الخليج؛ بلدانه وقبائله
التهرب من التبعات (1)
عدنان السيد محمد العوامي * - 9 / 2 / 2011م - 11:22 م - العدد (57)

اسم الكتاب: الخليج – بلدانه وقبائله.

المؤلف: س. ب. مايلز

المترجم: الدكتور محمد أمين عبد الله.

إصدار: وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان.

الطبعة: الرابعة، مطابع جريدة عُمان للصحافة والنشر، روي، 1410هـ، 1990م.

عدد الصفحات: 536.

مدخل

لا أدري إن كان من محامد الصدف أم مساوئها أن يوافق استعراضي لهذه الكتاب مفتتح شتاء العام 2010، تمامًا كما استهل دورة 2005، قبل خمسة أعوام بوقفة مماثلة مع كتاب (Persain Gulf، تأليف: Arnold T. Wilson[1] ، ترجمة المترجم الفاضل نفسه محمد أمين عبد الله، وهو، أيضًا، من إصدارات وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، نفسها؟

مهما يكن فإن الترجمة التي بين أيدينا لهذا الكتاب تُعدُّ أفضلَ، بكثير، من تلك التي سبق أن تناولتُها قبل خمس سنوات، حتى في الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية، وهي أخطاء لن أقف عندها هنا إلا بنماذج يسيرة تبرر الإدعاء بوقوعها، دون التزام بالاستيعاب، وأما اختياري لهذا العنوان فعلَّتُه سطران صُدِّر بهما الكتاب، وفحواهما بالنص: (المعلومات والآراء الواردة بهذا الكتاب على مسئولية المؤلف، ولا تتحمل حكومة سلطنة عُمان إزاءها أية مسؤولية).

بدهيٌّ أن الآراء مناط مسؤوليتها المؤلف، لكن ما ذا عن تبعة المعلومات الخاطئة المشوهة، وظاهرة البتر والحذف؟ أليس على الوزارة الموقرة واجب التعليق عليها وتصويبها، والتنبيه على مواطن الخطأ فيها؟ كذلك الترجمة، من الذي يحمل مسؤولية أخطائها، وهي أخطاء سيرى القارئ مدى فداحتها؟

عنوان الكتاب

الكتاب عنوانه في أصله كما صدرت به طبعته بلغته الأصلية الإنجليزية، هو:

(The countries and Tribes of the Persian Gulf البلدان والقبائل في الخليج الفارسي)، لكن يبدو أن الحسَّاسية السياسية فعلت فعلها في توجيه السيد المترجم إلى تعريب العنوان على هذا النحو، كما فعل ويفعل غيره من المترجمين، مع أن الناس، قديمًا، لم يكونوا يطلقون الأسماء على المواضع دلالة على تبعيتها للدول، لا السياسية، ولا حتى الجغرافية، والأرجح أنهم يعنون بها الدلالة الإرشادية لا أكثر، فبحر عمان، وخليج عدن، وبحر قزوين وبحر إيجة والمحيط الهندي، هذه الأسماء لا تعني، مطلقًا، تبعيتها للدول التي أضيفت أسماؤها إليها، وإنما تعني – كما قلت – الدلالة الإرشادية.

من هنا لا أرى معنى للخروج عن أمانة الترجمة وإعطائها عناوين غير عناوينها الأصلية، أما إذا كان للمترجم وجهة نظر في عنوان الكتاب، أو في أية صيغة فيه، فمن حقه أن يعلق عليها بما يراه، أما أن يحرِّفها، أو يبدلها، فهذا ما ليس من حقه، هذا ما تفرضه الأمانة الأدبية كما أعتقد.

الكتاب

لعل هذا الكتاب (بلدان وقبائل الخليج الفارسي)، كما أرى صواب تسميته، للكولونيل «صاموئيل بارت مايلز» واحد من أهمَّ أربعة كتب عن الخليج صدرت في وقته عن الخليج لمؤلفين أجانب هي على التوالي: (سلاطين عمان وأئمتها)، تأليف (بادجر)، عام 1871م، و(دليل الخليج)، تأليف (ج. ج. لوريمر) عام 1908م، وكتاب (Persian Gulf الخليج الفارسي)، تأليف (Arnold T. Wilson)، عام 1928م.

الكتاب طبعته ونشرته - لأول لمرة – دار HARRISON AND SONS, هاريسون وأولاده في لندن عام 1919، وأعيد طبعه عام 1966، بمقدمة ضافية بقلم J. B. Kelly. ج. ب. كيلي، وهذه الطبعة هي التي اعتمد عليها الدكتور محمد أمين عبد الله في ترجمته هذه للكتاب، وآخر ما وصل إليه علمي عن طبعات الكتاب، هي الطبعة الثالثة عام 1994، والمعلومتان الأخيرتان عن مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض[2] .

مؤلف الكتاب

مؤلف الكتاب هو الكولونيل صاموئيل باريت مايلز (Samuel Barrett Miles)، ابن اللواء مايلز Miles من «نورث ?يلا، ريجنت پارك» North Villa Regents -Park, - بقرية شَشُنت Cheshunt بمقاطعة هرتفورد شاير Hertfordshire شرق إنجلترا.

ولد في الثاني من أكتوبر عام 1838م، وتخرج من جامعة هيرو (Harrow university)، بلندن، وفي عام 1857 التحق بالجيش البريطاني في الهند، وفي عام 1867 عين مقيماً في عدن، ثم مفوَّضًا سياسيًّا وقنصلاً في مسقط عام 1874م، وقنصلاً عامًّا في بغداد عام 1879، وفي عام 1881 تقلد منصب مفوض وقنصل عام في زنجبار.

ألف عدداً من منشورات الجمعية الجغرافية الملكية في لندن.

توفي مايلز في 28 أغسطس عام 1914م، ودفن في هنتن تشارتر هاوس سومرست، ولحقه ولده الوحيد الرائد هاري وليام مايلز، Harry William، فقتل في إحدى طلائع السفن الملكية في التاسع عشر من يوليو 1917، عمره 36 عامً[3] .

مؤاخذات على الكتاب

يطمع مقتني هذا الكتاب في أن يجد فيه تاريخاً شاملاً للخليج وبلدانه وقبائله، كما يشي بذلك عنوانه، لكنه سرعان ما يفاجأ بأن موضوعه مقصور على تاريخ عمان وحده، قبائل وبلدانا، فهو لم يتعدَّ بلدان عمان وقبائله وأسره، تأريخاً وأنسابًا، ومعتقدات وحروبًا وصراعات، خصوصًا البينية منها، خلافاً لما يحمله عنوانه الواسع، المفترض أن يشمل منطقة أوسع، بكثير، من المنطقة التي تناولها الكتاب، وهذا أحد المآخذ الكبيرة على مخرج الكتاب في اختيار هذا العنوان الفضفاض، مما يثير التساؤل عن مفهوم الخليج لدى معد الكتاب.

