الشيعة
(فلفريد بوختا) - 1
حسن البريكي * - 9 / 2 / 2011م - 3:57 م - العدد (57)

الناشر: ديدرش كوم باكت

بلد النشر: المانيا

رقم الطبعة: الأولى

تاريخ النشر: 2004

مقدمة المترجم

كان من عادتي - حين أزور مدينة من المدن - أن تكون زيارة المكتبات على رأس أولوياتي، وفي أحدى تلك الزيارات عثرت على كتاب الدكتور بوختا في مكتبة في فرانكفورت في أحد الرفوف المنعزلة، غير أن عنوان الكتاب “الشيعة: أثار فيّ الفضول، فاشتريته بنية الإطلاع عليه لا أكثر. لكنني - حين انتهيت من قراءته - وجدتني كمن عثر على ضالة، حينئذ حدثتني نفسي بالشروع بمغامرة ترجمته إلى العربية، شجعني على ذلك ما فيه من مضمون له صلة بتطورات حياتنا في الشرق، وضرورة أن نرى أنفسنا في عيون الآخرين.

إنَّ قرب الإنسان من جوانب الحياة التي تحيطه قد تعميه عن رؤية موضوعية صحيحة.

الكتاب صغير الحجم لكن صاحبه أراد منه تقديم صورة قريبة من الواقع لأبناء قومه، وكم نحن في حاجة إلى مثل هذه النظرة، وأرجو أن يشاركني القراء في انطباعي هذا.

فيما يتعلق بالكاتب: فيلفريد بوختا فإن السطور الآتية تلقي بعض الضوء عليه.

ولد المؤلف فيلفريد بوختا عام 1961، ودرس العلوم الإسلامية، وعلوم السياسة وعلوم الأديان في جامعة فريدريش فيلهلم في بون.

في هذه الجامعة حصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية عام 1997م.

قام المؤلف - منذ عام 1990 - بعدة رحلات ميدانية استكشافية لكثير من البلدان الإسلامية بضمنها مصر والعراق والكويت والأردن والسعودية وباكستان وسوريا، لكن إيران نالت نصيب الأسد من زياراته المتكررة، بل إنه أقام في إيران عاماً ونصف ابتداءً من عام 1992.

للسيد بوختا مجموعة من البحوث نشرها في دوريات متخصصة عن إيران وغيرها، لكن كتابه (من يحكم إيران؟ هيكلية السلطة في الجمهورية الإسلامية).. كتاب معروف في البلدان الأنجلوسكسونية، بل سائر أوروبا، بل إنه تُرجم إلى العربية عام 2003 من قبل مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية في أبو ظبي.

وفي الأخير لا بد من تأكيد القول أن ما ورد في الكتاب يعبر عن رأي مؤلفه.

مقدمة المؤلف

يكاد لا يمرُّ علينا يوم دون أن تأتينا أخبار من الشرق الأدنى والأوسط، تحمل في أبرز عناوينها أخباراً عن الشيعة، وكان هذا الاتجاه قد بدأ في عام 1978- 1979 مع الثورة التي قادها آية الله روح الله الخميني في إيران، ثم تواصل هذا الاتجاه في الثمانينيات مع الحرب الأهلية اللبنانية وأخبار الرهائن هناك، لكي يصل إلى ذروته في صراعات ما بعد حرب العراق، وما نتج عنها من الإطاحة بنظام صدام البعثي الديكتاتوري.

ومع التفاوت والاختلاف في جوهر هذه الأحداث، من حيث مناسباتها وظروفها المصاحبة، إلا أنها ظلت تحمل معها قاسماً مشتركاً هو: البروز الدائم لظاهرة الجماعة الدينية للشيعة في بحثها عن الاعتراف، أو سعيها لحقوقها الاجتماعية والسياسية.

إن الانطباع العام الذي خلَّفته هذه الأحداث في أذهان بعض المراقبين الغربيين حول هذه الحركات كونها تميل - في الأصل - إلى العنف، وأنها متوجهة لإحداث انقلابات ثورية إسلامية، هي انطباعات ضالة.

والأصح أن ثمة أسبابًا في الصراع الحالي يمكن الكشف عن جذورها التاريخية في كون تاريخ هذه الجماعة هو في الغالب تاريخ أقلية إسلامية معارضة، عانت كثيراً من المطاردة، والتهميش عبر التاريخ.

لقد تشكلت نظرة الشيعة لهذا العالم من هذا المنطلق، وصدرت رؤيتهم للأنظمة السياسية والاجتماعية القائمة من هذا المنظار الثابت.

