صورة من نافذة الماضي
العتبة الشرقية
هيئة التحرير - 14 / 10 / 2007م - 5:11 ص - العدد (1)


 

قافلة من 300 جمل تغادر ميناء العقير اسبوعياً محمّلة بمختلف البضائع، لتموّن نجد الجنوبيّة بأكملها بالقهوة والأرز ومنتجات بيرمنجهام
الأحساء فردوس، ولكن اللصوص والضرائب لعنة نازلة على الزراعة في كل منطقة من مناطق شبه الجزيرة العربية
القيصرية مخزن لجميع احتياجات وكماليات الشرق: فيه الأسلحة والأقمشة والذهب والمزركشات المذهّبة والتمور والخضروات والأسماك المجففة والأخشاب والجراد المملّح، والفواكه والصنادل (الأحذية) والتبغ والأواني النحاسية
يوجد مستشفى عسكري واحد في الهفوف بدون أدوية، وجراح مسيحي واحد، وكانت الكوليرا مستفحلة تقضي على الناس، في حين اتخذ الجدري أبعاداً وبائية وقضى على العديد من الأطفال الصغار.
لا تتمتّع القطيف بسمعة حسنة لدى بدو الأحساء، فموقعها منخفض مستنقعي، ومعظم سكانها ضعاف البنية، ذوو سحنات شاحبة كلون الصفصاف، ومعاناتهم من الملاريا أبديّة. أمّا البلدة نفسها فسيّئة البناء، قذرة جداً، رطبة سيئة المناخ. ومع ذلك فسكانها كُثُر، وتجارتها نشطة.

--------------------------------------------------------------------------------

كانت زيارة المبشّر المسيحي زويمر للأحساء والقطيف عام 1893، مجرّد اطلالة خاطفة على مناطق شرق الجزيرة العربية، تحسب بالأيام وليس بالأسابيع أو الأشهر، ولكنّ مدوناته اكتسبت بعض الأهميّة لدارسي هذه المناطق التي تتميّز بقلّة المعلومات المتوافرة عنها.

لم تكن زيارة زويمر كافية للتعرّف على المنطقة وأهلها، وكانت لديه مواقف مسبقة يمكن ملاحظتها بسهولة بالنسبة للقاريء العادي، خاصة فيما يتعلّق بالموقف من الدولة العثمانية ونفوذها في شرق الجزيرة العربية، فجاءت كتاباته متحاملة باعتبار المنافسة الإسلامية العثمانية للنفوذ الغربي/ المسيحي في هذه المناطق.

وبحكم خلفيته المسيحية التبشيرية وممارسته العمليّة لدوره كشخصية مسؤولة عن التبشير في الشرق، فقد جاء موقف صموئيل زويمر من الدين الإسلامي أو من المذاهب الإسلامية منساقاً مع قناعاته الدينية المسيحية التبشيرية.

الخلفية الدينية المسيحية، والخلفية السياسية الإستعمارية ألقت بظلالها على مجمل فصول الكتاب، وبينها الفصل المتعلّق بالأحساء والقطيف.

أيضاً يلاحظ وقوع الكاتب في التعميم في كثير من المواقع، وكأن ذلك جاء تغطية على نقص المعلومات، الأمر الذي جعل الكتاب ـ على الأقل فيما يتعلق بالأحساء ـ يبدو كتسجيل لمذكرات (عابر سبيل) يعتمد على بعض الخلفية الثقافية فيما يكتب، مع ان الكتاب اكتسب أهمية خاصة عند البعض، إذ اعتمد كأساس أولى لفهم مناطق الجزيرة العربية المستهدفة من التبشير. تجدر الإشارة الى أن زويمر رأس تحرير مجلة (مسلم وورلد/ العالم الإسلامي) التي كانت تصدر في الولايات المتحدة، ويحررها هو والمبشرون الآخرون. وقد استهدفت فيما يبدو إعطاء صورة عن العمل التبشيري في المنطقة العربية، وكذلك عن المسلمين وبلادهم، وهي في مجملها صورة فاقعة في تحاملها.

 فيما يلي النص:

فيما وراء البحرين تمتد اليابسة شاسعة باتجاه الغرب لمسافة تزيد على ثمانمائة ميل عبر مقاطعة الأحساء ثم نجد فالحجاز، الى أن تلتقي بالبحر الأحمر. وكما أن جدّة هي الميناء الغربي (البوابة الغربية) فإن البحرين هي الميناء الشرقي لكل شبه الجزيرة العربية. وهي البوابة المؤدية الى الداخل، وعتبتها الأحساء. إن أنتَ رسمتَ خطاً مستقيماً من المنامة الى القطيف، ثم تابعت الى الهفوف (أو الأحساء) ثم عدتَ الى الوراء، الى المنامة، فإن المثلث الذي يرتسم نتيجة ذلك سيتضمّن كلّ بلدة مهمّة أو قرية من قرى شرق شبه الجزيرة العربية.