ويبدو لي أن السرَّ في اختيار هذا العنوان كامنٌ في أن المؤلف ليس هو من أصدره، فالمؤلف فقد بصره قبل أن يرحل عن الدنيا، تاركًا كتابه مجرد مسودات مبعثرة، وملاحظات مفرقة، لكن أرملته السيدة إيلين ماري Ellen Marie, هي التي قامت بنشره تحت إشراف الدكتور واليس بَج Dr. Wallis Budge,، محافظ متحف الآثار المصرية والسورية البريطاني، مضيفةً إليه مسودات رحلاته إلى منطقة بلاد الرافدين، فلعلها هي التي اختارت هذا العنوان، إن لم يكن من وضع المشرف أو الناشر.

حيادية الكاتب

حقيقة لم أكن بحاجة لهذه الفقرة لو أن «مايلز» بقي على منهجه المعتدل، وحياده النسبيِّ، في المسائل التي تناولها في الكتاب؛ فكرية كانت أم عقدية أم تاريخية، فهو - في هذا الكتاب – بدا مناقضًا، تماماً، لوليام جيفورد بلجريف الذي استعرضنا كتابه في حلقات سابقة، ولاسيما أن دراسة الكتاب أو نقده ليسا هما المراد في هذه المقالة، لكنه – بكل أسف – حن إلى العجرفة العنصرية المتعالية، المعهودة في الكتاب الغربيين، المعبرة عن نفسها في تزوير التاريخ، وتحريفه، بقصد طمس الحقائق، لنقرأ الفقرة التي أوجبت هذا الخروج عن الغرض في ما يلي:

(At the period we are speaking of; the sea-borne trade from India up the Persian Gulf to Busra and along the Red Sea to Suez was in the hands chiefly of the Muscat and Yemen Arabs, who had maintained the profitable intercourse uninterruptedly in their own hands from remote ages, and these Arab merchants at Calicut, therefore, not unnaturally offered a most strenuous opposition to Vasco da Gama’s dealings with the Zamorin[4] , as they instinctively felt the deadly nature of the blow that had been struck at their trade, and saw at once that the cumbrous and complicated system in Egypt and Syria, in which the profits were divided by so many, was doomed to speedy ruin.

On the arrival of da Gama at Calicut, therefore, they lost no time in transmitting news of the event to Egypt, and informing the Sultan at Cairo of the unexpected interference of the Portuguese, so that in all probability he became acquainted with the momentous tidings of the change before the King of Portugal, as there was ample time during the twelve months that had elapsed between August, 1498, and September, 1499, when da Gama returned to Lisbon and imparted to the King the joyful news of his successful voyage. The significance of the news was fully understood by the Venetian merchants on receiving it from Egypt, and caused the utmost dismay. The Republic, however, did not immediately succumb to the blow struck by her rival, and made more than one vigorous though ineffectual effort toward off the danger and recover her commercial supremacy. She pointed out the peril to Egypt and Turkey, and urged them to aid her in her attempts to avert it. The appeal she made was not only fully appreciated, but was at once responded to. By their united action a powerful fleet was equipped at Suez and despatched to the Arabian Sea to overwhelm the Portuguese. Vol 1:138 - 139).

تعريب للنص

(في الحقبة التي نتحدَّث عنها كانت التجارة المنقولة بحراً من الهند، عبر الخليج الفارسي إلى البصرة، وعلى طول البحر الأحمر حتى السويس، في أيدي عرب مسقط و عرب اليمن بشكل كامل، وقد كانوا يحتفظون بعوائدها المتواصلة، دون انقطاع، منذ عهود سحيقة؛ ولهذا فإن من غير المستغرب أن يعارض هؤلاء التجار العرب في كاليكوت (Calicut) فاسكو «دا جاما» بعنف؛ لإقامته علاقات مع السامري (Zamorin) لإحساسهم الفطري بطبيعة العاصفة التي أخذت تهبُّ على تجارتهم، وفجأةً أدركوا أن ذلك النظام المجهد، المعقد في مصر وسوريا - حيث الفوائد فيه مقسمة بين أطراف عديدة - محكوم عليه بالدمار العاجل.

لهذا فإنهم - بمجرد وصول «فاسكو دا جاما» إلى كاليكوت (Calicut) - لم يضيعوا وقتًا في إبلاغ أنباء هذا الحدث لمصر، كي يُشعروا السلطان في القاهرة بهذا التدخل غير المتوقع من جانب البرتغاليين، وعلى كلٍّ فمن المرجح أنه أحيط علماً بأنباء التغييرات الخطيرة قبل ملك البرتغال؛ فقد كان ثمة متسع من الوقت خلال الإثني عشر شهراً المنصرمة، من شهر أغسطس 1498 وحتى سبتمبر 1499، حين عاد «دا جاما» إلى لشبونة ويبلغه الأنباء السارة عن نجاح رحلته.

لقد كان الاهتمام بالأخبار مفهوماً تمامًا من قبل تجار البندقية عند تلقيهم لها من مصر وسببت لهم منتهى الفزع.

على كل حال فإن الجمهورية (البندقة) لم تستسلم للعاصفة التي هبت عليها من منافستها، بل بادرت فوراً بأكثر من محاولة - وإن لم تكن فاعلة - من أجل إبعاد الخطر، واستعادة تفوقها التجاري، فأوضحت مدى الخطر لمصر وتركيا، وحثتهما لمساعدتها في محاولاتها لتفاديه.

لم تكن دعوتها مقدرة وحسب؛ وإنما مستجابة أيضاً، وبجهد مشترك تم تجهيز أسطول قوي في السويس أقلع إلى البحر العربي لسحق البرتغاليين).

لجأت لإيراد النص الأصلي لهذا المقتبس ملتزمًا بتعريبه تعريباً حرفيًّا، مبتعداً عن الصياغة الإنشائية في التعريب لسببين؛ أولاهما: أن تعريب الدكتور محمد أمين عبد الله لهذا النص لم يخل من الخطأ والتصرف بالحذف والإضافة، كحذف كلمة السامري (Zamorin)، وحذف تاريخ الفترة الواردة في الأصل: (من شهر أغسطس 1498 وحتى سبتمبر 1499)، وإضافة كلمة (العثماني) إلى السلطان، وهكذا، مما لا يظهر الصورة الحرفية الموثقة لعبارات المؤلف، وثانيهما أن التعريب الحرفي - رغم ضُعفه إنشائيًّا - فيه من أمانة النقل أكثر من الآخر، وأما الغاية من هذا فهي أن من يحسن الإنجليزية سوف يفهم مقاصد المؤلف من النص الإنجليزي، ومن لا يحسنها فسوف يفهم تلك المقاصد من النص المعرب.

