الشعر ذلك الكائن الحي
فريد عبد الله النمر * - 8 / 2 / 2011م - 3:02 م - العدد (56)

مدخل

الشعر هو ذلك الكائن الحي الذي يعيش في أمهات شعورنا، وتحمله خلايا وجودنا منذ النشأة الأولى للإنسان، من حيث الجذور، وإلى حاضره المتنوع، من حيث الفروع، فما زال هذا الكائن نضرًا وغضًّا، تصقله القرون، وتزينه السنون، وتصنعه الأحداث، وتصلِّب عودَه الآمال.

فكلما تقدم العمر به وشاخ؛ نلمس في عمقه الوجود، واشتعال تلك الجذوة المتوقدة، الباعثة لطاقة الروح المشتعلة دائما، والمشتغلة بالآمال تارة، وبالأحلام تارة أخرى.

الحاجة الشعرية

ندرك أهمية الشعر فقط حينما تأخذنا أرواحنا معها إلى عوالِمَ تتفتح فيها اللغة كتفتح الأزهار بالربيع؛ لتعبث تويِّجاتها العطرة بتلك الطاقة المبدعة بأطراف انتشائآتها المخملية, فمن خلال ما ورثناه عبر سماءات مختلفة نلحظ عمر الفضاءات التي مرّ من خلالها ذلك الكائن، مكونا لنفسه طبقات عليا ودنيا كطبقات الأرض، أو طبقات السماوات أو جذوع الأشجار المعمرة, إذ إن الشعر هو ذلك الغلاف الجوي الذي يحمي الروح لتتنفس بطبيعتها المنطلقة واللدنيَّة، بعيدًا عن عنت الحياة، وقيود التصنع, فهو - أي الشعر - ليس حاجة ضرورية تملأ الفراغ الروحي وحسب, إنما هو تلك الطاقة المشحونة والمتفجرة التي لا تعرف الحدود، فكلما قرأنا في أطياف الشعر - قديمه وحديثه - استشعرنا أننا نعبر أفلاكاً ومجرَّاتٍ معرفيةً هائلةً تقودنا بين أنفاق وزوايا متعددة من صور الحياة؛ فمنذ عهد الصحراء والخيل والإبل والسيف والسنان والركب والحادي والبئر والقِدِّ والخيام والقبيلة والثأر وصور الصبايا بالقمصان والأزُر والخمر ومنادمة الكأس والخمر وكل صور العز والفخر والكرم والشهامة، إلى عصر الدين والحق والرسالة والكتاب والإسلام والأركان والصلاة والحج والزكاة، ومرورا بسلطة الإنسان العربي وشراسة السياسة وطفو الظلامات، وانعطافاً على رغد العيش واختلاط الأعراق بين ما هو عربي، وما هو غير ذلك تحت دولة الخلافة الإسلامية وما تبعتها من دويلات، إلى تفجر العلوم والمعرفات، بلوغا إلى عصر النكسات والانتصارات والحروب والهجرات، وصولا إلى تكنولوجيا العصر والحداثة والعمران، كل تلك كانت بمثابة متحف تاريخي متنقل عبر فترات الزمن وفقراته، بما يحمله من تنوع طبيعي ونمو معرفي ووجداني حسب مقتضى الفترة التي كان الشعر يعيش بها.

الصورة

في الصورة الشعرية عبر العصور نجد، جليًّا، حضور التجربة الروحية لهذا الإنسان، ومدى علاقة هذا الكائن - الشعر - به, فالمحاولات الجادة والمتنوعة تفضي إلى وجود تلازم وجودي بين الشعر - كائناً حيًّا - وارتباطه بحياة الشاعر نفسه مع توازي التجربة البشرية من حيث الحجم والعمق؛ فكما هو الإنسان, هو الشعر أيضا يكتسب حجمًا وأبعادًا يكاد بها يكون متساوياً مع ما تكتسبه البشرية من نمو وتفرع.