الى الشمال من ذلك المثلث على الساحل، تمتد منطقة موحشة جرداء قاحلة قليلة السكان، هي منطقة سكن بني هاجر، والى الجنوب منه تتشعّب شبه جزيرة قطر، بينما تترامى الى الغرب منها صحراء رملية يستغرق اجتيازها سيراً على الأقدام خمسة أيام كاملة وصولاً الى الرياض، وبلاد الوهابيين القديمة. المنطقة المعلّمة بهذه الحدود هي في الواقع الأحساء بأكملها، مع أن ذلك الإسم على الخرائط إنما يوصف به الساحل كلّه حتى البصرة، ولكن لا سلطة الحكومة التركية، ولا أهمية كلمة: الأحساء ـ وتعني الأرض المنخفضة الرطبة، السبخة ـ تمتدان لتشملا أي شيء خارج المثلث(1).

الطريق المعتادة من البحرين الى داخل الأحساء يجتازها السكان الى العقير أولاً بواسطة القوارب، ومن هناك يسافرون عبر القوافل الى الهفوف. في شهر أكتوبر من عام 1893 سافرتُ عبر هذه الطريق، عائداً من العاصمة الى القطيف ومن هناك عدتُ الى المنامة.

ميناء العقير
 

صعدنا الى السفينة عند مغيب الشمس، ونزلنا الى برّ العقير قبل فجر اليوم التالي، وتابعتُ طريقي الى مركز جمارك تركي حيث حمل اليّ رسالة وديّة من تاجر بحريني. ومع أنه لا يوجد سوق في العقير ولا حتى سكان مقيمون، فإن فيها قلعة مبنيّة من الطين، وسارية علم قصيرة، ومركز جمارك يوحي بالرهبة.

 أما ميناء العقير، فرغم أنه غير عميق، لكنه محمي ضد رياح الشمال والجنوب، وهو بالتالي مرسىً جيد لإنزال الكميات الهائلة من الأرز والبضائع الأخرى التي يجري شحنها من البحرين الى الداخل، حيث تغادر العقير قافلة اسبوعية مؤلفة من 200 الى 300 جمل. ذلك رغم أن منطقة جبل شمّر، ربما يجري تزويدها بالبضائع عبر اليابسة من البصرة وبغداد، فإن نجد الجنوبية بأكملها تتموّن بالبضائع والقهوة والأرز والسكر ومنتجات بيرمنجهام (المدينة البريطانية) عبر طريق البحرين ـ العقير.

كان السهل المحيط بمركز الجمارك مليئاً كلّه بالبالات(2) والصناديق، والجو عابقاً بضجيح تحميل سبعمائة جمل. عقدتُ صفقةً مع صالح، وهو نجدي، أسافر بموجبها معه.

الطريق الى الهفوف
 

وهكذا انطلقنا قبيل صلاة الظهر، لنجد الأرض وعلى مدى ساعات طويلة من السفر.. صحراء قاحلة جرداء، باستثناء جرف رملي هنا، وحافة من الكلس المخضرّ هناك تزين قحل الصحراء. وحين حلّ الليل افترشنا بطانيّة فوق الرمال النظيفة ونمنا في العراء. أما الذين نسوا ملء قربهم الجلدية بالماء عند الإنطلاق، فراحوا يطفؤون عطشهم بماء بئر حفرت بأيديهم لم يزد عمقها عن ثلاثة أو أربعة أقدام حتى وجدوا الماء.

خلال النهار، كانت الشمس محرقة، خصوصاً بعد أن تلاشت نسمات الليل، أما خلال الليل وتحت النجوم المتلألئة، ومع رياح الشمال، فقد بدا الجوّ بالمقارنة قارس البرد شديده. وفي ظهر اليوم التالي، التقت أبصارنا بغابات النخيل التي تطوّق الهفوف فتعطيها، كما يقول بلغريف: (سمات العقيق اليماني الأبيض والأصفر المصفف على عقد من الزمرد). ولأننا لم نصل (عقد الزمرد) حتى العصر، فقد قرّرتُ البقاء في (الجفر) وهي واحدة من القرى العديدة القائمة في ضواحي الهفوف.

كان لصالح في الجفر أصدقاء قدّموا لنا وجبة غذاء شهيّة من الخبز والزبدة والحليب والتمر، وكلّها طازجة لذيذة، وكانت تلك المناسبة إحدى مظاهر الكرم العديدة. وعند المغيب انطلقنا باتجاه القرية التالية، وهي قرية (المنيزلة) التي تبعد قرابة الثلاثة أميال كلّها مغطّاة بالبساتين والحدائق وجداول المياه الدافئة المتدفقة.

أرض الجداول والحدائق
 

في صبيحة اليوم التالي انطلقنا مبكّرين عبر البساتين ورياض النخيل التي غشاها ضباب الصباح فلا تكاد تراها، وفي الساعة السابعة صباحاً انتصبتْ أمامنا فجأة مساجد الهفوف وأسوارها بعد أن رفعت أشعة الشمس الغلالة عن وجهها. لقد كان منظراً ساحراً حقاً.