لقد تناسج الديني والسياسي عند الشيعة على نحو خاص، وهذا ما استدعى وصول المراقبين بكل خفة إلى نتيجة مؤداها أن >الشيعة< هم قوة سياسية أو مجموعة تحريض.

إن هذا الكتاب يتناول الأسس الدينية والطقوسية، كما يتناول الأسس اللاهوتية والتاريخية والاجتماعية للشيعة، كذلك سيتعرض لطيف الاتجاهات السياسية عند كل من الإيرانيين والعرب الشيعة في مناطقهم في العالم الإسلامي.

هذان العاملان على غاية من الأهمية، ويساعدان على تفهم وضع الشيعة كمجموعة فاعلة في الصراع السياسي الراهن.

في الحين ذاته يتوجب تصفية بعض الأحكام المسبقة، وسوء الفهم المتعلقة بالشيعة، والسعي إلى تصحيحها.

أولى هذه الأحكام اعتبار أن الشيعة، بالإجمال، يمثلون الصيغة الإيرانية النوعية للإسلام، حقاً هناك من يعادل إيران بالشيعة، باعتبار أن الشيعة في إيران يمثلون بين 80 - 85% من السكان، إلا أن هناك بلدانًا أخرى - غير إيران - يمثل فيها الشيعة غالبية السكان، كما هو الحال في البحرين 70%، وأذربيجان 65 - 75% والعراق 60 - 65%، كما يشكل الشيعة أكبر طائفة سكانية في لبنان 40%، كذلك توجد أقليات شيعية صغيرة في السعودية 5%، وسوريا 10%، والكويت 30%، وأفغانستان 20% وباكستان 15 - 20%، والهند.

وبالإجمال يقدر تعداد الشيعة في العالم - بما فيهم من يعيش في الشتات - بنحو 120 مليونا.

حقًّا إن إيران هي البلد الإسلامي، الذي يعيش فيه الشيعة منذ تأسيسها عام 1501 كدولة للشيعة على أيدي الصفويين، لم تزل هي البلد الذي يتمتع، حتى اليوم، بمستوى قوي متميّز في الشؤون السياسية والثقافية والاجتماعية، على أن العراق هو، حقًّا، المهد التاريخي المتميز للإسلام الشيعي.

فعلى أرض العراق توجد أماكن الزيارة المقدسة التي تحتوي رفات ستة من الأئمة الاثني عشر، الذين يمثلون - في مفهوم الشيعة - القادة الشرعيين للجانبين الديني والسياسي للمسلمين.

في العراق - في فترة القرون - الوسطى تأسس اللاهوت الشيعي، وكما هو الحال بالنسبة للإسلام كونه ظاهرة عربية فإن التشيع هو، أيضاً، ظاهرة عربية حقيقية، يتكشف ذلك من واقع أن جل الآثار المكتوبة للشيعة مدونة باللغة العربية، بما فيها تلك التي كتبها العلماء الفرس، ومازالت العربية هي اللغة التي لا تُنازَع في المدارس الدينية في إيران، ويمثل الشيعة حوالي ثلثي سكان العراق.

يحمل مصطلح الشيعة في اللغة العربية مفهوم الحزب، واسم الشيعة يعني هنا حزب الإمام علي، ويقصد، بذلك، تلك الجماعة التي انتصرت للإمام علي فيما طرأ من نزاعات على خلافة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، بعد مقتله في عام 656هـ، ودفاعهم عن قضية ابن عم الرسول، وزوج ابنته، الذي ولد عام 598م.

في البدء كان الشيعة فصيلاً في صراع القوة ضمن الجماعة الإسلامية الأولى >الأمة<، وكان جوهر الصراع يدور حول الشخص المؤهل شرعيًّا ودينيًّا (أي حول الإمام: القائد، إمام الصلاة)، لكن الشيعة الذين كانوا الحزب المغلوب، قد دفعوا دفعاً على مر السنين لموقف المعارضة، خاصة مع بدء القرن الثامن، طوروا لأنفسهم سمات دينية خاصة، تجاوزت أسباب نشوئهم السياسي، وصاروا - منذ ذلك الحين - يتميزون بوضوح عن أتباع الفريق المنتصر، جماعة السنة.

أما مفهوم السنة الذين ينطوي تحته - في زمننا الحاضر - الغالبية العظمى من المسلمين، فيستمد من المفردة العربية >سنة< بمعنى عُرف، أو ما جرت عليه العادة، وتعني في هذا السياق التأسي بالسيرة والاقتداء بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبصحابته في كل مناحي الحياة.

