الاسم (شُبَّر)
بحث في مصادر أصالته
السيد شبر علوي القصاب * - 9 / 2 / 2011م - 4:23 م - العدد (57)

 يحلو لكثير من الناس أن يسألني عن معنى الاسم العلم (شُبَّر)، فهم بين مستفسر بلطف، ومستنكر بعنف، فأما المستفسر فهو معذور؛ لأنه جهل أمراً وأراد معرفة حقيقته، متبعاً - في ذلك - القول السائر عند أهل الواحة: (اسْأَلْ سُؤَالْ مِتْعَلِّمْ لا سُؤَالْ مِتْعَنِّدْ).

لكن ما عذر من جهل شيئاً وأنكره بعنف؟ خصوصاً إذا كان محسوباً على أهل المنطقة، وممن له ارتباط بثقافتها وتراثها، ويفترض فيه أن يكون ملماًّ بمثل هذه الأمور وعلى دراية؟ فإذا كان مثل هذا جاهلاً بذلك، ومنها على سبيل المثال هذا الاسم؛ فغيره - من غير أهل المنطقة - ممن ليس له ارتباط بها أجهل، ولكنه معذور، وعذره أن هذا الاسم غير متداول في محيطه الذي يعيش فيه، فهو غريب عليه، وجديد على سمعه، كما لو سمع واحد منا باسم من أسماء الناس البعيدين عن محيطنا، نحن، فيستنكره، ويستخف بمن يتسمى به، بينما هو ذو ارتباط بشيء ما، أو برمز من رموزهم، أو له غرض ودلالة عندهم.

فليس غرضي من كتابة هذه النبذة الدفاع عن الاسم، أو الإسهاب والإطناب في ذكره دون غيره من الأسماء لقصد استحسانه، أو تمجيده لأنه اسمي ليس إلا -كما قد يظن البعض- فالأسماء ليست ملكاً لأحد، وإنما الغرض منها إيضاح حقيقته بسبب ما ألاحظه من أشخاص عدة يسألونني عنه، ولربما استنكره البعض، لجهله بحقيقته.

على كل حال فإن هذا الاسم (شبر) ذو اتصال وثيق بتراثنا ومعارفنا العقدية والاجتماعية؛ لأنه من الأسماء المتعارفة عندنا، فما هو أصله؟، وما هي المعلومات المتاحة عنه؟

معلومات أولية عن الاسم

(1) إن هذا الاسم في الأصل - حسب المتعارف عليه بين الناس في محيطنا - من أسماء الخاصة، غالباً، بالسادة، فلهم فيه النصيب الأوفر، فبمجرد أن يسمع شخص بهذا الاسم يتبادر إلى ذهنه أن صاحبه سيد من بني هاشم، لكن قد يتسمى به غيرهم من عامة الناس، وهذا نادر.

(2) ليس متعارفاً إلا في الأقطار الشيعية، وبالذات في العراق وبلدان الخليج كالقطيف، والبحرين والأحساء، وما والاها، وإن وجد في غيرها فهو نادر.

(3) ليس شائعاً، كغيره من الأسماء، مثل: (محمد)، و(علي)، و(حسن)، و(عبد الله)، وغيرها من الأسماء.

(4) ليس عربي الأصل، شأنه شأن (إبراهيم)، و(موسى)، و(عيسى)، و(يعقوب)، و(هارون)، وغيرها، ولكنه ليس شائعاً مثلها؛ لذلك يعد غريباً؛ لقلة تداوله، والقول بأصله العبراني مبني على القول بعبرانية تلك الأسماء؛ لأنه من تلك الحقبة التي انبثقت فيها؛ فمن ذلك على سبيل المثال (موسى)، وهو بالعِبْرَانِيَّة: «مُوشَا، فَمُو: هو الماءُ، وشَا: هو الشَّجَرُ، سُمِّيَ به لِحَال التّابُوتِ والمَاءِ، ونَصُّ اللَّيْثِ: في الماءِ، أَي لأَنَّ التّابُوتَ الّذي كانَ فيه وُجدَ في الماءِ والشَّجَر، إلخ....»[1] .