هذه هي الصورة التي رسمها «مايلز» لأسباب الصدام بين العرب والأتراك وأهل البندقية من جانب، والبرتغاليين الغزاة من الجانب الآخر، مجرد معابر مائية دولية كان يحتكر التحكم فيها، وينفرد بعوائدها طرف، وجاء طرف آخر بريء، مسالم، لا غرض له سوى المنافسة التجارية الحرة الشريفة، وإقامة علاقات تبادلية مع السامري ملك المليبار، فانزعج الطرف المتحكم، وحشد الجيوش والأساطيل لمحاربة المنافس البريء؛ لمنعه من حقه الطبيعي في استخدام المياه الدولية للتبادل التجاري.

فهل هذه هي الصورة الحقيقية لدوافع «فاسكو دا جاما» من غزوه لتلك المياه، فنشهد على المسلمين بأنهم معتدون باحتكارهم التجارة، ومنع غيرهم من الاستفادة من حقهم الشرعي فيها؟

إن ما يفرضه المنطق أن التنافس التجاري ينبغي أن يكون مرحَّبًا به؛ لما يجلبه من الفوائد للجميع، سواء للأفراد أو الحكومات؛ لأنها ستجني أرباحاً طائلة من ضرائب المرور والمكوس، وتنشيط حركة التبادل في النقل والسلع معاً، لكن «مايلز» يسوق زعماً لم يدَّعِه البرتغاليون أنفسهم، فلنترك شاهدَ عِيانٍ أوروبياًّ يدلي بشهادته في هذه القضية، ومِن على ظهر سفينة «دا جاما» نفسه، فقد يكون الشهود مطعوناً فيهم إذا كانوا من المتضررين.

«وندل فيليبس» ينقل لنا تلك الشهادة، فيقول:

(On what nature were the first contacts between Omani Arabs and Portuguese Christians on the East African coast? They did not augur well[5]  for the future of either people. We have a first–hand account of them from the anonymous author of the first voyage of Vasco da Gama, 1497 – 1499, who may have served on da Gama’s on vessel. He describes how on 10 April 1498, out side the port of Mombasa:

The captain-major ]da Gama[ questioned two Moors (from Mozambique) whom we had on board, by dropping boiling oil upon their skin, so that they might confess any treachery intended against us. They said that orders had been given to capture us as soon as we entered the port, and thus avenge what we had done at Mozambique)[6] .

تعريب النص:

(ما هي طبيعة الاتصالات الأولى بين عرب عمان والبرتغاليين المسيحيين على ساحل أفريقيا الشرقي؟ إنها لم تكن مبشرة بمصلحة أيٍّ من الشعبين، ولدينا وصف مباشر من المؤلف المجهول لكتاب «الرحلة الأولى لفاسكو دا جاما 1497 - 1499»، ولعله عمل على سفينة «دا جاما» ذاتها، وهو يصف ما حدث خارج ميناء «ممباسا» في العاشر من إبريل 1498، فيقول: «استجوب الكابتن ميجور «دا جاما» اثنين من البربر من أهالي «موزمبيق» أحضرناهما إلى سطح السفينة، وذلك بإلقاء زيت مغلي على جلدهما؛ لكي يعترفا بأية خيانة موجهة ضدنا، فقالا إن الأوامر صدرت بأسرنا بمجرد دخولنا الميناء حتى يثأروا مما فعلناه في «موزمبيق» قبل ذلك)[7] .

إذن؛ فالقضية ليست تنافساً تجاريًّا، وإلا فبماذا نفسر العلاقات التجارية العريقة بين البندقية وجنوا والدول الإسلامية الواقعة على طريق التجارة البحرية بين أوروبا والهند؟ ولماذا لم يقتل الفزع تلك الدول فتسير الأساطيل لمقارعة البندقية، أو جنوا؟

صورة ثانية، يرسمها لنا فيليبس»، تختصر لنا المسلك العدواني للغرب على العالم الإسلامي:

"on his second voyage to India, in 1502, with a fleet of twenty-five ships, he overtook an Unarmed vessel out of Calicut carrying between 200 and 400 pilgrims to Mecca. He seized the ship, and had her captain brought in his presence.

The Arab captain said to da Gama, “sir, you gain nothing by ordering us to be killed. Command that we be put in irons and carry us to Calicut, and if there they do not load your ships with pepper and drugs, without your giving any thing for them, then you may order us burned….” The captain-major said to him: Alive you shall be burned…. I say that for nothing in this world would I desist from giving you a hundred deaths, if I could give you so many”[8] .

تعريب النص:

"في رحلته الثانية إلى الهند عام 1502، بأسطول مكوَّن من 25 سفينة، قام بمطاردة سفينة غير مسلحة تجاه كاليكوت، كانت تحمل 200 أو 400 حاجًّا إلى مكة واستولى عليها، وحين أحضَروا ربَّانَها أمامه، قال الربان العربي لدا «جاما»: «يا سيدي، إنك لن تكسب شيئاً لو أمرت بقتلنا، فأمر بتقييدنا بالحديد، وانقلنا إلى كاليكوت، وإذا لم يشحنوا سفنك هناك بالفلفل والعقاقير دون أن تدفع شيئًا، فأمر بحرقنا»، فقال له القبطان: سوف تحرقون أحياءً، أقول ذلك؛ لأنه ليس هناك شيء في هذا العالم يمكن أن يمنعني من أن أقتلكم مائة مرة لو كان بوسعي أن أفعل بكم هذا المقدار".

مرة أخرى ليست التجارة هي الغاية، وإنما هي القرصنة بأبشع صورها، دون شك، دافعها الحقد الدفين، وغايتها السيطرة والهيمنة والتسلط، ليس غير.

من صور ذلك الحقد البشع التي يرويها «وندل فيليبس»:

(of the fifty women and children they baptized eventually became monks at Belem; the remainder, with the exception of hunchbacked moor, who was the pilot, were sadistically locked up in the hold of Merium and the doomed ship inexcusably set on fire in several places and scuttled with help less humanity shrieking and wailing for pity, while da Gama merciless and unmoved, enjoyed this spectacle of his own doing through a porthole of the ship. Contemporary and eye-witness accounts of of Portuguese treatment of the Arabs and other natives, whether of East Africa, India or Oman itself, is one long and sickening record of gratuitous atrocities[9] .)

تعريب النص:

"من بين خمسين امرأة وطفلا تم تعميدهم؛ أصبح، أخيراً، عشرون من الصبيان رهبانًا في بيليم، أما الباقون - باستثناء مسلم أحدب الظهر هو ربان السفينة - فقد سجنوا في عنبر السفينة «مريوم»، ثم أشعلوا النار في عدة أماكن من السفينة المنكوبة بلا أي مبرر، وأغرقت بما تحمل من بشر لا حول لهم ولا قوة، وهم يضجُّون بالعويل طلباً للرحمة، بينما كان «دا جاما» يمتع نفسه بهذا المشهد من كوة السفينة.

