الجوانب السلوكية والنفسية لمرضى الثلاسيميا العظمى
منير بن حسن البقشي * - 8 / 2 / 2011م - 3:17 م - العدد (56)

مقدمة

الثلاسيميا - في الأساس - كلمة يونانية (Thalassemia) تتكون من مقطعين: “thalassa”، وتعني البحر، و“emia”، وتعني: متعلق بالدم، وبدمجها تعني: (فقر دم البحر)، حيث أن هذا المرض يكثر في منطقة حوض البحر المتوسط؛ لذلك يسمى أيضا بـ”فقر دم البحر المتوسط”، والثلاسيميا تعني، طبِّيًّا، عدم قدرة الجسم على إنتاج سلسلة خضاب الدم (الهيموجلوبين) فينتج عن ذلك نقص كلي أو جزئي في سلسلة خضاب الدم.

وتتم تسمية نوع الثلاسيميا طبقا لنوع سلسلة خضاب الدم المصابة، فمثلاً: هناك سلاسل مثل ألفا، بيتا، دلتا، جاما، وفي العادة إذا كان الحديث عن الثلاسيميا العظمى فإننا نعني النقص الكلي لسلاسل بيتا من خضاب الدم (beta chain).

مكان انتشار المرض

في البداية عرف في أمريكا في الأطفال من ذوي الأصول الايطالية واليونانية، وأيضًا يوجد في دول الخليج العربي، والهند، وباكستان، ويتراوح الجين المصاب (حامل المرض) بين %5-25% من سكان تلك المناطق، ولكن نسبة انتشار الجين المصاب هو - في الغالب - أعلى بكثير؛ لأن التشخيص الدقيق يحتاج لإمكانيات مخبرية أكبر من المتاح، حاليًّا، لدى مستشفيات المنطقة العربية.

وتعتبر الثلاسيميا العظمى مرضاً معقداً يجب أن يدرس من النواحي الوراثية والطبيعة البيولوجية كبداية لفهم المرض، وتأثيره على المريض ومحيطه.

ويجب أن تكون البيئة التي يعالج فيها مرضى هذا المرض ملائمة لطبيعة المريض والمرض؛ لكي يكون العلاج ناجحاً، خصوصا أن هذا المرض مزمن ويجب أن يشعر الطبيب والفريق المعالج أنه جزءٌ من حياة المريض، وأن يعتبر المريض أن مرضه الذي سوف يصاحبه سيكون له صديقاً.

مرض الثلاسيميا العظمى

الوراثة

هو مرض ينتقل بالصفة المتنحية الجسمانية، أي لابد أن يجتمع جين مورث للمرض من كلا الوالدين؛ لكي تحدث الإصابة به.

أسبابه:

عدم تمكن نقي العظم (النخاع العظمي) من إنتاج خضاب كهلي (هيموجلوبين) طبيعي في كريات الدم الحمراء يتلاءم واحتياجات الطفل للنمو السليم؛ مما يؤدي إلى أعراض ومضاعفات للمرض.

أعراض المرض:

يلاحظ على المريض أعراض فقر الدم العام؛ مثل: الشحوب، وفقدان النشاط، وقلة الشهية في النصف الثاني من السنة الأولى من العمر، وتضخم الطحال، وأحيانا تضخم الكبد، أيضًا، إذا لم يبدأ العلاج بصورة سريعة، وإذا استمر فقر الدم بدون علاج فيمكن أن يؤدي ذلك إلى هبوط في الدورة الدموية، وبقية المضاعفات التي تسببها الثلاسيميا، أو مضاعفات العلاج، وأهمها تراكم الحديد في العديد من الأعضاء الحيوية في الجسم.

العــــلاج:

العلاج المبدئي يتم بعد التشخيص أولا بنقل كريات الدم الحمراء بمستوى أعلى من الطبيعي؛ لكي يتم تثبيط إنتاج كريات دم حمراء مصابة، ويكون جدول نقل الدم حسب احتياج المريض، والفترة التي يحددها جسمه، وتوفر الدم من بنك الدم.