هذه السنة ملزمة للمسلمين السنة، وهي تتمثل في الأقوال الجديرة بالثقة التي تناقلها عن الصحابة المقربين، وهي ما يعرف بالحديث.

من الخصوصيات الدينية للشيعة اعتقادهم بالأحقية الوحيدة لشرعية الإمام، وما يتأسس على ذلك من وجود شريعة خاصة، كما يتميز الشيعة بطقوس واحتفالات ومزارات خاصة، وبمناخ ديني يفرقهم عن السنة، وتتميز بالتعلق بإبداء المشاعر، كما أن الشيعة يتميزون بوجود طبقة علمائية، ليست موجودة بهذه الصورة عند السنة.

غير أن هذه الفروق بين السنة والشيعة - التي سيأتي التعرض لها فيما بعد - لا تجعل الشيعة ذوي دين خاص بهم، كل ما هنالك أن الشيعة تمثل اتجاهاً ضمن الإسلام.

تعتبر الشيعة الإمامية الاثني عشرية هي أهم وأكبر مجموعة شيعية، وحين يُذكر الشيعة في سياق هذا الكتاب، فإن المقصود هم الشيعة الإمامية.

الشيعة الاثنا عشرية، أو الإمامية، يؤمنون بخط نسب واحد للأئمة الاثني عشر، هؤلاء الاثنا عشر إماماً منحدرون مباشرة من النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم ملهمون من الله، ومعصومون - لاهوتيًّا، وعرفاً - عن الخطأ.

كذلك سيجري استعراض سائر الفرق الشيعية من مثل الشيعة الخماسية، والشيعة السباعية، وكذلك العلوية عندما يكون ذلك لازماً.

الشيعة: المولد والنشأة التاريخية

محمد والمجتمع الإسلامي الأوَّلي في المدينة

نشأ الإسلام في جزيرة العرب في مفتتح القرن السابع الميلادي، كأحدث دين وحي بين الثلاث الأديان الموحدة. مؤسس هذا الدين هو النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة بين 570 - 632م هذا النبي هو سليل بني هاشم من قريش، وكانت مكة - وهي مدينة صحراوية - تمثل مركزاً لقريش، وتعتبر مركزاً هاماً للخط التجاري بين جنوب جزيرة العرب والهلال الخصيب.

هذه التجارة مع الدول المجاورة المتحضرة حملت لقريش المال والثروة، وترتب على ذلك أن تضافرت أفخاذ قريش على إنشاء تقاليد الاوليجاركية التجارية.

 كانت قريش تعتقد بتعددية وثنية للآلهة، وحين دعا الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ابتداء من عام 610م لعبادة إله واحد لم تستطع قريش تقبل هذه الدعوة وكان هذا مبتدأ الفراق.

تصاعد العداء ضد النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن اضطره خصومه على الهجرة من مكة عام 622م حيث توجه مع فريق قليل من أصحابه إلى المدينة، وعام الهجرة هذا أصبح - فيما بعد - بداية التقويم الإسلامي.

لقد احتضنت المدينة محمداً بحماس بالغ، واستطاع - بمناصرة مؤيديه - أن يؤسس المجموعة الإسلامية الأولى (الأمة) التي ما لبثت أن تمددت واتسعت، ولم يحقق النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - بعد أشكال من الصراع - دخوله المنتصر في مكة عام 630، وحسب، وإنما تجاوز ذلك إلى ضم معظم القبائل في جزيرة العرب، تارة بالقوة وتارة بالإقناع.

إن السلام الذي فرضه النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على قبائل الجزيرة، وهو السلام الإسلامي، ترتبت عليه نتائج بالغة الأهمية، أبرز هذه النتائج هي أن هذه الغلبة لم تخلِّص هذه القبائل مما كان يقع بينها من حروب وثارات وحسب، وإنما أطلقت العنان لطاقاتها لمحاربة خصوم الإسلام في الخارج.

اختار الله النبي محمد لجواره عام 632م غير أنه لم يخلف ولداً ولم يعين خلفاً له يقود الأمة.

انقسام المسلمين إلى سنة وشيعة

يرجع نشوء التشيع لأسباب اختلاف التوجه ضمن الجماعة الإسلامية بين صحابة النبي المقربين بعد وفاة الرسول، وقد استمد هؤلاء الصحابة نفوذهم، في مجتمع المدينة الإسلامي، من انجازاتهم في المحافظة على الدين، وقد اشتعل الخلاف بينهم على أنهم أحق بخلافة الرسول وقيادة الجماعة الإسلامية.