الهفوف بلدة عريقة موغلة في القدم. كان أسمها هجر وكانت قريبة من المبرز ذات القلاع والحصون، وعاصمة بني كندة وعبد القيس (570 م). كلتا البلدتين، بل كل قرية من قرى الأحساء، مدينة بوجودها لمصادر المياه الجوفيّة، التي تعدّ الميزة الرئيسية للمنطقة: فأيّ مكان قصدتَ تجد هذه النعمة الإلهية العظيمة تتدفّق معطاءةً سخيّة. إنها أرض الجداول والينابيع، تتدفّق من آبار تكاد تتفجّر من أعماق ووسط البحر المالح، كما هي الحال في البحرين، وتفيض متدفقة حيث لا يدري أحد، ولا يبحث عنها محتاجوها، تحت رمال العقير وصحرائها الجافّة القاحلة، ثم تتفجّر على شكل ينابيع دائمة أبديّة، كما هي الحال في القطيف. أو تتفجّر على شكل ينابيع سبعة ساخنة دافئة تتدفّق لتبارك الحقول الشاسعة من الأرز والقمح المحيطة بالمبرز.

المنطقة بأسرها غنيّة بالأرض الزراعية، ومع ذلك فأكثر من نصف مساحتها صحراء جرداء. ليس هناك من يفلح الأرض، ولهذا فالفردوس يمتدّ يباباً، باستثناء المناطق القريبة من القرى(3). أمّا في المناطق الأخرى فإن لصوص البدو، وضرائب الأتراك هي التي تمنع حراثة الأرض وزرعها. اللصوص والضرائب هما اللعنة النازلة على الزراعة في كل منطقة من مناطق شبه الجزيرة العربية يحكمها العثمانيون(4).

تحيط بالهفوف ـ البلدة ـ البساتين والحدائق، ويعطي مخطط البلدة فكرة جيدة عن الخصائص العامّة لبلدان شبه الجزيرة العربية. فهناك الحصن، أو منزل الحاكم، وهناك البازار/ السوق والبيوت المحيطة به، ثم هناك السور الطيني المبني حول البلدة لحمايتها وما فيها. أما خندق الهفوف حول السور فجافّ هذه الأيام ونصف ممتليء ببقايا السور المتآكل.

يبلغ قطر الهفوف الأقصى ميلاً ونصف الميل تقريباً، ولكن المنازل ليست قريبة من بعضها كما هي العادة في البلدان المشرقية، فهنا نجد ميزة وجود الحدائق الجميلة داخل أسوار المنازل. أشجار النخيل هي المسيطرة على هذه الحدائق وهي الغالبة بين مزروعاتها، وتكاد توحي بالكمال الرائع. لكن أشجار النبق والبوبي papaya    والتين والرمان منتشرة هناك أيضاً، كما يزرع الأهالي النّيلة indigo    والقطن، في حين تفيض المناطق المحيطة باخضرار سندسي من حقول الأرز وقصب السكر والخضار كالبصل والفجل والفول والبرسيم والذرة وغيرها.

جميع أهل المدينة مسلمون باستثناء مسيحي كاثوليكي روماني واحد، هو الطبيب التركي، ونصف دزينة من اليهود. الأوروبيون الثلاثة الذين زاروا الهفوف سابقاً ووصفوها هم: الكابتن سادلير (1819)، وبلغريف (1863) والكولونيل بيلي (1865). يقدّر الأول عدد سكانها بخمسة عشر ألفاً، بينما يتحدث بلغريف عن 20 ـ 30 ألفاً. في عام 1871 حين استولت الحملة التركية على المدينة، ذكر أن فيها 15 الف منزل و200 قرية في ضواحيها، هذا كلّه يظهر مدى عدم صدقية معظم الإحصاءات المتعلقة بشبه جزيرة العرب.

الأحساء (الهفوف) هي المحطة الأولى على طريق القوافل الواصلة ما بين شرق الجزيرة العربية وبين مكة وجدّة. الشيخ العربي عبد الرحمن بن سلامة (سلمان؟)(5) رئيس حي الرفعة في الهفوف والخاضع للحاكم التركي قدّم لي المعلومات التالية بخصوص هذه الطريق: تستغرق الرحلة من الأحساء الى الرياض ستة أيام على ظهور الجمال، ومن الرياض الى جبل شمّر تسعة أيام، ومنه الى وادي الدواسر سبعة أيام، وتستغرق الرحلة من الرياض الى مكة ثمانية عشر يوماً. هذا يعني أن اجتياز شبه الجزيرة العربية يستغرق ثمانية وعشرين يوماً، باستثناء فترات التوقّف أثناء الرحلة، وبمعدّل سير القوافل، أي بسرعة ثلاثة أميال في الساعة.

سوق القيصرية
 

أمّا القيصرية، أو بازار الهفوف(6) ، ففيه مخزون جيّد من جميع احتياجات وضروريات بل وكماليات الشرق: فيه الأسلحة والأقمشة والذهب والمزركشات المذهّبة والتمور والخضروات والأسماك المجففة والأخشاب والجراد المملّح، والفواكه والصنادل (الأحذية) والتبغ والأواني النحاسية والبضائع، ويختلط في السوق الحابل بالنابل منها دونما نظام أو ترتيب. وتُقام المزادات العلنية الكثيرة في ساحة البلدة أو في السهل المنبسط خارج أسوارها. وهنا أيضاً يعرض الحلاقون بضاعتهم ويمارسون حرفتهم، ويضرب الحدّادون على سنداناتهم تحت ظل كوخ نخلي. وفي حي الرفعة بالهفوف تجد أفضل المنازل، وفي حي النعاثل أكثرها، أما الطرف الشرقي للهفوف فمخصص للأثرياء، في حين يضم الطرف الغربي الفقراء، كما يليق بأرض المتناقضات المحيّرة(7).

