الشيخ الغريري
نموذج للمدرسة الأخلاقية 1318 – 1418هـ
سلمان بن حسين الحجي * - 9 / 2 / 2011م - 3:41 م - العدد (57)

مقدمة

الشيخ عبد الوهاب بن سعود الغريري(1318-1418هـ)،شخصية حافلة بالدروس والعبر،تراكمت لديها معلومات وخبرات جمة من معايشته لواقع ازدهار المرجعية المحلية في الأحساء وخصوصا بمدينته الهفوف وجارتها مدينة المبرز،فقد عاصر الحكمة السياسية لدى أستاذه الشيخ موسى بو خمسين،وشاهد الحراك الثقافي والأدبي للسيد ناصر بن السيد هاشم السلمان،وعاين الزاد الديني للشيخ عمران السليم،وارتوى من الغذاء الفكري للشيخ حبيب القرين في تصديه لمسؤولياته الدينية والاجتماعية.إضافة لدراسته لدى الميرزا علي الإحقاقي،وعمق ارتباطه بالشيخ محمد الهاجري،و الأديب الشيخ عبد الكريم الممتن، وتواصله مع ممثلي الاتجاهات الفكرية بالمنطقة وأيضاً الحراك الاجتماعي والأيدلوجي والسياسي دخول الأحساء تحت حكم الملك عبد العزيز وامارة عبد الله بن جلوي وانتقال قاعدة الإقليم إلى الدمام وخروج المولى الميرزا علي الحائري إلى الكويت، ووجهاء أمثال طاهر بوخمسين ومحمد العليو، وحسين العلي والسيد جواد السلمان ومحمد البحراني وعبد المحسن العيسى والسيد عبد الله الهاشم ومحمد البشر ووجهاء اسر آل الخرس وآل البقشي وآل الرمضان وآل أبو خمسين وآل العامر والبن الشيخ والصحاف والبحراني والأمير والحرز وغيرهم عاش الوسط في جغرافية الواحة بمدنها وقراها بمياهها ونخيلها، عاش في كنف الهفوف بسوق قيصريتها وبدكاكين حياكتها، وخياطة بشوتها، عاش في وسط تعددية مذهبية بمدينة توفرت بها أيضاً المدارس المذهبية من أهل السنة والجماعة جنبا إلى جنب مع الشيعة.

فإذا ما أضفنا لذلك سجية الشيخ الغريري السلمية التي رصدها القريبون منه وفق منهجية واحدة متى ما تحدث ومتى ما صمت،متى ما كان أمام الجمهور ومتى ما كان في جلساته الخاصة،متى ما كان أمام من يخالفونه الرأي ومتى ما كان في غرفه الخاصة.فمشروعه الإيماني يجمع لا يفّرّق،يقّرب لا يبّعد،يوحّد لا يمّزق.تلك السمة التي تقوم ركائزها على الذوبان في الآخر مع الحفاظ على كامل مرتكزات الهوية،مكنته من احترام اجتماعي لمختلف المشارب الفكرية بالساحة الأحسائية.

يرفض التحجر والجمود في نفس الوقت لا يدعم أي مشروع يعلو على السطح يشخص أن آلياته ناقصة.بل حتى المسائل التي تقع في مورد النزاع إن كانت ستقطف ثمارها وفق مشارب سلمية كان بها،وأما إذا كانت الوصفة الفكرية المقترحة ستّمرض المجتمع على مستوى التفكك والتشنج والقطيعة بين الأرحام، بمعنى أن تكاليفها الدينية من وجهة نظره لا تمثل شيئاً يذكر أمام منافعها فقطعا سيتجاهلها،ولكنه في نفس الوقت لا يشهر سيفه في وجه من يفجر بركانها.لذا كان يمتنع بهدوء عن الإجابة عن بعض التساؤلات الخلافية بما لا يتعارض مع وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،كما إذا سئل سؤالاً لا وزن له،أو أن كشف القناع عن بطون السؤال لا يضيف للسائل ثقافة يحتاجها،أو أن الخوض في الإجابة على ذلك التساؤل الفضولي والمستهدف،سيحدث شرخا اجتماعيا يبعد المجتمع مسافات عن المبادئ التي تجسد التسامح والألفة والتواد.فكان يرى أن تلك المنطقة حمراء لا يجدي النقاش فيها،بل أكثر من ذلك ومن وجهة نظره،قد تجر معها مشاكل لا حصر لها مع هشاشة ا?رضية الثقافية في مجتمعه التي لا تصمد مع طموحه على مستوى الحوار الهادف،ومساحة التعبير عن وجهة النظر،وإيضاح الحقائق بشفافية.وهذه السمة أبرزت الشيخ الغريري في ساحته الاجتماعية بمهارة مكنته من التعامل وبفن مع أطياف المجتمع المختلفة،حتى أطلق عليه بعض الأساتذة الأكاديميين بالمصلح الاجتماعي.

