الأحساء: عبد الله القنبر
ناصر الجاسم * - 14 / 2 / 2011م - 3:30 ص - العدد (58)

يأتي عنوان مقالتي آخذا هذا الشكل الخبري الذي تعودت أعيننا على قراءته لمدة تزيد عن الثلاثين عاما؛ لأن عبد الله القنبر كان عنوانا للصحافة في الأحساء، وعنوانا اجتماعيًّا للمكان الأحساء، ولأنه - غفر الله له - من صنع ثقافة الأحساء التاريخية، ولأنه برز علماً من أعلام الإقليم الزراعي العريض لما أعطته الأحساء من مادة خبرية غنية تصل إليه كغلة من غلال الأرض الطيبة، أو لما مدَّ إليه سكان الإقليم بتميزهم الفردي، وبانجازاتهم الشخصية، وبأحوالهم المتغيرة إيجابا وسلبا، وبحاجاتهم الفردية والجمعية، وبأحلامهم، وأمانيهم من مادة صحفية خام سعى هو لحصدها من جراء تطوافه وتجواله في مجالس صناعة الخبر، وتواجده في الحدث الشخصي والاجتماعي والجماهيري والرسمي المؤسساتي شاهدَ عيان عليه، ومسجلاً له بقلمه وكاميرته.

لم يكن القنبر صحافيًّا مكروها أو منبوذا، أو غير مرحب به من فئة معينة من المجتمع، كأي صحافي في العالم يعد قلمه سلطة وضوءا مبهرا يكشف الفساد، ويفضح الأخطاء، ويعري المستترين بأغطية النفوذ والمال، لقد كان صحافيا ودودا مسالما محبوبا كزملائه الراحلين.

علي السويف (جريدة اليوم)، ويوسف العطوي (جريدة الندوة)، وعبد الله الملحم (جريدة الجزيرة)، وتلك الصفات نتاج ثلاثة أمور:

الأول - طبيعة الصحافة في بلادنا عامة، وتوجه الصحيفتين اللتين عمل معهما القنبر وهما جريدتا اليوم والمدينة.

الثاني - طبع الطيبة الغالب على المجتمع الذي ينتمي إليه القنبر، وهو مجتمع الأحساء.

الثالث - طبع القنبر وحده الراجع لظروف نشأته، وتشكل ثقافته، وقناعاته، ومبادئه.

ولا يمنع الحكم بهذه الصفات بأن الراحل قد سلم من الزلل، وأنه قد طويت صفحته وأغلق سجله بدون أخطاء، فلقد كان له - رحمه الله - هنات وأشهرها أنه عد نفسه منافحًا عن الأصالة وهاجم الحداثة غير مرة على المنابر هجوم غير العارف بها، وغير المطلع على نظرياتها، وأنه أقحم نفسه مناصرا ومؤيدا للمجموعة التي عارضت ورفضت التغيير والتجديد في مجالس إدارات الأندية الأدبية في الوطن، وإنني أحسب أنه وقع في هذين الخطأين؛ لأنه لم يكن أديبا خالصا محترفا حرفة الأدب، وإن تزيّا بزي الأدب وعدَّ - خطأ - في زمرة الأدباء من قبل فئة محبة له، ولكن اليقيني أنّ عبد الله القنبر بدا صوتا إذاعيا مميزا، له حضوره الإذاعي اللافت الجاذب، وامتلك من سرعة البديهة وحسن الصوت وسلامة الأداء وجودة التحاور ما يؤهله لأن يكون في طليعة المذيعين الخليجيين عبر أثير أية إذاعة لو أنه سلك هذا الدرب سلوكا وظيفيا، وأقول هذا الرأي عطفا على استماعي له أكثر من مرة عبر أثير إذاعتي قطر والبحرين، ولكم سرني جمال صوته عبر الأثير وهو يقرأ الشعر الفصيح.

أخيرا لا بد أن نعترف بأن حبنا للقنبر قد ازداد بعدما رحل، وأننا خفنا من الموت؛ لأن عبد الله القنبر مات قبلنا وهو بيننا، وأننا تمنينا أن يموت غيره من أعدائنا الأشرار، وأننا ردَّدنا كبقية العوام: «ما يروح إلا الطيب»، وأنه صار صعبا علينا أن نخزن الموسيقى في أقدامنا ونعبئ صدورنا بالأغاني ونرقص، وذلك حزنا على عبد الله القنبر صوتنا وصوت الأحساء السياحي، ووفاءً لذكراه.

كاتب وقاص - السعودية.
225306