إن الرواية التي يرويها شاهد عيان معاصر لمعاملة البرتغاليين للعرب وغيرهم من السكان سواء كانوا من شرق أفريقيا أو الهند أو من عمان ذاتها هي واحدة من روايات طويلة حافلة لسجل طويل مقزز من الفظائع الوحشية غير المبررة".

ولكي تتم الصورة نسوق هذا العرض السينمائي المثير لماهية التنافس الشريف بين أوروبا والعرب حسب زعم مايلز يرسمها شاهد من أهلها هو وندل فيليبس:

(On the never-to-be-forgotten occasion of da Gama’s return to Calcut, the king of Samorin dispatched a Brahmin dressed in the habit of a friar, who was immediately given a’safe conduct’ by da Gama after his true identity was disclosed. He addressed da Gama, ‘sir, I clothed my self with this habit that they might not drive me away from the ships, and that I might come and give you a good message from the King….’ Later da Gama ordered the boats to go and plunder sixteen small vessels and two native ships, which was soon done. ‘Then the captain-major ]da Gama[ commanded them to cut off the hands and ears and noses of all crews, and put all that into one of the small vessels into which he ordered them to put the friar, also without ears, or noses, or hands, which he ordered to be strung around his neck ]after this man had been given safe conduct[, with a palm-leaf for king, on which he told him to have a curry made to eat of what his friar brought him. When all the Indians had been thus executed, he ordered their feet to be tied together, as they had no hands with which to untie them: and in order to that they should not untie them with their teeth, he order them to strike upon their teeth with staves, and they knocked them down their throats; and they were thus put on board heaped up upon the top of each other mixed up with the blood which streamed from them; and he ]da Gama[ ordered mats and dry leaves to be spread over them, and sails to be set for shore and the vessel set on fire: and there were more than eight hundred Moors; and the small vessel with the friar, with all the hands ears, was also sent on shore under the sail, without being fired.’ In the midst of all butchery, there came toward the Portuguese ‘vessels of Moors of Coromandel, natives the country, who seeing the executions which were being carried out,-for they ]the Portuguese[ hung up some men by the feet in the vessels which were sent ashore, and when thus hung up the captain-major ]da Gama[ ordered the cross-bow men to shoot arrows into them, that people on shore might see it; and when it was intended to do the same to these men of Coromandel they called out that they should make them Christians, naming Thomas, who had been in their country; and they shouted this out, and raised their hands to heaven. This, from pity, was repeated to the captain-major, who ordered them to be told, that even though they became Christians, that still he would kill them. They answered, that they did not beg for life, but only to be made Christians. Then by order of the captain-major a priest gave them holy baptism… and and the priest said the Paternoster and Ave Maria which they also repeated. When this was finished, then they hung them up strangled, that they might not feel the arrows. [10] ’

"المناسبة التي لا تنسى، قط، هي عودة «دا جاما» إلى كاليكوت؛ فقد أوفد ملك السامورين إليه أحد البراهمة مرتدياً ثوب راهب، وعلى الفور مُنح له الأمان من «دا جاما»، بعد أن عرَّف شخصيته، فخاطب «دا جاما» قائلاً: «سيدي، لقد ارتديت هذا الثوب حتى لا يبعدوني من الاقتراب من السفن لعلي أستطيع الوصول، وتسليمكم رسالة من الملك...» بعد ذلك أمر «دا جاما» الزوارق بأن تمضي وتنهب ست عشرة سفينة صغيرة، وسفينتين للأهالي، وسرعان ما تم ذلك، ثم أمرهم الكابتن ميجور «دا جاما»، بعد ذلك، بقطع أيادي وآذان وأنوف كل البحارة، ووضع كل هذا في إحدى السفن الصغيرة، وأمر بوضع الراهب فيها، بلا أذنين ولا أنف أو يدين أيضًا، وأمر بأن تُسلك أعضاؤه المقطوعة على هيئة سلسلة حول عنقه، «وذلك بعد أن مَنَح الرجل الأمان»، مع ليفة نخيل كَتب عليها للملك أن يُعِدَّ طبقاً من الكاري مصنوعًا مما يحمله له راهبه ويأكله.

وبعد أن أعدم كل الهنود بهذه الطريقة أمر بتقييد أقدامهم معاً؛ إذ لم تعد لهم أيادٍ يفكونها بها، وحتى لا يستخدمون أسنانهم لفك قيودهم، أمر بتحطيم أسنانهم ضربًا بالهراوات، حتى أسقطوا الأسنان في حلوقهم، ثم وُضعوا، بهذه الصورة، على ظهر السفينة وقد تكدس بعضهم فوق بعض، واختلطت دماؤهم المتدفقة بغزارة.

ثم أمر «دا جاما» بالحُصُر وأوراق شجر الجافة أن تنشر فوقهم، وأن تفرد القلوع لكي تحملهم السفينة للشاطئ، وأشعلت النيران فيها بعد ذلك، وكان في السفينة ما لا يقل عن 800 مسلم، وكذلك أرسلوا السفينة الصغيرة نحو الشاطئ بدون حرق وهي تحمل الراهب، ومعه كل الآذان والأيادي المقطوعة.

وفي غمرة تلك المجزرة كلها أقبلت نحو البرتغاليين سفن مسلمي «كورماندل»، أبناء البلاد، والذين شهدوا عمليات الإعدام وهي تنفذ؛ لأن البرتغاليين كانوا قد علقوا بعض الرجال من أقدامهم في السفن التي بعثوا بها للشاطئ، ثم أمر «دا جاما»، رماة السهام بإطلاق سهامهم ليراها الرجال الذين على الشاطئ.

ولما كان الشيء نفسه يُعتزم أن يصنع بهؤلاء «الكورماندل»، فقد صاحوا قائلين إنهم سوف يعتنقون المسيحية، مرددين اسم توماس الذي كان في بلدهم، وراحوا يرفعون أيديهم إلى السماء، مكررين ذلك استدراراً للرحمة والشفقة من القائد، ومع ذلك فقد أمر بإبلاغهم أنهم - حتى وإن اعتنقوا المسيحية فإنه سيقتلهم أيضًا، فقالوا إنهم لا يلتمسون الإبقاء على حياتهم إلا لكي يصبحوا مسيحيين، وعندئذ أمر «دا جاما» بأن يقوم قسيس بتعميدهم، وراح القسيس يرتل مراسم الصلاة الربانية والسلام المريمي وهم يرددون خلفه، وبعد أن أتم ذلك علقوهم بعد خنقهم كيلا يشعروا بالسهام)[11] .