 فالمحاولات الجادة والمتنوعة يتنوع فيها الإيقاع، والتجريب من زمن لآخر، محدثة هزة إبداعية تضاف لهذا الكائن من حيث الكم والنوع، وقد تأتي باشتغال فكر حرّ ربما يتواصل بلغة جزلة - مباشرة أو غير مباشرة - تبتعد عن التقريرية، وتحوي صورا من مخيلة الشاعر الحاذق، بإنسانيتها الواعية.

وهذا ما يستوقف أي باحث عند البحث بحجم ما أضافته هذه المحاولات؛ لأنها تحضر بإبداعها الفاعل مع حجم الحياة بما تمسه كالموسيقي الساحرة؛ لتجعله يعرف العصر الذي هي خلقت منه، أو فيه، فيأتي المتمعن على صور ذلك العصر ليتجلى عنده الشعور وكأنه يعيشه تماما، فيما أخذه النص المكتوب فيه؛ لأن النص الجيد - بقدر حضوره الحضاري - يحوي أغلب التساؤلات التي تأتي في عصره، وهذه التجارب لا تنحاز للمنتصر فقط، بل تتعداه إلى كل ما هو حاضر وقوي حتى المنهزمين، لتعبر عن ثقافة غير مؤدلجة، أو موجهة، مركِّزة في قياسها على الإنسان كأعلى قيمة وهدفها الأسمى هو الرقي بفنه.

فتلك المحاولات تحسب وثائقَ تاريخيةً جمعت في متحف هذا الكائن دليلاً على التجربة وعمقها؛ مما يجعلها تستطيع أن تأخذ بنا من محبة الشعر الى الاجتهاد في عمق تلك التجربة.

المؤشرات الفنية

من هنا نستطيع أن نقيم نمو هذا الكائن الشعري بما يتقدم به من الوعي في الشكل والمضمون والموضوع لصالح الشعر وصانعه، فهناك الكثير من المؤشرات المتراكمة في تجربة بنائية الشعر تشير إلى أن هذا التصاعد هو خلاصة ثقافة يومية كان يعيشها الشعر مع شاعره دون تلكؤ في صعودهما لتبوح روحه جهرًا عميقًا بصوتها لتحقق موقفها من الحياة.

 ومن هنا، أيضًا، ينبغي على الشاعر أن يكون قارئًا لعصره، وحوادثه، عارفًا بالتاريخ الذي حوله، والذي سبقه، مستفيدًا من هذا النمو المتتابع لهذا الكائن، مدركا أين هو من عمق هذه التجربة المديدة،كما يقول: إليا حاوي “ليس الشعر بالانفعال”[1] ، فأي شاعر هو بمثابة شاهد على العصر الذي هو فيه من خلال ما يسجله من موقف يحتم عليه استخدام أداته المعرفية بمقدار ما يحسنه من استخدام هذه الأداة.

دلالات تاريخية

فهنا قد نضيف للقارئ المتمعن بكلمات تثير لديه متعة التحديق، وهو الاتجاه المسمى بالسحري والتي كانت تعد من الماضي البعيد التي ذهب بها الزمن ولا تعود، ولكن لكون الشعر دهشة صامته تسمع أحياناً، وتقرأ غالبا نورد هذه المقطوعة لـلقيط بن يعمر الأيادي بعنوان رسالة:

(يا لهف نفسي إن كانت أمورُكُمُ

شتى وأحكم أمر الناس فاجتمعا

ألا تخافون قوماً لا أباً لكم

أمسوا إليكم كأمثال الدَّبَا سرعا

في كل يوم يَسُنُّون الحرابَ لكم

لا يهجعون إذا ما غافل هجعا

خزر عيونهم كأن لحظَهم

حريقُ غابٍ ترى منه السنا قِطعا

قوموا قياما على أمشاط أرجلكم

ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا[2] )

فالمتأمل في هذه المقطوعة من الشعر يقرأ فيها شفافية تاريخ متواصل نكاد نلمسه في عصرنا الحاضر، أيضًا، على غرار الاستعدادات العسكرية الحديثة مثلا، فهي مليئة بعهدها ممتدة لغيره؛ لأن النصوص - عند هذا الكائن - تداخلت بالشكل، وبرزت كوثائق استدلالية، سارت من عصرها القديم إلي عصرها الحاضر، وحضرته بحدوثٍ فاعلٍ، مؤكدة على تمكنها من عدم الاحتواء، وإن توسعت المعالم، وصار كل جزء في هذا العالم، يقتضي رؤية متأنية، مستقلة دون إهمال ما حققه الأقدمون في هذا المجال.

