قصص تحولت إلى أمثال
خلف أحمد محمود أبو زيد * - 8 / 2 / 2011م - 2:59 م - العدد (56)

الأمثال هي حكمة الشعوب، ومرآة الأمم التي تعكس أحاسيس الناس على مختلِف مستوياتهم، وهي المتنفَّس الوحيد لمشاكلهم، المعبر عن همومهم.

كما أن الأمثال حصيلة تجارب متعاقبة ضمَّنها الإنسان معاناته وفلسفته في الحياة يقول الماوردي في «أدب الدنيا والدين»: (وللأمثال من الكلام موقع في الأسماع، وتأثير في القلوب، لا يكاد الكلام المرسل يبلغ مبلغها، ولا يؤثر تأثيرها؛ لأن المعاني فيها لائحة، والشواهد بها واضحة؛ فلذلك ضرب الله الأمثال في كتابه العزيز، وجعلها من دلائل رسله)[1] .

ويقول ابن عبد ربه عنها: «إنها وشي الكلام، وجوهر اللفظ في كل زمان، وعلي كل لسان، فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة)[2] ، كما يصف إبراهيم النظام المثل بقوله: «يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام؛ إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، وهو نهاية البلاغة»[3] .

وبدايةً؛ قبل أن نتعرف على بعض القصص والحكايات التي أصبحت أمثالاً مشهورة في تراثنا العربي نؤكد على حقيقة هامة هي: (أن الأمة العربية قد عرفت القصص منذ أن حققت وجودها بالكلمة والخبر، وليس صحيحاً ما استقر في أذهان البعض من أن العقلية العربية تنزع، بفطرتها، إلى التجريد، وتنأى بجانبها عن التجسيم والتشخيص)[4] .

ونتعرف، الآن، على قصص وحكايات بعض الأمثال الشعبية لنعرف أن لكل مثل قصة أدت لنشوء هذا المثل وانتشاره بين الناس عبر عصور مختلفة.

1- جزاء سنٍمَّار

ونبدأ الرحلة مع قصة المثل الشهير: جزاء سِنِمَّار، والذي يضرب عندما يبذل شخص لأخر معروفاً، أو صنيعاً جيداً، وبدلاً من أن يقابل هذا الصنيع بالجزاء الحسن نجد أن صاحبه يقابل بالنكران؛ لينال عكس ما قدم، وقصة هذا المثل تقول: إن «سِنِمَّار» هذا رجل رومي بنى «الخوزنق» الذي بظهر الكوفة للنعمان بن امرئ القيس، فلما فرغ منه ألقاه من أعلاه، فخر ميتاً، وإنما فعل ذلك لئلا يبني مثله لغيره)[5] .

وهناك قصة أخرى لهذا المثل تقول: إن سنمار هو الذي بنى أطم أحيحة ابن الجلاح، فلما فرغ منه قال له أحيحة: (لقد أحكمته، قال: (إني لأعرف فيه حجراً لونزع لتقوض من عند آخره، فسأله عن الحجر فأراه موضعه، فدفعه أحيحة من فوق الأطم، فخر ميتاً، فضربت العرب به المثل لمن يجزي بالإحسان الإساءة قال الشاعر:

جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا

جزاء سِنِمَّارٍ وما كان ذا ذنب)[6] 

2 - رجع بخفي حنين

وقصة هذا المثل تقول: (إن حنيناً كان إسكافاً من أهل الحيرة، فسأومه أعرابي بخفين فاختلفا حتى أغضبه، فأراد غيظ الأعرابي، فلما ارتحل الأعرابي أخذ حنين أحد خفيه وطرحه في الطريق، ثم ألقى الآخر في موضع آخر، فلما مر الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا الخف بخف حنين! ولو كان معه الآخر لأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأول، وقد كمن له حنين، فلما مضى الأعرابي في طلب الأول عمد حنين إلى راحلته وما عليها فذهب بها، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخفان، فقال له قومه: ماذا جئت من سفرك؟ فقال: جئتكم بخفي حنين)[7] ، فذهبت مثلاً، يضرب لمن يرجع الإنسان خائباً.