تولى كلٌّ من أبي بكر وعمر - وكلاهما أبوا زوجتين من زوجات النبي - قيادة حزب الأغلبية، على أساس أن الرسول لم يعين خلفاً له، وتبعاً لذلك فإنه - بحسب تقديرهم -يمكن اختيار خليفة من بين صفوفهم.

مقابل ذلك كان حزب الأقلية يزعم أن محمداً أوصى أن يكون علي بن أبي طالب خليفة.

معروف - في التراث الإسلامي - أن عليًّا كان بين حفنة قليلة من الناس هم من أوائل من تقبلوا وحي الرسالة، وأوائل من أسلموا، وفي السنوات الممتدة بين 622 و632 - حين كان الرسول منهمكاً في وضع الأسس التنظيمية والسياسية والدينية لإمبراطورية الإسلام القادمة - كان علي بن أبي طالب المعِين الأقرب، وازدادت هذه القرابة قوة بزواج علي من ابنة الرسول فاطمة.

استطاع حزب الأغلبية أن ينفذ خطته، ويعين - أخيراً - أبا بكر، أول خليفة للمسلين (632 - 634)، وقام أبو بكر بتعيين عمر خلفاً له، قبل موته بفترة قصيرة، وحين اغتيل عمر، اختار أصحاب محمد المقربين، ومن -بينهم علي -عثمان بن عفان (656 - 644)، وهو من فخذ أمية خليفة ثالثاً.

وقد امتدت دولة الإسلام في زمن الخلفاء الثلاثة الأول بسرعة تنحبس لها الأنفاس، واستطاع العرب في حملات فتوح متتابعة من انتزاع إقليمي سوريا ومصر من المملكة البيزنطية، كما سيطروا، تماماً، على كل أراضي المملكة الساسانية، فيما يعرف اليوم بإيران ووادي الرافدين (العراق).

كما بادر بعض قادة الجيش الإسلامي لاختراقات هنا وهناك فيما يعرف اليوم بأراضي المغرب وآسيا الوسطى والهند.

لم يقف علي موقف المعارض لاختيار عثمان رغم ما يحمله من تحفظ عليه، لأسباب تعود لخشيته من هشاشة الوحدة في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت، غير أن هذا الموقف لم يقض على التوترات الحادة بين صحابة النبي، كل على حدة، أو بين التجمعات القبلية وسواها، وذلك ما أوضحه موت عثمان نفسه، حيث قتل في المدينة من قبل متمردين في عام 656م، وكانت محسوبية عثمان هي التي ألهبت غضب معارضيه، وخاصة محسوبيته تجاه أقربائه من العشيرة الأموية، الذين مكنهم من تقلد المناصب القيادية في البلدان المفتوحة.

وقد أيقظ حادث مقتل عثمان الخوف في قلوب كثير من المسلمين الأوائل، إن هذا الحادث لصورةٌ من تسلط فرع أمية - وهم من كانوا، في السابق، على سلم السلطة الوثنية في مكة - على مفاصل النفوذ في الدولة الإسلامية العتيدة.

لقد كان بنو أمية - ما عدا عثمان - أكثر من خاض الحروب والمعارك ضد رسول الإسلام، ولم يتقبلوا الإسلام إلا أخيراً بعد أن خسروا معاركهم مع الدين الجديد، ودفعهم لتقبل الدين الإسلامي من ثم بمحض دوافع انتهازية.

اجتمع القادة في المدينة عام 656م، واختاروا عليًّا خليفة رابعاً، غير أن هذا الاختيار ما لبث أن تعرض للهجوم من قبل عناصر من بني أمية سبق أن تركت المدينة صوب الشام، وكان على رأس هؤلاء معاوية بن أبي سفيان، أحد أقرباء عثمان ووالي الشام القوي، الذي اتهم عليًّا بالتواطؤ على قتل عثمان، ومن ثم قام يطالبه بدمه.

نشبت حرب أهلية بين شيعة علي وأنصار معاوية. لم يكن علي يسيطر على سوى مدينتي الكوفة والبصرة، وبعض مناطق على الجانب الشرقي من إيران، وهذه جميعها لم تكن قواعد قوة بالمعنى الحقيقي، وترتب على ذلك أن خسر علي نفوذه خلال المعارك المتلاحقة لصالح معاوية، وجاءت نهاية علي على يد أحد الموتورين طعناً في مقر إقامته بالكوفة عام 661م.

وبمقتل علي أزيلت آخر العقبات أمام معاوية لتأسيس خلافته، وهكذا صار معاوية مؤسساً لدولة بني أمية (661 - 750) وصارت دمشق عاصمة للدولة الإسلامية.