وتشتهر الأحساء بنوعين من الصناعات:  تطريز العباءات بالخيوط الذهبيّة والملونة المحبوكة بعناية فائقة وبرسوم بالغة الأناقة، تجعلها أبهى وأغلى الثياب في كلّ جزيرة العرب. ثم دلال القهوة النحاسية ذات الأشكال الغريبة والمنظر الجميل. وتصدّر هذه الدلال والعباءات الى جميع مناطق شرق الجزيرة العربية، حتى أنها تصل الى البصرة ومسقط.

كانت التجارة مزدهرة في هذه الأرض سهلة الحرث والزرع والغنيّة بالتربة الخصبة، وقد اغتنى تجارها في قديم الزمان، ولكن الحروب الأهليّة والداخليّة، والتعصّب ...، والتراخي والكسل والإهمال التركي، والإبتزاز وفرض الضرائب الباهظة تضافرت جميعها لتحرم المنطقة من ازدهارها، وهكذا فإن عاصمة الأحساء الان ليست كما كانت عليه في قديم الزمان، يوم كان القرامطة يحكمون البلدة.

العملة: الطويلة
 

ولكن تبقى بقيّة واحدة من مجدها الغابر: تلك هي العملة الفريدة والمصكوكة محليّاً وكليّة والمعروفة باسم (الطويلة). تتألف الطويلة من قضيب نحاسي صغير ممزوج مع كميّة قليلة من الفضّة، وطوله بوصة واحدة، والقضيب ينقسم عند إحدى نهايتيه حيث تتشكّل زاوية مفتوحة قليلاً. وعلى طول جانبها أو جانبيها المبسطين رُسمت بعض الحروف الكوفيّة تكاد تكون غير مقروءة في معظم النماذج التي رأيتها، ولكن يقال إن ما كتب عليها هو: (محمد آل سعود)(8). وليس على الطويلة شعار ولا تاريخ، ولكن مما لا شك فيه أن صانعها كان أحد أمراء القرامطة في عام 920 ميلادية. هذا المذهب ـ القرمطيّة ـ يعود بأصوله الى متحمّس متعصّب ولد في الكوفة، ويدعى قرمط، وكان له أتباع لأول مرة عام 277 للهجرة، وقد ادعى لنفسه ألقاباً عالية مثل: المهدي، والمرشد والكلمة والروح القدس والمبشر بالمسيح، الخ. ولم يخضع تفسيره للقرآن لأيّ قيود فيما يتعلّق بالوضوء والصوم والحج، وزاد عدد الصلوات الى خمسين صلاة يومياً، وكان له إثنا عشر تلميذا من البدو يتـنقلون بينهم لنشر دعوته. ولقد نما مذهبه وانتشر بسرعة كبيرة وصار باستطاعته تجنيد 10700 مقاتل متعصّب. ونهب هو ورجاله الكوفة والبصرة ثم استولى على بغداد(؟). وفي عام 929م اكتسح أبو طاهر مدينة مكة المقدسة وانتزع القرامطة الحجر الأسود ونقلوه الى القطيف رمزاً لانتصارهم.

وقد بقي مركز قوة القرامطة الرئيسي في الأحساء لسنوات عديدة، وهنا صكّت عملتهم، وهي الأثر الوحيد المتبقي من سلطتهم ونفوذهم وتعصّبهم. وفي حين ينظر الناس هنا ـ في الأحساء ـ الى العقيدة القرمطية بكثير من الكراهية والبغض، فإن قضبانهم النحاسيّة الصغيرة ماتزال تشتري الأرز والتمور وتلتصق بأيدي الصرّافين ـ مبدّلي العملة ـ في سوق البازار.

في غابر الأزمان كانت هناك نقود ذهبيّة وفضيّة ذات أشكال مشابهة (لنقود القرامطة!). بعض النقود الفضيّة يمكن رؤيته حتى الان أحياناً، وقد نُقش عليه بالعربية شعار: (العزّة للرجل اليقظ، والعار للطمّاع؟). حين كنتُ في الهفوف كانت القطعة الواحدة من تلك النقود: الطويلة، وهي القضيب النحاسي الغريب ذي الذيلين، تساوي نصف (آنة)، وكان عليها أن تدافع بقوة عن حقّها في الوجود في السوق في وجه الروبيّة والعملة الورقيّة الهنديّة، ودولارات ماريا تيريزا، والنقود النحاسية التركية. ولكن كم سيكون ويبدو البازار مختلفاً لو أن شبح أحد المحاربين القرامطة من الجيل الذي عاش هناك في القرن التاسع الميلادي والذي استخدم (الطويلة) في معاملاته، عاد الى الظهور الان؟. حتى الوهابيين اختفوا من هنا: والتبغ والتنباك والحرير والموسيقى والخمرة لم تعد من الخطايا المميتة (؟؟). كما أن العديد من هؤلاء المتطهرة (المغالين) المسلمين غادروا المنطقة الى الرياض، والقلّة الباقية يشدّون لحاهم الطويلة البيضاء هلعاً من (الأفنديّة) الأتراك الذين يتجوّلون بسراويلهم الكافرة وهم يدخنون اللفائف، بينما أهل البلاد يتحسّرون على الأيام الذهبيّة، أيّام المصلح العربي(9).