3 - في بيته يؤتى الحكم

حفل التراث العربي بالعديد من الأمثال التي تجري على ألسنة الحيوانات والطيور التي تتخذ صفات عاقلة، مفكرة، فيها جوانب العظة والاعتبار، ومنها هذا المثل الشهير: (في بيته يؤتى الحكم)، وقصة هذا المثل تقول: (قالوا إن الأرنب التقطت ثمرة فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: «يا أبا الحسل»، فقال: «سميعاً دعوت»، قالت: «أتيناك لنختصم إليك»، قال: «عادلاً حكمتما» قالت: «فأخرج إلينا»، قال: «في بيته يؤتى الحكم»، قالت: «إني وجدت ثمرة»، قال: «حلوةٌ، فكليها»، قالت: «فاختلسها الثعلب»، قال: «لنفسه بغى الخير»، قالت: «فلطمته»، قال: «بحقك أخذت»، قالت: «فلطمني»، قال: «حر انتصر»، قالت: «فاقض بينا»، قال: «قد قضيت»[8] ، فذهبت أقواله كلها أمثالاً.

4 - أذكى من إياس

وهو مثل يضرب عندما يتصف إنسان بحدة الذكاء، وصدق الحدس، وشدة الفراسة، وقصة هذا المثل هو أن إياس بن معاوية بن قرة المزني كان قاضياً شديد الذكاء تولى قضاء البصرة سنة في عهد عمر بن عبد العزيز، ومما ورد في حدة ذكائه وشدة فراسته أنه سمع نباح كلب لم يره، فقال: «هذا نباح كلب مربوط على شفير بئر»، فنظروا فكان كما قال، فقيل له: «كيف عرَفت ذلك؟»، فقال: «سمعت عند نباحه دوياًّ من مكان واحد، ثم سمعت بعده صدى يجيبه فعلمت أنه عند بئر»[9] .

ومن مواقفه، أيضاً، التي تدل على شدة فراسته أنه تقدم إلى إياس أربع نسوة، فلما قمن على إياس قال أما أن إحداكن حامل، والأخرى مرضع، والأخرى بكر، والأخرى ثيب، فنظروا إلى ذلك فوجوده كما قال، قالوا: «كيف عرَفت؟»، قال: «أما الحامل فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها، فعلمت أنها حامل، وأما المرضع فكانت تكلمني وتضرب ثديها، فعلمت أنها مرضع، وأما الثيب فكانت تكلمني وعيناها في عيني، فعلمت أنها ثيب، وأما البكر فكانت تكلمني وعيناها إلى الأرض لا ترفع طرفها، فعلمت أنها بكر»[10] ، ومما ورد أيضا عن ذكائه وفراسته أنه رأى جارية في المسجد وعلى يدها طبق مغطى بمنديل، فقال معها جراد، فكان كما قال، فسئل فقال: «رأيته خفيفاً على يدها»[11] .

وقد بلغ إياس شهرة عظيمة في شدة الذكاء، ورجاحة العقل حتى صار مضر ب الأمثال.

5 - إنما نعطي الذي أعطينا

وقصة هذا المثل أن رجلا ًكانت امرأته تلد إناثاً، فولدت له في أول مرة جارية فصبر، ثم ولدت جارية فهجرها، وتحول عنها إلى بيت قريب منها، فلما رأت منه ذلك أنشدت تقول:

ما لأبي الذلفاء لا يأتينا

وهو في البيت الذي يلينا

يغضب إن لم نلد البنينا

وإنما نعطي الذي أعطينا

فلما سمع الزوج هذا الشعر من زوجته طابت نفسه، ورجع إليها[12] ، فصار مثلاً يضرب فى الاعتذار عن الشيء الذي لا يملكه الفرد[13] .

6 - على أهلها تجني براقش

ونختم جولتنا مع هذا المثل الشهير: (على أهلها تجني براقش) والذي اختلف الرواة حوله، فورد في كتب الأمثال بصيغ متعددة رأينا أن نسردها جميعاً لتعم الفائدة والنفع، والقصة الأولى تقول: (إن براقش كانت كلبة لقوم من العرب، فأغير عليهم، فهربوا ومعهم براقش، فاتبع القوم آثارهم بنباح براقش، فهجموا عليهم فقتلوهم، قال حمزة بن بيض في ذلك

لم تكن عن جناية لحقتني

لا يساري ولا يميني رمتني

بل جناها أخ عليَّ كريم

وعلى أهلها براقش تجني[14] 

