دلمون فردوس السومريين
عبدالجبار محمود السامرائي * - 8 / 2 / 2011م - 2:50 م - العدد (56)

دلمون: مكان جغرافي يساوي، في النصوص التاريخية عموماً، جزيرة البحرين في الخليج العربي[1]  في وقت تجعلها الكتابات ذات الطبيعة الأدبية أرضاً أسطورية[2] .

والسومريون: من أقدم الشعوب التي استطاعت أن تضع لبنات الحضارة الأولى في القسم الجنوبي من أرض العراق القديم الذي عُرف بـ«بلاد سومر»[3] .

لقد بقي أصل السومريين غامضاً، بل مشكلة مثيرة للجدل، لم تستطع حلّها الدراسات اللغوية أو الأنثروبولوجية أو الآثارية؛ ولذلك اختلف العلماء في أصلهم، فهناك من الباحثين من قال: إنّ السومريين ربما جاؤوا إلى جنوبي العراق في العصر السابق للوركاء، الذي تعود بداياته إلى نحو 5850 سنة مضت، أي في عصر العبيد.

وهناك من يقول بمجيء السومريين من بلد آخر عن طريق البحر، وأنهم سكنوا أول الأمر في دلمون «البحرين» التي تحتلّ حيّزاً مهمًّا في التراث السومري، وأنهم، بعد ذلك، نزحوا شمالاً باتجاه القسم الجنوبي من وادي الرافدين الذي عُرف فيما بعد بـ«بلاد سومر»[4] .

صورة دلمون في الأساطير السومرية

1- أسطورة جلجامش:

تحكي أسطورة جلجامش، كيف أن الملك جلجامش جاء إلى أرض دلمون ليبحث عن زهرة الخلود؛ لكي يحظى بحياة كحياة  الآلهة في خلود دائم، كخلود «زيوسودرا» الذي وهبته الآلهة الخلود في دلمون المقدسة. يقابله في الطريق هذا المعمّر ويرشده إلى جهة دلمون، وحين يصل إليها يربط في قدميه حجراً ثقيلاً ليغوص إلى الأعماق في مياهها؛ بحثاً عن زهرة الخلود:

منحوه حياةً كحياة الآلهة

كي يعيش في خلود «زيوسودرا»

هو الملك حامي بذرة الإنسان

ليقيم في أرض العبور

أرض دلمون المقدسة الطهور

حيث تشرق الشمس...

ويمضي النص في وصف رحلة البطل جلجامش، ويبيّن أنه وصل إلى المياه العميقة بدلمون، وربط في قديمه حجراً ثقيلاً ونزل إلى الأعماق؛ فرأى النبتة التي تخزّ اليد، فأخذها، ثم قطع الحجر الثقيل عن قدميه؛ ليخرج من الأعماق إلى الشاطئ[5] .

إن أسطورة جلجامش، أو ملحمة جلجامش، تعدّ من أشهر الملاحم الشعرية في تاريخ آداب الشعوب القديمة المدونة باللغة البابلية، كما أنها من أطول النصوص البابلية؛ وصلت إلينا مدونة على اثني عشر رقماً، وتشير الأبحاث إلى أن الملحمة استمدّت أصولها من الفكر السومري؛ عثر عليها ضمن المؤلفات المحفوظة في مكتبة  آشور بانيبال في نينوى[6] .

2- أسطورة دلمون (أسطورة الجنّة):

تأتي أسطورة دلمون أو «أسطورة إنكي[7]  وننهرساج»[8]  لتؤكد قدسية أرض دلمون الطهور، التي لا يفترس فيها الأسد، ولا ينعب فيها الغراب؛ إذ يعيش الإنسان فيها حياة خالية من التعقيد والأوجاع والأمراض، بل يعيش في شباب دائم. وتزعم الأنشودة أنّ «إنكي» إله الحكمة والمياه العذبة عند السومريين، بارك أرض دلمون بالمياه العذبة؛ لتكون أرض العيون والينابيع الوفيرة، ومنحها فواكه الدنيا، وجعل حقولها منتجة للقمح والحبوب؛ وليصبح ميناؤها بعد ذلك ميناء للعالم كله:

مقدّسة هي المدينة التي مُنحت لكم

ومقدّس بلد دلمون...

بلد دلمون مقدس، بلد دلمون نقي،

بلد دلمون مغمور بالنور، متميّز بالإشعاع،

يوم أُقيم الأول في دلمون،

حيث استقرّ إنكي مع زوجته،

أصبح المكان هذا نقيًّا ومشعًّا بالنور.

