الآثار العلمية لابن معصوم المدني
(المتوفى سنة 1120 هـ) 1/2
عادل عباس النصراوي * - 8 / 2 / 2011م - 2:52 م - العدد (56)

نسبـُهُ

ينتسب ابن معصوم المدني إلى أسرة علويّة شريفة كريمة، عُرفت بالتقوى والصلاح والعلم، جذورها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بن أبي طالب وأولاده وبنوه (عليهم السلام)، فهو يقول في ترجمته لنفسه: (فأنا عليّ بن أحمد نظام الدين، بن محمد معصوم، بن أحمد نظام الدين، بن إبراهيم سلام الله، بن مسعود، عماد الدين، بن منصور، غياث الدين، بن محمد صدر الدين، بن إبراهيم شرف الملة، بن محمد صدر الدين، بن إسحاق، عز الدين، بن علي ضياء الدين، بن عربشاه، فخر الذين، بن أمير عز الدين أبو المكارم، بن أميري خطير الدين، بن الحسن شرف الدين أبي علي، بن الحسين أبي جعفر العزيزي، بن علي أبي سعيد النصيبيني، بن زيد الأعشم أبي إبراهيم، بن علي أبي شجاع الزاهد، بن محمد أبي جعفر، بن علي أبي الحسين، بيجعفر أبي عبد الله، بن أحمد نصير الدين السكين النقيب، بن جعفر، بن أبي عبد الله الشاعر، بن محمد أبي جعفر، بن محمد، بن زيد الشهيد، بن علي زين العابدين، بن الحسين أبي عبد الله سيد الشهداء، ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)[1] .

آثـاره العلميـّة

المدخل:

تنوّعت مصادر المعرفة العلميّة في حياة ابن معصوم، منها ما هو ذاتي يتعلـّق بأسرته العلمية المعروفة، ومنها ما يتعلـّق بفطنته وشدة ذكائه وهمّته العالية في طلب العلم والبحث عن دقائق الأمور، وكذلك مجلس والده الذي كان يمثـّل مدرسة علميّة بما احتوى عليه من العلماء والأدباء والفقهاء، وهذا ما وفـّر له بيئة علميـّة اتسمت بالاتساع والشمول.

وفي متابعة تحليليّة لكل ذلك يُبيّن مقدار تأثّر ابن معصوم به، وصياغة معلوماته بهذا الشكل.

 فقد وُلـِد هذا الرجل في الحجاز بالمدينة المنوّرة، لكنه عاش أيامه في مكة المكرمة[2] ، حتى هاجر منها إلى بلاد الهند عام 1.66هـ[3] ، وعمره أربعة عشر عاماً، وكانت مجالس العلم والندوات عامرة في بيت الله الحرام، وقد أدرك صغيرا، ونبّه على ذلك حين ترجم للشيخ عبد الله بن سعيد باقشير (ت 1078هـ)، فقال فيه: (رأيتهُ غير مرة في المسجد الحرام في حلقة دراسية، وهو يجني الأسماع من روض ثمار غرسه، وقد أصغت الأسماع إليه وجثت الطلبة على الرُكب بين يديه)[4] ، وهذا يدلّ على أنّ الحركة العلمية فيها كانت عامرة آنذاك، وأن تردّده عليها ووصفه لها يدلّ - مرة أخرى - على اهتمامه بالدرس من صغر سنّهِ، وأنّه لا بُدّ أن يكون قد حضرها، وأخذ منها، فضلا ً عن كون جدّه لأمِّهِ الشيخ محمد المنفوفي (ت 1044هـ)، وخاله عبد الجواد المنوفي (ت 1068 هـ) من أهل العلم والصلاح ومراجع الفتيا والقضاء أيام شبابه، وعلى هذا يكون ابن معصوم قد أخذ من علوم أهل مكة في صباه ما أخذ، حتى هاجر إلى الهند بطلب من والده فدخلها عام (1068هـ)[5] ، فكانت الهند المرحلة الثانية من حياته المليئة بالأحداث والحنين إلى الوطن.

ففي الهند كان مجلس والده العامر بالعلم والعلماء الدين هاجروا من البلاد العربية الإسلامية إليها بعد أن ضاقت بهم سبل العيش، فقد امتدت على ربوع بلاد العرب سلطة الدولة العثمانية التي عاثت في أرضهم الفساد، ونشرت الجهل والحرمان والمجاعة، فقلّت وسائط طلب العلم وفشا الجهل وانتشرت الأميّة، حتى حورِبَ العرب بلغتهم، فجعل السلطان العثماني اللغة التركية اللغة الرسمية في البلاد العربية، حتى هجر أكثر العرب، آنذاك، لغتهم.

كل هذه الأسباب دعت الكثير من علماء العرب والإسلام أن يتركوا بلادهم إلى حيث يجدون المأوى والأرض التي تًناسب قدراتهم العلمية ولكسب لقمة العيش، فاجتمع أكثرهم في بلاد الهند، وكان مجلس والده أحمد نظام الدين، هو ملاذهم ومأواهم الذي ترتاح له نفوسهم، حتى أصبح كأنّه مجلس الصاحب بن عباد في العلم والصلاح والفتيا.

فانتخب الوالد لابنه أفضل الأساتذة والمعلمين لتدريسه، منهم[6]  العلاّمة الشيخ محمد بن محمد الشامي (ت1104هـ)، والعلاّمة جعفر بن كمال الدين البحراني (ت1088هـ)، فنهل منهم علوم اللغة والنحو والأدب والحساب والفقه وعلم الكلام، وغيرها من العلوم الأخرى[7] ، حتى ثقف عوده وقوى ساعده، فضلاً عمّا تلقّاه من سائر الثقافات في بلاد الهند التي اجتمعت فيها حضارات الشرق الإسلامي بعلوم الهند.

 ثم كان لهاجس الغربة أثرٌ كبيرٌ في حياته العلمية؛ إذ كان من الصعب أن يتفاعل وعادات الهنود وتقاليدهم الاجتماعية، ذلك بسبب من اختلافها جذريًّا عن حياة أهله ومجتمعه الحجازي الذي امتاز بالتماسك، إلاّ أنّه تكيّف معها - بعد حين - بسبب وجود الكثير من العرب المسلمين المهاجرين* إليها من البلاد العربية، فعقد علاقات صداقة معهم.

هذه العوامل مجتمعة عملت على صقل شخصية ابن معصوم، وتهذيبها حتى تشكلت له شخصية تتحّمل المشاق والصعاب وتقلّبات الزمن، فهو طالما كان يشكو من هذه الغربة التي آلمته كثيراً، ويحنُّ إلى موطنه الحجاز.