بعد موت والدهما، عاد الحسن والحسين إلى المدينة، وما لبث الحسن أن تنازل بموجب اتفاق بينه وبين معاوية في عام 661 عن حقه في الخلافة، أما الحسين الذي يلي الحسن في السن فقد التزم الصمت على هذا الاتفاق المعقود بين معاوية وأخيه حتى وفاة الحسن عام 680م، ونحا أنصار علي منحى الحسين في موقف الترقب والانتظار، وكانوا في موقعهم القوي في الكوفة يتحينون انعطاف الأحداث ليقرروا ما هم فاعلون.

كانت فترة خلافة علي القصيرة - في نظر الشيعة حتى هذه اللحظة - هي المرحلة الوحيدة بعد موت محمد التي كانت تتمتع بالشرعية، أما الخلفاء الذين سبقوا الإمام علي على تولي الخلافة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان، فلا يرونهم شرعيين.

ومازالت المواكب الشعبية واحتفالات الشيعة منذ قرون تحفل بالشتائم والتعيير لهؤلاء الخلفاء ولكثيرين آخرين من أعداء علي الأمر الذي يستثير صراعات بينهم وبين السنة، لأن هؤلاء يجدون فيما يقوم به الشيعة ضرباً من الاستفزاز.

توالت على الشيعة سلسلة استشهاد الأئمة بعد موت علي، ولم ينته هذا المسلسل إلا عام 873.

يحتل علي في المخيال الشيعي الأسطوري مكانة مثالية بارزة، فهو تجسيد للشاب القوي، وبطل يملك قوة خارقة، إضافة إلى ملكة بلاغية لا تضاهى، وحكمة بالغة.

لقد أصبح قبره قرب الكوفة مزاراً شيعيًّا بامتياز منذ القرن الثامن، وأصبح هذا المزار الخلية الأولى لنجف اليوم، التي صارت أحد أهم المراكز الدينية والعقلية للشيعة.

أئمة الشيعة الاثنا عشر

أنجب الإمام علي من ابنة الرسول فاطمة ولدين هما الحسن والحسين وقد تنازل الحسن عن أحقيته في السلطة وعاش في المدينة عيشة ثري غير مشارك في أمور السياسة. يبدو أنه استمتع بحريمه المكون من زوجات كثر أنجب منهن نسلاً كثيراً ومات عام 678 على وجه الافتراض، ويعتقد الشيعة أن معاوية قد حرّض إحدى زوجات الحسن على قتله بالسم.

وحين عيّن معاوية ابنة يزيد خليفة من بعده عام 680 رأي الحسين أن ساعته قد دقت.. وقد ساعده على هذه الحركة تشجيع كثير من مناصريه في الكوفة الذين نظروا إليه بمثابة الخليفة الشرعي، وهذا ما دفعه لإعلان عدم الطاعة ليزيد وسار مع جمع قليل من أتباعه إلى الكوفة في العراق ومن ثم توجه نحو الشمال قليلاً إلى كربلاء الواقعة على الفرات.

في كربلاء حاصر جيش يزيد المتفوق عدة وعدداً الحسين وأنصاره وكان أن قتل الحسين عام 680م. في المنظور الشيعي فإن قتل الحسين وهو الخليفة الشرعي الثالث للجماعة الإسلامية بعد علي والحسن يعتبر استشهاداً، وقد صار هذا الاستشهاد هو الأسطورة المركزية المؤسسة للشيعة ويعد يوم العاشر من المحرم وهو يوم عاشورا ذروة الاحتفالات الشيعية، لقد حوّل استشهاد الحسين الشيعة إلى ظاهرة دينية، بعد أن كانوا فيما مضى مجرد فريق من فرقاء صراع القوى ضمن المجتمع الإسلامي.

بعد استشهاد الحسين في كربلاء أُحضر علي بن الحسين -وهو الوحيد من بين ابنائه الذين نجوا من مجزرة كربلاء- إلى بلاط يزيد في دمشق لكنه ما لبث أن نفاه إلى المدينة ليعيش في منفاه الداخلي في شرف واحترام.

علي بن الحسين.. الإمام الرابع للشيعة الذي يكنى بزين العابدين ظل بعيداً عن المشاركة السياسية حتى موته في المدينة عام 713م. أما الإمام محمد الباقر >باقر العلم< وهو ابن الإمام علي زين العابدين فيعتبر الإمام الخامس وقد توفي عام ي733م في المدينة، لكنه أبتعد طوال حياته عن إبداء طموح سياسي.

