أبو قطيف
في تأبين الشاعر الأديب الأستاذ عبدالله الشيخ علي الجشي
محمد رضي الشماسي * - 8 / 2 / 2011م - 3:05 م - العدد (56)

نُعيتَ ياشعر ذاك الصادح الغردُ

 طوى جناحيه في آفاقه الأبدُ

واستُنزِلَ النسرُ من علياءِ دوحتهِ

 فلا السفوحُ له مأوىً ولا النُّجدُ

يبقى على الأفق نجمًا لا أفول له

 هل يأفل النجمُ والهالاتُ تتقدُ

وهل تموت المرايا وهي في ألقٍ

 ومن نسيج المرايا تعْقَدُ العقدُ

وهل تغيب الدراري عن منازلها

 ومن منازلها الأضواءُ تطردُ

* * *

سيرًا على الدرب مازلنا تلامذةً

نشتارُ من نفح ماتعطي ونرتفدُ

سيرًا على الدرب في مرٍّ وفي رغدٍ

وإن حُرِمْتَ فلا نُعمى ولا رغدُ

هبني زعمتُ خميلاً لارواء به

 فالزهرُ من حسك السعدان يُختضدُ

ما ضرَّ صاديةَ الأيام أنَّ لها

نبعًا بقلبك من آهاتها تردُ

حُمِّلتَ همَّ بني قومي لِتُسعدهم

فمن جهودكَ والأبدالِ إن سَعِدُوا

* * *

شطَّتْ بكَ الدار في دانٍ ونائيةٍ

عاشوا بقلبكَ: من تهوى وإن بَعدوا

ومااسترحتَ إلى زادٍ وعافيةٍ

(إن شئت تحترُّ أو إن شئتَ تبتردُ)[1] 

أنجدتَ أتهمتَ لاتبقى بمنعطفٍ

إلابثثتَ شكاةً كل ما تجدُ[2] 

إن ماجَدَتْ بكَ أرضُ الرافدينِ جوىً

أرضَ القطيفِ فللإبداعِ ما مجدوا

حتى كأن الفرات الحُرَّ ما نسِيتْ

أمواجُه عذب ما غنى به السَّهدُ

نوتِيُّهُ أنتَ ماغنَّيتَ قافيةً

 إلا وكان صداها الميسُ والميدُ

ناغت بشعركَ أمواجُ الخليج هوىً

شاطي الفرات فراقَ السحر والغيدُ

أصغى بدجلة مجداف وأشرعة

إلى صداكَ فغنى الليلُ والرَّأدُ

وما الفراتان إلانسجُ قافيةٍ

عَرُوضُها الحبُّ والعشاقُ والأبدُ

هنا قصائدُك الغنَّاء ذاب بها

ماءُ الفراتين والأنغامُ والشَّهَدُ

من ألفِ ليلةَ وابنُ الجهم صنوهما

على الرُّصافةِ يُصبي لحنهُ الغردُ

* * *

واستَشْرفت سعفاتُ النخل في هجرٍ

تروي لجاراتها بالخط ما تجدُ[3] 

ترشَّفَت من رحيقِ الشِّعرِ زهوته

كما اغتدت من رفيفِ الحب تنتضِدُ

قالت وعذبُ هوى الأحسا يداعبها

والذكرياتُ على أغصانها نضَدُ

قالت: سمعنا فتىً بالخط غازلنا

بشعره, ألنا من شعرِهِ رَصَدُ؟

وهل درى الشاعرُ الجشيُّ همس ربىً

 على الهفوفِ وهل في أفقهِ مددُ؟

من جنِّ عبقرَ جابَ الأفقَ شاردُه

 حتى استهامتْ بنا أحلامُه الشرُدُ

* * *

أبا قطيفٍ وحسبُ الشعر ملحمةٌ

 (على السرابِ شراعٌ) حيثُُ ينعقدُ[4] 

عَقَدْتَه فوق سيفِ البحرِ في صفرٍ

 حيث العرائسُ يغري حسنَها الملدُ

حيث الصبايا تهادى في شواطئه

كأنهن عليه لؤلؤٌ بَدَدُ

فلسفتَ فيها معاني الحبِّ لوعلمتْ

به مضاربُ نجدٍ لانتشتْ صُعُدُ

ولاستهامتْ بها ليلى وعاشقُها

بل خيمةٌ ضمَّتِ العشاقَ والوتدُ

ولاستثارتْ بني عبسٍ لِعبلتها

 واستُرخِصَ السيفُ فيها وهو منجردُ

منظومةٌ تخْجِلُ الأيامَ رؤيتُها

دون الخدورِ ولكنَّ الربيعَ ددُ[5] 