الصحّة
 

توجد مستشفى عسكريّة في الهفوف وتضمّ جرّاحاً وطبيباً، ولكنني لحظتُ انعدام كل أنواع الأدوية فيها يوم زيارتي لها، وكانت تعاني من نقص هائل في النظافة والعناية الصحيّة. قليلون جداً هم الجنود الذين يذهبون الى المعالجة في تلك المستشفى، بل يفضلون الفرار أو التغيّب المصرح به في أمكنة أخرى، ولا تقدّم المستشفى أيّ خدمة للسكان العرب، فقبل قدومي الى هنا، كانت الكوليرا مستفحلة تقضي على الناس هنا وفي الساحل، وأثناء زيارتي القصيرة، كان الجدري قد اتخذ ابعاداً وبائية وقضى على العديد من الأطفال الصغار، ومثل هذه الأمراض يتضاعف أذاها في أرض تنظر المغالاة والتعصّب الديني العملي فيها نظرة احتقار واستخفاف لكلّ اجراء وقائي ولكل دواء، كلّ ذلك يجري تحت ستار وحجّة الورع والتقى الديني(10).

حكومة الأحساء التركية
 

أما حكومة مقاطعة الحسا فهي كالتالي: السنجق (الكلمة التركية للتقسيم الإداري) مقسّم الى ثلاثة أقضية (جمع قضاء) هي: نجد(11) (الصحيح الأحساء) وقطر والقطيف، وتتمركز حامية عسكرية صغيرة في كل من هذه الأقضية: فهناك 600 رجل في الهفوف، و300 في قطر والقطيف. ويقيم الحاكم الذي يدعى المتصرف باشا في العاصمة / كوت الهفوف، أما القائمقامون أو مساعدو الحاكم.. فيقيمون في البلدات الرئيسية الأخرى. كما تعقد المجالس التركية المعهودة من وقت لاخر، ولكل قبيلة عربية ممثلها أو وسيطها الذي يعنى بأمورها لدى الحاكم. أمّا القبائل الرئيسية التي تعترف حالياً بالإحتلال التركي وتخضع لحكمهم فهي: العجمان والمرّة وبنو هاجر وبنو خالد، وبنو حسام (حسان) والمطير وحرب والجعافر(12).

التعليم
 

من جهة اخرى افتتحت الحكومة التركية ثلاث مدارس في المنطقة، وطبقاً للتقرير التركي الرسمي، فإنّ مجموع عدد التلاميذ هو 3540 تلميذاً، إلاّ أن التقرير ذاته يقول بأنّ العدد الإجمالي للسكان ـ سكان المنطقة بأكملها ـ هو ربع مليون نسمة. إن هذا يعطي فكرة واضحة عن مدى تخلّف التعليم حتى في هذه المنطقة المتميّزة بحبّها للتعلّم من الكتب منذ القدم(13). فالجامع الكبير بأقواسه الأربعة والعشرين وردهاته المطلية الناعمة، وأرضه المغطاة بالسجاد، يغصّ دائماً بالشباب اللاهي، حيث يأتي هؤلاء لتعلّم أسرار وخفايا قواعد اللغة العربية، ومباديء التراث الإسلامي، غير أن أيام الشعر وكتابة التعليقات والشروحات على الايات القرآنية قد ولّت ورحلت وصارت من ذكريات الماضي، فحتى التجار الوهابيين يروون الحكايا عن بومباي ويسعدون إذ تصل أيديهم الى كتاب يعطي مباديء الإنجليزيّة أو أطلس للعالم الجديد الذي بدأ يطرق أبوابهم طالباً الإذن بالدخول(14) .

الطريق الى القطيف
 

بعد أربعة أيام أمضيتها في المدينة (الهفوف)، انتهزتُ عرضاً بالعودة الى الشمال مع إحدى القوافل، إلاّ أنّه لم يُسمح لي بالذهاب إلاّ بعد أن وقّعت ورقة رفع كلّ مسؤولية عن الحكومة (المحليّة التركية) في حال فقدي لحياتي أو لأحد أعضاء جسمي أو لأمتعتي، وقد اتخذ الإجراء بسبب انعدام الأمن على الطريق، ولازلت أحتفظُ بنسخة من تلك الوثيقة، ولكن العدو الوحيد الذي واجهته في الصحراء كان: الحمّــى. ظهر يوم الثلاثاء انطلقت جماعتنا الصغيرة متجنّبة دخول بلدة المبرز الكبيرة والتي كنتُ آمل بدخولها، بل حوّلنا اتجاهنا صوب الشرق، فوصلنا (الكلابية) في الثانية بعد الظهر.

لقد مررنا بينابيع وجداول وحقول الأرز ومستنقعات وسبخات، كان كلّ شيء رأيناه مخالفاً جداً لكلّ ما قرأناه في كتب الجغرافية المدرسية عن شبه جزيرة العرب، إلاّ أننا وجدنا أنفسنا، بعد أربع ساعات من السفر، مرة أخرى وسط الصحراء حيث الشمس أشدّ لهيباً مما كنتُ أستطيعُ تحمّله، فأصابتني حمّـى لم تتركني إلاّ بعد أن عدتُ الى البحرين.