ويمكن القول نفسه عن الإمام السادس جعفر الصادق المتوفى عام 765م، فقد اختار الإمام الصادق الابتعاد عن المشاركة الفعالة التي كانت تهيأ للانقضاض على الأمويين واستبدالهم بالعباسيين واتجه بكليته للانقطاع للعلم في المدينة. وقد انكب الإمام الصادق على جمع آثار الرسول وسيرته وقام على شرحها، حتى صار بهذه النشاطات مؤسساً للشرع الشيعي الاثني عشري وغدا بالتالي مؤسساً لمذهب الشيعة، الذي يسمى المذهب الجعفري أحياناً.

هكذا احتل موقعه في التاريخ. وعلى الرغم من كون الشيعة كانوا في البداية من أنصار انتقال السلطة إلى العباسيين إلا أن هؤلاء ما لبثوا سريعاً أن دفعوا الشيعة إلى المعارضة، رغم ما للشيعة على العباسيين من دين. معلوم أن العباسيين ينتمون إلى عشيرة النبي، ومع ذلك فما أن تسلم العباسيون مقاليد الخلافة حتى راحوا ينظرون إلى الشيعة بإعتبارهم خصوماً خطرين ومنافسين على العرش، ولذا ظلوا يراقبونهم وينظرون إليهم نظرة ملؤها الريبة والحذر.

استدعت مخاوف خلفاء بني العباس من طموحات أئمة الشيعة للسلطة سيما وأنهم ظلوا يتمتعون بتعاطف واسع عند جماهير الشعب، أن يرحلوا هؤلاء الأئمة من المدينة للإقامة في العاصمة الجديدة بغداد وأسكنوهم قصوراً خاصة، لكنهم أبقوا في وضع الأسرى يراقبون عليهم حركاتهم وسكناتهم.

وكان الإمام موسى الكاظم سابع أئمة الشيعة الأول بين هؤلاء الأئمة الذين عاملهم العباسيون كأسير قصر، وجاء موته المبكر عام 799م كما تدونه المرويات الشيعية أثر حادثة تسميم دبرها له هارون الرشيد المتوفى عام 809م وقد وارى الشيعة جثمانه في ضاحية في شمال بغداد أسميت على اسمه بـ >الكاظمية< وأصبحت الكاظمية بحكم ضريح الإمام هذا مزاراً مشهوراً للشيعة.

تولى المأمون الخلافة العباسية بعد رحيل هارون الرشيد لكنه أقام في المحيط الشمالي الشرقي لمملكته فيما يدعي اليوم مدينة مريم في تركمنستان، وأمر في عام 816 بترحيل الإمام الرضا إليه حيث يقيم، وحين اضطر المأمون للتوجه إلى بغداد ليحبط ثورة بلاط قامت ضده توفي ولي عهده علي الرضا عام 818 في مدينة طوس الواقعة شمال شرقي إيران حيث وري الثرى في مكان قرب ضريح الإمام الذي دعي >مشهد< قامت خلال بضع عقود مدينة تحمل الاسم نفسه هي مدينة مشهد وبحكم وجود ضريح الإمام الرضا فيها صارت مدينة مشهد منذ ذلك الحين المحجة الرئيسة لشيعة إيران، خاصة وأن هذا الضريح هو الوحيد لإمام شيعي ووري الثرى في إيران.

أئمة الشيعة الإثنا عشر:

 

الاسم والكنية

سنة ومكان الوفاة

الضريح

ملاحظات

الإمام الأول ورابع الخلفاء

علي بن أبي طالب

661 في الكوفة أغتاله أحد الموتورين

النجف - العراق

ابن عم النبي محمد وزوج ابنته فاطمة

الإمام الثاني

الحسن

توفي عام 678 في ظروف لم تتوضح

المدينة المنورة

أكبر أبناء علي، ويعتقد الشيعة أن خلفاء نبي أمية قضوا عليه بالسم

الإمام الثالث

الحسين

استشهد في كربلاء عام 680 على أيدي جيش الخليفة الأموي يزيد

كربلاء - العراق

أصغر ابناء الإمام علي يعتبره الشيعة >سيد الشهداء<

الإمام الرابع

علي زين العابدين

مات عام 713م

المدينة المنورة

ابن الحسين الوحيد الذي نجا في كربلاءـ ويعتقد الشيعة أنه مات مسوماً

الإمام الخامس

محمد الباقر (باقر العلم)