يعلق وندل فيليبس على هذه الفظائع بقوله:

(This was not just one unusual case; it is representative of a whole policy. The nature of the great navigator and conqueror is manifest in the imaginative quality of his sadistic cruelty; on one occasion he ordered that both lips of a Brahmin, an envoy from the Samorin of Calicut, be cut off , so that all his teeth showed, and he ordered the ears of a dog that was on board the ship be cut off, and he had them fastened and sewn with many stitches on the Brahmin, instead of his own…[12] )

تعريب النص:

(هذه ليست مجرد حالة واحدة شاذة، وإنما هي مظهر لسياسة عامة.

إن طبيعة الملاح العظيم، والمحتل الكبير متجلية في ذلك النوع الخيالي من ساديته المتوحشة. ذات مرة أمر بقطع شفتي شخص من البراهمة، وهو مبعوث من سامري كاليكوت، كي تبدوَ كلُّ أسنانه، ثم أمر بقطع أذني كلب كان على ظهر السفينة، ثم ربطهما وخاطهما بغُرزٍ عديدة في وجه البراهمي بدلاً من أذنيه".

هذه هي حقيقة الغزو الأوروبي للشرق، بخط أوروبي هو مايلز وإملاء أوروبيين آخرين هم مَراجع مايلز الذين نقل عنهم، فأغنانا عن المصادر العربية المعاصرة، مثل كتاب (تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين)، للشيخ أحمد بن زين الدين المعبري المليباري، والبرق اليماني في الفتح العثماني، لقطب الدين محمد النهروالي، وغيرهما من المصادر، فالمسألة، إذن، ليست مسألةَ فزع الدول الإسلامية وتجييشها الأساطيل للاعتداء على تاجر أوروبي بريء مسكين لا حول له ولا طول، جاء لطلب الرزق بمنافسة غاية في المثالية والشرف.

الغريب أن «مايلز» كتب ما كتب، متناسيًا ما سجله هو نفسه عن مخطط الغزو العدواني الذي وضعه الفونسو دي ألبوكرك، وناقشه مجلس الوزراء البرتغالي، واعترض بعضهم عليه، ومع ذلك فقد أقره الملك دوم مانويل، وإليك ما كتبه مايلز بالنص:

(During his stay in India he made good use of his time in collecting notes and in maturing plans for the future consideration of his King and the guidance of his country.ON his return in 1504 he laid before Dom Manoel gigantic schemes of conquest, annexation, commerce, and maritime supremacy, which he considered feasible in view of the comparative feebleness of the Asiatics.

Albuquerque’s ambitious plan, after much heated disputation in council, where it was opposed by the Marquis of Saldanha and other influential noblemen, was at length adopted, and the King resolved to entrust its execution to the master mind which had conceived it.)

تعريب النص:

"أثناء إقامته في الهند استغل وقته في جمع المعلومات، ووضع الخطط المستقبلية لأجل مَلِكِه وقائد بلده، وعند عودته في عام 1504 قدم للدوم مانويل خططًا عملاقة للاستيلاء على البلدان وضمها، والتجارة، والسيطرة على البحار، فقد كان يعتبر أن خططه كلها قابلة للتحقق بالنظر لضعف الشعوب الآسيوية.

إن خطط البوكرك الطموحة، بعد مناقشة حامية في المجلس، جرت معارضتها من قبل ماركيز سالدانها وغيره من النبلاء المتنفذين، لكنها اعتمدت في النهاية، فقرر الملك أن يعهد بتنفيذها لصاحب العقل الذي وضعها).

هذه هي حقيقة الغزو الغربي لبلدان العالم منذ الرومان، وإلى يوم الناس هذا، وبراهينه جلية، لكل ذي بصر، من فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان، والصومال واليمن ومن أبو اغريب وغوانتانامو، مروراً بالسجون السرية في الصحاري والجزر، إلى آخر قائمة البراهين الصارخة على الرفاه العظيم الذي أنعم به الغرب على أهل الأرض قاطبة، وإن كانت لا تمثل سوى طفاوة الغثاء فوق سطح السيل، و«مايلز» نفسه عرض الكثير من فظائع البوكرك في عمان وهرمز، وغيرهما، فلندع هذا جانبًا، ولننصرف لغرضنا من البحث.

ترجمة الكتاب

يبدو لي أن السمة التي يتميَّز بها منهج الدكتور محمد أمين عبد الله في الترجمة ليس الخطأ والتشويه والتحريف وحسب، بل والحذف كذلك، ولا اعتراض لي على الحذف إذا وفَّى المترجم بشروطه، فجاء بالمعنى تامًّا جليًّا، لكن إليك بعض الأمثلة:

- في الصفحة: 17 يطالعنا هذا النص: (ومن الواضح أن أول الشعوب التي انتشرت واستقرت في أرض شبه الجزيرة العربية، هم الكوشيون، الذين ذكرهم الإنجيل).

النص الأصلي الذي ورد فيه هذا الاسم هو:

(The earliest race known to have spread over and occupied the peninsula are the Cushites, of whom we read in the Bible… Vol 1:1

لعل ما أوقع السيد المترجم في هذا الاشتباه هو توهمه أن كلمة «Bible» تعني الإنجيل، والصحيح أنها تعني: «الكتاب المقدس»، وهو كتاب يشتمل على التوراة وغيرها مما يسمونه أسفار العهد القديم، إضافة إلى الأناجيل كلها، ما خلا إنجيل برنابا، والكوشيون لم يرد أي ذكر لهم في أي من الأناجيل، نعم تردد ذكرهم في أسفار العهد القديم باسم الكوشيين في الترجمات العربية، كما في هذا النص: «فَجَاءَ عَلَى رَأْسِ جَيْشٍ لاَ يُحْصَى مِنْ لُوبِيِّينَ وَسُكِّيِّينَ وَكُوشِيِّينَ، وَمَعَهُ أَلْفٌ وَمِئَتَا مَرْكَبَةٍ وَسِتُّونَ أَلْفَ فَارِسٍ، سفر أخبار الأيام الثاني، 3 :12».

- في الصفحة 18 – 19 نقرأ: "وهذه الموجة المبكِّرة من القبائل السامية - كما يقول المؤرخون العرب، نقلاً عن كتاب «كوسين دي برسيغال» - يعرفون بالعرب البائدة أو العاربة، غير أنهم انقرضوا"،

مقتضى هذا التعريب؛ أن المؤرخين العرب اعتمدوا على كتاب «كوسين دي برسيغال»، في تعريفهم لتلك القبائل بالقبائل البائدة، والعاربة، وأنها قبائل منقرضة؟ فلو صح هذا لتعيَّن أن يكون «برسيغال» سابقًا على المؤرخين العرب، وأنه هو من عرف تلك القبائل بالبائدة والعاربة، والمنقرضة وليس هو الذي أخذ عنهم.