(5) كثير من الناس يجهل ارتباطه الديني، وأصله، ولذلك يقع في الخطأ كما أنك عند نطقه أو كتابته ترى العجب، وما أكثر الصور التي نطق أو كتب بها، وإليك بعضها: (شَبَّرْ، شَُوبَرْ، شَبَّارْ، شُكْبَارْ، شُبْرَا، شَبَرْ، شِبْرْ، شَنْبَرْ)،؛ لذ قد أضطر عند كتابته إلى ضبطه بالشكل في كثير من الأحيان عندما أُسأل عنه، حتى لا يخطئ أحد في نطقه، فيقع في حرج، ولذا فهاأنذا أشرع في بيان ذلك فأقول وبالله التوفيق:

كان من المفروض أن تكون صيغة السؤال هكذا: (ما أصل هذا الاسم؟ وهل له ارتباط بشخصية معينة، أو رمز من رموزنا البشرية؟ وهل له اتصال بتاريخنا الديني، أو الإنساني؟ أو الحضاري؟)؛ لأن أغلب الأسماء برموزها لا بمعانيها، فلو سألت من اسمه عيسى، أو موسى، أو جعفر، وغيرها لابتدرك قائلاً: (هَادَا اِسِمْ نَبِيْ) (مثلاً)، أو (اِسِمْ الإِمَامْ الْفُلانِيْ)، ولربما استنكر من سؤالك قائلاً: (يَعْنِيْ انْتَ مَا تِعْرُفْ صَاحْبُهْ؟ هَادَا اسْمْ فْلانْ، هَادَا كَذَا هَادَا كَذَا)، فتجيبه: (أنا أعرف هذا الاسم وصاحبه حق المعرفة؛ فمقامه لا يجهل، ولكني أطلب منك أن تخبرني عن معناه)، فلربما أجابك: (لا أعرف)، وربما قال: (هذا الاسم شائع عندنا، وقد سماني به أبواي، ولا أعرف غير هذا)، إذا كان يجهل ارتباطه بصفة معينة.

إذن فالأسماء برموزها ووقعها على الإنسان، وبما تحمله من صلة عزيزة على نفسه، فكم اسم خامل رفعته الشخصية أو الرمز الذي يحمله، ولله در القاضي الفاضل حيث يقول[2] :

وَغَيرُكُمُ الأَسماءُ تَسمو بِقَدرِهِ

وَقَدرُكُمُ زادَ الأَسامي تَسامِيا

فالاسم (موسى) - على سبيل المثال - ما الذي دعا الناس للتسمية به لو لم يعلموا أنه اسم لنبي دون أن يعرفوا معناه؟! فهذا أبو العلاء يقول: (لم أَعْلَمْ أَنَّ في العَرَبِ مَن سُمِّيَ مُوسَى زَمانَ الجاهِلِيَّة، وإِنّمَا حَدَث هذا في الإِسْلام لَمَّا نَزَلَ القُرْآنُ، وسَمَّى المُسْلِمُونَ أَبناءَهم بأَسْمَاءِ الأَنْبيَاءِ (عليهم السلام) على سَبيل التَّبَرُّكَ، فإِذا سَمَّوْا بمُوسَى، فإِنَّمَا يَعْنُون به الاسْمَ الأَعْجَمِيَّ، لا مُوسَى الحَدِيدِ)[3] .

وكذلك (شبر) كان - في الأصل - اسماً لابن نبي الله هارون بن عمران، أخي نبي الله، موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وزادنا ارتباطاً به أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مما اختاره لسبطه الإمام الحسن(عليه السلام)، هل تستغرب إذا سمعت بأن أحداً من أهل البيت (عليهم السلام) له أكثر من اسم؟ فهذا النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أليس له أسماء أخرى كثيرة غير اسمه هذا؟ في السماء كذا، وفي الأرض كذا، وعند الملائكة كذا، فكذلك الإمام الحسن(عليه السلام) هذا الاسم من أسمائه، فكأنما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بذلك أن يؤكد أن الإمام علي(عليه السلام) نظير للنبي هارون(عليه السلام) في كل شيء حتى في أسماء الأولاد؛ إلا من خاصة واحدة ألا وهي النبوة، وحديث المنزلة المروي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي(عليه السلام) يوم غزوة تبوك (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي) حديث متواتر، ومشهور.

