أخ لم تلده أمك
القنبر حين تنتسب إليه
عبدالله الشايب * - 14 / 2 / 2011م - 3:12 ص - العدد (58)

دقائق فاصلة بين انقطاع نفَسه ومهاتفتي من الأستاذ حجي النجيدي، من العمران، بخبر رحيله، هي مفاجأة أو صدمة، أو ما هي؟

لحظة صمت تبعتها: «إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، هي هي ما دعت لذلك: «أبو محمد أعطاك عمره».

هكذا، إذن، هي الحياة، وهكذا، إذن، لحظات فراقها، بين نفَسٍ داخل وآخر خارج، هي لحظة تجعل من قواك قوىً خائرة. لحظة تستعيد - بمقدار معرفتك ألا لقاء - كل شريط الحياة، حينها، فقط، تدرك معنى المعرفة الكاملة في يومٍ مَّا عندما تأخذ كتابك، وسبحان الله، لماذا أردت أجرب هاتفه؟ نعم، بحثت عن الاسم، رنَّ جواله، لكن الصوت لم يكن «القنبر» المعهود، تحية خاطفة، وسؤال: «هل الخبر صحيح؟».

«نعم».

«عظم الله أجوركم، واسكنه فسيح جناته».

وعند الاستقرار قليلا، تريد أن تكتب شيئا، تتزاحم الهيئة، والصوت، والسلوك، والثقافة، والحضور، والمبادئ، والعمل وغيرها. تريد أن تخطَّ بقلمك، فتعجزك اللحظة، وكأن الزمن تسمّر، أو أنّك تبحث عن استدامة عيش القنبر.

تتروَّى, ولكنك هنيهة تتواصل مع أصدقائك ومعارفك، تحاول أن تنقل الأسى والحزن ومقام الفقد. تؤصل لطبيعة اللّوعة، وهل هي تساوي سقف تواجده معك وفي محيطك، لكنها تنعش في داخلك فهمًا جميلا، وارتياحا برحيله إلى حيث الخلود نفسا مطمئنة راجعة إلى ربها، هي تلك الحميمية وقرب الدفق الدافئ منهم جميعا تُجاهه، تعلم أنك لست المدعّي وحدك في ذلك، يشاطرك من تعرف ومن لا تعرف. إنها تلك الحالة التي يخيم فيها صمت «حديث مرتفع»، وحزن طافٍ يسيل بعنوان الخسارة، وشيء يثلج الصدر تلك الدعوات الصادقة.

في اليوم التالي وعبد الله القنبر محمولٌ على الأعواد. إنه مسار واحد إلى حيث إنزالُه المثوى الأخير. كانت مساحة مقبرة «السياسب» بما تعج به وجوه تحملتها جغرافية الأحساء، داخلها وخارجها، وتحملها مفاهيم فكرية اتقدت معه وبه الحياة الفكرية وترنّمت الأحساء بهم، وأثبتت وجودها مدرسةٌ أصبحت مثالا، إلى حيث استقر. أنزل والوجوه مسحة الحزن تربطها مع إهالة التراب حين شاركت برفق رمي حفنات، كان تبادل العزاء سيد الموقف، تعلم أن نهجا جميلا اختطه في حياته، معبرا عن حالة أدب فرضها احترامه لكل من تعامل معهم، تجسّد لحظة في الوقوف بعد وفاته للجميع تحت حر الشمس معبرا عن حالة استجابة لهذا الاحترام.

هنا يبرز من ملامح شخصيته الوادعة مظهره الحاني، شمسا لها خيوطه التي تنمِّي الزرع، وقد تذكي حرارة حين يتطلب موقفا صارما.