الغراب لا يصيح في دلمون،

والحَجَل لا توصوص،

الأسود لا تقتل أحداً،

والذئب لا يلتهم الحَمَل الوديع،

لم يكن الكلبُ يتقن إخضاع الغزلان،

ولم يكن الخنزير البري يأكل الحبوب،

لم تكن طيور السماء تأتي لتنقر شعير الأرملة

وهو يجفّ على السطح،

ولم تكن الحمامة تحني رأسها،

ولم يكن أيّ مريض العينين يشكو من مرض عينيه،

ولا مريض الرأس كان يشكو من مرض رأسه،

لم تكن أيّ امرأة عجوز تقول: «إنني عجوز»،

ولا الرجل العجوز يقول: «إنني عجوز».

كما يتخلّل النص كيفية تعيين الإله إنكي ابنته؛ لتكون الآلهة الحامية لدلمون:

ويجيب الأبُ إنكي ابنته نين ذسيكيلا:

ليقم أوتو[9]  «إله الشمس» المستقرة في السماء،

بإحضار المياه الحلوة من الأرض،

من مصادر المياه، من الأرض،

دعيه يجعل دلمون تشرب من المياه بوفرة،

فلتنتج أطيانك وحقولك قمحها،

لتتحول مدينتك إلى مرفأ الأرض[10] .

ثم تذكر الأسطورة كيف أنّ الربّ إنكي جلب الخيار والتفاح والعنب، وكان السبب في اتصال ثماني نباتات، منها نبات العسل ونبت الشوك والكُبر والقِرفة، ومن جملة الأرباب التي خلقتها الآلهة ننهرساج من أجل إنكي هي الرب «نينتوللا» رب «ما كان»، وجعلت  «إينشاك» ربًّا لدلمون[11] .

ولكن دلمون تحتاج إلى الماء العذب الضروري للحياة الحيوانية والنباتية؛ فأمر الربّ السومري إنكي زميله الإله «أوتو» أن يملأ الجزيرة بالماء العذب الذي ينبع من الأرض، فتحولت دلمون، بعد ذلك، إلى جنة  خضراء، بحقول مليئة بالفاكهة والمروج التي خُلقت بها الربّة الأم العظمى «ننهرساج» ثماني نباتات، بعد عملية معقدة، اشتركت بها ثمانية أجيال من الربّات، أنجبها جميعها الإله إنكي، ولدوا جميعهم -كما تقول الأسطورة- دونما ألم، ولكن، ربما بسبب رغبة إنكي في تذوّقها، فعمل رسوله «اسيمود» ذو الوجهين على قطفها، الواحدة تلو الأخرى، وأعطاها إلى سيده «إنكي» الذي تناولها. وعلى ذلك قرأت عليه الربّة  «ننهرساج» لعنة الموت. ويظهر أنها اختفت بين الأرباب بعد ذلك حتى لا تبدل رأيها، ثم أخذت صحة إنكي بالتدهور، وصارت ثمانية من أعضاء جسمه مريضة. وفي الوقت الذي تتدهور فيه صحة إنكي جلس الأرباب العظام على الأرض، ويظهر أن «إنليل»[12]  لم يكن يتماشى مع هذه الحالة، ثم تكلم الثعلب، وأخيراً إنليل: «لو كنت أعرف لجلبت ننهرساج ثانية». أما الغراب، فقد نجح، إلى حدٍّ ما، في إرجاع الربّة الأم إلى الأرباب؛ كيما تعالج إنكي الذي كان في طريقه إلى الهلاك التام. وبعد أن سألته عن الأعضاء الثمانية المريضة من جسمه؛ خلقت الربة الأم ثمانية أرباب شفاء. وهكذا استرجع إنكي صحته ثانية. فالجنة السومرية حسب هذه الأسطورة كانت في دلمون[13] .

وكانت أهمية دلمون عند الطبقات المثقفة في سومر يتم تصويرها من خلال أسطورة «إنكي وننهرساج»؛ إذ يحتلّ هذا الأثر مكاناً خاصًّا في الأدب السومري؛ لأن أهميته الرمزية تتعلق ببلاد خارج بلاد وادي الرافدين، فقد نشأت هذه الرمزية في فكر مدرسة «أريدو» الدينية، وكانت أريدو مدينة في أقصى جنوب سومر، في الأهوار، بالقرب من مصب الخليج العربي. وربما كان المقصود من هذه الأسطورة مجاملة أهل دلمون، الذين كانت ميولهم نحو سومر على قدر من الأهمية.

