في تاريخ الخط العربي وفنونه
تغريد علوي الهواشم * - 9 / 2 / 2011م - 4:21 م - العدد (57)

لا يشكل الخط العربي أداةً لتجسيد لغتنا العربية العريقة حضارةً وتاريخاً وفناً فحسب، بل إنَّ هذا الفن، أيضاً، حمل أقدس رسالة اختص بنشرها العرب بين جميع البشر؛ ألا وهي الرسالة الربانية ممثلة ب [القرآن الكريم]، ولهذا فإن الخط العربي يتمتع بميزة مقدسة لم تتوفر لغيره من الخطوط الأخرى، وبهذا المعنى اجتهد العرب ليمنحوا الأحرف العربية المكانة الأعلى والمنزلة الأرفع التي منحها إياها القرآن الكريم.

انتشار الخط العربي قديماً

من المتعارف عليه تاريخياً أن المسلمين الأوائل بعدما تشرَّبت قلوبهم وأفئدتهم روح الإسلام وهديه، خرجوا ينشرون النور الرباني في جنبات الأرض، حاملين معهم لغتهم (العربية) إلى كل مكان وطئته أقدامهم، فاستطاعت هذه اللغة -لخصوبتها وروعة بيانها - أن تمحوَ كثيراً من اللغات؛ لتصبح هي لغة العلم والأدب والفنون، ومن أبرزها فنُّ الخط العربي، الذي شغل الناس، وملأ دنياهم بالجمال والروعة والإبداع.

ومن أكثر الشعوب افتتاناً بالخط العربي وفنونه كان الإيرانيون والأتراك العثمانيون، حيث برعوا في كتابته التي سحرت عقولهم، وبهرت قرائحهم، فبلغ الخط العربي عندهم ذروة الفن والكمال والحفاوة والنضج[1] .

مميزات الخط العربي

تُعدُّ كتابة الخط العربي من الفنون الصعبة التي يحتاج ممارسها إلى المهارة الفائقة, والموهبة الأصيلة والدراسة والتحصيل والممارسة والتدريب, فالخطاط الماهر يحتاج إلى ساعات عمل طويلة يوميًّا لتجويد خطه، وتحسين مستوى أدائه الفني.

ولقد تميز هذا الخط بميزات عدة, منها:

_ الطواعية الشديدة التي تمكن الخطاط من عمل تراكيب وأشكال مختلفة حتى للكلمة الواحدة, أو الجملة الواحدة.

_ الارتفاعات والاستدارات, وقدرتها على الإطالة والتمطيط.

_ السمة الزخرفية لجميع الحروف العربية, وخاصة [الألفات] التي تتوارى وتتوزع بأوضاع مختلفة.

_ بناؤه على أصل هندسي ورياضي ثابت.

_ صفته الاختزالية, حيث أن الحرف الواحد له شكل متصل, بالإضافة إلى إمكان تراكب الحروف بعضها فوق بعض, مما يساعد على استخدام مسافات قصيرة لكلمات وحروف كثيرة, وهذا مالا نجده في أيٍّ من لغات الأمم الأخرى.

_ قدرة الحرف العربي على إعطاء التنوع الإيقاعي والحسي, ومن ذلك: تبادل الرقة والغلظة في تكوين الحرف, وتبادل الانحناءات والامتدادات, وكذا ما نراه من جمال رياضي هندسي في بعض الخطوط[2] .

أنواع الخط العربي

1-الخط الكوفي: وهو الخط المدني أو المكي الذي انتشر في عهد الخلفاء الراشدين, وخاصة في عهد الإمام علي (عليه السلام), ويقوم هذا الخط المصحفي على إمالة الألفات واللامات نحو اليمين, وهو خط غير منقط في بداياته, ثم تطوَّر ليظهر منه: المزهَّر والمورّق والمعشّق والموشّح.

2 -خط الثلث: وهو أصعب الخطوط وأكثرها جمالاً, ويمتاز بالمرونة، ومتانة التركيب, وبراعة التأليف، وحسن توزيع الحليات، وبهذا الخط يتميز الخطاط الجيد، ومن أنواعه: المنسوب والمحقق والريحان.

3 - خط النسخ: وهو الخط المعتمد في كتابة المصاحف الشريفة خلفاً لخطيْ الكوفي والثلث, وواضع قواعد هذا الخط هو العالم والخطاط [ابن مقلة].

 4 – الإجازة و التوقيع: وهو الخط المشترك بين الثلث والنسخ، وواضع أساسه: يوسف الشجري في عهد الخليفة المأمون.