والجزء المبدئي الثاني هو طرد الحديد الزائد عن الجسم بسبب نقل الدم، ويتم - في الغالب - بعقار “الدسفروكسمين” الذي يعطى عن طريق مضخة تضخ العلاج على مدى يتراوح بين 8 إلى 12 ساعة يوميًّا في الغالب، وبدء استعمال علاج يعطى بالفم مرة في اليوم مؤخرا يذاب في كمية من الماء يسمى “دفرازروكس”، بالإضافة إلى معالجة مضاعفات المرض أو العلاج.

الفريق المعالج:

المرض المزمن الذي له تأثير يتعدى المريض إلى الأسرة والمجتمع، علينا الاعتناء به بصورة شاملة عن الأمراض الحادة والتي تحدث بصورة مؤقتة سواء من ناحية تكوين فريق علاجي، أو تهيئة مكان العلاج، أو وضع الخطط العلاجية، وتوفير مستلزمات تلك الخطط.

يتكون الفريق العلاجي من الآتي:

يترأس الفريق طبيب أطفال بسبب كون العلاج يبدأ في سن مبكرة، ولكن يجب أن يضم - كذلك - أطباء من الباطنية والدم وأطباء مختبر، وفريق تمريض متمرس، وأخصائيًّا نفسيًّا، وباحثًا اجتماعيًّا.

استشارات طبية:

لاكتمال فريق العلاج يجب أن تتضمن الخطط العلاجية استشارات بصورة دورية ومبرمجة لكل من التخصصات التالية: الغدد الصماء، القلب، العظام، والأشعة، ويقوم بنك الدم بدور أساسي مساند بتزويد الدم وتوفير الفصائل النادرة للمرضى.

جماعات داعمة

 لا يمكن الاستغناء عن جهات خارجية عن مراكز أمراض الدم، سواء جمعيات خيرية أو مؤسسات حكومية أو طبية، وفي خضم تكوين الفرق العلاجية، وتهيئة المكان؛ يجب ألاَّ ننسى الطرف الأهم وهو المريض من حيث مراعاة رغبات المريض في العلاج وإشراكه في القرارات العلاجية عند بدء فهم المريض ووعيه بمرضه، وقد يكون ذلك منذ السنة السادسة من العمر.

الآثار النفسية لفقر الدم ونقل الدم

إذا عرَفنا أن “الهيموجلوبين” هو الذي يحمل الأُكسجين من الرئتين إلى سائر الأعضاء في الجسم، فإن أعراض نقصه ستكون تبعاً للوظيفة المفقودة.

يؤدي انخفاض “الهيموجلوبين” إلى فقر الدم الشديد مما ينعكس على المريض بالشعور بالوهن العام، وقلة النشاط، وضعف التركيز الذهني بسبب نقص “الأكسجين” في الخلايا، ويؤدي ذلك - عند الأطفال - إلى قلة الاستيعاب الدراسي، ولذلك فإن المريض يحتاج لزيادة ثابتة في خضاب الدم؛ لرفع تلك الأعراض، وإذا كان نقل الدم غير كاف (أي مستوى خضاب الدم يكون منخفضًا بعد جلسة نقل الدم) لأي سبب فسوف يقل مستوى الخضاب إلى معدلات شديدة، وعند تكرار هذه الحالة سيؤدي ذلك إلى التأثير على نمو الطفل فيكون هزيلاً وغير مستقر نفسياًّ.

بمعنى آخر؛ إن التذبذب في نسبة خضاب الدم (الهيموجلوبين) بين الطبيعي والمرَضي يؤدِّي إلى تأثير على الجسم نفسياًّ، وعضوياًّ، خصوصاً على الأطفال؛ لأنهم في طور النمو الجسماني والعقلي.

آثار العلاج الطارد للحديد:

العلاج الطارد للحديد مصاحب للمريض طيلة حياته، ويشعر المريض بعدم الاطمئنان والاستقرار، ويوصف من قبل الأطفال بأنه علاج الطبيب المفروض عليهم، ويذكِّرهم بمرضهم، وعندما يبدأ العلاج في السنة الأولى من عمرهم فقد ينعكس ذلك بصورة عنف اتجاه أنفسهم، أو اتجاه إخوتهم، أو حتى أطبائهم.

كذلك يولد التزريق الوريدي المتكرر أو تحت الجلد لدى الطفل صورة الجسم المليء بالثقوب، خصوصًا إذا كان عمل مضخة العلاج بين 8 إلى 12 ساعة يومياًّ، فقد تضيف إليه مضاعفات نفسية أكبر.