استمرت الطريق صحراوية حتى القطيف، ويوم الأربعاء انطلقنا فوق الجمال وتحت ضوء النجوم طوال الليل ـ خوفاً من لصوص ثبتَ أنّهم وهميّون ـ واستمرينا في الرحيل حتى الساعة التاسعة من صبيحة اليوم التالي، استرحنا بعدها في مكان يدعى ويا للسخرية المريرة: (أم الحمام)، فهو مكان لا حمامات فيه ولا شجر ولا عشب ولا ما هو أخضر: لم يكن سوى حفرة غير عميقة فيها مياه قذرة ومجموعة من أشجار النخيل(15) . أمضينا هناك يوماً قائظاً، وفي صبيحة يوم الجمعة وصلنا حدود القطيف، وصلنا غابات النخيل، وصلنا الى الابار وقنوات الريّ ذات الأبراج الغريـبة وفتحات الهواء الموزّعة على امتدادها بانتظام. وأخيراً وصلنا الى البحر عبر البساتين والحدائق ومروراً بأسوار القلعة المربّعة، ولقد شعرتُ بالراحة ووجدتُ المرطبات حين وصلنا مركز الجمارك.

لا تتمتّع القطيف بسمعة حسنة لدى بدو الأحساء، فموقعها منخفض مستنقعي، ومعظم سكانها ضعاف البنية، ذوو سحنات شاحبة كلون الصفصاف، ومعاناتهم من الملاريا أبديّة. أمّا البلدة نفسها فسيّئة البناء، قذرة جداً، رطبة سيئة المناخ. ومع ذلك فسكانها كُثُر، وتجارتها نشيطة. معظم السكان شيعة من أصول فارسية(16) ، والوهابيون يمقتونهم الى حدّ الكراهية العمياء، وكذلك الأتراك، فكلاهما ينظران الى أهل القطيف باعتبارهم أفضل من الكفار بقليل.

الموقع الحالي للقطيف يتطابق جغرافياً مع موقع المستوطنة القديمة المسماة بـ (الجرهاء) وهو الإسم الذي أطلقه عليها الجغرافيون اليونان الأقدمون، ولكن لم تجر أيّة محاولة أبداً لاكتشاف آثارها القديمة. هناك حصن برتغالي، هو البرهان الوحيد على احتلال البرتغاليين لهذا الساحل أيضاً خلال فترة سيطرتهم على منطقة الخليج، وقد استولى الأتراك على القطيف عام 1871 وهم يحتلونها ويسيطرون عليها منذ ذلك التاريخ.

لا وجود لأيّة مستوطنة كبيرة على الساحل العربي شمال القطيف حتى الكويت. فهذه المنطقة من الساحل جرداء قاحلة، وهي تحت سيطرة قبيلة بني هاجر العاشقة للسلب والنهب والقتال، إنّها منطقة لا تستهوي عيناً، ولا تـنبتُ زرعاً ولا ضرعاً.
 


--------------------------------------------------------------------------------

:الهوامش
 

(*) الفصل 11 من كتاب : جزيرة العرب مهد الإسلام

Arabia : The Cardle Of  Islam, New York, 1900, S. M. Zwemer

(1) لا تعني الأحساء الأرض السبخة، وإنما وفيرة المياه، والأحساء جمع حسي وهو الماء الذي تنشفه (تمتصه) الأرض الى أن تحجزه صلابة فيحفر لاستخراجه.

(2) كيس معبّأ يساوي وزنه ستة أمنان قطيفية، أي نحو 96 كيلو غرام.

(3) إن مساحة الأراضي المزروعة كبيرة بالقياس الى عدد السكان الحضر الذين يتعاطون مع الزراعة، وليس بالقياس الى صلاحية الأرض، وكميات المياه المتوفرة. مع هذا كان هناك على الدوام توسّع في الزراعة في المنطقة، على سبيل المثال: أفاد تقرير بريطاني بأن تعداداً للنخيل جرى في القطيف عام 1903، أظهر زيادة مائة ألف نخلة. وأضاف التقرير بأن ذلك يعني زيادة العائدات للعثمانيين بمقدار 1500 ليرة تركية فقط، باعتبار أن نسبة الضريبة 1.5% من الليرة على كل نخلة. ومن هنا فإن الحقيقة التاريخية تفيد بأن مشكلة الأحساء والقطيف، ولقرون طويلة، كانت تكمن في اختلال الأمن، وكان لذلك آثاره الإقتصادية شديدة السوء، ولم تنعم المنطقة بأمن متواصل إلا في فترات نادرة، في ظل سلطة مركزية قوية. وانتهى الخطر بتأسيس السلطة المركزية على يد الملك عبد العزيز حين سيطر على الأحساء عام 1913.