يقول الإمام السيد عبد الحسين شرف الدينF: (تتبع سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تجده يصور عليًّا وهارون كالفرقدين في السماء، والعينين في الوجه، لا يمتاز أحدهما - في أمته - عن الآخر بشيء ما، ألا تراه كيف أبى إلا أن تكون أسماء بني علي إلا كأسماء بني هارون شبر، وشبير، ومشبر، أراد بذلك تأكيد المشابهة بين الهارونين، وتعميم المشابهة بينهما في سائر المنازل والشؤون)[4] .

وقد تواترت الأخبار عن نبينا الصادق الأمين عن علماء المسلمين أنه هو الذي سمى أبناء علي: (شبراًَ، وشبيراً، ومشبراً)، وفي بعض الأخبار بوحي خاص من الله على لسان جبرئيل[5] ، وأنا أكتفي بإيراد نص لحديث واحد وأحيل القارئ الكريم على بقية المصادر:

ونص الحديث: (عن أسماء بنت عميس قالت: «أقبلت فاطمة بالحسن فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «يا أسماء هلمي ابني»، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فألقاها عنه قائلاً: «ألم أعهد إليكن أن لا تلفُّوا مولوداً بخرقة صفراء؟»، فلففته بخرقة بيضاء، وأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم قال لعلي: «أيَّ شيء سميت ابني؟»، قال: «ما كنت لأسبقك بذلك»، قال: «ولا أنا سابق ربي»، فهبط جبرئيل(عليه السلام)فقال: «يا محمد، ربك يقرئك السلام ويقول لك: «سَمِّ ابنك هذا باسم ولد هارون»، فقال: «وما كان اسم ابن هارون يا جبريل؟»، قال: «اسمه: شبر، فقال: «إن لساني عربي»، فقال: «سمِّه الحسن»، ففعل، فلما كان بعد حول ولد الحسين، فجاء نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكرت مثل الأول، وساقت التسمية مثل الأول، وأن جبرئيل(عليه السلام) أمره أن يسميه باسم ولد هارون «شبير»، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل الأول، فقال: «سمه حسيناً»، خرجه الإمام علي ابن موسى الرضا[6] .

والذي نستفيده من هذا الحديث أمران:

الأمر الأول - أن تسمية الحسن والحسين كانتا بأمر من الله.

الأمر الثاني - أنه نص صريح، بتدعيم ما سبق من قول بأن تسمية أولاد الإمام علي بأسماء ولد هارون تأكيد للمشابهة بين النبي هارون والإمام علي(عليهما السلام).

أما المصادر الأخرى التي تعرضت لخبر التسمية وأردنا إحالة القارئ الكريم عليها فهي كالتالي: في ما أخرجه المحدثون بطرقهم الصحيحة:

1 - مسند الإمام أحمد بن حنبل[7] .

2 - الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بالحاكم النيسابوري في (المستدرك على الصحيحين)[8] .

3 - الحافظ محمد بن أحمد الذهبي في (تلخيص المستدرك)، ونص على صحته أيضاً[9] .

4 - العلامة أبو المظفر يوسف شمس الدين الملقب بسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص)[10] .

5 - الحافظ أحمد بن الحسين بن علي البيهقي في (سننه)[11] .

6 - العلامة علي بن محمد الشيباني المعروف بابن الأثير في (أسد الغابة)[12] .

7 – الحافظ، أبو عمر، يوسف بن عبد الله المعروف بابن عبد البر المالكي في (الاستيعاب) بـ(ذيل الإصابة) في ترجمة الحسن(عليه السلام) [13] .

8 - المتقي الهندي الحنفي في (كنز العمال) عن جميع أئمة الحديث، وروى حديثاً آخر عن الطبراني وابن عساكر عن علي(عليه السلام) قال: «أما حسن وحسين ومحسن فإنما سماهم رسول الله ((صلى الله عليه وآله وسلم)»[14] .