وبالفعل، فإنّ ملحمة إنكي والنظام العالمي، تبيّن لنا العلاقات التجارية مع بلاد الخليج العربي، فضلاً عن أن هذه الملحمة لها معنى أعمق من ذلك؛ إذ إنها تصف الإله إنكي، الذي يحمي «أريدو» و «البحر» البحيرات العذبة المياه «أبسو» بأنه يدعم الأرض، ويفيض عليها بمياهه المخصبة، من خلال الآبار والينابيع.

وسرعان ما صارت جغرافية الجزيرة، وشخصية هذا الإله تتمتع بشعبية في دلمون وسومر[14] .

3- أسطورة الطوفان:

يظهر من الأساطير السومرية والبابلية، أنّ الطوفان كان آخر سلاح تلجأ إليه الآلهة؛ للحدّ من تكاثر البشر[15] ، وفي رواية الطوفان السومرية، يصبح «زيوسودرا» الملك، البطل الذي ينجو من الكارثة، مخلداً وقت أنشأته آلهة دلمون [الأسطر 256 - 262]:

«وبعد أن انبطح زيوسودرا، الملك، أمام آن وإنليل... وهباه الحياة الأبدية، كتلك التي للآلهة، ونصَّباه في بلاد فيما وراء البحار: في دلمون.. حيث تشرق الشمس»[16] .

وتطلق أسطورة الطوفان السومرية اسم «أرض العبور» على «دلمون»:

«في أرض العبور، أرض دلمون، المحل الذي تشرق منه الشمس، جعلته الأرباب لزيوسودرا يستقر»[17] .

فبعد أن رسا الفُلكُ بعد الطوفان، وانتهت الأزمة، حبت الأرباب بطل الطوفان السومري «زيوسودرا» [أوتونابيشتم] الخلود، وجعلته يقطن دلمون، الأرض التي يصطفيها الجميع. فدلمون -إذن- هي بلد الخالدين الذين تمنحهم الأرباب الجنة[18] .

وبعد انتهاء الطوفان، بدأت الحياة من جديد على الأرض، وولدت الحضارة، وأصبح لدلمون دورها في رفد هذه الحضارة، كمستودع دولي، أسهم في ازدهار البلاد. تقول الأسطورة:

«تحدثت ننسيكيلا إلى أبيها إنكي...

لا توجد مياه في قنوات مدينتي...

[ردّ أبوها إنكي على ننسيكيلا:]

[دع الشمس ترفع المياه إلى أعلى من بوابات الأرض...

دع دلمون تنعم بوفرة من مياه الشرب،

دع مياه الآبار المالحة تتحول إلى مياه آبار عذبة[19] ،

ودع مدينتك تصبح «الدار على حافة رصيف الميناء... [مستودع]...

ووهب دلمون الماء بوفرة...

فأنتجت الحقول والأراضي والشعير...

وأصبحت دلمون بحق داراً،

«على حافة رصيف الميناء» البلاد.

وفي ضوء شمس النهار كانت كذلك»[20] .

وتمضي بقية الحكاية... حيث يبدو أن تركيب الرواية يجمع عدة حكايات، ويبدو أن لها صدى عميقاً في دلمون، ولهذا تحصل دلمون على آلهتها الحارسة، وهي نماذج لملوك سومر التي تؤكد سعادة دلمون وازدهارها، وتصبح دلون المثال الكامل للحضارة، على قدم المساواة مع سومر؛ فمناظرها الطبيعية الخلابة، تصور الجنان «الفراديس». فدلمون نقية ومقدسة ومضيئة كنقاء وقداسة وضياء سومر، وأن آلهتها «ننسيكيلا» تحمل اسماً يدل على «السيدة النقية». لكن الحكمة التي ترويها الحكاية هي: أن سومر أصل كلّ الحضارات، إذ إنّ الإله السومري «إنكي» -لكونه الأفضل- يجلب الحضارة لدلمون[21] .

الخلاصة

1- إن بلاد دلمون صارت هي فردوس السومريين؛ لأنها كانت فيها آلهة تُعبد من قبل السومريين أنفسهم، فأسطورة الخلق المعروفة بـ«إنكي وننهرساج» أو «أسطورة دلمون»؛ تربط دلمون بنشأة العالم، وتقدم أنشودة ثناء لهذه الأرض المعطاء التي باركتها الآلهة، وحبتها المياه العذبة الوفيرة؛ فأرض اللبن والعسل هذه «دلمون» هي التي كانت فردوس السومريين، وهي التي كان مقدّراً لثرواتها أن تنقل إلى بلاد سومر. لذلك كانوا يتغنون بها، على أنها المكان الملائم والمنشود للحياة الأبدية[22] .

