟ أظن أن الإجابة هي: لا؛ إذ إن المسكون، كالحلي، بأنسق الثقافة القبلية لن يفكِّر تفكيراً أبعد من تفكير جده الجاهلي تأبط شراً الذي قال واصفاً نفسه:

قليل غرار النوم أكبر همه

(دم الثأر) أو يَلقى كميَّاً مسفَّعا

إن الكائن القبلي حينما يُقتل له قتيل من قبيلته لا يمكن أن يستبدل ثأره بفدية كما تشير أخت معد بن يكرب، أو يجنح للسلم أو المصالحة، بل إن الزمن يتوقف لديه، ولا يمكن أن يسري من جديد حتى يؤخذ هذا الثأر، ويسفك دم القاتل، مثلما توقفت القريحة الشعرية عند قبيضة الجرمي حتى بَرَّ بيمينه، وأخذت قبيلته ثأر قتيلها:

لم أر خيلاً مثلها يوم أدركت

بني شمجى خلف اللهيم على ظهرِ

أبرَّ بأيمانٍ وأجرأ مقدماً

وأنقض منا للذي كان من وِترِ

فأصبحتُ قد حلَّت يميني وأدركت

بنو ثُعَلٍ تبلي وراجعني شعري

هكذا، بالضبط، يفكر الحلي؛ فالصفحُ - في عُرف الثقافة القلبية عن دم الثأر - غير واردٍ بتاتاً، ولأن الحلي ينتمي إلى هذه الثقافة فالصفحُ والمسالمة من الأمور المرفوضة لديه:

لكِ الله من موتورةٍ هانَ غَلبُها

وعهدي بها صَعب المرام غلابها

أفي الحقِّ أن تحوي صفايا تراثكم

أَكفٌّ عن الإِسلامِ طال انجذابها؟

وتَذهب في الأحياءِ (هدراً دماؤكم) الكَرى

ويبطل -حتَّى عند حَربِ- طِلابها؟

فَهل (تصفح) الأَفعى إذا ما تلاقيا

على تِرةٍ كفُّ السليمِ وَنابها؟

أيخرجها من مستكنِّ وِجارها

ويَصفو له بالرغم منها لَصابها؟

فما تلكَ مِن شأنِ الأفاعي، فلِم غَدتْ

بها مُضر الحمراء ترضى غضابها

إن الزمن - كما قلنا - يتوقف في الثقافة القبلية حتى يؤخذ الثأر، فالثأر لا ينام، ولا يبرد مهما طال الفترة، وحتماً سيأتي اليوم الذي يؤخذ فيه هذا الثأر:

أطريدةَ المختار لا تتبجّحي

فيما جرت بوقوعه الأَقدارُ

فلنا، وراء الثار، أغلَبُ مدركٌ

ما حالَ دون مناله المقدارُ

وفق هذا المنطق القَبَلي يصبحُ المهدي المنتظر هو (طالبُ ثأر) ولا شيء آخر.

إن المهدي لن يخرج - وفق هذا المنطق - ليصلح العالمَ، وينقله إلى مرحلة جديدة، ومستقبل مشرق. إنه يخرج ليأخذ ثأر أبيه القديم. إنه يخرج ليكمل الصراع بين بني أمية وبين بني هاشم.

ألم نقل إن الصراع القبلي هو دائرة تدور ولا تتوقف؟ هكذا كان يفكر الحلي بالمنطق القبلي، فالمهدي المنتظر ابن الحسين من قبيلة بني هاشم، وعليه أن يأخذ ثأره من ابن معاوية من قبيلة بني أمية، فالدائرة دارت في كربلاء على بني هاشم، والحلي ينتظر من المهدي أن يديرها على بني أمية:

يا (مدرك الثار) كم يَطوي الزمان على

إمكان إدراكه الأعوامَ والحججا

من عُصبةٍ ولجت يوم الطفوف على

هزبركم غاب عزٍّ قطّ ما وُلجا

لا صبر (يا آل فِهرٍ)، وابن فاطمةٍ

يُمسي وكان أمانَ الناس مُنزعجا

ألهذا يسمى المهدي بـ(المنتظر)؟

وفق منطق الحلي القبلي لا يعني هذا اللقب سوى أن المهدي هو المنتظر لأخذ ثأر قبيلة بني هاشم الأكابر الشجعان من بني أمية:

ألا أينكَ اليوم يا (طالباً)

(بماضي الذحول وبالغابرِ)

و(يا بن الأُلى) (ورثوا) كابراً

حميدَ المآثر عن كابرِ

ومن عاقَدوا الحربَ أن لا تنام الكَرى

عَن السيف منهُم يد الساهرِ

تَداركْ بسيفك وِتْرَ الهدى

فقد أمكنتكَ طُلى الواترِ

صحيح أن الحرب بين قبيلتي بني هاشم وبني أمية قد وضعت أوزارها، لكن هذا لا يعني انتهاء المسألة، فالمهدي - في نظر الحلي - حين يأتي سيقوم بإعادة هذه الحرب من جديد:

لقد وضعت أوزارها حربُ هاشم

وقالت: قيامَ القائم الطهرِ موعدي

فداؤكَ نفسي، ليس للصبر موضعٌ

فتُغضي، ولا من مسكةٍ للتجلُّد

فقم وعليهم جرّد السيفَ وانتصف الكَرى

لِنفسك بالعضب الجُراز المجرّد

فكم ولجوا منكم مَغارةَ أرقمٍ

وكم لكم داسوا عرينة مُلبد

وكم هتكوا منكم خباءً لحرّةٍ

عِناداً، ودقّوا منكم عنقَ أصيد

إن الحلي لا يُذكِّر المهدي بما فعلت بني أمية بقبيلته من بني هاشم عبثاً، فوفق الثقافة القبلية لا يتم شفاء الثأر إلا إذا كانت ردة الفعل مساوية للفعل نفسه، أو أكبر منه، فلو قُتل من قبيلة سيدٌ ماجد فلا يكفي لأخذ ثأره أن يقتلوا شخصاً عاديًّا من القبيلة الأخرى، بل يجب قتل سيدٍ في منزلة السيد المقتول أو في منزلة أعلى منه، أي إن الأفعال حين أخذ الثأر يجب أن تكون متماثلة مع ما فعلته القبيلة الأولى، مهما كانت أفعالهم شنيعة، فيجب أن تكون أفعال القبيلة الآخذة بالثأر شنيعة بنفس المقدار.

هكذا تنطق الثقافة القبلية على لسان الحلي:

فلا نَصْفَ حتَّى تنضحوا من سيوفكم

على كلّ مرعًى، من دماهم، ومورد

ولا نَصفَ حتَّى توطئوا الخيل هامهم

كما أوطأوها منكم خيرَ سيّد

ولا نَصفَ إلاَّ أن تُقيموا نساءهم الكَرى

سبايا لكم في محشدٍ بعد محشد

وأُخرى إذا لم تفعلوها فلم تزل

حزازاتُ قلب الموجع المتوجّد

تبيدونهم عطشى كما قتلوكم

ظماءَ قلوب حرُّها لم يُبرّد

بهذه الطريقة، فقط، يُشفى ثأر قبيلة بني هاشم - في نظر الحلي - ويُدركُ ثأرهم، ولا طريقة أخرى، فالسيف والقتل والذبح هو الحل الوحيد ليفي المهدي المنتظر بواجبه نحو آبائه وقبيلته من بني هاشم، الذين كانوا شجعاناً يأخذون ما يريدون بسيوفهم، ولا ينسون ذحولهم:

يا (بن الترائك) و(البوا

تك) من ظبى البيض الصنيعه

تنميه للعلياء (ها

شمُ) أهلُ ذروتها الرفيعه

أن يلتمس غرضاً فحـ

دّ السيفِ يجعله شفيعه

فـ(السيف) إنَّ به شفا

ءَ قُلوبِ شيعتك الوجيعه

واطلب به بدم القتيـ

ـل بكربلا في خير شيعه

لكن هل يكفي الحلي كل هذه الوحشية التي يطلبها من المهدي في أخذ الثأر؟ وهي الوحشية المساوية لوحشية بني أمية؟

إن الحلي - على ما يبدو - لا يبرد غليله حتى لو نزل المهدي إلى نفس مستوى بني أمية من الدناءة والخسة والوحشية، فَقَتَل رجال بني أمية بالعطش الفظيع قبل أن يهرق دماءهم، كما فعلوا برجال بني هاشم، وداس بالخيل على صدورهم كما داسوا على جده، وسبى على النوق العجاف نساءهم كما فعلوا مع نساء قبيلته.

لا، إن كل ذلك لا يبرد غليله، إن على المهدي أن يتجاوز حد الإنسانية فينتقم حتى من الأطفال الرُضَّعِ الذين لا ذنب لهم:

يا غيرةَ الله اهتفي

بحميَّة الدين المنيعه

وظبى انتقامكِ جرِّدي

لطُلى ذوي البغي التليعه

واستأصلي حتَّى الرضيعَ

لآل حربٍ والرضيعه

هكذا، وفقط هكذا، يبرد غليل الحلي، وتتشفى نفسه، وينام مرتاح القلب، بعد أن أدركت قبيلتهُ وِترها، على يد المهدي طالب ثأر بني هاشم.

هذه هي إذن وظيفة المهدي التي يُنتظرُ منه تحقيقها - عند خروجه - في رأي الحلي، فبأخذه ثأر آبائه يكون المهدي قد وفى بدينه، ويكون ابناً حقيقياًّ لآبائه، ويكون فرداً منتمياً حق الانتماء لقبيلته، ويكون نعم المخلص لثقافة البداوة، ونعم الحامل لأنساق الثقافة القبلية، وبذلك يعم العدل والسلام الأرض، ويتحقق وعد الرب:

فمتى أراك وأنت في أعقابها

بالرمح تطعنُ صلبَ كلّ ركين

حيث الطريد أمام رمحك دمعهُ

كغروبِ هاضبةِ القطار هتونِ

والموتُ يسأم قبض أرواح العدى

تعباً لِقطعك حبلَ كلِّ وتين

فتمهّد الدنيا بإمرة عادلٍ

وبنهي علاّمٍ وقسط أمين

[1]  1246هـ - 1304هـ، 1830 – 1886م.

[2]  علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1971م، جـ2/3.

[3]  المصدر السابق، ص: 4.

[4]  المصدر السابق، ص:4.

[5]  المصدر السابق، ص:9.

[6]  المصدر السابق، ص:10.

[7]  المصدر السابق، ص: 245.

[8]  المصدر السابق، ص: 246.

[9]  المصدر السابق، ص: 5.
شاعر وناقد - السعودية
297984