9 - أحمد بن حجر الهيتمي في (الصواعق المحرقة) قال: أخرج البغوي وعبد الغني في الإيضاح عن سلمان: أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (سمى هارون ابنيه شبراً وشبيراً، وإني سميت الحسن والحسين بما سمى به هارون ابنيه)، ورواه المتقي أيضاً في كنز العمال عنهما وعن ابن عساكر[15] .

10 - الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الشافعي المعروف بابن عساكر في (ترجمة الإمام الحسين)[16] .

11- الحافظ الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي، الحنفي في (ينابيع المودة)[17] .

11 - ثقة المحدثين، الشيخ عباس القمي في (الأنوار البهية في الحجج الإلهية)[18] .

12 - السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي في (فضائل الخمسة من الصحاح الستة، وغيرها من الكتب المعتبرة عند أهل السنة والجماعة)[19] .

13 - العلامة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسين شيخ الإسلامي النويسركاني في (مسند فاطمة الزهراء(عليها السلام))[20] .

14 - أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في (إعلام الورى بأعلام الهدى)[21] .

 15 - الشيخ موسى الأسود في (سيدات نساء العالمين)[22] .

16 - الشيخ موسى محمد علي في (حليم أهل البيت، الإمام الحسن بن علي)[23] .

17 - الأستاذ فؤاد علي رضا في (غصن الرسول الحسين بن علي)[24] .

الشاهد الثاني من كتب اللغة

حينما أعرض مادة الاسم على كتب اللغة لاستكشاف تفسيرها لا من هوى في النفس؛ لتجاوز القاعدة القائلة بأن الأسماء لا تعلل، أو كسرها، ولكني اضطررت لذلك بحكم الموقف، مقتفياً - في ذلك - نهج فقهاء اللغة من متقدمين ومتأخرين، الذين يعللون حين الاضطرار للتعليل، وأنا قد دعتني الحاجة إليه كما دعتهم، ولأنه يستفاد من ذلك من وجهين:

الوجه الأول: الوقوف على ما تحمله مادة الاسم من معانٍ ودلالات، ومعرفة ما إذا كان في معانيها معنى يدعو للاستغراب أم لا يبرر لأحد أن ينكر على صاحبه، ويعده غير لائق، لنقرأ ذلك في أحد معاجم اللغة وهو المنجد ما يلي من تفريعات هذه المادة: (شبر الثوب: قاسه بالشبر، وشبره شبراً: أعطاه، وأشبره مالاً أعطاه إياه، والشبر مصدر المهر، يقال: تزوجها ولم يشبرها، أي: لم يعطها مهرها، والشبر: العطية، الخير، الإنجيل، القربان، والشبرة: العطية، وَشَبَّر فلاناً: عظمه، والشُبور: ج شبابير وشبورات: البوق أو النفير، «عبرانية»)[25] .

فليعد المعترض إلى تفاسير هذه المادة ويتصفحها جيداً فلن يجد في أي معانيها غريباً، أو مستوحشاً، وعلى فرض ذلك؟ فليس بالضرورة أن يكون المعنى المقصود هو المعنى المستوحش بعينه، هذا إذا افترضنا أن مادته ذات جذر عربي، لكن ماذا لو كان غير ذلك؟

ولنعد إلى رحاب القاعدة التي تقول: (إن الأسماء لا تعلل)، ونريح أنفسنا، وبدلاً من هذا فمن الأولى أن يكون سؤالنا: (ما أصل هذا الاسم؟ وهل له ارتباط بجانب معين، أو بشخصية معينة، كما تقدم؟

الوجه الثاني: وهو الذي يهمنا كثيراً، بل هو الأهم في هذا الباب؛ لوجود شاهد فيه يسير مع الشاهد الأول، ويغترف من بحره كما أشارت إليه بعض كتب اللغة، وهو هذا: قال ابن منظور في لسان العرب: (قال ابن بري: ولم يذكر الجوهري «شَبَّراً وشَبيراً في اسم الحسن والحُسين(رضي الله عنهما)؛ قال: ووجدت ابن خالويه قد ذكر شرحهما فقال: «شَبَّرُ وشَبِيرٌ ومُشَبَّرٌ هم أَولاد هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومعناها بالعربية: «حسن وحسين ومُحَسِّن»، قال: وبها سَمَّى علي(عليه السلام) أَولاده «شَبَّرَ وشَبِيراً ومُشَبِّراً يعني حسناً وحسيناً ومُحَسِّناً، رضوان الله عليهم أَجمعين»[26] .