ومما زاد في آلامه، أيضاً، كثرة المشاكل والبلابل التي تعرّضت لها بلاد المسلمين في الهند؛ إذ كانت مسرحًا لهجمات الأقوام الكافرة، وقد ذكر ذلك كثيراًً في مصنفاته، ففي ختام كتابه الحدائق الندية يقول (وكان الفراغ من تبييض هذا الشرح المبارك مع تشويش البال، وكثرة الهم والبلبال، وكوني في زمان وبلاد قد كسدت فيها سوق الفضل وطلاّبه، وقامت دولة الجهل وأحزابه، فلم يُعرف من العلم ِ إلاّ اسمه، ولم يبق منه إلا ّ أثر، ولولا خشيةُ المبالغة قلتُ: إلاّّ اسمه)[8] ، وكان ذلك عام 1079هـ[9] .

 وقد وصف جانباً من تلك الحياة المريرة أيضاً عندما ختم كتابه (أنوار الربيع)، فقال (وقد وفّق الله سبحانه للشروع فيه والفراغ منه في وقت لا يُتَصوَّرُ فيه صحبة قلم لِبَنان، ولا يُتخَيّلُ فيه تصوّرُ مسألة في الجنان، بل لا تقع العين إلاّ على مهنَّدٍ ٍ وسنان، ولا تصحب اليدين إلاَّ قائم حسام وجديل عنان، ذلك حين المرابطة بثغر العدو من الديار الهندية، والمنازلة لمنازلهم في كل صباح وعشيّة، والسمعُ لا يعي إلاّ صارخاً: (يا خيل الله اركبي)، أو صائحاً لِما دهمَهُ: (يا غلام قرّب مركبي)[10] ، وذلك عام 1093 هـ.

ولم تزل تلك الأهوال محدقة به أينما حلَّ أو نزل، في ليل أو نهار، مشدوداً إليها لا تُفارقه حتى شغلته عن كلِّ شيءٍ عداها، لكنه كان يقتنص منها خطفاتِ بروقٍ لتأتلق النفوس بالكلمة الصادقة، والنكتة الرائقة، ونفسه على فراقها تحترق وتذوب، غير أنّه كان صابراً جلداً، يُقارع المصائب بسيفِ تجلّده، ويمنعها بصبره وإبائه، حتى لزم دارَه، فلا جليس يأنس به، ولا كتاب يتصفحه، فيقول: (وذلك من سنة ثلاث وسبعين إلى أخر سنة إحدى وثمانين، وهي السنة التي شرعتُ في آخرها تأليف هذا الديوان[11] ، والله أعلم بما يعقبه الدهر بعد هذا الأوان، وإلى الآن لم يبْدُ لهذه الأزمة فرج، ولا آذَنَ صباح ليلها المدلهم بالبلج)[12] .

لكن هذا لم يثنه عن عزمه، أو يغلّ عن ساعده الجد عنده، بل كان أكبرَ همّه المجدُ والعُلى، وقبل ذلك قال: (كيف وقد عرفت أن الحرمان من شيم الزمان، ورب عطب تحت طلب، ولكنْ قضاءً حتم وأمرٌ لزم، فأين المفرّ، وهيهات طلب المستقر:

لو أنصف الدهر دلّتني غياهبه

على العُلى بضياء العقلِ والحسبِ

ما ينفع المرءَ أحسابٌ بلا جِدَةٍ؟

أليس ذا منتهى حَظي وذاك أبي؟

وكنت - بعد أن نزلت على حكم القدر - في تحمل شقة البين، وفارقت الأهل والوطن فراق الجفنِ للعين، حريصا ً على أن لا يكون إلا ّ فعل امرئٍ جدَّ في طلب العلى جدُّه)[13] .

وهذا يدلُّّ على قوة إرادته، وتصميمه على مواجهات الصعاب، فلم يثنه ذلك بل تجاوزه، فكان رجل عصره وماسك زمام دهره، فتابع ما سار عليه أجداده، فلم يوقفه تأخرّ زمانه؛ إذ لا ينافي التقدّم في الفضل والإحسان، قال: (وإذا كان لكل زمان رجال، ولكل حلبة مضمار ومجال، فغير بدع أن برزت الأواخر بالبديع الفاخر، وأزجت فُلْكها المواخر في بحر الفضل الزاخر:

(قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً

ويرى للأوائل التقديما

إنّ ذاك القديم كان حديثاً

وسيبقى هذا الحديث قديما

على أنّ تأخرّ الزمان لا ينافي التقدم في الإحسان، فقد يتأخر الهاطل على الرعد والنائل عن الوعد ومراتب الأعداد وتترقى بتأخير رقمها)[14] .

تقدّم على أبناء عصره، وبزهم في علمه، حتى كان عصره كآفة القرن الرابع في أصالة علومه وجدّة تصانيفه، وكان يقول: (هذا وإنّي منذ استروحتُ روح التوفيق لخدمة العلم الشريف، وتظلّلت في حرِّ جواهر الجهل بمديد ظلّه الوريف، لم أزل راتعاً في رياض فنونه، كارعاً من حياض عيونه الشهية الورود، أتفكّه بثمارها تارةً، وألتهَّى بأزهارها طوراً، وأقتبس من مطالعها نُوراً، وأجتني من خمائلها نَوْراً)[15] ، فكان هذا منهجه في طلب العلم والتزّود منه لا تصدّهُ الأهوال، ولا يمنعه البلبال، فذاك رياضة لم يستلهم منها حياته وقوته، حتى نذر نفسه لها، فكانت مصنفاته دليلَ عصره وزمانه، ولكنه - مع ذلك - كان حذراً من الوغول في شرح نصٍٍّ أو إبداء رأي وخاصة ما كان متعلقاً بكلام الله تعالى، أو كلام معصوم، وقوله في شرحه للصحيفة السجادية (وإنَّى لمرتعشِ الجناح تسنُّمُ هذا المطار، والمرتعدِ الجنان تقحّم هذه الأخطار، بيد أنّي بنفس منشئها أستمد وأستعين، وببركات أهل البيت عليهم السلام أرِدُ هذا العذب المعين)[16] . نلمس فيه تواضع العالم، وحذر المؤمن، وقوة التمسّك بحبل الله المتين.

 لقد صنّف ابنُ معصوم في علوم زمانه عدّة مصنفات، توزعت بين اللغة والنحو والبلاغة وغيرها، وتنوّعت بين الكتب والكشاكيل والرسائل، وقد أشار مترجموه، إلى معظمها أو إلى بعضها، ونوّه آخرون إلى فقدان الأخرى، وقد أشار هو إلى بعض منها مثل (نفثة المصدور) و(محك القريض).

