القنبر وداعا
أحمد المغلوث - 14 / 2 / 2011م - 3:07 ص - العدد (58)

كثيرون يعيشون بيننا ويرحلون في صمت، لكن هناك من يترك أثرًا مَّا بعد رحيله، وهم قلة، وفي مختلف المجتمعات.

صحيح أن الموت حق، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وصحيح أن الموت حقيقة لا مهرب منها ولا فكاك، وجمعينا - يومًا مَّا -راحلون، لكن تبقى للبعض منا - بعد عمر طويل أو قصير -بصمة وعلامة مضيئة في دروب الحياة، يتركها للأجيال من الأبناء والأحفاد، وحتى أفراد المجتمع.

بالأمس القريب جاء الخبر الحزين - عبر رسالة جوال -برحيل الأخ أبي محمد، زميل درب طويل في عالم الإعلام والصحافة، وحتى الثقافة.

فيما مضى من زمن كنت قريبا منه كثيرا؛ بحكم كوننا من حي واحد، وهو (حي السياسب) بمدينة المبرز، وكنت أراه - رحمه الله، على الرغم من ظروفه الحياتية الصعبة - يعمل لدى أحد المعارف من رجال الأعمال كاتبَ حسابات مساعد في الفترة المسائية، وبعد دوامه كان يذهب للعمل لدى الأستاذ جورج، مدرس اللغة الانجليزية، وكان سبب عمله لدى هذا الأستاذ هو رغبته في تعلم اللغة من المنبع، إضافة إلى أنه كان لا يتردد في خدمة الآخرين في أي مجال يحقق لهم الفائدة المادية والاجتماعية، فتجاوز بكفاحه واعتزازه بنفسه كل التحديات والظروف، وحقق ما لم يحققه كثير ممن هم في سنه.

كان متواجدا في مختلف الأنشطة والفعاليات في بلده الذي أحبه حتى العظم «الأحساء»، وكانت أخباره تسمع عبر إذاعة البحرين وقطر، وحتى إذاعات عربية أخرى.

كان يهوى الاتصال بالإذاعات المحلية والخليجية، وكان بعدها محررًا متميزا في إحدى الصحف، بل، وليسمح لي القيمون عليها، أن أقول إلى أنه كان من القلة المتميزين بكتابة الأخبار والتحقيقات والتقارير، بل إنه كثيرًا مًّا كان من الفئة القليلة في صحافتنا المحلية التي تستطيع أن تصنع الخبر من لا شيء، خصوصا في حالة عدم وجود خبر يبعث به للجريدة، أو الإذاعة، فكان يعود من جديد لقراءة صحف اليوم، ويفتش - هنا وهناك - عن معلومة يحولها بوعيه وحسه الصحفي إلى خبر طريف أو تقرير مفيد.

التقط أبو محمد هذه الخاصية، وتبحر فيها، واستطاع - خلال فترة وجيزة - أن يصنع له اسما متميزا في صحافتنا المحلية التي خسرت - برحيله المبكر والمر - إعلاميًّا متميٍّزا.

نعم شعرنا بمرارة وحزن شديدين للفراغ الذي تركه عبد الله القنبر؛ المواطن المخلص، والمتواضع، والإعلامي المتجدد الذي شكل - مع مجموعة من رجال الإعلام والثقافة والأدب في الأحساء بصورة خاصة والمملكة بصورة عامة - منارة أشرقت على الوطن بالحب والعطاء والعمل والكفاح اليومي في دروب خدمة الوطن.

ماذا أكتب عن أخ وزميل أحببته، وتركت له عمادة الإعلاميين في الأحساء، على الرغم من كوني قبله في العمل الإعلامي وبسنوات؛ لسبب بسيط، هو أنه يستحق العمادة لا بالعمر ولا بالخدمة، وإنما لأنه رجل ممارس للعمل الإعلامي بصورة دائمة.

كان رحمه الله يتميز، ومن ضمن ما يتميز به من صفات عديدة هو قدرته على السخرية حتى من نفسه، فلا يتردد أن يعلِّق - بسخرية باسمة وبطريقة مباشرة وغير مباشرة - على موقفٍ مَّا أو عبارة قالها أحدهم بصورة عابرة.

والأستاذ القنبر -رحمه الله- من الباحثين المهتمين بكل ماله علاقة بعمله الإعلامي؛ فهو لا يتردد في أن يذهب للمكتبة العامة للحصول على معلومة لم يجدها في مكتبته، هذا في زمن ما قبل الانترنت، أما بعدما جاءت تقنية الانترنت فبات أبو محمد لصيقًا بها كالجلد مع الجسد، فيُمْطِرُك برسائله وايميلاته، بل وحتى برسائل الجوال، وآخرها ما بعثه لي ثاني يوم العيد يشكرني على تهنئتي، وقبلها تعزيتى له في وفاة خاله قبل أسبوع من وفاته هو.

آه يا عبد الله! هل كنت تعلم أنك سوف ترحل سريعا؛ لتكون بجوار شقيق والدتك، وتتركنا في هذه الحياة بدون ضحكاتك وابتساماتك وحتى سخريتك؟ كم هي صعبة الحياة بدون الأحبة أمثالك؟!

طب نفسًا، ونم قريرَ العين، فأنت -الآن- في ذمة الخالق، وهو كريم ورحيم وواسع المغفرة.

ماذا أقول -أخي عبد الله- غير (إنا لله وإنا إليه راجعون).

216906