التحولات والحرية
التحرير - 9 / 2 / 2011م - 3:17 م - العدد (57)

ثمة آفاق وتحديات عديدة تطلقها وتفرضها مسيرة التحولات والتطورات التي تجري في العالم اليوم وعلى مختلف المستويات.

ولا يمكننا، كمجتمعات، اغتنام الفرص والقبض على هذه الآفاق ومواجهة التحديات مواجهة حضارية وإيجابية، إلا بتطوير أوضاعنا، وإصلاح مكامن الخلل في مسيرتنا العامة، وتجاوز كل ما يحول دون الانخراط الفعال في مسيرة التحولات والتطورات العالمية.

لهذا فإننا مطالبون بتطوير ذواتنا، ومؤسساتنا، وإمكاناتنا، وإصلاح أوضاعنا السياسية عبر الدخول في مسار الديمقراطية، والالتزام بمقتضياتها على مختلف الصعد.

إن هذا الخيار هو الذي يؤهلنا للقبض على آفاق هذا التحولات والتطورات، وهو الذي يوفر لنا أسباب المواجهة الايجابية للتحديات والمخاطر .

وتفرض التحولات الكبرى التي تجري في المسارات الإنسانية كافة، تثبيت قيم الحوار والتلاقي والتفاهم والتعاون والتضامن في داخل المجالين العربي والإسلامي؛ إذ لا يمكننا أن نستوعب التحولات، أو نستفيد من التطورات وأوضاعنا الداخلية مشرذمة، ومفتتة، ومنقسمة على ذاتها.

إن منطق التحولات الكبرى التي تجري في العالم اليوم، تفرض علينا - ومن مواقعنا المتعددة - العمل على توطيد أسس وقيم الحوار الداخلي في الدائرتين العربية والإسلامية، كما تفرض علينا تعميق أسس التفاهم والتلاقي بين كل مكونات الأمة الفكرية والسياسية.

ولا يمكن أن يتطور مشروع الحوار مع الآخر الحضاري، إذا لم يتعمق ويتجذر خيار الحوار الداخلي. فالحوار قيمة إنسانية وحضارية كبرى تتجلى في الدوائر والمجالات كافة.

والممارسة الانتقائية لهذه القيمة لا تفضي إلى ممارسة سليمة، ولا تجعلنا – كمجتمعات - نرسي دعائم الاستقرار السياسي الداخلي في بلداننا، و(إن الإيمان بالذات هو الذي يصنع الإيمان بالآخر. وإن الأزمة في التعبير عن الذات المسلمة اليوم، هوية وإبداعا، تقود إلى الأزمة في إدراك قيمة التعددية، فضلا عن وضع تصور لها، فكثيرا ما يقنع الخطاب الإسلامي بمعالجة تجليات الأزمة دون التوغل في تعقيداتها المعرفية والمنهجية.

إن النظر إلى عوائق فهم الذات ينقل وعينا بالتجليات إلى أسسها. فعدو الحرية الخارجي - من ظلم واستبداد وجهل - إنما يكمن في وجهه الخفي والأخطر داخل أنساق تربيتنا الحسية والذهنية.

وخلف أزمة الحريات والتعددية السياسية يقبع في نفوسنا شبح الإقصاء والتكفير الذي يهدد كياننا بالوهن، وإضعاف القدرة على التواصل الداخلي، الذي هو قوام أي تواصل مع الآخر من خارج حضارتنا)  

فإطلاق الحريات السياسية والثقافية هو الذي يوفر الأرضية والظروف الموضوعية المؤدية إلى استيعاب تحولات العالم، وتوظيف تطوراته بما يخدم قضايانا الإنسانية والحضارية. والإلمام بمفردات التحولات وحركة العصر بحاجة - دائما - إلى الاستناد إلى قوانين التاريخ، وقواعد التطور الإنساني، وبدون ذلك يبقى النظر إلى التحولات وكأنه لهاث لا يوصلنا إلى هدف، ولا يقينا من مطبات ومنزلقات، ولا يخرجنا من هامشيتنا في حركة التاريخ المعاصر.

والحرية - بكل آفاقها ومتطلباتها - هي التي تعيد لنا، جميعا، فاعليتنا الحضارية.

وفعلنا النوعي في مسيرة الإنسانية والتاريخ، وحماية الذات وتحصينها هي بحاجة، دائما، إلى بناء القوة الحضارية التي توفر كل أسباب الحيوية والفعالية في الاجتماع الإسلامي.

وكل الخيارات المتاحة في مجالنا وفضائنا أمام تحديات العولمة تنعدم وتتلاشى حينما نفقد القدرة على ممارسة حريتنا، وتجميع إرادتنا الجمعية، وتكاتف طاقاتنا مع بعضها البعض.

فتوظيف التحولات الكبرى بما يخدم قضايانا الحضارية والإنسانية يتطلب وجود الإنسان والمجتمع الحر، الذي يتمكن من إدارة تنوعه بعقلية حضارية، وتكثيف جهوده وإمكاناته في أطر ومؤسسات، تتجاوز الأنا الضيقة، وتنفتح على رحاب الجماعة والفعل المؤسسي بكل آفاقه ومتطلباته.

والمجتمع الذي تضمحل فيه إمكانية ممارسة النقد والمساءلة، لا يستطيع استيعاب التحولات والإفادة القصوى من منجزات العصر والتقنية الحديثة، والوعي النقدي لا يتبلور وينمو في الفضاء الاجتماعي إلا في إطارٍ من الحريات السياسية والثقافية، التي تفضي إلى خلق وقائع اجتماعية تسمح بممارسة النقد، وتحترم متطلباته، وتؤسس لمبادرات مجتمعة على قاعدة المشاركة، وتحمل المسؤولية.

إن تجذُّر متطلبات الوعي النقدي في فضائنا الاجتماعي هو الذي يحررنا من يباسنا وجمودنا، وهو الذي يوفر لنا الإجابات المطلوبة على متغيرات واقعنا وراهننا، وهو الذي لا يجعل الهوية معقولة جامدة لا تحرك ساكنا، وإنما يحولها إلى وظيفة لطرد عناصر التأخر والتخلف وإمكانية إنسانية مفتوحة على الفعل والإبداع والوجود.

فالمطلوب، دائما، هو قراءة واعية للتحولات، ويقَظَة دائمة تجاه الراهن، وإصرار مستديم للقبض على آفاق هذه التحولات، ومواجهة التحديات بعزة واقتدار.

203305