فلنقرأ الأصل الذي جاء منه ذلك التعريب:

 (These early Semitic tribes, as we learn from Caussin de Percival’s great work, are known to the Arab historians as the Baida” and “Ariba,” and are considered as extinct races.Vol 1:2)

فهمي المتواضع لهذه الفقرة يقول: (هذه القبائل السامية القديمة – كما نعلم من المؤلف العظيم لكوسين دى بيرسيفال – يُعرفون، لدى المؤرخين العرب، بالبائدة والعاربة، ويعتبرون أجناساً منقرضة).

- في الصفحة 19: (وفي الفصل العاشر من سفر التكوين نقرأ أن قحطان قد ترك ثلاثة عشر ولداً، استوطنوا سلسة الجبال الواقعة في الشرق، ولعل الصلة بين لفظتي جوكتان وقحطان التي هي عربية الأصل تقطع جميع الأدلة بصحتها)، هذه الفقرة تعريب للأصل التالي:

(In the tenth chapter of Genesis we are informed that Joktan had thirteen sons, “ and that their dwelling was from Mesha as thou goest towards Sephar, a mount of the East.” The identity of Joktan with the Kahtan of Arab tradition and of Sephar with Dhofar has been sufficiently recognized… Vol 1: 3).

 من غير المعلوم – لدي على الأقل – ما هو السر في حذف عبارات مهمة كالتي حذفها السيد المترجم من هذه الفقرة؟ التعريب الصحيح يجب أن يكون: "مما في الفصل العاشر من سفر التكوين نعلم أن يقطان أنجب ثلاثة عشر ولداً، و«أن موطنهم كان من ميشا باتجاه سفار، وهو جبل في المشرق»، إنَّ تطابق يقطان مع قحطان، وكذلك سفار مع ظفار، حسب العرف العربي مُدْرَك بصورة مقنعة".

نواصل على الصفحة 19 ذاتها فنقرأ التعريب التالي: (ولقد حفلت الكتب التاريخية بمعلومات وفيرة عن توزيع القبائل، غير أن النذر اليسير (ص: النزر اليسير) من تلك المعلومات هو الذي أمكن تتبعه بشكل أكيد، وهناك شبه تأكيد عن ثلاثة من تلك الفروع القبلية ونعني بها الحضارمة، وجذام وشيبان، أما مرة وحضارم فربما تعني يعرب وجرهم، أما فرع همدان فقد تكون الخولان، وهي التي تقطن منطقة معروفة جدًّا في اليمن، أما عوبال أو وبال الذي يرمز إلى إحدى القبائل القديمة فلا يزال - على ما يبدو - قائماً في عمان، كما توجد أيضًا قرية بهذا الاسم في وادي بني رواحة في عمان).

هذا الذي رأيت هو تعريب للنص الأصلي التالي:

(Regarding the distribution of these tribes much has been written, but so far only a few of them have been traced with certitude. The identification of three of them, Hazarmaveth, Uzal, and Sheba, are perhaps indisputable. Yerah and Hadoram may be Yarab and Jorham ; Havilah is probably Khaulan, a well-known district in the Yemen ; while Hommel has connected Diklah with Hiddekel or Dijla, the River Tigris.

The name Obal or Wibal, as that of an ancient tribe, appears to survive in Oman, where a town so called exists in a valley now known as the Wady Beni Ruwaihah. Vol 1: 3).

حسب فهمي القاصر فإن تعريب Hazarmaveth بالحضارمة، و Uzal بجذام، وSheba بشيبان، و Yerah بمرة، و Hadoram بحضارم، Havilah بهمدان، خطأ شنيع، والصحيح أن يعرب هكذا: (في ما يتصل بانتشار هذه القبائل فقد كُتب عنه كثيراً، غير أنه - للوقت الحاضر - لم يعرف إلا القليل منها بشكل متيقن. إن تمييز ثلاثة منها هي حضرموت وأوزال وسبأ؛ قد لا يكون قابلاً للجدل، أما يارح وهدورام فربما كانا يعرب وجرهم، وقد تكون حويلة هي خولان، وهي منطقة معروفة جدًّا في اليمن، بينما رَبَطت حَمُلُ دقلةَ بحدقل، أو نهر دجلة, أما الاسم عُوبال، أو ويبال، وهو اسم قديم، فيبدو أنه ما زال باقياً في عمان، إذ توجد مدينة بهذا الاسم في وادٍ يعرف، الآن، بوادي رواحة)[13] .

بطبيعة الحال إنني أعوِّل - في ترجمة النص بهذه الصيغة – على معرفتي بأن أسماء الأعلام الواردة فيه هي أسماء توراتية، وردت في هذه الفقرة:

(And Joktan begat Almodad, and Sheleph, and Hazarmaveth, and Jerah, And Hadoram, and Uzal, and Diklah , And Obal, and Abimael, and Sheba, And Ophir, and Havilah, and Jobab. all these were the sons of Joktan. And their dwelling was from Mesha, as thou goest unto Sephar a mount of the east. Genesis 1o: 26,27, 28, 29,30)

وبمقارنتها بالنسخة العربية للكتاب المقدس نقرأ الفقرة ذاتها بهذا النص: (وأنجب يقطان ألموداد وشالف وحضرموت، ويارح، وهدورام وأوزال ودقلة، وعوبال وأبيمائيل وشبأ، وأوفير وحويلة ويوباب. هؤلاء جميعهم بنو يقطان، وكان مسكنهم من ميشا في اتجاه سفار، إلى جبل المشرق)، سفر التكوين الإصحاح العاشر، 26، - 30.

وقد تكررت هذه الأسماء ذاتها في سفر الأيام الأول «Chronicles 1» بالنص الحرفي، باستثناء الاسم «Obal»، فهذا استبدل فيه الحرف «O» بالحرف: «E» أي: «Ebal»، ولذا عُرِّب فيه «عيبال» بدلاً من: «عوبال، Chronicles 1: 20, 21, 22, 23).، وأما حويلة فقد تردد ذكرها، مراراً، في الكتاب المقدس، ومنها هذا النص:

(And Saul smote the Amalekites from Havilah until thou comest to Shur, that is over against Egyp. Samuel 1, 15: 7).

وتعريبه: (وضرب شاول عماليق، من حويلة إلى شور التي شرقي مصر. سفر صامويل الأول 7: 15).

يبقى الاسم: Hiddekel فهذا ورد في الكتاب المقدس في موضعين، أولهما في سفر التكوين بهذا النص:

(And the name of the third river is Hiddekel: that is it which goeth toward the east of Assyria. And the fourth river is Euphrates Genesis 2: 14.)

والثاني في سفر دانيال، بهذا النص:

(And in the four and twentieth day of the first month, as I was by the side of the great river, which is Hiddekel. Daniel 10: 4).

وتعريب النص الأول: (واسم النهر الثالث دجلة، ويجري في شرقي أشور، والنهر الرابع هو الفرات، سفر التكوين الإصحاح الثاني، الفقرة 14).