فيقول أبو هلال العسكري في وصفه هذا الكائن: (الشعر كلام منسوج ومنظوم، وأحسنه ما تلاءم نسجه، ولم يستخفِ، وحسن لفظه ولم يستهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام، فيكون جلفا بغيضا، ولا السوقي من الألفاظ فيكون مهلهلا دوناً[3] .

 وهناك قول آخر يستحق التأمل العميق، والذي قد تفتقده قصيدة العصر، أحياناً، حينما يقصيها التغريب المتعمد عن مناهجنا الأساسية في الإبداع: (أن يكون سمحا، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة - قدامه بن جعفر) كذلك رأي ابن سلام: (حجة في عربيته، أدب يستفاد، معنى يستخرج، مثل يضرب، مديح رائع، هجاء مقذع، فخر معجب، ونسيب مشرف)[4] .

العمق وحركة التاريخ

إذا؛ هذا الكائن المتحرك هو خلاصة تفاعلية عبرت الأزمنة عبر حركة التاريخ من خلال النصوص الأدبية بنمو يكاد يكون منقطع النظير، متمثلا بعمق تجربته باحثاً عن الذات وصوفيات العشق، كنغمة موسيقية تقاس بها حضارة الشعوب تارة، وتارة بمحاكاة واقع الروح وآمالها من خلال النص بتصاعد فعله النغمي المدروس والمنساب وتحكُّمه بحلاوة الكلمة المدعومة بالمعني الخفي، دون الاكتراث بالمعني الظاهري، وهذا ما يسلم به كثير من الشعراء المعاصرين الذين آمنوا بهذا النمو الفارع لهذا الكائن المحلق؛ إذ يعتبرونه -أي الشعراء - كونا قد تتجاوز عوالق الهموم المتكاثرة والكثيفة التي يعاني منها الإنسان، وطالما بث فيها كثيرًا، فمن هنا اكتشف هذا الكائن في الوقت المعاصر ما يبرر له تخليه، وإعطاء نفسه مشروعية وجود فاعل آخر، بعيدا عن سياقات اعتبرها ماضيا يستفاد منه, فحول هواجسه نحو غناء مؤثر، وخلود أكيد؛ إذ تحررت من قيوده المباشرة التي ضاقت عليه وعلى أكثر شعراء الفصاحة، فجعلوا همهم في بحث دائب عن صور تلامس الروح، وتحرك فيها تجدد المشهد، ولم يكد ذلك الخلاص إلا بالتخلص من عوالق الماضي مستفيدا من القافية، وبقاء الأوزان، أحياناً، والخروج عليها في أغلب الأحيان, موصياً بكتابة القصيدة الخالية من التفاصيل الشارحة المعيبة، مؤكداً على موسيقي الصورة، وسعة أفق الموضوع، وإن حملت تسميات أخرى كالنثرية والتفعيلة وغيرها من التسميات, إلا أن هذا الكائن المتمثل بالشعر بقيت لديه المقاييس تتباين من شاعر إلى آخر، وتحتدم عنده المسافات التي تقترب من جانب، وتختلف من جانب آخر.

هنا تتضح مقولة عبد القادر الجرجاني في نظرية معنى المعنى (من حيث أن الألفاظ كانت أوعية للمعاني فإنها - لا محالة - تتبع المعاني في مواقعها) تكوين البلاغة(3),مشكِّلة، بذلك، منهجا دقيقاً لتفسير الشعر بشكله البلاغي.