مات في المدينة عام 733م

المدينة المنورة

حسب اعتقاد الشيعة مات هذا الإمام مسوماً

الإمام السادس

جعفر الصادق

مات عام 765م

المدينة المنورة

حسب اعتقاد الشيعة مات بالسم على يد العباسيين

الإمام السابع

موسى الكاظم

مات عام 799م

الكاظمية بغداد العراق

حسب اعتقاد الشيعة مات بالسم على يد العباسيين

الإمام الثامن

علي الرضا

مات في طوس عام 818م

مشهد إيران

حسب اعتقاد الشيعة مات بالسم على يد العباسيين

الإمام التاسع

محمد الجواد

مات عام 835 في بغداد العراق

الكاظمية بغداد العراق

حسب اعتقاد الشيعة مات بالسم على يد العباسيين

الإمام العاشر

علي الهادي

مات في سامراء عام 886

سامراء العراق

حسب اعتقاد الشيعة مات بالسم على يد العباسيين

الإمام الحادي عشر

الحسن العسكري

مات في سامراء عام 873

سامراء العراق

حسب اعتقاد الشيعة مات بالسم على يد العباسيين

الإمام الثاني عشر

الإمام المهدي

 

 

يعيش في الغيبة وفق اعتقاد الشيعة

المزار الثاني - من حيث الأهمية، في نظر شيعة إيران - هو مزار فاطمة المعصومة، أخت الإمام الرضا التي كانت في طريقها لزيارة أخيها، لكنها مرضت - أثناء السفر في وسط إيران - وماتت في قم عام 817، تقوم على المسجد الذي يؤوي ضريحها قبة ذهبية هي، الآن، رمزٌ لمدينة قم التي تعتبر مركز الحوزة الدينية.

حين خلف المعتصم أخاه المأمون استدعى الإمام محمداً الجواد - الإمام التاسع - عام 835 من المدينة إلى بغداد، ومات الجواد في العام نفسه، وكان قد بلغ، لتوِّه، عامه الرابع والعشرين، وقد ووري الثرى في الكاظمية مدفن جدِّه موسى الكاظم.

يذكر أن المعتصم أسس عاصمة جديدة هي سامراء عام 836م، وكان على الأئمة أن يتبعوه إلى مقر إقامته الجديد.

مات الإمام علي الهادي - الإمام العاشر - عام 868م في سامراء، ثم ما لبث أن لحقه الإمام الحسن العسكري في عام 873م، وقد ووري الإمامان الثرى في بيت الأسرة، وهو المكان الذي أقيم عليه ضريح هذين الإمامين فيما بعد.

أدى موت الإمام الحادي عشر إلى انقسامات في الوسط الشيعي، وذهب المسلمون السنة الذين كان غالبية الشيعة - في البدء -يأخذون برأيهم، أن الحسن العسكري لم يخلف نسلاً، لكن مجموعة من بين فصائل الشيعة المنقسمة، ادَّعت أن للإمام العسكري طفلاً أنجبته له عبدة بيزنطية عام 865 أسماه محمدًا المهدي، واستطاع هذا الفصيل الشيعي أن يتغلب على كل الفصائل المنافسة بالقول إن الإمام العسكري عمل على إخفاء ولادة ابنه عن الجمهور حماية له من أعين الخلفاء العباسيين، واقتصر العلم بابن الإمام على مجموعة مختصة من أفراد الأسرة، وآخرين ممن هم موضع ثقة واطمئنان، وقد رأى هؤلاء وجه الإمام الثاني عشر، قبل أن يتولى الله - في عام 874م، بحكم معجزة من عنده - نقله من سرداب بيت الأسرة إلى مكان سري آمن، وهو الحدث الذي يؤرخ لبدء الغيبة، حيث سيعيش هناك حتى موعد ظهوره ذات يوم.

مفهوم الغيبة الكبرى

في التصور الشيعي سيعود الإمام الثاني عشر في آخر الزمان ليشيع الأمان، ويخلِّص البشر مما هم فيه من عنت وطغيان، وسوف يقضي على الظلمة والطواغيت على وجه الأرض، كما سينهي الانقسام الإسلامي، ويساعد على نصر الشيعة وهزيمة أعدائهم.

لكن قبل ظهور المهدي ستقع - حسب الاعتقاد الشيعي -حوادث تشبه أشراط الساعة؛ مثل كسوف الشمس، وطواعين الجراد، والزلازل والأعاصير.

وبعد عودته في مكة المكرمة، سيقيم المهدي - وفق الاعتقاد الشيعي - ما يشبه الفردوس على الأرض تسود فيه العدالة، وتشمل العالم بكامله لنحو سبع أو تسع سنوات، وتقول المروِيَّات الشيعية أنه ربما أعقب ذلك يوم القيامة حيث سيخرج الأموات من قبورهم.