أولاً - الكتب

1 - سلوةالغريب وأسوة الأريب أو (رحلة إبن معصوم):

هذه الرحلة - التي قام بها ابن معصوم - تنمُّ عن شخصية متوازنة ومتزنة وذات منهج علميّ، رغم صغر سنِّه، وقلّة تجربته، فقد كشفت عن إمكانات يتمتّع بها المؤلّف، وقابليات قلّما يتمتّع بها شاب في مثل عمره آنذاك.

إنَّ الذي يطلّع على الرحلة، ليجد فيها سلوةً من استيحاش الوحدة، فكانت جامعةً لفنون اللغة والأدب والتراجم، فهي لم تكن وصفاً لرحلة قام بها من مكة المكرمة إلى بلاد الهند، بقدر ما كانت تكشف عن موضوعات قد تبحّر في علمها، فنجده أديباً وشاعراً ومترجماً ومؤرَّخاً، فهو بذلك ينبئُ عن عالم قد تبحّر بكل ذلك في عمر شبابه، مؤمناً بقدره، لا يخالف لأبيه أمراً أو طلباً، فامتثل له وأطاعه، فقال: (فلم تثن مراجعتنا له عزماً، ولم تعن إلا ّ تصميماً وجزماً، فأعاد الجواب بالطلب، وحثَّ على أن يكون إليه المنقلب، فلم نر بُدًّا من الإجابة كي لا نجيء بالخطأ من باب الإصابة)[17] ، فخرج من مكة ليلة السبت لست خـَلـَوْنَ من شعبان المعظّم عام ستة وستين وألف[18] ، فكانت تلك بداية الرحلة، وكانت درّة من بين كتب الرحلات لما حوته من صنوف الشعر والحكايات والنوادر والغرائب التي تؤنس من قرأها، وتـُبعد الهمَّ عمّن سرّح البال في جنباتها.

 لقد اتبع ابن معصوم في كتابتها منهجاً سليمًا، فصاغ أحداثها بما يشاكل واقعها، ثم يستطرد في كلِّ حادثةٍ بما يناسبها، فيدعمها بكل جميل ورقيق، كي لا يباغت قرّاءها السأم، أو يدخل النفسَ الغمُّ حتى كان الاستطراد سمةً من سماتها، وذِكرُ النـكات صفةً لا تـُفارقها، فجاء اسمها مطابقاً لمضمونها (سلوة الغريب وأسوة الأريب)، قال:[19] 

رحلتيَ المشتهاةُ تـُزري

بالروض عند الفتى الأريب

فإن تغرَّبتََ فاصطحبها

فإنها سلوةُ الغريبِ

ثم ما إن ينتهي من هذه الاستطرادات حتى يقول: (ولنعد إلى ما نحن بصدده)، أو (رجع)[20] ، وهي كثيرة تجدها في الرحلة.

وكان ابن معصوم لا يُفارقه حبـّهُ للعربية، حتى كان هاجساً في نفسه، فهو في رحلته يصحّح ما ورد من أخطاء، أو يترجم لشخصيات علميّة معروفة.

 فقد صحّح ما تنطقه العامّة من (جـِدَّة) بالكسر، والصحيح ما نقله عن القاموس بـ(جُدَّة) بالضم[21] ، وصحّح كذلك تأريخ وفاة السري؛ إذ ذكر ابن خلكان أنه توفي سنة (344هـ)، ونقل عن الخطيب البغدادي أنها في سنة نيّف وستين وثلاثمائة، وعند ابن معصوم أن هذين التاريخين كلاهما غير صحيح؛ لأنّه وجد في ديوانه مرثية في أبي إسحاق الصابي المتوفَّى سنة (348 هـ) بلا خلاف[22] ، وقد نبّه على خطأ وقع فيه أحد أجداده عندما جعل الشاعر علي بن محمد الحمَّاني (ت 260هـ) في سلسلة نسبهم[23] .

ولما كان هاجس اللغة يعيش معه، فأنه ما أن يظفر بمعلومة في اللغة، وبما يتوافق مع ما هو عليه من سرد للأحداث حتى يُبادر إلى طرحها، فاستدرك للعنبر معانيَ أخرى غير ما ذكر عنه أنه من مقذوفات البحر، فقال: (إنّه نبتُ في البحر ولَهُ رائحةٌ ذكيّة، وقيل إنّه روث دابة، وقيل إنّهُ من غثاء البحر)[24] .

وفضلا عن ذلك تجد في رحلته تراجم العديد من العلماء والصوفية، وقد ترجم لنفسه وأسرته، وترجم لأساتذته، علي بن محمد الشامي، والشيخ كمال الدين البحراني، ولبعض الشعراء، حتى احتوت رحلته على ألف وتسعمائة وعشرين بيتاً من الشعر لحوالي مائتين وعشرين شاعراً[25] .

 كذلك ذكر في رحلته ما لم يره في بلاد العرب من الحيوانات والنباتات وعجائب البحر والسماء والنجوم، وعادات الهنود وتقاليدهم وعباداتهم ومجالسهم في ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام).

وختم الرحلة بباقات من شعر والده وأساتذته وأصدقائه ومحبيه، فكانت شمعة أضاءت ما أظلم من تلك الحقبة الزمنية في القرن الحادي عشر الهجري؛ إذ لولاه لضاع الشيء الكثير، فهي بحقّ تـُعدّ من أجمل كتب الرحلات، وقد فرغ من كتابتها سنة (1075هـ)[26] .

وذكرها عدد من علماء التراجم[27]  وأثنوا عليها.

2- الحدائق الندية في شرح الصمدية:

يُعدُّ هذا الكتاب من كتب النحو المهمة التي أُلِّفت في عصره، وهو يمتاز بكثرة الحواشي والشروح على المصنفات والأراجيز وغيرها.

ألّف الشيخ البهائي (ت1031 هـ) أرجوزة لأخيه الصغير (عبد الصمد) ليعلّمه فيها علم النحو وموضوعاته، سمّاها بـ(الصمدية)، وقسّمها على خمسة أقسام، وأطلق على كلِّ قسم منها حديقة، وجعل في كلِّ واحدةٍ منها مجموعة موضوعات حتى استوفى أكثر علم النحو.

كان السيد علي صدر الدين بن معصوم المدني متأثِّراً بالشيخ البهائي أيّما تأثير، ومعجب به وبمصنفاته، فعمل على شرح هذه الأرجوزة النحوية شرحاً وافياً متتبِّعاً بعمله الترتيب ذاته الذي سار عليه مصنّفها من قبل.

 وزاد الشارح فيها مقدمةً تناول فيها أهمية علم النحو، وقدّم ترجمة وافية عن أحوال الشيخ البهائي منذ ولادته في جبل عاملة وحتى وفاته في أصفهان، ودفنه في جوار مشهد الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في طوس، وذاكراً مؤلفاته وأساتذته وتلامذته وحظوته عند الشاه عباس الصفوي[28] .