أثناء الطفولة:

إن وجود مريض بالثلاسيميا داخل أسرةٍ مَّا يؤدي إلى متغيرات تؤدي بها إلى زيادة في الحرص عليه، وحمايته بصورة أكبر من أشقائه، فيولِّد أولا تساؤلات لدى الطفل: هل أنا في خطر؟ ويتبعها بكونه اعتماديًّا على الآخرين، كما يولد لديه الشعور بالنقص، مما يولد مشاكل بينه وبين إخوته، وعندما يكبر تزداد هذه التساؤلات مثل (لماذا أنا وليس أخي الآخر؟) و(ولماذا علي أنا الذهاب إلى المستشفى والآخرون في المدرسة لا يذهبون؟)، وبمضي الوقت قد يصاب الطفل برهاب من المستشفى ورهاب من الملابس الطبية والأبر، كما قد يؤثر تكرار الغياب للعلاج على المستوى الدراسي بحيث يتدنى ويؤدي إلى الفشل الدراسي، والطرد المبكر من المدرسة.

أثناء البلوغ:

يزيد إدراك المريض بأنه يختلف عن الآخرين من تأخر في البلوغ، وقصر في القامة، ثم التمرد على العلاج، وتراجعه في الرياضيات التنافسية؛ مثل كرة القدم، وكرة الطائرة، أو يزداد الاعتماد على الغير، ثم يؤدي به إلى الأعراض التالية: الاكتئاب، العنف مع الآخرين، عدم الاهتمام بالقواعد الحاكمة في المجتمع، اتهام الوالدين بأنهم سبب مرضه، وتخلفه عن أقرانه، مشاكل عدم التكيف مع المرض والمجتمع، رفض الدراسة.

وعندما يطلع المريض على قصص المرضى ينتابه الخوف من الموت، وانكسار نفسي قد يؤدي ببعضهم لمحاولة الانتحار.

وفي سنوات البلوغ تتراكم المشكلات السابقة بصورة واضحة مثل:

1 - عدم التوظيف

2 - التغيير السلوكي

3 - الشعور بعدم الأمان

4 - أصدقاء السوء

5 - تعاطي المخدرات

6 - الصعوبة في تكوين الروابط الاجتماعية

السلوك الخاطئ بعد البلوغ:

بعد سنوات من عدم الانتظام في العلاج يبدأ المريض بالتعرف على الأخطاء السابقة، والآثار الكارثية التي سببها لنفسه، فتكون لديه ردود أفعال مختلفة، منها الإنكار، حيث يعيش بعض المرضى وهم أنه لم يحدث له أي أثر سلبي، ولا خوف من الموت المبكر بسبب إهمال العلاج، أما البعض الآخر فتتكون لديهم اعتقادات خاطئة بأن ما يحدث لهم هو نوع من التعذيب، وليس اهتماماً بهم من قبل أهلهم، أو المؤسسة الصحية، والبعض الآخر بدل أن يبدأ بتصحيح المسار العلاجي يصر على التخلف أو إهمال الانتظام على العلاج الطارد للحديد الزائد أو إهمال نقل الدم الذي كان منتظمًا عليه.

هذا النوع من المرضى يتكون لديهم الشعور بالدونية عن الآخرين، خصوصا إذا ظهرت عليهم مضاعفات القلب والبنكرياس.

الآثار النفسية على العائلة:

قد تنشأ مشاكل أثناء تربية الإخوة؛ مثل الغيرة من المريض، والتصرفات العدوانية بين الأشقاء، قلة مراقبة الأبناء بسبب اتجاه الملاحظة للطفل، فقد يتغيب الطفل إذا كانت الأم أو الأب مع المريض في المستشفى، وقد يتخذ منحى آخر مثل أن يتكون لديه شعور بعدم إعطائهم الحنان الكافي له، وقد تكون ردات الفعل أشد بأن ينحرف الأبناء الأصحاء.

مضاعفات المرض النفسية على الوالدين:

في بداية تشخيص طفل في العائلة بأنه مصاب بالثلاسيميا، تكون البداية صدمة نفسية للوالدين تبدأ بإنكار هذا التشخيص، وقد يرفضون العلاج بداية حتى يذهبوا إلى طبيب آخر قد يسمعهم تشخيصا آخر أخف منه، وبعد مرحلة الإنكار يبدأ الوالدان مرحلة تقبل وجود هذا المرض في طفلهما، ثم يتبعها مرحلة تأنيب الضمير بأنهما كانا المتسببين في وجود المرض لطفلهما الذي سوف يعاني طيلة حياته بسببهما.

