في ذكرى أبي
ثريا عدنان العوامي * - 8 / 2 / 2011م - 1:58 ص - العدد (54)

أبي، أكثر من عقدين من الزمان هو عمر رحيلك عنا، لكنَّ المكان مازال يمتلئ برائحتك العطرة، عشرون عاماً، أو يزيد، منذ أن أظلمت الدنيا، وانطفأت شمعة وجودك، لكن صوتك مازال يرن في أذني.

 تسبيحتك، دعاؤك، أصوات صلواتك تملأ سمعي حية طرية، كأنك تجلس بجانبي.

مازلت أتخيل خطاك متكئاً على عكازك، ولسانك لهج بـ(يا الله)، وبياض وجهك الطاهر يشع نوراً يملأ المكان من جبينك.

مازلت أتذكَّر تلك الأيام الخوالي وأنت تحمل الخبز الدافئ في أيام الشتاء الباردة، ونحن ننتظر بشوق ذلك الطعام الذي يملأ أجسامنا دفئًا وحميمية في آن واحد.

أتذكر - يا أبي - حين تطلب مني أن أسمعك الدعاء بصوتي المتواضع؛ لأسمع حينها أنفاسك، وأنت تجهش بالبكاء.

كنت أرى النور، وأرى السلام والصفاء في جسدك المادي فكيف به وهو محلقٌ بفضاء الكون؟

أبي، أتعلم معنى الحب في الله، وتآلف الأرواح؟

لا أشك في معرفتك، لكني كنت أجهل ذلك إلى حين وفاتك.

فحين رحلت عني فقدت روحاً، وأنيساً كان بجانبي،

أبي، يحلو لي أن أدعوك أبي، مع علمي أنك أب لأبي.

لكن اسمح لي أن أقرب المسافات، فما عدت بحاجة لجسور لأصل إليك،

وأنت روح تلامس روحي، وما زالت صورتك ماثلة في مخيلتي حية طرية، ووجهك يتلألأ بإشراقته النيرة.

أبي، ذرفت دموعي بصمت حين رحلت، وكم كنت نادمة؛ لأني لم أزرك في أيامك الأخيرة.

ليت أيامك تعود لأعتذر لك،

وهب أن صلواتي ودعائي وتلاوتي تصل إليك

فهل ستغفر لي؟

لقد رحلت عني، لكن بقيت ذكراك هنا في مكانٍ مَّا في حنايا ضلوعي.

ها هي جدران منزلي تعكس بريق الروح وصفاءها.

وحين أمرَّ على تلك الأماكن الدافئة أتذكر دفء الحديث معك، وأشم عبق الأيام الماضية.

هل يا ترى أرواحكم معنا،

حين ترحلون عنا أجساداً؟

إذن؛ لماذا نشعر بكم حولنا؟

ولماذا لا ننسى ذلك الحس الرائع الذي يشيع في أركان المنزل ويتغلغل في ذرات ترابه وأنحاء زواياه؟

أبي، تبقى نوراً في فضاء الكون،

لكن دفء ذكراك تزيدني يقيناً بأني يوماَ سألقاك

كاتبة ومربية - السعودية.
305113