أما حدائقه الندية، فقد ابتدأها بالحديقة الأولى[29]  التي تناول فيها علم النحو وموضوعاته معرِّفاً بها، ودالاًّ عليها، وعرّف - كذلك - الكلمة والكلام، وما يتعلّق بهما، معرِّجاً على معنى الاسم، وبعض خواصِّه، وأقسام التنوين، والمعرفة والنكرة، وأقسام العلم، والمعرَّف باللام، واسم الإشارة والموصول، وواصلاً الحديث بالمضاف والمعرّف بالنداء، وتقسيمات الفعل وبنائه وإعرابه، وكذلك معاني الإعراب وعلاماته.

أما الحديقة الثانية[30]  فهي من أوسع الحدائق وأكبرها، فقد ضمّت مواضيع عديدةً، ابتدأها بما يتعلّق بالأسماء وأنواع المعرََب، وتعريفات الفاعل وأحكامه، ونائب الفاعل، وكذلك تعريف المبتدأ والخبر، ومارًّا على الأفعال الناقصة والحروف المشبهة بالفعل والمشبهات بليس، و”لا” النافية للجنس، وأفعال المقاربة ومجموعة المنصوبات، وحروف الجر، ومميزات أسماء العدد، والمضمرات وأسماء الإشارة والموصولات، والتوابع، والمعطوفات، ثم عطف على تعريف المصدر، واسم الفاعل، وبقية المشبهات، ثم أسباب منع الصرف.

أما الحديقة الثالثة[31] ، فكانت أغلب موضوعاتها تتعلّق بالأفعال، وأدوات النصب والجزم، فضلاًً عن شرحه لأفعال المدح والذم، وأفعال التعجّب، والقلب، وتنازع العاملين على معمول واحد.

فيما تناول في الحديقة الرابعة[32]  أحوال الجمل التي لها محل من الإعراب، من نحو الجمل الواقعة حالاً أو مفعولاً به أو مضافاً إليها، وكذلك درس فيها الجمل الواقعة جواباً لشرط جازم، أو التابعة لمفرد، حتى استوفاها، وبعد ذلك عرّج على الجمل التي ليس لها محل من الإعراب، كالجمل الاعتراضية وسمّاها (الجمل المعترضة)، وكذلك الجمل المفسرة والواقعة صلة للموصول، أو جوابا ً للقسم أو الشرط، أو عندما تكون تابعة لما لا محل له من الإعراب، أو الجار والمجرور والظرف، وفي هذه الحديقة استوفى أكثر أنواع الجمل.

أما الحديقة الخامسة[33] ، وهي الأخيرة من الحدائق، فكانت أغلب موضوعاتها في المفردات، وهي معاني الهمزة وفي (أن) بالفتح والتخفيف والكسر، وكذلك في معاني (إذ)، (إذا)، (أم)، بل، حاشى، حتى، الفاء، وقد، وتحقيق معاني قط، كم، كيف، لو، ولولا، ومعاني لّما بالتشديد وما وهل.

 وبهذا يكون السيد المدني قد استوفى أغلب موضوعات النحو وعلومه شارحاً بذلك متن الشيخ البهائي، معتمداً على الكثير من آراء علماء اللغة والنحو من قبيل ابن جني والزجاج والزمخشري وابن الحاجب وابن مالك وابن هشام والأنصاري والرضي الإستربادي والأعلم، وغيرهم من أساطين العلم والمعرفة، فضلاً عن علماء البلاغة والبيان كالتفتازاني في شرح التلخيص، وعصام الدين في شرحه على التلخيص، وغيرهم،. مستشهداً بأقوالهم على أغلب موضوعاته التي ذكرها الشيخ البهائي، فضلاً عن آرائه الشخصية، فهو تارةً يوافقه فيما ذهب إليه، وأخرى يعارضه من خلال عرض الآراء النحوية في المسائل المُخْتَلَف فيها، ومستعيناًً بشواهد من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وبالشعر، متخّذاً ًلذلك سبيلاً، أنّ القاعدة النحوية لا تفرض على النص فرضاً قاسياً، بل كان يروِّضها لتتفق مع النص العربي، باعتبار أنّ القاعدة مشتقة من النص لا العكس.

إنّ هذا الشرح حريّ أن يُدرس دراسة وافية ليكشف عن مضامينه التي غيّبتها مخازن المخطوطات، إذ كان الفراغ من تأليفه ضحوة يوم الاثنين، سابع شهر شوال سنة خمس وسبعين وتسعمائة[34] . وهو مطبوع طبعةً حجرية ً سنة (1297هـ)، وقد اعتمدتها في هذه الدراسة.

 غير أنّ هناك كتاباً آخر نسب، خطأً، للسيد علي خان المدني، ظنًّا من بعض العلماء أنّه من شروحاته على الصمدية واسمه (الفرائد البهية في شرح الفوائد الصمدية)، أو أنّه هو (الحدائق الندية في شرح الصمدية) ذاته، فيما نسبه بعضهم الآخر إلى السيد بهاء الدين محمد بن محمد باقر المختاري (ت1140هـ)، فهناك عدة نسخ من هذا المخطوط، ففي مكتبة كاشف الغطاء في النجف الأشرف توجد نسخة بعنوان (الفوائد البهية في شرح الفوائد الصمدية) منسوبة للسيد علي خان المدني تحت رقم (189)، وأخرى بعنوان (الفوائد البهية في شرح الفوائد الصمدية) لمؤلفها السيد بهاء الدين محمد بن محمد المختاري، ورقم (290)، فالتبس على البعض في نسبتها وفي اسمها، وذلك بسبب معاصرة المؤلفَين لبعضهما إذ عاشا في زمانِ واحد فضلاً عن تقارب عنوان المخطوطين وموضوعهما.

 وقام الباحث السيد محمد نوري الموسوي بالتحقيق في هذا الموضوع، فجمع ثلاثة عشر مخطوطاً من العراق وإيران، واستطاع أن يتحقق من نسبة الكتاب إلى السيد المختاري لا السيد المدني، وأنه كان شرحاً على الصمدية للشيخ البهائي، وتحقق أنه لم يكن كتاب (الحدائق الندية في شرح الصمدية) كما تُوَهِّمَ من قبل، معتمدًا - في ذلك - على ما قاله المختاري في الفرائد: (فسألني بعض الأصحاب من أنجاب الطلاب – شرح الله صدره وسهّلَ أمره – أن أشرحه شرحاً ثانياً ولو كسلاً ومتوانياً، شرحاً مختصرًا يُداني متن الكتاب في الوجازة وعدم الإطناب، مقتصراً على مخ الإعراب، إلاّ ما شذَّ لطرد الباب فأسعفتُ مسؤوله، وحقّقت مأموله، وتركتُ أكثر قواعد التعديلات في القواعد والوصفيات، وذكرت فيه بعض الألغاز النحوية تشويقاً لمن يرغب بالأحجية وجعلتُه منبئاً عن النسب، فشققت من سمتي سمته، وبيّنت بذلك صفته، فسمّيته بالفرائد البهية في شرح الصمدية)[35] ، وإن عبارته في ذيل النص تشير إلى أنّ (الفرائد البهية) مشتقة من اسمه بهاء الدين، وكذلك المؤلف ختم الفرائد باسمه، إذ قال: (تم بالخير بحمد الله وتوفيقه لتحريره وتنميقه على يد الفقير إلى رحمة ربّه الخبير البصير بكل ظاهر وضمير... بهاء الدين محمد بن محمد باقر المختاري).