ولا تعارض بين ما أشير إليه هنا في هذا المصدر من أن الإمام (عليه السلام) هو الذي سمى أولاده، وبين ما أشير إليه في مصادر أخرى من أن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي سماهم، وأن تسمية الإمام علي لهم ليست من ذات نفسه، وإنما بإيعاز وأمر من الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما لا تعارض بين أن التسمية من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أنها بأمر من الله له (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأن كل أقواله وأفعاله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتوجيه، أو وحي أو تسديد من الله؛ لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى.

الشاهد الثالث من الشعر نقتطف منه ما يلي:

1- قول الشيخ صالح التميمي مخمِّساً، والأصل للشيخ عبد الباقي العمري في مدح الإمام علي (عليه السلام) [27] :

فيك خير الأنام أوتي سؤلاً

مثلما أوتي ابن عمران مثلاً

يا أبا شُبَّرٍ وقد صح نقلاً

أنت هارون والنبي محلاً

مـن نـبي سـمت بـه الأنبياء

2- وقول عرقلة الكلبي من قصيدة يهجو شاورَ، ويمدح صلاح الدين الأيوبي[28] :

كَأَنَّ اِبنَ شاذي وَالصَلاحَ وَسَيفَهُ

عَلِيٌّ لَدَيهِ شَبَّرُ وَشَبيرُ

3- وقول الشيخ علي الشفهيني الحلي[29] :

ودار علي والبتول وأحمد

وشبرها مولى الورى وشبيرها

4 - وقول آخر[30] :

إذا مت فادفني مجاور حيدر

أبي شبر أكرم به وشبير

5 - وقول السيد رضا الهندي في مدح الإمام علي(عليه السلام) [31] :

إن كنت لجهلك بالآيا

ت جحدت مقام أبي شُبَّر

6- وقول السيد إسماعيل بن محمد الحميري:

فطوبى لمن أمسى لآل محمد

ولياً إماماه شبير وشبر

قال المحقق في حاشية الديوان: (شبير وشبر ابنا هارون(عليه السلام) وقد سمي بهما الحسن والحسين (رضي الله عنهما)، لمناسبة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)[32] .

صورة الاسم بين الأصل والعرف والقياس

بما أننا لم نتمكن من تحديد الأصل اللغوي لهذا الاسم ولغته الأصلية، فنحن بالتالي نجهل صورته في تلك اللغة.

لقد ورد في (قبس من القرآن في صفات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومجلة المواقف أن حروف هذه اللوحة قد كتبت بالسامية أو السامانية)[33] ، ومن المحتمل جداًّ أن تكون هذه اللغة هي اللغة الأصلية للاسم وصورته الأصلية هي الصورة الموجودة في الترجمة الإنجليزية، ولكن ليس شرطاً أن تكون الترجمة عن اللغة الأصلية سليمة ودقيقة، وبذلك لا يمكن أن نجزم - بضرس قاطع - بأنها الصورة الحقيقية لهذا الاسم لعدم توفر المعلومات الكافية.

ولو قلنا: إن (شبراً) يعني حسناً - كما تقدم شرحه لابن خالويه[34] - و(حَسَن) على وزن (فَعَل)؛ فيقتضي أن تكون صورته هكذا (شَبَر) بفتح أوله وثانيه دون تشديد على النحو الوارد في (كِتَاب أَخْبَارِ الأَيَّامِ الأَوَّلُ من التوراة) بما نصه: (وَأَنْجَبَتْ مَعْكَةُ مَحْظِيَّةٌ أُخْرَى لِكَالَبَ، شَبَرَ وَتَرْحَنَةَ)[35] ، حتى تتطابق الصورتان والمعنيان.

وقياساً على ذلك تكون صورة أسماء أولاد الإمام علي الثلاثة (عليهم السلام) هكذا: (شَبَر)، (شُبَير)، و(مُشْبِر) أي: حَسَن وحُسَين ومُحْسِن، كما شرحها ابن خالويه فقال: “شَبَّرُ وشَبِيرٌ ومُشَبَّرٌ هم أَولاد هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومعناها بالعربية: «حسن وحسين ومُحَسِّن»[36] .