وتعريب النص الثاني: (وفي اليوم الرابع والعشرين من الشهر الأول كنت على جانب النهر العظيم الذي هو دجلة، سفر دانيال، الإصحاح العاشر، الفقرة 4).

إلا أن تعريبه في النسخ المعربة فيه خلاف؛ ففي «الترجمة المشتركة» طبعة دار الكتاب المقدس والترجمة الكاثوليكية، طبعة دار المشرق، يرد في السفرين على السواء، باسم «دجلة»، أما في ترجمة «فاندايك»، وترجمة «كتاب الحياة»، فقد ورد في سفر التكوين باسم «حداقل»، بينما ورد في سفر دانيال باسم «دجلة». آخر هذه الأسماء هو Hommel اسم قرية باليمن، وقد أهمله المترجم على عادته، وعربته بـ(حَمُل) مضبوطًا هكذا بفتح الأول وضم الثاني اعتمادًا على ياقوت[14] .

- على الصفحة 20 تقابلنا الفقرة التالية:

(وقد أطلق علماء السلالات العرب أسماء مختلفة على أبناء قحطان، كما أنهم يختلفون عن بعضهم البعض في تحديد تلك الأسماء، وقد نكتفي بسرد بعضها، وفقًا لرأي كريمر، وعددها ستة عشر هي يعرب، وقحطان، أنمار، معد، لؤي، ومينا، وجرهم، وسلمة، وغوث، وظافر...). فأين هي الستة عشر؟ ما قرأت هو تعريب للنص التالي:

(The descendants of Kahtan, however, are differently named by the Arab genealogists, who also vary in some degree from each other. It may suffice here to give the list compiled by Kremer numbering sixteen Yarub, Khatar, Anmar, Mutenier, Madi, Lawi, Maiz, Gasib, Meina, Gorhum, Multenies, Katami, Zalim, Gusem, Aufar, and Nafir.Vol 1:3).

كان المتوقع من المترجم الفاضل أن يصحح الأخطاء التي وقع فيها المؤلف، لكنه - بدلاً من ذلك - لجأ إلى اختزال الأسماء في تسعة، كما رأيت، ليس هذا وحسب بل وأخطأ في تعريبها، أيضًا، فالمؤلف عدد لقحطان ستة عشر ولدًا هم، حسبما جاء فيه:

(Yarub, Khatar, Anmar, Mutenier, Madi, Lawi, Maiz, Gasib, Meina, Gorhum, Multenies, Katami, Zalim, Gusem, Aufar, and Nafir.)

هذه الأسماء يجب أن تكتب بالإنجليزية هكذا على التوالي:

(Yarub, Khaiar, Anmar, Mutem, Madhi, Lawi, Maiz, Ghasib, Meniea, Gorhum, Mutelemmies, Katemi, Zalim, Gushiem, Aufar, and baqir.)

فهي كما وردت في كتب التراث العربية: يعرب، خيار، أنمار، المعتم، الماضي، لاوي، ماعز، غاصب، ومنيع، جرهم، الملتمس، القاطمي، ظالم، الغشيم، أوفير، باقر.

هذه هي أسماء أولاد قحطان حسبما توردها كتب التراث العربي[15] .

- في الصفحة 21 نقرأ: (ويذكر وستنفيلد Westenfild أن صحار هو اسم أحد أبناء نوح عليه السلام، وقد احتلت قبيلة صحار منطقة الباطنة في عمان وأطلقت على نفسها هذا الاسم، كما أن قبيلة جشم هي من سلالة اللمكات يقال أنها استوطنت عمان أيضًا...).

النص الأصلي الذي جاء هذا المقتبس تعريباً له هو:

(The sections of the Tasm and Jadis, who migrated to Oman, appear to have settled in Al-Jow and Towwam, giving to those districts the names of the places they had occupied in their old home, Yemama. According to Wiistenfeld, Sohar is the name of the sons of Said bin Zaid. Hamza, after Bekra, thinks it identical with Ghuma Said al-Hodsin. The Sohar tribe occupied the Batineh, and gave their name to the present town on the coast. The Jasain were Amalekites and dwelt, it is said, also in Oman. Vol 1: 4).

أما التعريب الأقرب للنص في تقديري فهو: (فروع طسم وجديس التي هاجرت إلى عمان يظهر أنها استوطنت منطقتي الجو وتؤام، معطية لهذين المنطقتين اسمي المكانين الذين كانت تستوطنهما في موطنها القديم؛ اليمامة، وحسب رأي وستنفيلد فإن صحاراً هو اسم سعيد بن زيد. أما حمزة بعد البكرا (البكري؟) فيعتقد بتطابقه مع «الغمة» في تسميته «الحصين»[16] .

قبيلة صحار استوطنت الباطنة وأعطت اسمها للمدينة الحالية الكائنة على الساحل، وجشم كانوا من العمالقة، ويقال أيضًا أنهم استوطنوا عمان).

قد نعتذر للدكتور الفاضل في حذف العبارة المشوشة في كلام المؤلف، لكن كيف نعتذر له في الباقي؟ خصوصًا تعريب الاسم (Amalekites) بـ: (سلالة اللمكات) بدل العمالقة؟ قد نحتسبها خطأ طباعيًّا لو لم يكررها مرارًا على طول الفقرة وعرضها.

من الصفحة 22، نقتبس النص التالي: (وتعتبر قبيلة القمر إحدى القبائل الهامة التي استوطنت شبه الجزيرة العربية منذ عهود بعيدة، وأنها أطلقت اسمها هذا على خور القمر، وبنو ريام سكان الجبل الأخضر في عمان وكذلك قبيلة بني حديد، وغيرها من القبائل التي تنتمي إلى قبيلة القمر، أما بني قدعة فقد كانت من القبائل الهامة وتمتد مواطنها على طول الساحل الجنوبي من الجزيرة العربية من اليمن حتى الخليج وقد أفرزت هذه القبيلة عددا من الفروع...)، وهذه الترجمة تعريب لنص المؤلف:

(The Kamar or “Moon” tribe was a large and important one in Southern Arabia in remote times, and gave its name to the Kamar Bay, and also, it is supposed, to the Comoro Island on the east coast of Africa; the tribe is now represented in Oman by the Beni Ryam, who occupy Jebel Akhdar, and also by the Beni Hadeed and probably other tribes. The Beni Kodhaa were a great tribe stretching along the southern coast from the Yemen to the Gulf of Oman, and many branches sprang from it. Vol 1: 5.)

إن فهمي لهذا النص هو: كانت قبيلة القمر قبيلة كبيرة وهامة في جنوب الجزيرة العربية في العهود السحيقة، وقد أعطت اسمها لخور القمر، ويفترض أنها تنسب – كذلك – لـ «جزيرة القُمُر»، في الساحل الشرقي لأفريقيا، وهي ممثلة، الآن في عمان، ببني ريام - التي تشغل الجبل الأخضر - وكذلك ببني حديد، وربما بقبائل أخرى. أما بنو قضاعة فهم قبيلة عظمى ممتدة على طول الساحل الجنوبي من اليمن حتى خليج عمان، وقد انبثقت عنها فروع عديدة.