فضلا ًعن ذلك أنَّ الطهراني نسب الكتاب إليه، ونقل نص خاتمة الكتاب السابقة الذكر[36] ، فهكذا أماط الباحث الموسوي اللثام عن هذا الوهم، وأرجع الكتاب إلى مصنّفه[37] ، وبرّأ السيد ابن معصوم المدني منه، وفصَله عن الحدائق الندية بفرائده البهية.

3 - سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر

لقد سُبِق ابن معصوم في هذا الفن، فقبله مَنْ ترجم للشعراء وذكر جميل شعرهم، وأُلِّفَت فيه عدة مصنفات، منها كتاب (يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر) للثعالبي، وكتاب (خريدة القصر وجريدة العصر) للعماد الأصفهاني، وكتاب (دمية القصر) للباخرزي، لكن لا فضيلة للمتقدّم على المتأخّر إلاّ في تقدّم الزمان، فقد يأتي المتأخّر بما هو أجود وأفضل، قال ابن معصوم: (إذا كان لكل زمان رجال، ولكل حلبة مضمار ومجال، فغير بدع إن برزت الأواخر بالبديع الفاخر، وأزجت بفلكها المواخر في بحره الزاخر (شعر):

(قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً

ويرى للأوائل التقديما

إنّ ذاك القديم كان حديثاً

وسيبقى هذا الحديث قديما

على أنّ تأخر الزمان لا ينافي التقدّم في الإحسان، فقد يتأخر الهاطل عن الرعد والنائل عن الوعد)[38] ، فيأتي المتأخّر بخير مما أتى به المتقدّم، فكانت رغبته بجمع شعر شعراء عصره وزمانه، فسلك فيه سبيل يتيمة الدهر ودمية القصر وغيرهما من الكتب المقصورة على هذا الفن، ورغم حوادث الدهر وبوائقه إلاَّ أنّ ذلك لم يصدَّه عن تحقيق رغبته وقصده، ورغم فراق الوطن والأحبة، والمشكلات التي كان يعانيها في أيامه تلك، إذ كان مقيماً في دار صغيرة يصعب الحراك فيها، فهي كما قال: (أضيق من سُمِّ الخياط، يكاد ينقطع للدخول فيها من القلب النياط، ولا جليس أو أديب إلاّ كتاب أو صحيفة آنس فيهما إلى فنون البحث، وقد عدمت تصحيفه، وذلك من سنة ثلاث وسبعين إلى آخر سنة إحدى وثمانين، وهي السنة التي شرعت في آخرها إلى تأليف هذا الديوان)[39] ، ولكن لما أُهدي إليه كتاب (ريحانة الألباب) لشهاب الدين الخفاجي (ت سنة 1069 هـ) من مكة سُرَّ كثيراً لذلك، ووجد فيه ضالته التي كان يقصدها، ورأى أن الخفاجي لم يوفِ كلّ ما كان يريده، فقال: (بيد أنّه اقتطف ريحانة من روض، وامتاح نقطة من حوض، فجاء بالثمد ووقف دون المد، وأهمل ذكر جماعة من أكابر الفضلاء، وأماثل النبلاء، ومجيدي الشعراء ومفيدي البلغاء)[40] ، وهذا ما دفعه لتأليف كتابه (سلافة العصر)، فاستدرك ما فات الشهاب، وجمع ما وقف عليه، وأورد ما انتهت إليه قدرته، غير أن ابن معصوم لم يُزاحمه فيما أورد، وإنما جاء بالجديد وإن تكرّرت بعض أسماء ممن ذكرهم الخفاجي، فقال: (وكان عليَّ أن لا أُوارد الخفاجي في ريحانته، ولا أزاحمه في حانته)[41] ، لكنه أورد جماعة سبقه في ذكرهم أهل هذا الفن، وقصرهم على أهل عصره – القرن الحادي عشر الهجري – غير أنّه لم يورد من شعرهم الذي ذكره الأوائل منهم[42] .

إن ابن معصوم لم يبيّن السبب في تسمية هذا الكتاب بـ(سلافة العصر في محاسن الشعراء في مصر)، إلاّ أنّه سلك مسلك من سبقه فتقاربت التسميات.

وقسم هذا الديوان على خمسة أقسام هي:

القسم الأول: (في محاسن أهل الحرمين والبلدين المحترمَيْن)، وذكر منهم ثمانية وأربعين شاعراً، أولهم والده أحمد نظام الدين بن محمد معصوم المدني (ت1086هـ).

القسم الثاني: في محاسن أهل الشام ومصر وما حولها وذكر من شعرائهم ستة وثلاثين شاعراً.

القسم الثالث: في محاسن أهل اليمن وذكر من شعرائهم ثمانية عشر شاعرا ً.

القسم الرابع: في محاسن أهل العجم والبحرين وذكر من شعرائهم خمسة عشر شاعراً.

القسم الخامس: في محاسن أهل المغرب وبهم ختم سلافته وذكر من شعرائهم ثمانية شعراء.

وكان يغلب على تراجمه السجع، فيبدأ بالثناء على الشاعر أو الأديب، ثم يذكر طائفة من شعره، وتتفاوت تراجمه بين الطول والقصر.

أما مصادره التي اعتمد عليها فهي:

1- ما أخذه عن والده مشافهةً، أو بخط يده.

2- الرحلة والمشافهة والسماع عن المترجَمين أنفسهم أو عن طريق المراسلة بينه وبينهم.

3- دواوين الشعراء التي اطّلع عليها المؤلِّف نفسه.

4- المصنفات التي رجع إليها المؤلِّف في ترجمة بعض الشعراء، أو استعان بها في التنبيه على مسألة نحوية أو أدبية أو بلاغية.

لقد كان هذا الكتاب ديواناً جمع فيه جملةً من الشعراء بلغ عددهم (125) شاعراً في حقبة من الزمان كادت أن تضيع في زمنٍ كسدت فيه صناعة الأدب، فهو وثيقة تأريخية لأحداث القرن الحادي عشر الهجري. وقد ذكر الكتاب أربابُ التراجم، وأثنوا عليه[43] . وقد فرغ منه سنة (1082هـ) [44] .

