عبد الله بن محمد القنبر
عميد الصحفيين في الأحساء يترجل 1370 – 1430هـ
يوسف أحمد الحسن * - 14 / 2 / 2011م - 3:06 ص - العدد (58)

عند قياس فنِّ وإبداعِ أيِّ إنسان لا بد أن نأخذ - بعين الاعتبار - وضعَ الشخص، وبيئته، ومحيطه، والإمكانات المتاحة.

فحين نشاهد طفلا صغيرا يرسم رسما، أو يكتب نثرا، أو يحفظ نصًّا فنحن لا نشك في أن ذلك فنٌّ يستحق الإشادة، ليس –بالضرورة– لأن الطفل يصنع فنًّا حقيقيًّا، وإنما لأن الطفل صغير، وتمكن مما لم يتمكن منه أكثر أقرانه الصغار.

وكذا البيئة والمحيط فلا شك في إبداع وتميز من يتمكن أن يصبح طبيبا في مجتمعٍ أميٍّ، بينما سيكون الأمر عاديًّا وطبيعيا لمن يتمكن من شهادة عليا وسط البيئة المتعلمة.

وهنا يكمن الفن الكبير للراحل الأستاذ عبد الله قنبر الذي بدأ، مبكِّرًا، اهتمامه الصحفي والأدبي والاجتماعي، ويمكن القول إنه وحيد بيئته، بقي يغرد وحده -ولسنوات- في عالم الصحافة والإعلام.

رغم قسوة الظروف ومن بدايتها إلا أن عصامية القنبر كانت كبيرة، كما يشير الأستاذ عادل الذكر الله فيقول: «الوفاء لرجل الوفاء والحب، وللعصامي الذي استطاع أن يتفوق على اليتم والفاقة والفقر حيث قيَّض الله له رجلا يدعى ضيف الله اليحيوي ليعينه - بعد الله - على تخطي مراحل سنيِّه الأولى التي فقد فيها عائله والده (رحمه الله)، ويتقوى بذكرياته المأساوية لمواجهة أعباء الحياة، وليرسم البسمة على شفاه المعوزين والفقراء؛ بتبني قضاياهم، وإيصال صوتهم، وتوظيف الإعلام لخدمتهم.

قد لا يكون هو أفضل المهتمين بالصحافة والثقافة يوم بدأ فيها، لكنه - وبكل تأكيد - كان مبادرا وسباقا في زمن انعدمت فيه أسباب المبادرة والتواصل وسط محيطه الذي عاشه.

كان ذالك السبق قبل ثورة الاتصالات التي نشهدها اليوم، فلم يترك إذاعة هنا وصحيفة هناك إلا وترك له بصمة وأثرا.

لذلك لم يكن صعبا أن يُجمع الكثير من صحفيي ومثقفي الاحساء تلك الأرض التي أنجبت القنبر على اعتباره عميدها».

وكانت بعض الإذاعات والمحطات هي الفضائيات التي نشاهدها اليوم، وكان لدى كل محطة تميز ببرنامج أخباري أو أدبي أو سياسي وما إلى ذلك، تتميز به، فيعنوِن الأستاذ احمد البقشي برامج الراحل (القنبر صوت دافئ وابتسامة دائمة)، فيصف المشاعر قائلا: «عبر أثير إذاعة قطر كان يطل صوته الدافئ بمساهماته اليومية التي صارت موعدا دائما لي، رغم أنني كنت - ساعتها - أعيش سنوات الطفولة، لكن أسلوبه وغزارة مشاركاته التي كانت مزيجًا من الرأي في موضوع اليوم، وقصائد شعبية، ونقل لفعاليات، مضافًا لطريقة عرضه الجميلة، كلّ ذلك جعلت من مشاركاته فقرة مهمة ينتظرها المستمعون.

هذا النشاط الإذاعي كوّن صورة ذهنيَّة متخيلة للأستاذ عبد الله القنبر في مخيلتي، هي: هيئة شاب غزير الشعر تشبه صور بعض الشعراء الشعبيين، التي تطالعنا مجلات الشعر الشعبي بها. أول مرة شاهدت فيها القنبر كانت في مطلع التسعينيات الميلادية، في حفل الزواج الجماعي اليتيم في الهفوف، حيث بهر الجمهور بمشاركة جميلة حبست أنفاس الجمهور العريض، ثم سلبت الضحكات منهم عبر عرضه لمشاهد مقالب الزوجات ومخاطر التعدد».