لكنها لم ترد في المعاجم كلسان العرب وتاج العروس على الصورة التي افترضناها بل ورد الأول مختلفاً في الصيغة عن (حَسَنْ) الذي بمعناه أو الذي يقابله حسب ما ذكره ابن خالويه -كما سيأتي بعد قليل، كما ورد الاسمان الآخران اللذان معه مختلفين أيضاً -كما رأيت سلفاً- وليس بالضرورة أن يصدق هذا الاحتمال، بل غالباً ما يخطئ، وربما يكون غير وارد أصلاً؛ لأن لكل لغة معاييرها وأقيستها الخاصة التي قد تختلف من لغة لأخرى، ولا تتفق معها.

بينما نرى في كثير من المصادر التي رجعنا إليها أن الاسم ذكر غفلاً من الشكل، بحيث لا يمكن قراءته على الوجه الصحيح، ولعله راجع إلى عدم التأكد من الكيفية التي يكتب بها، أو جرياً على العادة في عدم ضبط الكلمات، أو ركوناً إلى معرفة القارئ يقرأه كيفما صح له، بينما ذكر في بعضها هكذا (شَبَّر) بفتح الشين والباء مع التشديد، ومن ذلك لسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي؛ فقد ذكر ثلاث مرات في كل ذلك مضبوطاً عن ابن بري، وابن خالويه بفتح الشين وتشديد الباء مع الفتح كما تقدم، ومثل ذلك في قول عرقلة الكلبي[37] :

كَأَنَّ اِبنَ شاذي وَالصَلاحَ وَسَيفَهُ

عَلِيٌّ لَدَيهِ شَبَّرُ وَشَبيرُ

كما ورد كذلك في قول السيد محمد بن أحمد بن الإمام المؤيد[38] :

فاللهَ فيَّ أبا شَبِير وشَبَّرٍ

كيلا أخافَ طوارقَ الحِدْثانِ

وعليه رأي بعض المطَّلعين، والخطباء، وقد سمعت المرحوم الخطيب الملا حبيب ابن الحاج حسن المقابي يقرؤه بهذه الصورة عند قراءته للبيت المتضمن له من القصيدة الكوثرية للسيد رضا الهندي المتقدم، مصرًّا على أنها الصورة الصحيحة لهذا الاسم، كما وردت صورته في الترجمة الإنجليزية عن الترجمة الروسية لنص اللوحة التي تحمل الأسماء هكذا (Shabbar)، أي: (شَبَّر)، بفتح أوله وثانيه مع التشديد، خلافاً لما جاء في بعض المصادر التي جاء فيها مضبوطاً بضم الشين وتشديد الباء مع الفتح[39] .

وممن ضبطه بضم الشين عبد العزيز كرم[40] ، جامع ديوان الإمام علي في القصيدة الكوثرية، والسيد موسى الموسوي جامع ديوان السيد رضا الموسوي الهندي[41] ، كما تقدم في الشاهد الثالث من الشعر من هذا البحث، كما ضبط كذلك في قول السيد مهدي الطالقاني النجفي[42] :

أبا شُبَّرٍ كانت إليكَ شكايتي وَالصَلاحَ وَسَيفَهُ

إذا عقل الإعسارُ رَكباً بساحتي عَلِيٌّ لَدَيهِ شَبَّرُ وَشَبيرُ

وكذا جاء في قول الشيخ صالح التميمي مخمساً والأصل للشيخ عبد الباقي العمري المتقدم الذي منه[43] :

يا أبا شُبَّرٍ وقد صح نقلاً

أنت هارون والنبي محلاً

وهي الصورة السائدة المتفق عليها في القطيف وفي الأحساء والبحرين والعراق وغيرها، التي اعتدنا أن نسمعها من غالب الخطباء، وقراء النسخة[44] .

والذي أتصوره بخصوص هذه التباينات في الاسم أنَّ الأولى أن تُرتضى الصورة المتعارف عليها بين الناس في البلدان المتقدم ذكرها؛ لأنها الصورة الشائعة التي عليها الأغلبية، ولأنها الصورة التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، وتصافقنا عليها منعاً للاختلاف.