واستدرك أحد الأدباء على هذا الكتاب، فترجم لبعض الشعراء مع أشعارهم، ونقد طريقة ابن معصوم فيه وأسماه (نشوة السلافة ومحل الإضافة) وهو العلامة الشيخ محمد علي بشارة آل موحي الخاقاني النجفي، فقال في مقدمته ناقداً له: (فرأيتهُ قد ذكر رجالاً تعرّضوا للنظم، وليسوا من أهله ولا شاموا بارق ربابه ووبله، لا يستحقون تعريفاً ولا توصيفاً وذكر لهم نثراً سفسافاً ضعيفاً، إذ ليس كل من قال الشعر بشاعر ولا كلّ من نثر بناثر.... ثم إنّه - رحمه الله - ترجم لكل واحد منهم ترجمة أفرط فيها بتعريفه، وغالى في تقريظه وتوصيفه مع أن أكثرهم – كما أشرنا إليه – يجب أن يَضرِب عنهم صفحاً، ويَطويَ عن ذكرهم كشحا... ثم إن السيد قد أهمل ذكر جماعة من فرسان النظم والنثر وأصحاب العلم والفهم ولكنه اعتذر في آخر كتابه حتى لا يرد عليه لوم أو عتاب)[45] .

 والحق أن مثل هذا الكلام ليس من المناسب أن يقال بحق السيد ابن معصوم المدني الذي عُرِفَ عنه عالماً لغوياً وأديباً ناقداً، وذوّاقة في الشعر، ثم إن هذا المؤلف المنتقد لابن معصوم – أعني الشيخ محمد علي آل موحي – هو نفسه لم يلتزم في كتابه ذلك، ولم يتّضح ذلك في منهجه.

4 - أنوار الربيع في أنواع البديع

يُعدُّ هذا الكتاب من كتب البلاغة العربية التي أُلِّفت في زمنٍ كسدت فيه بضاعة الأدب، إذ تناول فيه فنًّـا مهمـًّا من فنونها، وهو علم البديع، والذي عرفه بقوله: (البديع، لغةً، فعيل، من البِدع بالكسر، وهو الذي يكون أولاً من كل شيء، وهو يَرد بمعنى مُفْعِل: اسم فاعل، وبمعنى مُفْعَل، اسم مفعول، ومن الأول اسمه تعالى، أي الذي فطر الخلق مبتدعاً لا على مثال سبق)[46] ، والبديعُ، بالاصطلاح، هو علمٌ يُعرف به وجوه تحسين الكلام، أي يُتصوَّر معانيها ويُعلم أعدادها وتفاصيلها بقدر الطاقة[47] عند مطابقة الكلام لمقتضى الحال، مع وضوح الأدلة.

وقد حفل به القرآن الكريم؛ إذ كان مرآةً للغة العرب وتطلعاتهم في وضوح الأدلة وتشكيل صورها بما يبهج الناظر، ويُسرُّ السامع والقارئ عند كلِّ آيةٍ أو سورةٍ فيه، فتميّزت لغة العرب فيه على غيرها من اللغات.

إنّ أوّلَ من نبّه إلى البديع وفنونه، وألّف فيه، عبد الله بن المعتز العباسي (ت سنة 296هـ) في كتابه (البديع) غير أن الجاحظ (ت سنة 255هـ) قد أشار إلى هذا الفن من قبل[48] .

أما البديعيات فهي من القصائد الشعرية التي اتخذ الشعراء فيها من الفنون البديعية وسيلة لتعدادها من خلال مدح الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سواء كانت من قبل وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعدها، وإن كانت القصائد التي يَنظِمها الشعراء بعد وفاته تُسمى رثاءً في الشعر العربي، (ولكنه في الرسول مدحاً، كأنّهم لحظوا أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) موصول الحياة، وأنهم يُخاطبونه كما يُخاطبون الاحياء)[49] .

أن أوّل من ابتدع هذا الفن هو ابن جابر الأندلسي (ت سنة 798هـ)، كما ذهب إلى ذلك الدكتور زكي مبارك فقال فيه (لقد ابتكر فناً جديداً هو البديعيات)[50] ، في حين كان للسيد ابن معصوم المدني رأيٌ في ذلك، فقال: (كنتُ أظنّ أنّ أوّل من نظم أنواع البديع على هذا الأسلوب البديع، فضمّن كل بيت نوعاً، وانقاد له شَموس هذا المرام طوعاً، هو الشيخ صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى، حتى وقفت على ترجمة الشيخ علي بن عثمان بن علي بن سليمان أمين الدين السليماني الأربلي الصوفي الشاعر، على قصيدة لامية له نظم فيها جملة من أنواع البديع، وضمّن كل بيت منها، نوعاً منه، أولها الجناس التام المطرف، وهو:

بعضُ هذا الدلال والإدلال

حال بالهجر والتجنب حالي

ثم قال في الجناس المصحّف والمركب:

جرت إذ حزت ربع قلبي وإذ لا

لي صبر أكثرت من إذلالي

فعلمتُ أنَّ الشيخ صفي الدين الحلي لم يكن أبا عذر هنا المرام، ولا أوّل من نظم جواهر هذا العقد في نظام)[51] .

ثم يعلّل ابن معصوم صحة ما رآه في ريادة الشيخ أمين الدين الأربلي، وذلك بقوله: (فإنّ الشيخ أمين الدين المذكور توفي قبل أن يولد الشيخ صفي الدين بسبع سنين، وذلك أن وفاة الشيخ أمين الدين في سنه سبعين وستمائة وولادة الشيخ صفي الدين في سنة سبع وسبعين وستمائة)[52] .

 لقد انْتَقَدَ الدكتور زكي مبارك غير واحد من أعلام الأدب، فقال الدكتور أحمد إبراهيم موسى: (إذ قد فات الدكتور كما فات الجمهور أن التحقيق في هذه المسألة على خلاف ما قرروه جميعاً فليس ابن جابر على ما ذهب إليه الدكتور، وليس صفي الدين الحلي كما جزم الجمهور بأول سابق إلى هذا الفن، بل كلاهما مسبوق بشاعر مصري عرَّف به الكتبي المتوفى سنة (674هـ) في كتابه فوات الوفيات، ذلك هو عليّ بن عثمان بن علي بن سليمان أمين الدين السليماني الأربلي الصفوي الشاعر وصار فقيراً، وتوفي بالفيوم وهو في معترك المنايا سنة (670هـ)، ومن شعره قصيدة في كلّ بيت نوع من البديع)[53] ، ثم يروي أن وصول البديعيات بهذا الشكل من حيث الأسلوب والزمن والروي لم يكن إلاّ بعد مراحل من التطوّر، فكان الشيخ صفي الدين الحلي قد حاز قصب السبق في مضمار براعة هذا الفن، كما يرى ذلك ابن معصوم[54] .