منظومةٌ من عذارى راح ينثرها

كأنه من ضنى عاداتهِ حردُ

ماذا رأيتَ فتاةَ الحي غير رؤىً

من التقاليدِ ما تهوى وتعتقدُ

(بيبي) التي خلتها بالأمس سانحةً

مثل الطواويسِ زهوًا زانها الجَيدُ

عادتْ كأنْ لم تكن بالأمس واحدةً

من الظباءِ عليها يُحسَد الحسدُ

عادتْ فلا الشاطئُ المسحورُ يحضنُها

ولا (الدواخيلُ) بالدستورِ تحتشدُ[6] 

كم أُهرِقَتْ تحت ضوء الشمس آسنةٌ

من الكؤوس عليها يخفقُ الزبدُ

تلكم كؤوس شربناها وما بَرِحَتْ

بقيةٌ يتشهى شربهنَّ غدُ

مضى زمانٌ وجدَّت بَعْدُ أزمنةٌ

وزهوُ كلِّ زمانٍ بالذي يلدُ

* * *

أضفيتَ في أدبِ الفصحى نضارَتهُ

على القطيفِ فكانَ الجوهرُ الفَرِدُ

بل أنتَ والشاعرُ الخطيُّ مدرسةٌ

نحن المريدين من نبعيكما نردُ[7] 

غرستُما النبعةَ الأولى على أدبٍ

حتى استقام على تاريخه الأودُ

ألبستماهُ برودَ الشرقِ زاهيةً

والغربِ حتى تجلَّتْ تلكما البُرُدُ

من مشرقِ الشمسِ سحرُ الشَّرقِ رفَّ على

ديباجتيه وسحرُ الغربِ إذ يفدُ

ماأروعَ الأدبَ الرَّاقي تنمنمهُ

من الحداثةِ أفكارٌ به جدُدُ

ما أروعَ الحرفَ في أقلامِ واعدةٍ

من الشبابِ وقد وَفّوا بما وعدوا

 ها نحن بعد ربيعٍ من عطائِكُما

نبتٌ من الأدب الخلاق يُحتصدُ

* * *

(أبو قطيفٍ) وأن تدعى به شرفٌ

وسؤدُدٌ يتمنى مثلَه البلدُ

حَمَلْتَهُ رمز تاريخ ومحمدةٍ

وإن تعيَّفَه قوم وإن جحدوا

تعيَّفوه وأبقوا في ثقافتنا

مرارةً نتلظاها ونزدردُ

* * *

قالوا القطيف فقلتُ الشمسُ توأمُها

والنيراتُ وأهلٌ بينها نُجدُ

يستعذبونَ بناتِ الدهر إن نزَلَتْ

فكم أمامَ بناتِ الدهرِ قد صَمدوا

عمياءُ تنزِلُ لا تدري أعنَّتُها

بأن كل حصاةٍ في الثرى صَفَدُ

وتربةٌ ما صغت يوما لغيرِ ندىً

حتى اليبابُ على أكنافها رَفدُ

جادتْ وجادتْ بلا منٍّ ولا نكدٍ

حبيبةٌ ليسَ من أوصافها النّكدُ

قالوا القطيف فقلتُ الحب مصدرها

أحببْ بمن صدروا منها ومن وردوا

ومن تعشقها طفلاً وهام بها

حتى غدا بتراب العشق يتسدُ

 

25 ربيع الأول 1429هـ

2 أبريل 2008 م

[1]  بتصرف من قول الجواهريعلى الموائد أكوابًا وأطعمةً

من شاء يحترُّ أو من شاء يبترد

[2]  ما تجد: من الوجد: الحزن.

[3]  إشارة إلى قصيدته: “سعفات هجر”:

تكاثري تكاثري

يا سعفاتِ (هجرِ)

تكاثري تكاثرَ

الأزهار غِبَّ المطر

[4]  إشارة إلى ملحمته (شراعٌ على السراب) التي تحدث فيها عن تاريخ الخليج وعاداته.

[5]  ددُ: لهو.

[6]  الدواخيل: ج دوخلة: من لعب الأطفال في شهر صفر قديمًا.الدستور: اسم لطريق على شاطئ البحر.

[7]  الشاعر الخطي: هو العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي (رحمه الله).
أستاذ اللغة العربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران - السعودية
305234