التحول نحو دولة القانون
التحرير - 14 / 2 / 2011م - 10:43 ص - العدد (58)

لقد علمتنا التجارب أن الدول التي تنفصل عن مجتمعها وتحاربه في معتقداته واختياراته الثقافية والسياسية، وتفرض عليه نظاما قهريا، فإن مآلها الفشل وفقدان المعنى من وجودها. وهكذا وبفعل عوامل عديدة وعلى رأسها سيادة الدول الأيدلوجية التي لا ترى إلا مصالحها الضيقة، وتوظف كل الامكانات من أجل إثبات مقولاتها وأيدلوجيتها، وضيعت بفعل ذلك مصالح شعبها وامتهنت كرامته، اختلطت المعايير، واشتبكت القضايا، وسقطت الكثير من الشعارات المرفوعة. فالقتال أصبح داخليا، والحرب أضحت أهلية، والتطرف والإرهاب أصبح من نصيبنا جميعا. لهذا كله إننا أحوج ما نكون اليوم إلى تلك الدولة التي تعتبر أيدلوجيتها وشرعيتها هو في خدمة الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته بصرف النظر عن أصوله الأيدلوجية أو القومية أو العرقية..

إننا في العالم العربي بحاجة إلى تلك الدولة التي تحتضن الجميع، وتصبح بحق وحقيقة دولة الجميع.

والوصول إلى دولة الإنسان والقانون في العالم العربي، ليس مستحيلا، وإنما هو بحاجة إلى الكثير من الجهد المتواصل لإنجاز هذا التطلع التاريخي. وإن دولة الإنسان التي تصون حقوقه، وتحفظ نواميسه وكرامته ليست يوتوبيا مثالية، وإنما هي حقيقة قائمة، ولقد تمكنت بعض المجتمعات الإنسانية من تحقيقها.. وأن شعوبنا العربية بطاقاتها العلمية وقدراتها الاقتصادية وطموحاتها الحضارية وأشواقها التاريخية تستحق دولة تكون رافعة حقيقية لهذه الشعوب، لا قامعة وكابحة لطموحاتها وتطلعاتها الضاربة بجذورها في عمق التاريخ والإنسان.

وإنه بدون توجه العرب نحو بناء دولهم الوطنية على أسس القانون وحقوق الإنسان، فإن مشاكلهم ستتفاقم، وأزماتهم ستستفحل، وضغوطات الخارج ستؤثر على مصيرهم ومستقبلهم.

وإن التحول نحو دولة القانون، بحاجة إلى الأمور التالية:

1- الإرادة السياسية التي تتجه صوب تجاوز كل المعيقات والمشاكل التي تحول دون بناء دولة القانون والإنسان. حيث أنه لا يمكن بناء دولة جديدة في العالم العربي بدون إرادة سياسية تغير وتطور وتذلل العقبات، وتواجه كل ما يدفع نحو إبقاء الأمور ساكنة وجامدة ومتخشبة. فالإرادة السياسية بما تعني من قرار صريح وعمل متواصل ومبادرات نوعية وتطوير للمناخ والبيئة الاجتماعية والثقافية، هي من العوامل الأساسية للتحول نحو دولة القانون والإنسان في الفضاء العربي.

2- تحرير المجتمع المدني ورفع القيود عن حركته وفعاليته؛ حيث أن الدولة بوحدها، لا تتمكن من خلق كل شروط ومتطلبات التحول، وإنما هي بحاجة إلى جهد المجتمع المدني، الذي يستطيع القيام بالكثير من الخطوات والأعمال في هذا الاتجاه؛ لهذا فإن رفع القيود اليوم عن أنشطة مؤسسات المجتمع المدني، يعد من الأمور الهامة، التي تساهم في تعزيز الأمن الاجتماعي والمحافظة على الاستقرار السياسي. فالحاجة ماسة اليوم لتذليل كل العقبات التي تحول دون فعالية المجتمع المدني في العالم العربي. وإن الفرصة مؤاتية اليوم، لإنهاء تلك الحسَّاسيات التي تحملها بعض النخب السياسية السائدة، تجاه مؤسسات المجتمع المدني ووظائفها وأدوارها. فإن هذه المؤسسات ليست بديلا عن الدولة، ولا تستهدف في أنشطتها تضعيف دور الدولة، بل هي مساند حقيقي ومؤسسي للدولة، كما أنه لا تقوم له قائمة بدون دولة مستقرة وثابتة.

فالدولة اليوم في العالم العربي، بحاجة إلى جهد مؤسسات المجتمع المدني، كما أن المجتمع المدني -بمؤسساته وهياكله- هو بحاجة إلى الدولة الحاضنة والراعية والضامنة لعمل مؤسسات المجتمع المدني. فالحاجة متبادلة، والأدوار والوظائف متكاملة. وإن الظروف السياسية التي يواجهها العالم العربي، تتطلب بناء الدولة في الواقع العربي على أسس جديدة وبمضامين جديدة. فالدولة التي ألغت المجتمع وحاربت قواه الحية، هي أحد المسئولين الأساسيين عن الواقع المتردي الذي وصلنا إليه جميعا، وسنبقى نعيش القهقرى ما دامت الدولة العربية -بمضمونها الأيديولوجي الذي صحر الحياة المدنية- هي السائدة. فثمة ضرورة ملحة اليوم لإعادة صياغة مفهوم ومضمون الدولة في التجربة العربية المعاصرة.

فالدولة التي لا تحترم حقوق الإنسان، وتتجاوز الدستور والقانون لأتفه الأسباب، هي الدولة التي أخفقت في مشروعات التنمية والبناء الاقتصادي، وهي التي انهزمت أمام التحديات والمخاطر الخارجية. والعلاقة جد عميقة بين إخفاق الدولة الداخلي وهزيمتها الخارجية، ولا سبيل أمام العرب اليوم إلا بناء دولة الإنسان والقانون، وصيانة الحقوق والنواميس، هذه الدولة حتى ولو امتلكت إمكانات محدودة، وقدرات متواضعة، هي قادرة -بتلاحمها مع شعبها وبتفاني شعبها في الدفاع عنها- على مواجهة كل التحديات والمخاطر.

فلتتجه كل الطاقات والقدرات والكفاءات، نحو إرساء مضامين دولة القانون في دنيا الوطن.

226463