وتعتبر الأمراض المزمنة في العرف الاجتماعي وصمة أو عاراً اجتماعيًّا مما قد يحدو بالوالدين إلى إخفاء المرض حتى عن أقرب الناس لهما؛ مما يزيد من صعوبة المرض.

فالمرض المزمن يحتاج فيه المريض إلى دعم من المجتمع، ولكن بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية يقوم الوالدان بإخفاء المرض، خاصة إذا صاحب ذلك جهل بطبيعة الثلاسيميا.

وفي بعض الأحيان قد يتسبب وجود الثلاسيميا إلى تفكك أُسَري بسبب حالة تأنيب الضمير، فكل من الأبوين يلوم الآخر بأنه المتسبب في وجود المرض؛ مما قد يؤدي إلى حالات طلاق.

الحلول

على الفريق الطبي أن يكون ملمًّا بطبيعة المرض حتى يتمكن من الإجابة على كثير من التساؤلات، ومنع حدوث شرخ في الأسر المبتلاة بمريض الثلاسيميا العظمى.

وكما ذكرنا سابقا فإن طبيعة المرض تحتم التدخل العلاجي، والمتابعة بأسلوب الفريق، وليس أسلوب الفرد المعالج.

كما تحتاج الأسرة التي ابتليت بالمرض إلى الاستشارة النفسية، والمشورة من قبل الفريق الطبي - خاصة في بداية التشخيص - وشرح طبيعة المرض، واجتثاث أي فكرة قد تؤدي لتأنيب الضمير، وأن الذي حدث كان بمشيئة إلهية، وتقوية الناحية النفسية، كل هذا سيؤدي، حتماً، إلى انضباط في العلاج، وتقبل الخطة العلاجية للمريض من قبل الفريق الطبي، خصوصا الطبيب؛ لأن دوره سيكون طبيب الأسرة، وليس طبيب المريض فقط.

وعلى الطبيب وبقية أفراد الفريق تقبل كل ردود الأفعال من العائلة المبتلاة، واعتبارها طبيعية، ومحاولة امتصاص الغضب، والإنكار.

كذلك فإن على الطبيب أن يكون مستمعًا جيدًا لأهل المريض، وألا يستبعد الطفل من نظراته العطوفة عليه، كما ينبغي إشراك أهل المريض في وضع الخطة العلاجية للمريض، لكي يتحملوا مسؤولية تطبيقها.

ويعتبر مكان العلاج مهمًّا وجزءًا أساسيًّا من الخطة العلاجية؛ فيجب أن يكون بيئة صديقة للطفل من شكل المكان، واتساعه، والرسومات، والألوان الجدارية، ونوعية الستائر، والشراشف، وأغطية الوسادات، وكذلك أسرَّة نقل الدم أن تكون مريحة، مع وجود غرف للألعاب لكل الفئات العمرية بحيث يحب الطفل المريض أن يأتي إليه مجددا، مع تكرار عمل أنشطة ترفيهية في تلك المراكز، أو أماكن أخرى.

ومع الاستمرار في العلاج، وتقدم عمر المريض يعطى المريض فرصة أكبر للنقاش في خيارات العلاج، وبذلك ترتفع كثير من الإشكالات التي تعترض المريض سواء كان طفلاً أو بالغاً.

مسؤولية السلطات الطبية:

إن أغلب المذكور سابقًا لا يتأتى بدون دعم من السلطة الصحية ممثلة في وزارات الصحة؛ فمن ضمن مسؤولياتها توفير المكان المناسب لمراكز أمراض الدم، وتوفير الفريق المتكامل لخدمة المرضى وعائلاتهم، وتوفير جميع الوسائل التشخيصية والعلاجية بانتظام، كما أن توفير العلاجات التي تريح المرضى (العلاج الفموي بدل الإبر) له مردود ايجابي لانتظام المريض على العلاج، وأخيرًا توفير التدريب المستمر للفريق العلاجي لكي يضمن إعطاءه علاجا على مستوى متعارف عليه عالميًّا.

استشاري أمراض أطفال ودم وأورام
200399