وبعد إيراد هذه الشواهد أقول: هل وقفتم -رعاكم الله- على حقيقة الاسم؟ وعرفتم أن أَبَوَيْ صاحب هذا الاسم كانا على صواب، واختيارهما له كان موفقاً، وأنهما على دراية تامة به، وأنهما لم يختاراه اعتباطاً، ولله در ابن نباتة المصري حيث يقول[45] :

وما سمّاك هذا الاسم إلا

ولِيٌّ عارفٌ سرَّ الأسامي

في الختام أشكر للخل الصفي الأستاذ جعفر بن سعود الزاهر جميل تفضله علي بجملة من المصادر الواردة في هذا البحث، فجزاه الله خيراً عن نفسه، والله من وراء القصد، ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ هود: 88.

[1]  لسان العرب، ابن منظور الأفريقي، تحقيق عبد الله علي الكبير، محمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي، نشر دار المعارف، القاهرة، د، ت، جـ6/4299 (مادة (موس).

[2]  الموسوعة الشعرية، إصدار المجمع الثقافي، أبو ظبي، الإصدار الثالث، (الأسامي)، قرص مدمج.

[3]  تاج العروس من جواهر القاموس، السيد محمد مرتضى الزبيدي، تحقيق محمد الطناحي، مراجعة مصطفى حجازي، وعبد الستار أحمد فراج، مطبعة حكومة الكويت، 1396هـ 1976م، (مادة: موس)، جـ16/524.

[4]  المراجعات، السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي، المطبعة الأهلية، الكويت، الطبعة الأولى، بدون تاريخ، المراجعة رقم (34)، ص: 145.

[5] قبس من القرآن في صفات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الخطيب الشيخ عبد اللطيف البغدادي، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1389هـ، جـ 1/100.

[6]  ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري، مطبعة دار الكتب العراقية، بغداد، طبعة بالأوفست عن طبعة مكتبة القدسي، 1387هـ، باب ذكر (تسميتهما الحسن والحسين كانتا بأمر الله تعالى)، ص: 120.

[7]  مسند الإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي للطبع والنشر، بيروت، الطبعة 5، 1405هـ، جـ 1/98،

[8]  المستدرك على الصحيحين في الحديث، الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، محمد بن عبد الله، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1417 - 1997، جـ 3/196.

[9]  تلخيص المستدرك، ذيل على المستدرك على الصحيحين، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1417 - 1997، جـ3/196.

[10]  تذكرة الخواص، منشورات، مكتبة العلوم العامة، البحرين، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ، الباب الثامن، ص: 201.

[11]  السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1405هـ، جـ 6 / 165، وجـ 7 / 63.

[12]  أسد الغابة في معرفة الصحابة، المكتبة الإسلامية، بدون تاريخ،.جـ 3 /10، وجـ 4 / 308،

[13]  الاستيعاب في أسماء الأصحاب، مطبوع بذيل الإصابة، دار الفكر، بيروت، 1398هـ، جـ1/369.

[14]  قبس من القرآن (مرجع سابق) جـ 1 / 102، وكنز العمال، مؤسسة الرسالة، القاهرة، الطبعة 3، 1409هـ، جـ 12/34275، 34276، وجـ 9/37676، وجـ 13/37692.

[15]  الصواعق المحرقة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة 2، 1405هـ، ص 292، والمراجعات (مرجع سابق)، المراجعة 34 ص: 145.

[16]  تاريخ مدينة دمشق، الحافظ ابن عساكر، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي، مؤسسة المحمودي، بيروت، الطبعة 1، 1398هـ، ترجمة ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب، الصفحات: 1، و17، و19.

[17]  ينابيع المودة، منشورات دار الكتب العراقية، الكاظمية، ومكتبة المحمدي، قم، الطبعة 8، 1385هـ، ص: 176.

[18]  الأنوار البهية في الحجج الإلهية، دار الأضواء، بيروت، الطبعة 1، 1403هـ، ص: 74.