لقد تعدّدت هذه البديعيات حتى بلغت أربعة وأربعين بديعيةً، فمنها مجرد، ومنها مطبوع، وبعضها مخطوط، وأخرى مشروحة مثل بديعة ابن معصوم المدني[55] .

وضع العلماء المهتمون بهذا الفن مقومات له، والتزموا ببعض الخصائص، وقد التزم ابن معصوم بهذا المنهج، فكانت بديعيته على غرار ما نسجه أكثر أصحاب البديعيات، فهي من بحر بسيط، على روي الميم المكسورة، وكان في كل بيت من أبياتها نوع بديعي، والغاية منها مدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه (رضي الله عنهم) [56] .

ونهج المصنّف في أنوار البديع نهجاً يقوم على عرض الفن البديعي، فيعرفه باللغة والاصطلاح، ثم يذكر الشواهد التي تدعمه من القرآن الكريم والشعر العربي في مختلف العصور فقال: (ثم عنَّ لي أن أشرحها شرحاً كاملاً، يكون بإبراز مخدرات معانيها كافلاً، وأورد فيها جملة من البديعيات)[57] ، فجدّد ملامح منهجه، غير أنه جعل من المقارنة بين بديعته والبديعيات الأخرى مجالاً للمفاضلة، وبيان المحاسن والمساوئ، داعماً ما يذهب إليه بشواهد قرآنية، أو شعرية، فبدا ناقداً من الطراز الأول في تحليله وتفصيله.

 ففي باب الابتداء وبراعة الاستهلال يقول[58] :

حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرمِ

لي صبر أكثرت من إذلالي

له براعة شوق يستهلُ دمي

فعرّف هذا الفن، ودعم هذا التعريف بشواهده القرآنية والشعرية، ثم عرّج على الشعر العربي، وعلى ما يجب أن يكون عليه حسن الابتداء فيه فيورد بيت امرئ القيس[59] :

قفا نبكي من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

لي صبر أكثرت من إذلالي

بسقط اللوى بين الدخولِ فحومل

ويقول فيه: (قالوا: وقف، واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحدٍ، ومع ذلك، فقد انتقده الحذّاق، وبعدم المناسبة بين شطريه؛ لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك وكثرة المعاني، وليس في الشطر الثاني شيء من ذلك، قال ابن المعتز: قول النابغة:

كليني لهمٍّ، يا أميمةُ، ناصبِ

لي صبر أكثرت من إذلالي

وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكب

فقدّم عليه؛ لأن امرأ القيس - وإن بالغ في الشطر الأول - لكنه قصّر في الثاني، حيث أتى بمعانٍ قليلة في ألفاظ كثيرة غريبةٍ، والنابغة راعى التناسب)[60] ، فهذا الحسّ النقدي بدا واضحاً عند ابن معصوم.

وكان من منهجه أن يستشهد ببديعيات غيره مقارناً ذلك ببديعيته، فذكر عز الدين الموصلي وابن جابر الأندلسي وابن حجة الحموي، وكان الأخير أكثرهم تعرضاً لنقد ابن معصوم، فوصفه مرةً بأنه مبالغ على جاري عادته في الإطراء فيما يعجب به[61] ، أو يصحّح له فيما أخطأ[62] ، في حين نجده منصفاً له عندما يراه لم يُجانب الصواب[63] .

أما ما يُؤاخَذه عليه ابن معصوم هو إدخاله ما ليس من البديع إلى هذا الفن، فمما أدخله في البديع وهو من علم البيان مصطلح الاستعارة[64] ، والتشبيه[65] ، والكتابة[66] ، والمجاز[67]  ومن علم المعاني مصطلح الإيجاز[68]  والمساواة[69] ، وغير ذلك.

لقد فرغ من تصنيف هذا الكتاب مع اشتغال البال، وكثرة البلبال في الهند عام 1093هـ[70] ، وقد طبع طبعة حجرية في إيران عام 1304هـ، وطبعة أخرى حققها وترجم لشعرائها الأستاذ شاكر هادي شكر في مطبعة النعمان في النجف الأشرف في العراق سنة 1388هـ، 1968م وهي المعتمدة في بحثنا هذا.

[1]  سلوة الغريب وأسوة الأريب (رحلة ابن معصوم المدني)، تحقيق شاكر هادي شكر، عالم الكتب، ومكتبة النهضة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ، 1988م، ص: 84 -85، ورياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين، السيد علي خان الحسيني المدني، تحقيق السيد محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، محرم الحرام، 1425هـ، جـ1/ 139.

[2]  ابن معصوم المدني أديباً وناقدًا، د. كريم علكم الكعبي، دار الضياء للطباعة والتصميم، النجف الأشرف، العراق، الطبعة الأولى، 1429هـ، 2008، ص : 27.

[3]  سلوة الغريب وأسوة الأريب (رحلة ابن معصوم المدني)، مرجع سابق، ص: 37.

[4]  سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر، سيد علي خان المدني، (صدر الدين، ابن معصوم)، مطابع علي بن علي، دولة قطر، ط 1، 1382هـ، ص: 217.

[5]  سلوة الغريب وأسوة الأريب ( رحلة ابن معصوم المدني)، مرجع سابق، ص: 168، 193.

[6]  راجع المدخل.

[7]  سلوة الغريب وأسوة الأريب (رحلة ابن معصوم المدني) مرجع سابق ص: 2.6، 242.* عن العلماء المهاجرين إلى الهند يمكن الرجوع إلى فصل (أندلس في الشرق) من بحث بعنوان: (الشعر المهاجر من الخليج إلى الهند)، عدنان السيد محمد العوامي، الواحة، العدد الثالث، رجب 1416هـ، ديسمبر 1995، ص: 110. الواحة

[8]  الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية، للسيد علي خان (ابن معصوم المدني)، طبع على الحجر، إيران، 1297، ص: 583.

[9]  نفسه.

[10]  أنوار الربيع في أنوار البديع، السيد علي صدر الدين بن معصوم المدني، تحقيق شاكر هادي شكر، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، العراق، ط 1، 1389هـ، 1969م، جـ6/332.

[11]  يعني به (سلافة العصر).

[12]  سلافة العصر، مرجع سابق، ص: 7.

[13]  سلوة الغريب وأسوة الأريب (رحلة إبن معصوم المدني)، مرجع سابق، ص: 17، 18.

[14]  سلافة العصر، مرجع سابق، ص: 7.

[15]  أنوار الربيع، مرجع سابق، جـ 1/28.

[16]  رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين، مرجع سابق، جـ1/ 44.

[17]  سلوة الغريب وأسوة الأريب (رحلة ابن معصوم المدني)، مرجع سابق، ص: 37.