5 - خط الرقعة: وهي كتابة سهلة قاعدية، مسارها السطر، لا ينزل عنه إلا حروف الجيم والحاء والخاء والعين والغين والميم، وجميع حروفه مطموسة عدا القاف والفاء.

6- خط التعليق، أو الفارسي: وهو الخط المستخلص من خطوط النسخ والرقعة والثلث، ولقد كتبت به اللغات الفارسية والهندية والتركية، ويسمى [نستعليق].

 7-الخط الديواني: ويسمى الخط [السلطاني]،ويكتب على السطر بشكل مائل،وكثيراً ما تحتضن الحروف الممدة كلمات بعدها، ومن خطوطه:الجلي والسنبلي.

 8- رسم «الطغراء»، وهو خط يزاوج بين خطيْ الديواني والإجازة، واستعمل عند السلاطين العثمانيين كختم رسمي في توقيعاتهم[3] .

 وقد جمع أحد الخطاطين بعض أنواع الخط العربي في بيتين شعريين، فقال[4] :

بثلثٍ وتعليقٍ سَمَا أو إجازةٍ

ونسخٍ وكوفيٍّ جلاه التفلسفُ

يلبِّي جلاءَ الحقِ خطٌّ محققٌ

على رقعة فيها الرياحين تقطفُ

أشهر الخطاطين الإسلاميين عبر التاريخ

من أبرز خطاطي الحضارة الإسلامية القديمة:

- أبو علي محمد بن مقلة، الأديب الفارسي، والوزير العباسي، أستاذ الأساتذة في الخط العربي قاطبة.

- علي بن هلال [ابن البواب]: خطاط عباسي أيضاً، ولقد تتلمذ على أيدي تلامذة ابن مقلة، واهتم بخطوطه، وقام بتنقيحها وتطويرها حتى ارتقت إلى مقام كريم.

وقد نظم ابن البواب وصاياه - للخطاطين من بعده - شعراً، قال في بعضه[5] :(

يا منْ يريدُ إجادةَ التحريرِ

ويرومُ حسنَ الخطِّ والتصويرِ

أعدد من الأقلام كل مثقَّفٍ

صُلبٍ يصوغُ صياغةَ التحبيرِ

وابذلْ له منك اجتهاداً كافياً

فعساك تظفر منه بالمأثورِ

- ياقوت المستعصمي: وهو الذي أوصل الخط العربي غاية الكمال والضبط والجمال، وعلى يده ظهرت أجيال من خطاطي العرب والمسلمين، انتشروا ومعهم فنون خطهم في أرجاء المعمورة[6] .

أشهر خطاطي العالم الإسلامي في العصر الحديث

من تركيا: حامد الآمدي، حمد الله الأماسي، ومصطفى راقم، ومن أبرز المعاصرين محمد أوزجاي.

من إيران: أمير أحمد فلسفي، جليل رسولي، وغيرهما كثير.

من مصر: سيد إبراهيم، محمد حسني البابا.

من العراق: هاشم البغدادي، يوسف ذنون، خليل الزهاوي.

من بلاد الشام: بدوي الديراني،كامل البابا[7] .

من الخليج العربي: مختار العالم «السعودية»، سلمان أكبر، «البحرين»، فريد العلي، «الكويت».

فن الخط العربي في المملكة

لقد جاءت بلورة فن الخط العربي السعودي على أيدي الخطاطين من أهل الحجاز، ويُعدُّ هذا أمراً طبيعياًّ؛ لأن إقليم الحجاز هو الذي حفظ خلاصة التراث الإسلامي، وورث أصالته، إضافة للحاجة الملحة والدائمة لخطاطين محترفين يصوغون بأناملهم المبدعة ضياءً ربانياّ من آيات القرآن الكريم لكسوة الكعبة المشرفة سنوياّ.

وما كان أمراً طبيعياًّ في إقليم الحجاز، فإنه لا يعدم دواعيَه في باقي أنحاء المملكة، وخاصة المناطق المدنية منها كمنطقتي الأحساء والقطيف، وإذا أخذنا الأخيرة مثالاً، فإن القطيف تشهد فعاليات فنية حاشدة على مدار العام، يكون للخط العربي نصيب الأسد فيها، وما النشاط المكثف لـ [جماعة الخط العربي بالقطيف] إلا شاهد حاضر على ذلك.