الشعر والرمز

مصاحبة الشعر للفلسفة الرمزية أدخلت عليه صورا تعد تفسيرية كثيرة متباينة المناخ سميت بالانزياح البلاغي القابل للتأويل من جهة، وخرق القانون اللغوي - من جهة أخرى - بإحداث كلامٍ شعريٍّ لا تألفه أذن المتلقي لأول وهلة, كقول الشاعر قاسم حداد: (ألغيت كل مواعيد قتلي/ ولذت بصدر الطفولة/ دخلت كتاب النبيين قسرا/ من بابه المستباح)[5] ، معللة كون حركة الفكر المتكاملة تدل على مفاتيح العصر الذي تنتمي إليه, فترابط المجتمعات، بعضها ببعض، أفضى بتوحد الفكر الإنساني بشكل لا يمكن معه فصل مجتمع هنا عن مجتمع هناك، إيمانا منه بوجود تلاقح ثقافي في الفكرة الإنسانية، مدونة كل أشكال التجارب ومستفيدة منها، حيث تناقلت المجتمعات تراثها الإنساني بالترجمة منذ العهود الأولى للفتوحات أدت إلى تولد عبقريات تاريخية وأدبية يشار لها بالبنان قديما وحديثا كابن سينا وابن رشد، ووصولا إلى الجواهري وادونيس والسياب والبياتي، ولا زالت أنشودة المطر للسياب تحلق على عصرها لكل العصور نموذجاً معاصرًا ثريًّا وشاهدًا قويًّا في هذا المضمار.

الخاتمة

إن الفلسفة العربية لا تزال تفتح لهذا الكائن المستطيل أدبا نوعيًّا، وتضيف له عمقًا جديدًا، كما كان في السابق عندما يحاول النص أن يكمل دورة الحياة دائماً، ويوجِد في كل الأزمنة ما يتناغم مع جنونه؛ فالتقنيات المتفجرة في عالم التكنولوجيا لن تأتي على التحرر من اللفظ، وتحويله إلى المنظومة الرقمية، ولن يخدع ذلك الوهجُ كياناتِ هذا الكائن الحيِّ أبدًا، بل سيضيف إلى الفلسفة العربية والأدب عمقاً آخر؛ بإحلالٍ قد يساعد على النمو الشعري من جديد، عند تتبعها لمنهج العلوم الحق، البعيد عن عقلية الخزعبلات والخرافات؛ ليصبح هذا العصر عصرها بسيادة، وليسهل تبادل المعلومات في وقت وجهد قياسيين، ولكنها لن تحقق هذا النمو إلا بتحقق جماليات قياسية تصلح قراءتها لكل العصور، وهذا ما يهم النص الأدبي؛ فإنه يصر على ذهابنا مباشرة إلى قلب الأشياء؛ لإثارة القراءة الإنتاجية المعتمدة على التفكيك والاكتشاف والمقارنة، وثيقةً انثروبولوجية عميقة عصرية تعمق - داخل هذا الكائن الشعري - مفهوم الهوية ما بين الشاعر وطبيعته النفسية بتماه دقيق يكشف عن العلاقة بينهما.

[1]  أعلام الشعر العربي الحديث، إليا حاوي، المكتب التجاري، بيروت ط1970م، ص: 29.

[2]  ديوان الشعر العربي لأدونيس، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1986م، ، ص:34.

[3]  تكوين البلاغة، الشيخ علي الفرج، دار المصطفى لإحياء التراث، الطبعة الأولى، إيران، قم المقدسة، ص: 218.

[4]  عبد القاهر الجرجاني بلاغته ونقده، د. أحمد مطلوب، وكالة المطبوعات، الكويت، ط1، 1973م، ص: 5، وانظر، أيضًا: النظرية البنائية في النقد الأدبي، صلاح فضل، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط3، 1987م، ص: 287.

[5]  تكوين البلاغة الشيخ علي الفرج، مرجع سابق، ص: 232.
شاعر وكاتب - السعودية.
331275