[18]  نفسه.

[19]  سلوة الغريب وأسوة الأريب (رحلة ابن معصوم المدني)، مرجع سابق، ص: 19.

[20]  نفسه، ص: 35، 53، 59.

[21]  نفسه، ص : 48.

[22]  نفسه، ص: 166.

[23]  نفسه، ص :87.

[24]  نفسه، ص: 56.

[25]  رحلة ابن معصوم المدني المسودة (سلوة الغريب وأسوة الأريب) مد. مشحن مردان الدليمي: 31.

[26]  سلوة الغريب وأسوة الأريب، مرجع سابق، ص: 328.

[27]  الغدير في الكتاب والسنة والأدب، عبد الحسين أحمد الأميني النجفي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، 1397هـ، 1977م،جـ11/348، والفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفري، الشيخ عباس القمي، تحقيق ناصر باقري عُبيد هندي، مؤسسة بوستان كتاب، مركز الطباعة لمكتب الإعلام الإسلامي، 1385هـ، جـ 1/452، وروضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، الميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري، الدار الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ، 1991م، جـ4/380، وهدية العارفين، (أسماء المؤلفين وآثار المصنفين)، تأليف إسماعيل البغدادي، دار أحياء التراث العربي، بيروت، لبنان طبعة أوفسيت عن طبعة وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية، استنانبول سنة 1951م، جـ1/ 763، وأعيان الشيعة، محسن الأمين، إعداد حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الخامسة، 1420هـ،2000م 12/183.

[28]  الحدائق الندية في شرح الصمدية، ابن معصوم، مرجع سابق، ص: 2- 3.

[29]  نفسه، ص : 9- 39.

[30]  نفسه، ص: 4 - 192.

[31]  نفسه، ص: 193 – 221.

[32]  نفسه، ص: 222 - 238.

[33]  نفسه، ص: 239 -276.

[34]  نفسه، ص: 276.

[35]  الفرائد البهية في شرح الفوائد الصمدية، السيد بهاء الدين محمد باقر المختاري، تحقيق ودراسة الباحث محمد نوري الموسوي، كلية التربية، جامعة بابل، 2006م، (رسالة ماجستير)، ص: 3.

[36]  الذريعة إلى تصانيف الشيعة، آغابزرك الشيخ محسن الطهراني، تحقيق ولده علي المنزوي، جـ 16 /134 -328..

[37]  الفرائد البهية في شرح الفوائد الصمدية، دراسة المختاري،(رسالة ماجستير ). مرجع سابق، ص: 23 – 28.

[38]  سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر، مرجع سابق، ص: 7.

[39]  نفسه.

[40]  نفسه، ص: 8.

[41]  نفسه، ص: 9.

[42]  نفسه.

[43]  رياض العلماء وحياض الفضلاء، العلامة عبد الله أفندي الأصبهاني، باهتمام السيد محمود المرعشي، تحقيق السيد أحمد الحسيني، منشورات مكتبة السيد المرعشي النجفي، قم، ايران، 1403هـ، جـ3/ 366، والغدير في الكتاب والسنة والأدب، مرجع سابق، جـ 11 / 348، وهدية العارفين (اسماء المؤلفين وآثار المصنفين)، مرجع سابق، جـ 1/763.

[44]  سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر، مرجع سابق، ص:

[45]  نشوة السلافة ومحل الإضافة، تأليف العلامة الأديب محمد بن علي بشارة آل موحي الخيقاني النجفي، تحقيق محمد السيد علي بحر العلوم، منشورات مكتبة الإمام الحكيم العامة، النجف الأشرف، جـ1/ 34 – 36.

[46]  أنوار الربيع، في أنواع البديع، مرجع سابق، جـ1/ 29.

[47]  المطول: (شرح تلخيص مفتاح العلوم)، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، طبعة حجرية، المطبعة الشاهجهانية، بهويال، الهند، بدون تاريخ، ص: 380. وأنوار الربيع، في أنواع البديع، مرجع سابق، جـ 1/29.

[48]  البيان والتبيين، عمرو بن بحر "الجاحظ"، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، ودار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، د. ت، جـ 1/51، وعلم البديع والبلاغة العربية، أ.ج.كراتشكوفسكي، ترجمه وقدم له محمد الفجيري، دار الكلمة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1983هـ، ص: 44، 67، 84.

[49]  المدائح النبوية في الأدب العربي، تأليف زكي مبارك، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، المؤسسة المصرية للتأليف والنشر، وزارة الثقافة، 1354هـ، 1935م، ص: 17.

[50]  نفسه 205.

[51]  أنوار الربيع، في أنواع البديع، مرجع سابق، جـ 1/31 -32.

[52]  نفسه، جـ 1/ 32.

[53]  الصنع البديعي في اللغة العربية، الدكتور أحمد إبراهيم موسى، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر وزارة الثقافة، الجمهورية العربية المتحدة، القاهرة، 1388هـ، 1969م، ص: 377.

[54]  أنوار الربيع، في أنواع البديع، مرجع سابق، جـ 1 /32.

[55]  الصنع البديعي في اللغة العربية، مرجع سابق، ص: 38.، و المدائح النبوية في الأدب العربي، مرجع سابق، ص: 206 – 207.

[56]  أنوار الربيع، في أنواع البديع، مرجع سابق، جـ 1/ 31 -32، والدرس البلاغي في "أنوار الربيع في أنواع البديع" لابن معصوم المدني، ليلى سعد الله ناجي، إشراف الدكتور فاضل عبود التميمي، كلية التربية، جامعة ديالى، 2002م، 1423هـ، (رسالة ماجستير)، ص: 17 - 18.

[57]  نفسه، جـ 1/ 28 -29.

[58]  نفسه، جـ 1/ 34.

[59]  نفسه، جـ1/35، وانظر: ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الكتاب 24 في سلسلة ذخائر العرب، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، د. ت، ص: 8.

[60]  أنوار الربيع، في أنواع البديع، مرجع سابق، جـ 1/ 35 – 36.

[61]  نفسه، جـ1/ 64.

[62]  نفسه، جـ 1/114،132،21. – 3/ 29، 33، 364 – 5/ 188 -265 – 6/ 37، 71، 1.8.

[63]  نفسه، جـ 1/ 123، 146، 22. – 3/ 114، 115 – 4/2.4 – 6/167.

[64]  نفسه، جـ 1/ 243.

[65]  نفسه، جـ 5/195.

[66]  نفسه، جـ 5/3.9.

[67]  نفسه، جـ 6/ 1.4.

[68]  نفسه، جـ 6/239.

[69]  نفسه، جـ 6 /314.

[70]  نفسه، جـ 6 /332.
باحث - العراق، جامعة الكوفة.
219239