ويذكر الميداني، في مجمع الأمثال، قصة أخرى لهذا المثل تقول: إن براقش امرأة لأحد الملوك، فسافر الملك واستخلفها، وكان لهم موضع إذا فزعوا دخنوا فيه، فإذا أبصره الجند اجتمعوا، وأن جواريها عبثن ليلة فدخن، فجاء الجند، فلما اجتمعوا قال لها نصحاؤها: انك إن رددتهم ولم تستعمليهم في شيء ودخنتهم مرة أخرى لم يأتك منهم أحد، فامرتهم فبنوا بناء دون دارها فلما جاء الملك سأل عن البناء فاخبروه بالقصة، فقال: (على أهلها تجني براقش)[15] . وهناك، أيضاً، قصة ثالثة لهذا المثل تقول: إن «براقش» امرأة لقمان بن عاد، وكان لقمان من بني ضد، وكانوا لا يأكلون لحوم الإبل، فأصاب من براقش غلاماً، فنزل مع لقمان في بني أبيها، فأولموا ونحروا الجزر، فراح ابن براقش إلى أبيه بعرق من جزور فأكله لقمان، فقال: (يابني ما هذا؟ فما تعرَّقت - قط - طيِّباً مثله)، فقال الغلام: (جزور نحرها أخوالي)، فقال: (وإن لحوم الأبل في الطيب كما أرى؟)، فقالت براقش: (جمَّلْنا واجتمل)، فارسلتها مثلاً، والجميل الشحم المذاب ومعنى جملنا أي أطعمنا الجميل، واجتمل أي اطعم أنت نفسك منه، وكانت براقش أكثر قومها إبلاً، فأقبل لقمان على إبلها فأسرع فيها وفي إبل قومها، وفعل ذلك بنو أبيه لما أكلوا لحوم الجزور فقيل: (على أهلها تجني براقش)[16] ، ويضرب لمن يعمل عملاً يرجع ضرره إليه[17] .

الخاتمة

وفي النهاية نقول هذا غيض من فيض لحكايات بعض الأمثال الشعبية الشهيرة بين الناس، أردنا - من خلال عرضها - تعريف القارئ الكريم بحكاياتها، الأمر الذي يتطلب من المهتمين والدراسين لتراثنا المزيد من الدراسات والبحوث لإخراج هذه الدرر والكنوز من أصدافها، وتقديمها في ثوب قشيب يليق بعظمة وروعة تراثنا العربي.

[1]  الحكاية الشعبية القديمة، باسم عبد الحميد حمودي، مجلة القاهرة، الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد 107، 15 أغسطس 1990ص: 22.

[2]  المصدر السابق.

[3]  المصدر السابق

[4]  الحكاية الشعبية، د. عبد الحميد يونس، سلسلة المكتبة الثقافية، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1985، ص: 4.

[5]  مجمع الأمثال، أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة بيروت، د، ت جـ1/159.

[6]  المصدر السابق، ص:160.

[7]  المستقصي في أمثال العرب ،أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثانية عام 1987، جـ2/100.

[8]  المصدر السابق، جـ2/61.

[9]  الأذكياء، للأمام الحافظ أبي الفرج، عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي، تحقيق أسامة عبد الكريم الرفاعي، مكتبة الغزالي، دمشق، 1985، ص:91..

[10]  المصدر السابق ص: 90.

[11]  المصدر السابق ص90

[12]  مجمع الأمثال، مصدر سابق، الجزء الأول، ص 64، 65.

[13]  تنسب هذه القصة لأبي حمزة الضبي، وكان يمقت البنات، ولبُغْضِه لهن هجَر خَيْمةَ امرأتِه، وكان يَقِيلُ ويَبيتُ عند جيرانٍ له، حينَ ولدت امرأتُه بنتاً، فمرّ يوماً بخبائها وإذا هي ترقّصُها وتقول:ما لأبي حمزة لا يأتينا

يظل في البيت الذي يليناغضبان ألا نلد البنينا

تاللَّه ما ذلك في أيديناوإنّما نأخُذُ ما أُعطِينا

ونحن كالأرض لزراعيناننبت ما قد زرعوه فينا

انظر: البيان والتبيين، عمرو بن بحر "الجاحظ"، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، ودار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، د. ت، جـ1/186. الواحة.

[14]  المصدر السابق، جـ2/14.

[15]  المصدر السابق جـ2/ 14 - .15

[16]  المصدر السابق جـ2/.15.

[17]  ويروى هذا المثل بصور أخرى هي: (على أهلها جنت براقش)، و: (على أهلها دلَّت براقش، ولكل صيغة ما يلائمها من الشعر، قال شاعر:
ما الدهر في صرفه وجاري
طوريه إلا أبو براقش
يجني على أهله كما قد
جنت على أهلها براقش
(أبو براقش): الدهر، انظر: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري، دار الكتب العلمية، بيروت، 2006، الجزء 1، باب (الأوقات وذكر الدنيا والآخرة. الواحة
جمهورية مصر العربية.
239864