(4) في الفترة التي يتحدث فيها زويمر ، كانت الضرائب العثمانية جدّ قليلة بل هي تافهة، فهي لا تزيد عن واحد بالمائة للتصدير من المنطقة، ولكن مع اخذ نسبة 11 بالمائة أخرى كضمان على أن لا تصل البضاعة الى فارس، ويمكن استرجاع هذه النسبة بعد أن تصدق أوراق التصدير لدى السلطات العثمانية في الموانيء، كما في الهند، وقد اُلغيت نسبة 11 بالمائة هذه من الناحية الرسمية عام 1903، بعد أن وقعت فارس مع تركيا على اتفاقية حول التبادل التجاري، سمحت بموجبه التصدير الى فارس، دون ضرائب إضافية.

أيضاً فإن الضرائب المقررة على النخيل قليلة، والمشكلة لم تكن في حقيقتها تكمن في الضرائب، ولكن في اختلال الأمن، وهما مسألتان مترابطتان، فقد تكون الضريبة التافهة كبيرة إذا ما تقطّعت السبل بالمواطنين ولم يستطيعوا تصدير منتجاتهم.

(5) هو عبد الرحمن بن سلمان، وكان على صلة قويّة بالملك عبد العزيز، قبل استيلائه على الأحساء، ورغم أنه ـ عبد الرحمن ـ كما تشير وثائق بريطانية احتل مكانة لدى السلطات العثمانية المحليّة، وقد أوكل له المتصرف في الأحساء في أغسطس من العام 1895 أن يقوم بإيصال رسالة الى المعتمد السياسي البريطاني في البحرين. وقد زار عبد الرحمن بن سلمان المعتمدية البريطانية في البحرين عام 1903، ولكن هذه المرة لغرض آخر: فقد قال للمتعمد (هناك رغبة قوية في الإنفصال عن الحكم التركي، والعرب الآن مسلحون جيداً وبأسلحة حديثة ويستشعرون قوتهم، وما عادوا يخافون الأتراك). وأضاف: (حين يقضي آل سعود على آل الرشيد، فسيحاولون بالطبع استعادة الأحساء من الترك، وسينجحون في ذلك إذا استمرت الظروف الحالية). وتابع: (ان الأتراك تمكنوا من الإستيلاء على الأحساء بتعاونهم مع رؤساء الكويت وعرب المنتفق، ولكن الأوضاع تغيرت الآن). وسأل عبد الرحمن المعتمد المساعد (جاسكن) عما إذا كان من الممكن الإعتماد على الحماية البريطانية في حال القيام بالثورة، ولكن جاسكن لم يكن حسب رسالة مؤرخة في السابع من نوفمبر 1903 الى رؤسائه متأكداً من قوة الطرف المقابل للعثمانيين، لذا قال (ليس من سياسة الحكومة البريطانية التآمر مع رعايا حكومة صديقة). وقالت مجلة الدارة (عدد مارس 1986) التي تصدرها دارة الملك عبد العزيز، في بحث بعنوان (علاقة بريطانيا بالملك عبد العزيز 1902 ـ 1925 ) بقلم الأمير الدكتور تركي بن محمد بن سعود الكبير، بأن عبد الرحمن سلمان كان يقوم بهمّة كلفه بها الملك عبد العزيز بهدف (جسّ نبض البريطانيين حول التفكير في إعادة الأحساء ومدى تقبلهم لتلك الفكرة ومقدار المساعدة التي يمكنهم تقديمها) وقد أبدت حكومة الهند البريطانية اهتماماً بتلك الخطوة وأوصت بمساندة الأمير عبد العزيز إلا أن حكومة لندن كانت ترى بأن مصالح بريطانيا لا تتعدى الخليج وسواحله.

(6) لا يزال السوق في مكانه ويعرف بنفس الأسم: القيصرية.

(7) استخدم الكاتب تعبير EAST END,  WEST END    سيراً على قاعدة التقسيم في العديد من مدن الدول الغربية الأساسية كلندن، حيث يقطن الأغنياء غرب المدينة، والفقراء شرقها. ولذا يتحدث زويمر عن (التناقض المحيّر) في التقسيم الطبقي الجغرافي في الهفوف، لأن وضعها هناك عكس ما هو عليه الوضع في المدن الغربية.

(8) من المؤكد ان المقصود ليس الأمير محمد بن فيصل بن تركي آل سعود.

(9) أيّ مصلح، وأي عربي؟!.. وبالنسبة للتبغ والتنباك، فإن تحريم استخدامه لم يكن سائداً في منطقة الأحساء والقطيف. أما الموسيقى، فلم تكن معروفة، اللهم إلا أن يكون عليّة القوم قد جلبوا بعض آلاتها، أو تكون دخلت مع المسؤولين الاتراك. اما الخمرة، فمن المؤكد أن تعاطيها لم يكن علناً، وبلا شك أنه كان محدوداً أيضاً في طبقة الأغنياء والملتصقين بالاتراك، أما الغالبية من السكان فلم تكن تنظر الى الموسيقى أو الخمرة، نظرة حليّة، بل لم تكن تعرفها مطلقاً. وإن حديث زويمر هنا يوحي بالتساهل، وكأنه يريد القول بأن الوضع مهيّء لكل شيء، مع أنه لاحظ أن الخدمة الطبية التي تأتي على يد مسيحي غير مقبولة بالمرة! وهو موضوع اخف بكثير من موضوع الخمرة وربما الموسيقى!