[19]  فضائل الخمسة من الصحاح الستة وغيرها من الكتب المعتبرة عند أهل السنة والجماعة، مطبعة النجف، النجف الأشرف، 1384هـ، جـ 3/169.

[20]  مسند فاطمة الزهراء(عليها السلام)، دار الصفوة، بيروت، الطبعة 1، 1413هـ، ص: 312.

[21]  إعلام الورى بأعلام الهدى، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، دار المعارف، بيروت، لم يذكر رقم الطبعة ولا تاريخها، ص: 210.

[22]  سيدات نساء العالمين، سيرتهن وفضلهن، مطبعة القبس التجارية، الكويت، الطبعة 1، 1408هـ، ص: 134.

[23]  حليم أهل البيت الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه وأرضاهـ الشيخ موسى محمد علي، عالم الكتب، بيروت، الطبعة 2، 1405هـ، ص: 64.

[24]  غصن الرسول (الحسين بن علي)، فؤاد علي رضا، مطبعة دار المعارف، بيروت، 1401هـ، ص: 25.

[25]  المنجد في العلوم والأدب، قسم اللغة، لجنة من المتخصصين، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، الطبعة 23، 1978م، (مادة: شبر).

[26]  لسان العرب (مرجع سابق)، وتاج العروس من جواهر القاموس، مرجع سابق، (مادة: شبر).

[27]  ديوان (الباقيات الصالحات)، عبد الباقي العمري (ضمن ديوانه الترياق الفاروقي)، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، 1384هـ، ص: 34.

[28]  ديوان عرقلة الكلبي، تحقيق أحمد الجندي، دار صادر، بيروت، 1412هـ، 1992م، ص: 52.

[29]  نيل الأماني (ديوان الشيخ حسن الدمستاني، ومجموعة نفيسة لآخرين من شعراء أهل البيت(عليهم السلام))، جمع وتقديم الشيخ عبد الهادي الفضلي، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، منشورات مكتبة العلوم العامة، البحرين، بدون تاريخ، ص: 311.

[30]  وفاة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، تأليف الشيخ علي ابن الشيخ محمد آل سيف الخطي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة 1، 1408هـ، ص: 80.

[31]  ديوان السيد رضا الموسوي الهندي، جمعه السيد موسى الموسوي، دار الكتاب الإسلامي، بدون تاريخ، ص: 21.

[32]  ديوان السيد الحميري، إسماعيل بن محمد، تحقيق شاكر هادي شكر، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، بدون تاريخ، ص: 201.

[33]  قبس من القرآن (مرجع سابق) جـ 1/100، ومجلة المواقف، البحرين ع 859 الاثنين 16صفر1412 هـ، ص: 22.

[34]  لسان العرب، وتاج العروس (مرجعان سابقان) (مادة شبر).

[35]  التوراة، كتاب الأيام الأوَّل، الإصحاح 48: 2.

[36]  نفسه

[37]  ديوان عرقلة الكلبي، مصدر سبق ذكره..

[38]  نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة، محمد أمين بن فضل الله بن محب الدين المحبي، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة الأولى، 1388هـ، 1968، جـ2/483.

[39]  قبس من القرآن لم يذكر الجزء ولا الصفحة (مرجع سابق).

[40]  ديوان الإمام علي ابن أبي طالب، جمع وترتيب عبد العزيز كرم، المكتبة الثقافية، بيروت، بدون تاريخ، ص: 142.

[41]  ديوان السيد رضا الموسوي الهندي، مرجع سابق، ص: 21.

[42]  الموسوعة الشعرية (مرجع سابق) خانة البحث تحت عنوان: (شبر).

[43]  ديوان الباقيات الصالحات (مرجع سابق) ص 34.

[44]  مصطلح "النسخة" يعني: الكتاب الذي يتضمن سيرة مولد النبي الأكرم محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أو وفاته أو أحد الأئمة من أهل بيته صلى الله عليهم أجمعين، وسمي بذلك لأنه منسوخ عن كتاب كتب في الأصل باليد لهذا الغرض، كما أخبرني بذلك والدي رحمه الله.

[45]  ديوان جمال الدين بن نباتة المصري الفاروقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، ص: 472.
باحث
218065