ويسطر الأستاذ خالد عبد الباقي البدنه ذكريات تلك المرحلة مع محطات أخرى فيقول: «أتذكر عبد الله القنبر عندما اعتادت أذني على سماع هذا الاسم المتكرر، من خلال أثير إذاعة مملكة البحرين الشقيقة، وبالذات في برنامج (استراحة للجميع) الذي كانت تقدمه المذيعة عائشة إبراهيم وقت الظهيرة، وكنت أشارك في هذا البرنامج وأنا في المرحلة الثانوية، ولم يقتصر سماعي لاسمه على ذلك البرنامج، بل سمعت اسمه في برامج أخرى، سواء في الفترة الصباحية أو المسائية كما هو الحال مع برامج إذاعة دولة قطر الشقيقة، ولن أخفيكم استغرابي عندما وجدت اسمه يتكرر عبر جريدة اليوم الغراء في تلك الفترة. من ذلك الوقت وأنا حريص على أن أرى تلك الشخصية رأي العين، وقد حصل ذلك ولم يكن الموقف والحديث معه عاديًّا».

ويقول الأستاذ عبد المجيد العطافي: ( في الحقيقة كنت أتابع كتابات المرحوم الأستاذ عبد الله القنبر الصحفية المتنوعة منذ أمد بعيد، وذلك عبر صحيفة اليوم، ولكونه (رحمه الله) من الأوائل الذين حملوا على عاتقهم هموم المواطن الأحسائي، فقد لمع نجمه منذ بداياته؛ نظرا لما تتميز به تلك الكتابات مــــن مصداقية في الطرح، إضافة إلى غزارة إنتاجه حيث لا تخلو الصحيفة المذكورة من مشاركة له، سواء كان ذلك بتحقيقات صحفية أو إجراء مقابلات وغيرها».

ويصفه الدكتور رمضان الغزال قائلا: «فهو “مونتير”، وضع بصمته على الصحافة والإعلام السعودي على مدى أكثر من ثلاثة عقود، “مونتير” عمل في غرفة معتمة لسنوات العمر ليكتشف ما وراء الكواليس، رافضا السقوط في قعر الهاوية، باحثا عن الحقيقة المطلقة، مهتما بربط مشاهد الحياة السابقة واللاحقة، والربط العضوي لمسرح الحياة وكتابة السيناريو، وهذا هو دور الإعلامي الحق، حيث وضع يديه على نقط في غاية الأهمية، وتجاوز الخطوط الحمراء، والحواجز، ونبذ المناخ الاستهلاكي السائد، وإفرازاته التي شوَّهت الكثير من مجالات الحياة، وآمن برسالة الإعلام، ولم يؤمن بأدلجة الإعلام، وإعلام التجميل، وأراد تجميل الواقع قليلا، فلاذ بصمت النبلاء حتى فارق الحياة».

الروح الوطنية والانفتاح على الآخر كانت سمة ملازمة للراحل، استشعرها محبوه منه على الدوام. يقول الأستاذ عبد الله السلطان: «نعم. لم يكن ذاك المتعنت الذي يصر على وجهة نظره؛ لذا كسب حب الجميع، وأجبر الجميع على حبه بأسلوبه الممتع في صياغة الخبر، وببراعته في قراءة واقع الحدث، وبأخلاقه الراقية، وبانفتاحه على الجميع دون تكلف. نعم. على الجميع، فهو لم يكن - يوماً مَّا – لأحد، بل للكل، لا للأحساء والأحسائيين، أو للوطن والمواطنين، بل أبعد من ذلك للعرب، بل للعالم كله. ذلك كله برسائل الحب غير المتكلفة التي كان يرسلها من خلال تعامله مع الجميع، الصغير قبل الكبير، والفقير قبل الغني، والإنسان العادي قبل المثقف».

ويصف الرئيس السابق لمكتب الدعوة وتوعية الجاليات في الاحساء الأستاذ طارق الفياض قائلا: «كان فارسا حقيقيًّا، وأستاذًا إعلاميا، لا تخبو ناره، ولا يُغلق بابه، مر عليه الكثير من المحبين ممن بذلوا له الوفاء، يمطر كالسحاب، ونادرًا مَّا يعاتب من تنكَّر له، أو صدَّ عنه، إلا بلوعة خفية في ثنايا صوته الواضح النقي، يتهدج بمحبته للجميع، وتعاونه مع الجميع، لا يَكِلُّ ولا يمل. في آخر رمضان كانت بيني وبينه مكالمة تفوح بالكثير من الثناء لرجال الوطن، لا يفرق بين شخص وآخر، البعض يجهله، وآخرون يعرفونه ولكنه موجود مع الجميع».

 ويعبِّر الأستاذ ظافر عبد الله الشهري عن مشاعره بوطنية الراحل القنبر فيقول: «إن غياب عبد الله القنبر عن الساحة الإعلامية والثقافية ليس خسارة على الأحساء وحدها، ولكنه خسارة على الوطن الذي حمله القنبر بين جنبيه، فأخلص للعلم، وأخلص للكلمة الصادقة الأمينة، التي ترى الناس في الأحساء بعين واحدة، ويهمها وحدة نسيج الوطن، ولذا حق لنا أن نطلق عليه (رحمه الله) (رجل الوطن)».