لاحظ كيف أن تعريب السيد الدكتور طيَّر من النص المعرب اسم جزيرة بأكملها هي جزيرة القمر، وحوَّل خليج عمان إلى الخليج، ومعلوم كم هو الفارق بين الصيغتين.

- وعلى الصفحة 22، أيضًا، نقرأ: (ويعتقد بعض علماء السلالات أن هذه القبيلة تعود في أصلها إلى مالك بن حمزة، غير أنه من الجائز أن تكون هذه القبيلة من القبائل القديمة جدًّا، وأنه من المحتمل أن تكون مدافن لهذه القبيلة في منطقة الشحر، وقد سمى البطالسة هذه القبيلة (باسم القصابين) ولا تزال توجد فروع لهذه القبيلة في عمان إلى اليوم). أما نص المؤلف الأصلي، فهو:

(also some genealogists derive it from Malik bin Hamza, but it is probably of higher antiquity. The tomb of Khodhaa, the personification of the tribe, is said to have formerly existed in Shihr. Ptolemy calls the tribe Kattabene. Its descendants are still in Oman; it had a branch called Khaulan or Chavila, which formed a colony and dynasty in Oman, but at what time is not known.Vol 1: 5) .

وفهمي لتعريبه: (كذلك بعض علماء الأنساب يرجعها إلى مالك بن حمزة، لكن ربما تعود إلى عصر أقدم، إذ إن ضريح قضاعة، وهو رمز القبيلة، يقال إنه كان موجوداً، سابقاً، في الشحر، أما بطليموس فيسمي القبيلة القتباني[17] ، ما زالت أعقابها موجودة في عمان، ولها فرع يسمى خولان، أو الحويلة، التي كونت لها مستوطنة وأسرة حاكمة في عمان، لكن لا يعرف في أي زمان كان ذلك).

وعدا عن خطئه في تعريب الفقرة فإنه أعفى نفسه من تعريب بعض جُمَلها كقول المؤلف: (ولها فرع يسمى خولان، أو الحويلة، «Chavila» التي كونت لها مستوطنة وأسرة حاكمة في عمان، لكن لا يعرف في أي زمان كان ذلك).

ينبغي أن أعترف، هنا، بأنني في هذه الفقرة استعنت بالاجتهاد في تعريب «Chavila» بـ«الحويلة»، مفترضًا وقوع تصحيف في تهجية «Chavila» بزيادة حرف «C» في الكلمة، وحذف الحرف «H» الأخيرة منها؛ إذ إن الملاحظ أن المؤلف يعتمد على التوراة اعتماداً جوهريًّا، والوارد في التوراة هو «Havilah»، (سفر التكوين 2: 11، و10: 7، 29، و25: 18، وصامويل 15: 7، وأخبار الأيام الأول، 1: 9، 23)، أما «Chavila» فلم أقف - لا في التوراة ولا في غيرها من المصادر – على أي علم من أعلام الجزيرة العربية يلائم هذا الاسم، ومن هنا فإن فرضية وقوع التصحيف فيه غير مستبعدة.

[1]  مجلة الواحة، العدد 36، السنة 12، الربع الأول لعام 2005م، ص: 146 – 164.

[2]  The countries & Tribes of the Persian Gulf, Samuel Barrett Miles, Printed & published by Harisson & Sons, London, 1919, vol 1: Preface.

[3]  Ibid: Biographical note.

[4]  Zamorin، أو Samorin: اسم تعريبه السامري، وهو غير السامري المنسوب لفرقة السامريين اليهود. كان يطلق على الملك أو السلطان في المليبار (كارلا) حاليًّا، وربما وردت في مصنفات الهنود (ساموتري). انظر: تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين، أحمد بن زين الدين المعبري المليباري، تقديم وتحقيق وتعليق محمد سعيد الطريحي، سلسلة دائرة المعارف الهندية، نشر مؤسسة الوفاء، بيروت، ط1، 1405هـ، 1985م، ص: 198.

[5]  في الأصل: well auger, ولعلها خطأ مطبعي، auger تعني مثقب النجار، أو بريمة الثقب، وهي بعيدة عن السياق.

[6]  Oman a history by Wendell Phillips, Renal and company in association with William Morrow and company, first published 1967, Great Britain, PP: 31.

[7]  تاريخ عمان، تأليف وندل فيلبس، ترجمة محمد أمين عبد الله، إصدار وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، الطبعة الثانية، 1409هـ، 1989م، ص: 38.

[8]  Ibid, pp 33.

[9]  Ibid, pp 33.

[10]  Ibid, pp 33- 34.

[11]  تاريخ عمان، وندل فيلبس، مر ذكره، ص: 40 - 43.

[12]  Ibid, pp 34.

[13]  يقرب لفظها من قرية Bu,Abali بـ"بو عبالي" التي ذكر في مسرد قبائل عمان أن قبيلة الغافي تقطنها، إلا أنه ذكر هناك أنها تقع في الباطنة. انظر الأصل جـ2/425، والترجمة ص: 288.

[14]  معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر بيروت، بدون تاريخ، جـ2/305.

[15]  انظر: ملوك حمْيَر وأقيال اليمن، قصيدة نشوان بن سعيد الحميري، وشرحها المسمى خلاصة السيرة الجامعة، تحقيق علي بن إسماعيل المؤيد، وإسماعيل بن أحمد الجرافي، منشورات دار العودة، بيروت، ط 2، 1978م، ص: 7، والعقد الفريد، أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، تحقيق د. عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1404هـ، 1983م، جـ3/319.

[16]  ربما وقع تطبيع في عبارة المؤلف: (Hamza, after Bekra, thinks it identical with Ghuma Said al-Hodsin).

شوش صيغتها. فاضطر المترجم لإغفالها، وفي ظني أن Ghuma أراد بها كتاب كشف الغمة للمؤرخ العماني سرحان بن سعيد الأزكوي العماني، أما تعريبي al-Hodsin بالحصين فمبني على ورود هذا الاسم في قرى عسير. انظر: ملوك حمْيَر وأقيال اليمن، قصيدة نشوان بن سعيد الحميري، وشرحها المسمى خلاصة السيرة الجامعة، مرجع سابق، ص: 17.

[17]  لعلهم المعروفون اليوم ببني قتب، ويبدو أن (بلاد قطبان) الواردة في المنجد على أنها بلاد أو مملكة في جنوب غرب جزيرة العرب معربة عن لغة أجنبية، انظر المنجد في الأعلام، لجنة من المتخصصين، دار المشرق، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ط 11، 1981م. ص: 553.
مدير التحرير
226463