فهي «جماعة» ذاع صيتها في أنحاء مملكتنا الحبيبة، وفي دول مجلس التعاون الخليجي، فشهد لها القاصي والداني بالإبداع

والتميز، وما ذلك إلا لانضواء خيرة خطاطي وفناني هذه الأرض الطيبة تحت ظلها، ممن نذروا حياتهم عطاءً لفنهم، وأوقفوا أيامهم وفاءً لوطنهم.

و[جماعة الخط العربي بالقطيف] تأسست في العام2000م، ومؤسسوها هم الأساتذة - رضا حسن آل ثاني، نافع تحيفة، حسن آل رضوان، علي السواري، آدم آل خميس.

أما أبرز أعضائها، فهم الأساتذة: عبد الله الغانم، علي السنان، حسن الزاهر، إبراهبم الزاير، مصطفى عرب، أحمد أبو سرير، صالح الحداد، إضافة إلى شيخ خطاطي المنطقة الأستاذ: مكي الناصر[8] .

وتجدر الإشارة، هنا، إلى ذلك التنامي الكبير في عدد أعضاء هذه الجماعة حتى صار يربو على المائة من الشباب المجيد لفن الخط، وهندسته، ناهيك عن المساهمة الجيدة والفعالة لأقلام الخطاطات من شابات المنطقة وفناناتها، واللاتي كان لهن فضل الريادة في هذا المجال، ومن أبرزهن: أزهار الصادق، عالية أبو شومي، أميرة الجارودي، علا المسحر، حواء المغيزل، وسواهن[9] .

ولن ننسى – ختاما – الإنجاز العظيم الذي حققته [جماعة الخط العربي بالقطيف] عبر مساهمتها في تأسيس (الجمعية السعودية للخط العربي) بمشاركة ثمانية وثلاثين خطاطاً، انتُخب من بينهم ستةٌ – من بين عشرة - ليكونوا أعضاءً فاعلين في مجلس إدارة الجمعية المذكورة «ومقرها الرياض»، وليرشح أحدُهم «الأستاذ /إبراهيم الزاير» أول رئيس منتخب لها[10] .

[1]  يوسف غريب، جريدة (الفنون)، الكويت، العدد 65 مايو، 2006،ص: 36، 37.

[2]  يوسف الغريب، مصدر سابق، ص: 39.

[3]  يوسف الغريب، مصدر سابق، العدد 65، ص:38،39، ومعصوم محمد خلف، الجريدة نفسها، العدد 52 «إبريل، 2005»، ص: 20،21.

[4]  ورد «سما»، والضمير فيه يعود على (الخط العربي) المذكور أول القصيدة، انظر في البيتين وفي كامل القصيدة مجلة «حروف عربية» الإماراتية – محمود البان العدد 13 « شعبان/1425هـ»ص: 64.

[5]  انظر في باقي الأبيات: «رسالة ابن البواب»، حروف عربية، العدد 16 « جمادى الآخرة، 1426هـ، ص: 64.

[6]  انظر: «روح الخط العربي»، كامل البابا، دار لبنان، بيروت، ط1، 1983م، ص: 89 – 94.

[7]  روح الخط العربي، مصدر سابق، صفحات متفرقة.

[8]  انظر في أسماء مؤسسي هذه الجماعة وأعضائها: نشرة المعرض الثاني لجماعة الخط العربي بالقطيف « أقلام «، ذو القعدة، 1423هـ.

[9]  حقيقةً، لم يتسنَ لي - في بادئ الأمر - الاطلاع على نتاج فنانات المنطقة من الخطاطات إلا من خلال وسائط ورقية أو إلكترونية، حتى جاء مهرجان «الدوخلة» الأخير بسنابس، حيث تمكنتُ - وعن كثب - من معاينة بعض لوحاتهن، فأحسست، وبعمق، بمقدار الإتقان والروعة الذي احتوته تلك الأعمال، وهاأنذا - وباسم جميع النساء في منطقتنا الغالية أشدُّ على أيدي فناناتنا الماهرات، مبديةً لهن أسمى مشاعر الفخر والإعجاب، إذ كنَّ، جميعاً، خيرَ مثال للمرأة التي اختزلت في روحها أعصراً من حضارة هذه الأرض المعطاء، وأصالتها؛ لتجعل منها مداداً خالصاً للخلق والإبداع.

[10]  تم تأسيس (الجمعية السعودية للخط العربي)، وانتخاب مجلس إدارتها، بتاريخ 26/12/1429هـ، الموافق 24/12/2008م.
كاتبة - السعودية.
232301