ويشيد الأستاذ رمزي الموسى بشخصية الأديب الراحل فيقول: «استطاع أن يفرض شخصيته المحبوبة ببساطة تعامله، واتصاله المستمر بكل من يغيب عن ناظره، يقاتل ضيق الوقت بالعمل الجاد، والتواصل المستمر، لا يعتذر عن حضور مناسبة، جمع رجال الصحافة الأحسائية تحت مظلة الحب والتآخي والتواصل، كان أنموذجا لفن التعامل، وتكوين العلاقات حتى شكَّل مدرسة ثلاثية: أخلاقية، إعلامية، ثقافية، قدمها على طبق من ذهب، لكل من رافقه أو جالسه.

تلك كانت خلاصة آراء اقتطفتها من أقلام بعض أصدقاء القنبر ومعارفه ومحبيه، وهي أراء مستنبطة من واقع حياته ونشاطاته اليومية المتعددة، وأما من لم تتح له رفقة الرجل فإن مما لا شك فيه أنه قرأ شيئاً عنه، أو طالع أخباره وتقاريره، أو تمعن في محياه وهو يتحدث في بعض المنتديات الثقافية في الأحساء، كـ (منتدى أبو خمسين الثقافي)، و(منتدى المبارك الثقافي)، وفي النادي الأدبي، وفي (جمعية الثقافة والفنون بالأحساء).

شخصيًّا طالما شدني إلى أحاديثه عبر إذاعة قطر وهو يعلق على موضوع، أو ينتقد ظاهرة سيئة في المجتمع، لكنني لم أكن أتصور أنني سوف أكتب عنه بعد رحيله السريع والمفاجئ، حيث أنني لم أسمع بأنه كان يعاني من أي مرض.

وعندما قابلت ابنه (محمدًا) بعد وفاته أكد لي ذلك، وأخبرني بأنه سبق أن عانى من مشكلة قديمة في الشرايين منذ أكثر من عشرين عاما بسبب التدخين، حيث أخذ على نفسه عهدا بترك التدخين، وتركه بالفعل منذ ذلك الوقت.

إذن لم أكن أتصور نفسي أكتب عن القنبر، ولا أزال - وأنا أتصفح جريدة المدينة -أنسى نفسي وأبحث بين صفحاتها عن خبر أو تحقيق له.

 لا أزال وأنا أحرك مؤشر المذياع، وأمر على إذاعة قطر أتخيل صوته يخرج من أحد برامجها، لا أزال - وأنا أجول في بعض المحافل الثقافية - أتوقعه يدخل من البوابة، ويأخذ مكانه بين الحضور، ويتحفهم بمعلومة، أو مداخلة، أو دعابة، وأخيرا لا أزال أنتظر رسالته المعتادة صبح الجمعة وفيها دعاء أو قول مأثور ثم يختمها بكلمتي (جمعة مباركة).

لذلك فأنى لي أن أكتب عنه وحوله سوى هذه الكلمات المتناثرة على هذه الصفحة، وعندما اقترح علي المهندس عبد الله الشايب إصدار ملف عنه في المجلة، فإنني - بقدر ما سعدت لذلك - فقد تملكني شعور هو مزيج من الحزن والألم والتفكير في مصيرنا جميعا، والرغبة في رد جزء ولو يسير من حق هذا الرجل.

وإن كنت أرى ما يتميز به المرحوم عن غيره من الصحفيين، فهو انفتاحه على جميع الأطياف والشرائح الاجتماعية والمذاهب والمناطق السكنية في محافظة الأحساء.

لقد كان يحرص على التنوع والتوازن في تحقيقاته وأخباره من دون مبالغة أو تقصير، همه الأول والأخير خدمة الوطن وإيصال صوت الأحساء إلى كل مكان.

ورغم أنه لم يكن هناك شح في المواد الخاصة التي كتبت حوله، حيث نشرت عشرات الموضوعات عنه في موقع (مشهد الفكر الأحسائي) بجهد مبارك من صديقه المهندس عبد الله، وكذلك في بعض الصحف السعودية، إلا أن غربلتها والاختيار من بينها، واستكتاب كتاب جدد كانت مهمة شاقة للغاية لتردد الكثيرين في الكتابة حول هذه الشخصية الإعلامية بسبب حالة التأثر من وفاته المفاجئة.

ولكن تم بالفعل تجميع مجموعة مقالات حول الفقيد المرحوم عميد الصحفيين في الأحساء، قام بكتابتها عدد من زملائه وتلامذته الإعلاميين من داخل وخارج الأحساء.

نهدي هذه الصفحات إلى عائلته أولا، خاصة ابنه (محمد)، ثم إلى جميع أصدقائه ومعارفه وأحبابه في مختلف المناطق، ثم حبيبته الغالية الأحساء، وأخيرًا إلى الوطن، ونتمنى أن نكون بذلك قد أدينا جزءا يسيرا من حقه، نظير ما قام به من أجل مجتمعه ووطنه.

تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.

نائب مدير التحرير
232138