أستاذنا الكبير حُقَّ له أن يتفق عليه الجميع بعميد الصحفيين في الأحساء، ليس لقضاء 34 عاما فيها، وإنما مصداق المهنية التي رتَق بها كل خروقات التصحف، وأبرز فيها مهنية كان محطتها حضوره المتميز في المشهد ونقله بأمانة للحدث، هو لا يقحم آراءه الشخصية في ذلك، مع أنه ملتزم في مكان آخر بخصوصياته التي لا يقبل المزايدة عليها، بل ولا يبحثها حتى لا تتم المزايدة عليها في المقابل, مقابل ماذا؟ مقابل الوطنية، واضعا سدًّا لحراكه ضد القبلية والإقليمية والأيدلوجية في نطاقها الضيق. يتحرك بوثوق، ويحضِّر لقناعاته بذلك، وتراه كالنحلة بمدينة الهفوف والمبرز، وشمالا حتى العيون، وشرقا إلى العمران، وجنوبا إلى الطرف، كل الجعرافية له موقع في لحظة ما عبر توارد الأيام أكسبته تواصلا رسميا وشعبيا.

الأستاذ عبد الله - مع منحة الله له تلك الشخصية - يحمل بين جوانبه (كاريزما)؛ فهو - مع هدوئه وجده - يحمل براءة طفل بابتسامته. يعلنها - بين الحين والآخر - على شكل طرفة قبل إنشاء مداخلاته الصحفية حتى مع حضور شخصيات. إن هذا النوع من المدخل أتاح له شفَّافية عالية في النقد، وطرح الأسئلة دون مواربة.

أبو محمد - ومع عدم إنكار أن يكون هناك حالة تنافس - من المؤكد لم تكن كل أيامه المهنية الصحفية صفاءً، لكن قلما تجده يتذمر، وهو يعلن أن مهمته لا يوقفها تنافس أو تزاحم، يعلنها أن دوره خدمة بلده وخدمة بني جنسه، إنها هَجَر أو الأحساء التي يجب أن تكون حاضرة؛ لأن الأحساء عنده تستحق الجهد، هو لا يتذمر كثيرًا لكن يطوي داخله حسا مرهفا يستقي منه وجوده. بين فينة وأخرى قد يعبر بكلمات عن هذا وذاك، وهو مع ذلك يطرح كل ما عنده بما يفيد، يقدم مائدة المعلومة للجميع، يحرص أن ينفذ ذلك.

القنبر منارة تمثل حالة الوسطية الفكرية، ويتحرك من أجل ذلك، يعتبر المعلومة مؤنسة له، يعتمد كثيرا في جوانبها على تثقيف ذاته لربط العلاقات مع بعضها، يورد لك تحيللا يقرب لأن يشفي صدرك، وربما كان - في وقتٍ مَّا - مستمعا لبقاء يحرص على إضافة قناعاته.

أبو محمد تمثل له الأحساء قيمة في وطنه، عامل تحفيز في وجوده لغربلة الأشياء، يستخلص ايجابيات الوطن لرفع كفاءة العمل، وإشاعة الطمأنينة. وكونه تربويا فهو حريص - من باب آخر – على عدم التغذية التي تنمي الوصول لحالة التشدد، وربما الإرهاب، هو مع ذلك يؤمن بالتعددية، منطلقا مما يحرص عليه الوطن في ذلك.

اتسمت العقود الثلاثة منه بتواصل كمِّي ونوعي ليس على مستوى الأفراد والجماعات، إنما على ما يمكن الاستفادة من قنوات إعلامية بكل منافذها الشفوية والمقروءة والإذاعية والقنوات التلفزيونية.

إليك أيها الأخ العزيز عبد الله القنبر سلامي ودعائي بأن نستريح في قبرك، فقد أديت الأمانة، يا تَرى إلى أي مدى فراغك يمكننا أن نملأه؟ ذاك، قطعا، ما سيولد الراحة عندك وأنت مسهَّد. نعم سنكون عند حسن ظنك حين يصل أثر دعائنا للرب الكريم لك بالرحمة.

عضو هيئة التحرير
239864