(10) غني عن القول أن الخدمات الصحيّة لم تكن متوفرة مجاناً في معظم أو كل البلدان العربية، وكانت الأوبئة تفتك بالجمهور خاصة تلك القادمة من الهند، كالطاعون والكوليرا. والأحساء شأنها شأن غيرها من البلدان الواقعة تحت النفوذ العثماني لم تنعم بمستشفى صالحة ومجانية. أما في بلدان الخليج الأخرى كالبحرين والكويت الخاضعتان وقت كتابة زويمر لكتابه للنفوذ البريطاني، فالأقرب أنهما لم تنعما بالخدمات الصحية أيضاً، وقد وفرت الإرسالية الأميركية التي كان زعيمها الحقيقي زويمر مستشفى في عام 1902 في البحرين، يقدم الخدمات الطبية المترافقة مع التبشير للناس، وقد أقبل الناس على التطبيب بشكل ضئيل، ورفضوا التبشير مطلقاً. وكما كانت الكوليرا والطاعون والجدري والإنفلونزا تفتك بجمهور القطيف والأحساء، كذلك كانت البحرين ومسقط ومشيخات الساحل المتصالح، الواقعة تحت الحماية البريطانية، بل كانت في كثير من الأحيان أشدّ معاناة نظراً لالتصاقها بمصدر الأوبئة.

(11) الصحيح: قضاء الأحساء، وليس قضاء نجد، لأن نجداً لم تكن قضاءً، وكانت كل المقاطعة تسمّى سنجق نجد، ربما كانت الحملة التركية عام 1871 تستهدف احتلال وسط الجزيرة العربية إضافة الى شرقها، فسمّت السنجق: بسنجق نجد، ولكنّها عدلت فيما بعد عن احتلال الإقليم الأوسط، لأسباب سياسية واقتصادية وعسكرية.

(12)  تسكن قبيلة حرب في غرب المملكة، في الحجاز، وليس في شرق المملكة. وواضح أن زويمر أفاد بأن كل القبائل كانت خاضعة للأتراك، خاصة القبائل المهمّة، كالعجمان ومطير وبني هاجر وغيرها، ولكن ينبغي الإلتفات الى حقيقة أن الولاء للسلطة العثمانية لم يكن يعني منع التعديات على السكان، خاصة أثناء ضعف الدولة وسلطانها، فالولاء كان مشروطاً بما تتمتع به الحكومة الملحلية من قوة عسكرية، وكذلك كان مرهوناً بما تبذله تلك الحكومة من مال وعطاء لرؤساء القبائل نظير هدوئهم ومنع تعدياتهم على المارة وقطع السبل وتهديد حبل الأمن، وكأن تلك الأعطيات مجرد رشوة للقبائل أو خوّة تفرضها الأخيرة على الحضر والسلطة المركزية.

(13) لقد سبق التعليم ـ إن صحّت معلومات زويمر ـ في الأحساء وعلى يد الأتراك كل المناطق الخليجية بما فيها البحرين، التي لم يدخلها التعليم إلا بعد 25 سنة على الأقل من وصوله الى الأحساء. كما أن عدد المتعلمين ليس قليلاً بالمرّة، بل هو في حقيقة الأمر عدد ضخم، قياساً بعدد السكان آنئذ، وقياساً لمسائل أخرى.

(14) من الواضح أن النفس الذي كتب به زويمر ما كتب قد أعطت الإنطباعات الخاطئة لدى زملائه وغيرهم من المتحمسين للتبشير، وقد أشارت بعض المصادر الى أن ملاحظات زويمر، من نوع هذه الملاحظات، قد أعطتهم تصورات خاطئة عن إمكانية نشر المسيحية في الجزيرة العربية، مهد الإسلام. وها قد مرّ قرن كامل على ما كتبه القس زويمر، ترى كم كان بعيداً عن الحقيقة؟!

(15) من الواضح أن المقصود ليس قرية أم الحمام المعروفة، فيومها لم تكن تسمّى بـ (أم الحمام) وإنما (أم الخمام) ومن جهة ثانية فهو يتحدث عن مكان لا يتمتع بمواصفات قرية، وإنما بئر ماء وأشجار. وليس هناك من إسم، كما يبدو يطلق عليه أم الحمام، إلا أن يكون إسماً لمنطقة ليست ذات أهميّة.

(16) ليس لأيٍ من الشيعة في المملكة أصول فارسية، فلم تكن هناك هجرات فارسية الى هذه المنطقة مطلقاً عبر التاريخ، ولكن هناك هجرات معاكسة الى ضفّة الخليج الشرقية، وإن القول بأن الشيعة من اصول فارسية لا يدلّ إلا على جهل القائل، وعدم معرفته بالأنساب. ويبدو أن التساهل في ترديد مثل هذه المقولة يعود الى الموضوع المذهبي، إذ يتصوّر الكثيرون أن الشيعة في غير فارس (ايران) جاء بتأثيرات فارسية انتقلت مع السكان والهجرات أو بتأثيرات أخرى. والصحيح عكس هذا، فإيران كانت سنيّة قبل أن يفرض الصفوين التشيّع فرضاً في القرن السادس عشر الميلادي، في حين ان منطقة الأحساء كانت شيعية منذ القرن الأول الهجري.

239428