2- اشتهرت دلمون أيضاً عند الشعراء السومريين بوفرة زراعتها وجنانها الوارفة، وقد صوّرت الأناشيد الملكية في إمبراطورية أُورا الثالثة، بلاد دلمون بالجنة، مستخدمة تشبيهات النخلة:

«أنت حبيب الربة ننجال، كنخلة دلمون الطاهرة». لقد أصبحت مقارنة الحبيب بثمرة شجرة، إحدى الكليشات الأدبية؛ فقد كتب أحد الشعراء: «أمّي بلح دلمون الحلو»[23] .

3- إن دلمون هي الجنة في نظر السومريين، وهي موطن الآلهة، وهناك من يقول، إن سبب تعلّق السومريين بدلمون راجع إلى أن أصلهم منها، وقد جاؤوا إلى جنوبي العراق في عام 3100 قبل الميلاد.

[1]  جورج رو: (العراق القديم)، ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1984، ص151.

[2]  د. سامي سعيد الأحمد: (تاريخ الخليج العربي)، مركز دراسات الخليج العربي - جامعة البصرة، 1985، ص17.

[3]  د. فاضل عبد الواحد: (السومريون والأكديون)، الفصل الثاني من كتاب (العراق في التاريخ)، دار الحرية للطباعة، بغداد 1983، ص63.

[4]  المرجع نفسه، ص67.

[5]  عبد الرحمن مسامح: (قراءة في نصوص دلمونية بمتحف البحرين الوطني)، مجلة البحرين الثقافية، العدد 48 أبريل - نيسان 2007، ص119.

[6]  د. حسين أحمد سلمان: (أهم المظاهر الحضارية في العراق القديم) الفصل الثالث من كتاب (تاريخ العراق: قديمه وحديثه)، شركة الوفاق للطبعة الفنية المحدودة، بغداد 198، ص96.

[7]  إنكي (ENKI): إله الأرض، وإله المياه الجوفية.

[8]  ننسرهاج: هي الربة الأم.

[9]  أوتو (UTU) شمس: كان إله الشمس أوتو في السومرية، وشمش في البابلية، هو ابن إله القمر. وحسب المعتقدات السومرية فإن الإله الشمس يفور ليلاً في البحر، وفي الصباح يظهر من بين الجبال.

[10]  عبد الرحمن مسامح: مرجع سابق، ص119 - 120.

[11]  James Pritchard, Ancient Near Eastern Texts relating to The old Testament, (Prineeton, N.j.1955),P.44.

[12]  إنليل (Enlil): هو الإله «سيد الفضاء» أو «الهواء».

[13]  د. سامي سعيد الأحمد: مرجع سابق، ص209 - 210.

[14]  بياتريس آندريه - سالفيني: (بلاد مشرق الشمس... صورة دلمون في الأدب السومري)، فصل من كتاب: (بقايا الفردوس) ترجمة د. محمد الخزاعي، وزارة الثقافة والتراث الوطني، وزارة الإعلام، مملكة البحرين، ط1، 2002، ص25 - 26.

[15]  د. حسين أحمد سلمان: مرجع سابق، ص210.

[16]  بياتريس آندريه - سالفيني: مرجع سابق، ص28.

[17]  ينظر المرجع المشار إليه في الحاشية رقم 3 ص81.

[18]  د. سامي سعيد الأحمد: مرجع سابق، ص210.

[19]  البحرين تحوي فعلاً ماء عذباً، صالحاً للشرب في وسط البحر (يتلاقى الماء العذب بالماء المالح).

[20]  وفي اللغة الأكدية: «بي ناري» أي «فم الأنهار» وربما تكون كلمة «دلمون» تعني «البحرين» باعتقاد البعض. ونقرأ في القرآن الكريم، في سورة فاطر، الآية 12: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ. وفي سورة الفرقان، الآية 53: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا وفي سورة الرحمن الآيات 19 - 22: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ. وفي سورة النمل، الآية 61: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا.

[21]  ساليفيني: مرجع سابق، ص28 - 29.

[22]  المرجع نفسه، ص23.

[23]  المرجع نفسه، ص25.
باحث في شؤون الخليج العربي - العراق
200399