فقاهة الشيخ الغريري الاجتماعية برزت على السطح بحجم القرارات الصائبة التي يتخذها،أو يقدمها لمن يستشيره، أو حتى مبادرته بالنصح لمن حوله.فمنها تنبيهه لأحد الفضلاء أثناء إلقاء المحاضرات الفقهية،بأن يطلق بشمولية آراء الأعلام الفقهية بدلاً من حصر القرار الفقهي لفقيه دون غيره،إضافة لاختياره المصطلحات الدبلوماسية عندما يسأل،بما يقرب المجتمع مسافات لبعضه،ويتجنب إثارة ما يمزق اللحمة الاجتماعية،كذلك وفي هذا الشأن برزت بدقة قراءته للقرارات الطارئة،فقد أشار على أحد طلبة العلوم الدينية بأهمية مغادرة البلاد،عندما شخص أن الأجواء الساخنة المحيطة به ستجر الفتن عليه من كل حدب و صوب.وهناك مفاصل أساسية لملامح شخصية الشيخ الغريرييمكن صياغة قوالبها الإيمانية يمكن إيجازها فيما يلي:

فقد عمل في عنفوان شبابه بمهنة الحياكة،وما إن أكمل الثلاثين من العمر شخّص حاجة مجتمعه للتوجيه والإرشاد الديني،فعزم على التوجه للدراسة الدينية بما لا يعيق عمله المهني الذي يتكسب منه ويؤمّن قوت عياله.فكانت البداية بحوزة المرجع الديني الشيخ موسى بوخمسين،واستمر بعدها ما يزيد عن خمسين سنة يتنقل من حوزة لأخرى،ومن حلقة إلى مثلها،ومن حراك ديني إلى آخر،حتى أخذ ما بوسعه من الغذاء الفكري والمعرفي بحوزة أستاذه الشيخ محمد الهاجري.ت

تميزت شخصيته بالورع والتقوى والزهد في الدنيا والقناعة بما رزقه الله، كما أنه عرف عنه رحمه الله الاحتياط في الدين،ومن ذلك أنه رفض الاستفادة من الحقوق الشرعية للإنفاق الضروري على معيشته بحجة أنه لا يرى نفسه مستحقاً للأخذ من سهم الإمام الحجة بن الحسن عليه السلام،اتهاما منه لها،أو قناعة بما رزقه الله من نعم،على الرغم من مزاحمته العلماء بركبتيه،وانكبابه على متابعة الدروس الحوزوية حتى أواخر حياته.إضافة لتشخيص فضلاء عصره حاجته الماسة للحق الشرعي بحسب المؤشرات الاقتصادية المتاحة لديهم عن وضعه المعيشي،إذ أنه لم يمتلك منزلاً إلا في السنوات الأخيرة من عمره،وذلك بعد الإلحاح الشديد عليه من قبل ثلة من المؤمنين،وتصديهم لبعض تكاليف شرائه،تقديرا منهم لظرفه،ومحبة لشخصه.

كما أن من ملامح شخصيته الصمت متكئا في ذلك على قول المعصومين (الصمت حكمة)فلم يظهر منه أن يبادر بالحديث أو أن يسهب في النقاش أو أن يتصدر المجلس بالتعليق والتحليل لما يدور حوله،نعم تنفتح شخصيته المرحة والمليئة بالحيوية والنكات أمام الخواص من صحبه، يغذيهم بما يحمله من زاد ديني،ويدخل السرور على قلوبهم بما في جعبته من مواقف طريفة،أو تعليق مباشر لا يخلو من الطرفة على ما يجري حوله من أحداث،على الرغم من أنه واجه عبر مسيرة حياته صعوبات كثيرة،وقد قاوم من أجل إخفائها عن الملأ مع أنها أخذت منه مأخذاً نفسيا كبيراً.

كما أن من السمات العامة في شخصيته أن يحيل السائل إذا ما احتاج الأمر للتوضيح في المسائل الفقهية والعقدية إلى أستاذه الشيخ محمد الهاجري.

كما أن من نشاطه الديني إقامة صلاة الجماعة،بالمسجد الجامع في حارته والمعروف حالياً بمسجد الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف بالفريج الشمالي بمدينة الهفوف،وكانت البداية بأمر من الميرزا علي الإحقاقي[1] ، وقيل بأمر الشيخ حبيب القرين[2] ، واستمر ينشر الأحكام الدينية عبر المحراب بين أبناء المجتمع لمدة تزيد عن خمس وأربعين عاماً،وينور دربهم بما في جعبته من خبرات متنوعة.كما أنه حج واعتمر لبيت الله الحرام مرشداً ما يزيد عن سبع سنوات.

ونحن إذ نجدد الكتابة عن هذه الشخصية الإيمانية، للحاجة الماسة لكتابة سير الأعيان وتلبية لطلب بعض أقاربه ومحبيه نظراً بأن ما كتب عنه في الكتاب السابق والذي حمل اسم قبسات من حياة الشيخ عبد الوهاب الغريري والذي جمعناه

وأعده الملا علي العساكر،لم يتناول كافة المفاصل الهامة في حياة المترجم له خصوصاً أننا بحاجة إليها في مجتمعنا

بهدف استلهام العبر والدروس من شخصه،والتي تتوافق قوالبها مع سيرة العظماء الصالحين بما تغطيه لمرحلة حاسمة خلال قرن من الزمن.

ومع قلة المصادر الأحسائية التي غاصت في الكتابة عن حياة رجالها وشخصياتها العلمية ومنهم الشيخ الغريري، ولكونه لم يرصد له كتابات عملية سابقة تتيح الفرصة للمثقفين والباحثين تحليل شخصيته، ونظرا للحاجة الماسة إلى مثل هذه الدراسة فقد قمت بمشروع لدراسة شخصية الشيخ إن شاء الله يرى النور اعتمدنا على جمع المعلومات من خلال المقابلات مع معاصريه ومن خلال معرفتي الشخصية به.

[1]  مقابلة مع موسى بوهويد من كتاب آباء وأجداد

[2]  مقابلة مع السيد عبد الله الشخص،ويرفض هذا وذاك الشيخ صالح السلطان،ويقول الشيخ الغريري الرسالة العملية هي التي قدمته لإمامة المؤمنين في صلاة الجماعة،فإيمانه وتقواه ولغته العربية كلها شروط متوفرة فيه.
كاتب - السعودية.
219239