بقي الإمام المهدي الغائب لبضع عقود بين 874 حتى 941م على صلة بأتباعه من الشيعة عبر أربعة من السفراء، حيث تولى الإشراف على هؤلاء السفراء بطريق غير مباشر، وحين توقفت هذه الفترة الزمنية عرفت بـ (الغيبة الصغرى).

الغيبة الكبرى

لم يحقق مفهوم غيبة الإمام الثاني عشر نصره على تعاليم الأئمة السابقين بشكل حاسم إلا بعد ما يناهز القرنين، وقد تحقق نجاح هذا المفهوم بفضل ما قام به الفقهاء الشيعة بين القرنين التاسع والعاشر من ضبط وتصنيف مرويات الأئمة، وقد تم ذلك في كل من قم وبغداد.

لقد استطاع هؤلاء الفقهاء - بفضل دفاعاتهم ومطاراحاتهم مع الخصوم - أن يجعلوا الشيعة الإثني عشرية - وهم الذين يؤمنون بخط نسب الأئمة - أن يثبتوا وجودهم ضد كل خصومهم.

ولقد انصب جهد فقهاء الشيعة الأوائل ضد توجهين:

الاتجاه الأول: يتعلق بمجموعة المهووسين الغلاة، وهؤلاء ظلوا خارج التيار الشيعي العام.

لقد كان الغلاة محط اعتراض السنة والشيعة الإمامية على حد سواء؛ لتعلق الغلاة بتأليه الأئمة، ولممارساتهم الوثنية.

لقد ربط الغلاةُ الاعتقادَ بالأئمة بمفاهيم تناسخ الأرواح، والخلاص، وهي مفاهيم ترتبط بعقائد ما قبل الإسلام، ومفاهيم الهلينية، والمسيحية الأولى، حيث تزعم كتابات الغلاة - في هذا الصدد - أنهم يستمدونها من تعاليم الأئمة.

من أهم مجموعة الغلاة تلك المجموعة التي تعيش في لوريستان، غرب إيران، وهي تطلق على نفسها كنية: >أهل الحق<، إنهم من - حيث العدد - أقلية ضئيلة، ثم يليهم النصيريون الذين يؤلهون الإمام علي، وسموا العلوية أو العلويين.

فرقة العلويين - التي تعود في أصولها إلى الوسط الديني في بغداد في القرن التاسع – تعيش، الآن، شمال غرب سوريا، في الجبال المحاذية للسواحل، وفي جنوب تركيا بين أضنة وطرسوس.

لقد لعبت هذه المجموعة دوراً في الحياة السورية منذ انقلاب الجناح العسكري في حزب البعث عام 1970م، وبحكم تسنُّمهم، تقليديًّا، لأغلب مراكز الضباط في الجيش السوري، فإن العلويين يمسكون بكل أجهزة الحزب والحكومة.

إن الراحل حافظ الأسد وابنه بشار هما من العلويين، الذين يشكلون حوالي 11% من مجموع السوريين.

ثمة تيار شيعي آخر نشأ من خلاف الشيعة على خط نسب الأئمة، ومن وجهة نظر هؤلاء ينبغي النظر إليه على أساس كونه المثال الشرعي، وحامل لواء الوراثة، ينطبق ذلك على الفرقة الزيدية وهم الشيعة الخماسية، والشيعة السباعية >الإسماعيلية<، وكلتاهما تختمان الأئمة المختارين، إلاهيًّا، بالإمام الخامس عند الزيدية، والإمام السابع عند الإسماعيلية.

وعلى حين انحصرت الزيدية في قبائل الجبل في شمال اليمن، فإن الإسماعيلية قطعت صلاتها بالأصل العربي وأصبحت فرقة دينية متعددة الثقافات وذات انتشار عالمي.

ثمة مجموعات صغيرة من الإسماعيلية في الهند وشرق أفريقيا وحول جبال كاراكورام[1]  في باكستان، وفي سوريا وفي إيران وفي لندن. حيث مقر عميدهم آغا خان.

[1]  كاراكورام: Karakoram range سلسلة جبال في آسيا الوسطى ممتدة من جنوب شرقي أفغانستان بطول 480 كيلاً، تقريباً، مطوقة حدود باكستان، وكشمير، والتبت، وما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، وأعلاها جبل "غودين أوستين" الذي يعد ثاني أعلى قمة في العالم، انظر: موسوعة المورد، منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1981م، جـ6/37. الواحة
أديب واستشاري جراحة
239428